فندق شط العرب… حين تتكلم الأمكنة
أبت الذكرى إلا أن ترافقني وأنا أقف أمام أطلال فندق شط العرب. نمت الأشواك حوله، وتشعثت أشجاره، وتعرت أغصانها، حتى بدا المكان موحشًا، كأنه مسكن للأشباح، هجره عالم الأنس، وتركه فريسة للإهمال.
في زاوية أخرى من الذاكرة ، كانت طفلة تمرح في صالة الوصول، بانتظار أحد أقربائها القادم من العاصمة البريطانية، لندن. وبرغم صغر سنها، كانت تشعر بالجمال يحيط بها من كل جانب؛ تراقب الطائرات وهي تقلع وتهبط، ثم تهرول إلى نافذة أخرى، تملأ عينيها بانعكاس أشعة الشمس المتلألئة على صفحة شط العرب.
قفز إلى مخيلتي حوض السباحة الأزرق؛ كانت تلك تجربتي الأولى في ولوج أعماقه، وإحساسي الأول بخفة الجسد تحت الماء.
بحثت عن الحوض، فوجدته يعاني الجفاف منذ عشرات السنين. تحيط به أشواك تتخللها زهور بيضاء، فيما أعلنت خميلات خضراء متناثرة هنا وهناك حضورها بجمال أخاذ، كأنها عاهدت نفسها ألا تترك الوحشة تستأثر بالمكان كله.
ولم يكتفِ المكان بسرد هذه الحكاية، فثمة حكايات أخرى تختبئ بين جدرانه، لا تنطق بها إلا لمن عرفها وعاش تفاصيلها.
في تسعينيات القرن الماضي، وفي يوم صيفيٍّ بارح، تجمهر فتيان وفتيات البصرة في باحة الفندق لمقابلة ممثل عن الأمم المتحدة، طمعًا في فرصة عمل ضمن المنظمة، التي حضرت لتنفيذ برنامج «النفط مقابل الغذاء» خلال سنوات الحصار الاقتصادي على العراق.
كنت واحدة من أولئك الفتيات. ملأت استمارتي، وتركت الحقل الذي يخيرني بالعمل خارج العراق فارغًا؛ فلم يكن ذلك الخيار متاحًا لفتيات مثلي.
في تلك الذكرى أيضًا، كان الشط بطل الحكاية. كنا نلجأ إليه لنستريح من طول الوقوف في الطابور، نتنسم عبق الماء تحت ظلال أشجار الكالبتوس. كان أحدهم يرمقني بنظرات إعجاب. سمعته يقول لمن حوله إنه يتقن ثماني لغات، ثم التفت إليّ مبتسمًا، أعاد عبارته كأنه يريد أن يترك انطباعًا أول، قبل أن يطلب مني انتظار خروجه من المقابلة. كان الصدق والجدية يعلوان ملامحه، لكن الأقدار لم تشأ أن ألقاه مرة أخرى؛ فقد رسمت لي طريقًا آخر، في عالم غير عالمه.
كنت سعيدة يومها بلقاء جارتي الشقراء، البريطانية الجنسية، التي كانت مثالًا للتضحية من أجل عائلتها؛ فقد تحملت معنا سنوات الحصار. وما زلت أذكرها وهي تتحدث بلهجتها العراقية المكسرة قائلةً بابتسامة: «زوجي ليس لديه حظ في العمل».
تلك الوجوه غابت، وبقي المكان يحتفظ بأصدائها.
انسحبت من المكان بخطوات وجلة، خشية أفعى أو عقرب يختبئ بين الأحراش، بينما كانت حفيدتي تناديني بصوت يفيض مرحًا، محاولة الإمساك بصغار الأسماك التي اقتربت من حافة الجرف المكسو بالحجارة.
أسرعت إليها، وانضممت إلى طابور العائلات البصرية المتجمهرة على ضفاف الشط، تستجدي منه نسمة لطف في يوم شديد القيظ، بينما اصطاد أحدهم سمكة «شانك» فضية، ولم يحصد الآخر سوى كيس نايلون أسود، في مشهد يختصر ما بين سخاء الطبيعة وإهمال الإنسان.
ودعت الشاطئ، والزوارق التي تطفو على سطحه غير آبهة بما فعله الزمان بالفندق وما جاوره، ثم اتجهت نحو جسر خالد، الذي كان يعج بالمركبات ذهابًا وإيابًا إلى جزيرة الفيحاء.
ومع انحدار قرص الشمس البرتقالي نحو الأفق، ألقيت نظرة أخيرة على الشط. خُيّل إلي أن خريره يهمس لي:
«لا تبالي… فكل شيء سيعود، ولكن ليس كما كان… وربما يعود أفضل مما كان.»
أزهار محسن /العراق
فندق شط العرب… حين تتكلم الأمكنة
فندق شط العرب… حين تتكلم الأمكنة
أبت الذكرى إلا أن ترافقني وأنا أقف أمام أطلال فندق شط العرب. نمت الأشواك حوله، وتشعثت أشجاره، وتعرت أغصانها، حتى بدا المكان موحشًا، كأنه مسكن للأشباح، هجره عالم الأنس، وتركه فريسة للإهمال.
في زاوية أخرى من الذاكرة ، كانت طفلة تمرح في صالة الوصول، بانتظار أحد أقربائها القادم من العاصمة البريطانية، لندن. وبرغم صغر سنها، كانت تشعر بالجمال يحيط بها من كل جانب؛ تراقب الطائرات وهي تقلع وتهبط، ثم تهرول إلى نافذة أخرى، تملأ عينيها بانعكاس أشعة الشمس المتلألئة على صفحة شط العرب.
قفز إلى مخيلتي حوض السباحة الأزرق؛ كانت تلك تجربتي الأولى في ولوج أعماقه، وإحساسي الأول بخفة الجسد تحت الماء.
بحثت عن الحوض، فوجدته يعاني الجفاف منذ عشرات السنين. تحيط به أشواك تتخللها زهور بيضاء، فيما أعلنت خميلات خضراء متناثرة هنا وهناك حضورها بجمال أخاذ، كأنها عاهدت نفسها ألا تترك الوحشة تستأثر بالمكان كله.
ولم يكتفِ المكان بسرد هذه الحكاية، فثمة حكايات أخرى تختبئ بين جدرانه، لا تنطق بها إلا لمن عرفها وعاش تفاصيلها.
في تسعينيات القرن الماضي، وفي يوم صيفيٍّ بارح، تجمهر فتيان وفتيات البصرة في باحة الفندق لمقابلة ممثل عن الأمم المتحدة، طمعًا في فرصة عمل ضمن المنظمة، التي حضرت لتنفيذ برنامج «النفط مقابل الغذاء» خلال سنوات الحصار الاقتصادي على العراق.
كنت واحدة من أولئك الفتيات. ملأت استمارتي، وتركت الحقل الذي يخيرني بالعمل خارج العراق فارغًا؛ فلم يكن ذلك الخيار متاحًا لفتيات مثلي.
في تلك الذكرى أيضًا، كان الشط بطل الحكاية. كنا نلجأ إليه لنستريح من طول الوقوف في الطابور، نتنسم عبق الماء تحت ظلال أشجار الكالبتوس. كان أحدهم يرمقني بنظرات إعجاب. سمعته يقول لمن حوله إنه يتقن ثماني لغات، ثم التفت إليّ مبتسمًا، أعاد عبارته كأنه يريد أن يترك انطباعًا أول، قبل أن يطلب مني انتظار خروجه من المقابلة. كان الصدق والجدية يعلوان ملامحه، لكن الأقدار لم تشأ أن ألقاه مرة أخرى؛ فقد رسمت لي طريقًا آخر، في عالم غير عالمه.
كنت سعيدة يومها بلقاء جارتي الشقراء، البريطانية الجنسية، التي كانت مثالًا للتضحية من أجل عائلتها؛ فقد تحملت معنا سنوات الحصار. وما زلت أذكرها وهي تتحدث بلهجتها العراقية المكسرة قائلةً بابتسامة: «زوجي ليس لديه حظ في العمل».
تلك الوجوه غابت، وبقي المكان يحتفظ بأصدائها.
انسحبت من المكان بخطوات وجلة، خشية أفعى أو عقرب يختبئ بين الأحراش، بينما كانت حفيدتي تناديني بصوت يفيض مرحًا، محاولة الإمساك بصغار الأسماك التي اقتربت من حافة الجرف المكسو بالحجارة.
أسرعت إليها، وانضممت إلى طابور العائلات البصرية المتجمهرة على ضفاف الشط، تستجدي منه نسمة لطف في يوم شديد القيظ، بينما اصطاد أحدهم سمكة «شانك» فضية، ولم يحصد الآخر سوى كيس نايلون أسود، في مشهد يختصر ما بين سخاء الطبيعة وإهمال الإنسان.
ودعت الشاطئ، والزوارق التي تطفو على سطحه غير آبهة بما فعله الزمان بالفندق وما جاوره، ثم اتجهت نحو جسر خالد، الذي كان يعج بالمركبات ذهابًا وإيابًا إلى جزيرة الفيحاء.
ومع انحدار قرص الشمس البرتقالي نحو الأفق، ألقيت نظرة أخيرة على الشط. خُيّل إلي أن خريره يهمس لي:
«لا تبالي… فكل شيء سيعود، ولكن ليس كما كان… وربما يعود أفضل مما كان.»
أزهار محسن /العراق
التعليقات