رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 3 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2460
رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

 

ما قبل النقد

لم تعد الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر مجرد استعادة لأحداث الماضي أو إعادة سرد للوقائع، بل أصبحت وسيلة فنية لإعادة قراءة التاريخ، والكشف عن علاقته بالحاضر، وطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والهوية والاستعمار والإنسان. فالروائي الحقيقي لا يكتب التاريخ كما يورده المؤرخ، وإنما يعيد تشكيله فنياً، ويمنحه دلالات جديدة تجعل الماضي مرآة للحاضر، والحاضر امتداداً للماضي.

من هذا المنطلق تأتي رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي، التي تقدم رؤية تاريخية وسياسية تتجاوز حدود التوثيق، لتصبح قراءة فكرية للواقع العراقي في بدايات القرن العشرين، مع ما تحمله من إسقاطات واضحة على الزمن المعاصر.

تقع الرواية في (488) صفحة من القطع الكبير، وتتكون من أربعة فصول تتداخل فيها الأزمنة، ويطلق عليها المؤلف تسمية “عودة تاريخية”، في بناء سردي يقوم على الانتقال بين الازمنة، بما يمنح النص بعداً تأويلياً يثري تجربة القراءة.

البادية العراقية… بطولة الإنسان البسيط

يفتتح الحلي روايته بالعودة إلى عام 1926، حيث يدخل القارئ إلى فضاء البادية العراقية، ويجعل من الصبي الراعي “يتيم” بطلاً للفصل الأول. وقد أطلق عليه جده هذا الاسم بعد أن فقد والديه بمرض السل، ليصبح الاسم جزءاً من هويته الإنسانية، ورمزاً لمعاناة مبكرة صنعت شخصيته.

ورغم أن عمره لا يتجاوز الثانية عشرة، فإن الروائي يمنحه وعياً ونضجاً يتجاوزان سنه، فيغدو نموذجاً للإنسان العراقي الذي تصنعه المحن.

وتبدأ العقدة السردية عندما تسقط طائرة ملك العراق ـ الذي يسميه الروائي “مشعل” ـ في المنطقة التي يرعى فيها الصبي أغنامه. فيسارع إلى إسعاف الملك، ويستدعي الشيخ عبد الصمد لإنقاذه، لتبدأ سلسلة من الأحداث تكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع الريفي، وبين الخوف والواجب.

ومن خلال الحوار، يرسم الكاتب صورة للملك وهو يثق بالصبي إلى حد أن يتركه في الصحراء مع أثمن ما يملك: الماء والسلاح، وهي إشارة رمزية إلى الثقة والشجاعة وتحمل المسؤولية.

وتتفاقم الأزمة عندما يخشى أهل القرية وفاة الملك، لأنهم يدركون أن العقاب سيطال الجميع، فتتردد العبارة التي تختزل طبيعة السلطة في ذلك الزمن:

“سيقتلوننا جميعاً ويمسحون القرية من على وجه الأرض.”

فيُكلف الصبي بالسير ليلاً إلى المدينة لإبلاغ الشرطة، في رحلة مليئة بالخوف والمخاطر، لكنها تكشف عن شجاعة استثنائية وإيمان بالواجب.

ويحرص الحلي على إغناء السرد بجمل ذات طابع تأملي، منها:

“هناك أشخاص كالصحراء، لا معالم ثابتة في أخلاقهم، وضمائرهم كالرمال الجرداء لا تنبت فيها بذرة خير، وهناك فرسان يحولون الصحراء إلى واحات نعيم.”

كما يمنح شخصية الجد الضرير بعداً فلسفياً، حين يقول لحفيده:

“لو أرهبك الظلام، فتذكر أن الظلام من صنع الله كما هو النور، وأنا أعرف الظلام أكثر من غيري.

إنها ليست  نصيحة فقط، بل رؤية وجودية صادرة عن رجل فقد بصره في حروب الدولة العثمانية، لكنه لم يفقد بصيرته.

وتكشف الرواية كذلك عن التهميش الذي كانت تعانيه القرى العراقية، حين يصف السارد قرية لم تطأها قدم موظف عثماني إلا نادراً، ثم تجد نفسها فجأة تستقبل ملك البلاد وكبار المسؤولين، في مفارقة تكشف هشاشة العلاقة بين المركز والأطراف.

العودة التاريخية… الاحتلال بوصفه مشروعاً سياسياً

ينتقل الروائي بعد ذلك إلى عام 1914، مع بداية الاحتلال البريطاني للعراق وسقوط الفاو ثم البصرة، في ما يشكل عودة زمنية تفسر كثيراً من التحولات اللاحقة.

ويبرز هنا الضابط العراقي( بالجيش العثماني ) جوري الزعيد، الذي يحاول اغتيال القائد البريطاني ديلامير بعد إصابته في المعارك، لكنه يفشل، فتتحول المواجهة العسكرية إلى مواجهة فكرية.

يعجب القائد البريطاني بشجاعة الضابط العراقي، فيقرر علاجه وإرساله إلى لندن، لا بدافع إنساني فحسب، بل لأنه يرى فيه مشروع قائد عراقي يخدم السياسة البريطانية مستقبلاً.

ويكشف الحوار بين الرجلين عن جوهر الخطاب الاستعماري، حين يرفع البريطانيون شعار:

«جئنا محررين.»

غير أن السارد يفضح المعنى الخفي لهذه العبارة، وكأن تكملتها غير المعلنة هي:

«وباقون إلى الأبد.»

ولا يكتفي الحلي بعرض الوقائع، بل يكشف آليات الهيمنة الناعمة، حين يشير إلى أن الاحتلال لا يغير الأرض فقط، بل يسعى إلى تغيير الرموز والثقافة، حتى يصبح استبدال الطربوش العثماني بالقبعة البريطانية رمزاً لتحول أعمق في الهوية والانتماء.

كما يوضح كيف تنجح القوة الاستعمارية في إعادة تشكيل وعي بعض الشخصيات، فيقتنع الزعيد تدريجياً بأن بريطانيا تمثل طريق التقدم والحداثة، وهي رؤية تكشف قدرة الاستعمار على صناعة القناعة قبل فرض السيطرة.

التاريخ بوصفه مرآة للحاضر

لا تبدو هذه العودة إلى سنوات الاحتلال مجرد استرجاع تاريخي، بل تبدو محاولة واعية لقراءة الحاضر من خلال الماضي.

فالروائي يدرك أن التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد إنتاج أنماط الهيمنة والخطابات السياسية بأشكال مختلفة. ولذلك يجد القارئ نفسه، وهو يتابع أحداث عامي 1914 و1926، يستحضر أسئلة عراق اليوم، ويقارن بين شعارات الأمس وشعارات الحاضر، وبين أدوات النفوذ القديمة والجديدة.

وهنا تكمن القيمة الفكرية للرواية، فهي لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تدفع القارئ إلى التأويل والمقارنة وإعادة التفكير في العلاقة بين التاريخ والسياسة، وبين الاحتلال المباشر وأشكال النفوذ الحديثة.

خاتمة

نجح رعد صادق الحلي في “خلخال العشق” في أن يمزج بين السرد التاريخي والرؤية السياسية، مقدماً رواية لا تستند إلى الماضي بوصفه مادة للتوثيق، بل بوصفه أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. كما نجح في بناء شخصيات تحمل أبعاداً إنسانية ورمزية، وفي توظيف الحدث التاريخي داخل بناء روائي مشوق يجمع بين التشويق والتأمل.

إنها رواية تستحق القراءة أكثر من مرة، لأنها لا تقدم التاريخ باعتباره زمناً منقضياً، بل باعتباره سؤالاً مفتوحاً عن العراق والسلطة والإنسان. ولعل هذا ما يجعلها نصاً قابلاً لتعدد القراءات والتأويلات، ويمنحها مكانة مميزة بين الروايات العراقية التي تعيد مساءلة التاريخ بلغة الفن. ولعل لهذه الرواية عودة نقدية أخرى، تتناول بناء الشخصيات، وتقنيات السرد، والرموز التي وزعها الكاتب بين ثنايا النص، لأنها رواية لا تنتهي عند القراءة الأولى، بل تبدأ منها.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل

الاديب حارس الذاكرة وباني المستقبل

الورقة التي قدمت في جلسة الورشة الثقافية بالمركز الثقافي البغدادي بعنوان ( الاديب حارس الذاكرة…

صورة الكاتب حمدي العطار
19 يوليو 2026
اقرأ المزيد
رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب

رواية “الحسم” للروائي فاضل خضير. حين يصبح الحب ملاذا لضحايا الحروب مقدمة تعد رواية “الحسم”…

صورة الكاتب حمدي العطار
18 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 3 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

رؤية التاريخ والسياسة في رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي

 

ما قبل النقد

لم تعد الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر مجرد استعادة لأحداث الماضي أو إعادة سرد للوقائع، بل أصبحت وسيلة فنية لإعادة قراءة التاريخ، والكشف عن علاقته بالحاضر، وطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والهوية والاستعمار والإنسان. فالروائي الحقيقي لا يكتب التاريخ كما يورده المؤرخ، وإنما يعيد تشكيله فنياً، ويمنحه دلالات جديدة تجعل الماضي مرآة للحاضر، والحاضر امتداداً للماضي.

من هذا المنطلق تأتي رواية «خلخال العشق» للروائي رعد صادق الحلي، التي تقدم رؤية تاريخية وسياسية تتجاوز حدود التوثيق، لتصبح قراءة فكرية للواقع العراقي في بدايات القرن العشرين، مع ما تحمله من إسقاطات واضحة على الزمن المعاصر.

تقع الرواية في (488) صفحة من القطع الكبير، وتتكون من أربعة فصول تتداخل فيها الأزمنة، ويطلق عليها المؤلف تسمية “عودة تاريخية”، في بناء سردي يقوم على الانتقال بين الازمنة، بما يمنح النص بعداً تأويلياً يثري تجربة القراءة.

البادية العراقية… بطولة الإنسان البسيط

يفتتح الحلي روايته بالعودة إلى عام 1926، حيث يدخل القارئ إلى فضاء البادية العراقية، ويجعل من الصبي الراعي “يتيم” بطلاً للفصل الأول. وقد أطلق عليه جده هذا الاسم بعد أن فقد والديه بمرض السل، ليصبح الاسم جزءاً من هويته الإنسانية، ورمزاً لمعاناة مبكرة صنعت شخصيته.

ورغم أن عمره لا يتجاوز الثانية عشرة، فإن الروائي يمنحه وعياً ونضجاً يتجاوزان سنه، فيغدو نموذجاً للإنسان العراقي الذي تصنعه المحن.

وتبدأ العقدة السردية عندما تسقط طائرة ملك العراق ـ الذي يسميه الروائي “مشعل” ـ في المنطقة التي يرعى فيها الصبي أغنامه. فيسارع إلى إسعاف الملك، ويستدعي الشيخ عبد الصمد لإنقاذه، لتبدأ سلسلة من الأحداث تكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع الريفي، وبين الخوف والواجب.

ومن خلال الحوار، يرسم الكاتب صورة للملك وهو يثق بالصبي إلى حد أن يتركه في الصحراء مع أثمن ما يملك: الماء والسلاح، وهي إشارة رمزية إلى الثقة والشجاعة وتحمل المسؤولية.

وتتفاقم الأزمة عندما يخشى أهل القرية وفاة الملك، لأنهم يدركون أن العقاب سيطال الجميع، فتتردد العبارة التي تختزل طبيعة السلطة في ذلك الزمن:

“سيقتلوننا جميعاً ويمسحون القرية من على وجه الأرض.”

فيُكلف الصبي بالسير ليلاً إلى المدينة لإبلاغ الشرطة، في رحلة مليئة بالخوف والمخاطر، لكنها تكشف عن شجاعة استثنائية وإيمان بالواجب.

ويحرص الحلي على إغناء السرد بجمل ذات طابع تأملي، منها:

“هناك أشخاص كالصحراء، لا معالم ثابتة في أخلاقهم، وضمائرهم كالرمال الجرداء لا تنبت فيها بذرة خير، وهناك فرسان يحولون الصحراء إلى واحات نعيم.”

كما يمنح شخصية الجد الضرير بعداً فلسفياً، حين يقول لحفيده:

“لو أرهبك الظلام، فتذكر أن الظلام من صنع الله كما هو النور، وأنا أعرف الظلام أكثر من غيري.

إنها ليست  نصيحة فقط، بل رؤية وجودية صادرة عن رجل فقد بصره في حروب الدولة العثمانية، لكنه لم يفقد بصيرته.

وتكشف الرواية كذلك عن التهميش الذي كانت تعانيه القرى العراقية، حين يصف السارد قرية لم تطأها قدم موظف عثماني إلا نادراً، ثم تجد نفسها فجأة تستقبل ملك البلاد وكبار المسؤولين، في مفارقة تكشف هشاشة العلاقة بين المركز والأطراف.

العودة التاريخية… الاحتلال بوصفه مشروعاً سياسياً

ينتقل الروائي بعد ذلك إلى عام 1914، مع بداية الاحتلال البريطاني للعراق وسقوط الفاو ثم البصرة، في ما يشكل عودة زمنية تفسر كثيراً من التحولات اللاحقة.

ويبرز هنا الضابط العراقي( بالجيش العثماني ) جوري الزعيد، الذي يحاول اغتيال القائد البريطاني ديلامير بعد إصابته في المعارك، لكنه يفشل، فتتحول المواجهة العسكرية إلى مواجهة فكرية.

يعجب القائد البريطاني بشجاعة الضابط العراقي، فيقرر علاجه وإرساله إلى لندن، لا بدافع إنساني فحسب، بل لأنه يرى فيه مشروع قائد عراقي يخدم السياسة البريطانية مستقبلاً.

ويكشف الحوار بين الرجلين عن جوهر الخطاب الاستعماري، حين يرفع البريطانيون شعار:

«جئنا محررين.»

غير أن السارد يفضح المعنى الخفي لهذه العبارة، وكأن تكملتها غير المعلنة هي:

«وباقون إلى الأبد.»

ولا يكتفي الحلي بعرض الوقائع، بل يكشف آليات الهيمنة الناعمة، حين يشير إلى أن الاحتلال لا يغير الأرض فقط، بل يسعى إلى تغيير الرموز والثقافة، حتى يصبح استبدال الطربوش العثماني بالقبعة البريطانية رمزاً لتحول أعمق في الهوية والانتماء.

كما يوضح كيف تنجح القوة الاستعمارية في إعادة تشكيل وعي بعض الشخصيات، فيقتنع الزعيد تدريجياً بأن بريطانيا تمثل طريق التقدم والحداثة، وهي رؤية تكشف قدرة الاستعمار على صناعة القناعة قبل فرض السيطرة.

التاريخ بوصفه مرآة للحاضر

لا تبدو هذه العودة إلى سنوات الاحتلال مجرد استرجاع تاريخي، بل تبدو محاولة واعية لقراءة الحاضر من خلال الماضي.

فالروائي يدرك أن التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد إنتاج أنماط الهيمنة والخطابات السياسية بأشكال مختلفة. ولذلك يجد القارئ نفسه، وهو يتابع أحداث عامي 1914 و1926، يستحضر أسئلة عراق اليوم، ويقارن بين شعارات الأمس وشعارات الحاضر، وبين أدوات النفوذ القديمة والجديدة.

وهنا تكمن القيمة الفكرية للرواية، فهي لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تدفع القارئ إلى التأويل والمقارنة وإعادة التفكير في العلاقة بين التاريخ والسياسة، وبين الاحتلال المباشر وأشكال النفوذ الحديثة.

خاتمة

نجح رعد صادق الحلي في “خلخال العشق” في أن يمزج بين السرد التاريخي والرؤية السياسية، مقدماً رواية لا تستند إلى الماضي بوصفه مادة للتوثيق، بل بوصفه أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. كما نجح في بناء شخصيات تحمل أبعاداً إنسانية ورمزية، وفي توظيف الحدث التاريخي داخل بناء روائي مشوق يجمع بين التشويق والتأمل.

إنها رواية تستحق القراءة أكثر من مرة، لأنها لا تقدم التاريخ باعتباره زمناً منقضياً، بل باعتباره سؤالاً مفتوحاً عن العراق والسلطة والإنسان. ولعل هذا ما يجعلها نصاً قابلاً لتعدد القراءات والتأويلات، ويمنحها مكانة مميزة بين الروايات العراقية التي تعيد مساءلة التاريخ بلغة الفن. ولعل لهذه الرواية عودة نقدية أخرى، تتناول بناء الشخصيات، وتقنيات السرد، والرموز التي وزعها الكاتب بين ثنايا النص، لأنها رواية لا تنتهي عند القراءة الأولى، بل تبدأ منها.