السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

صورة الكاتب
بقلم: علي حسن الفواز
التاريخ: 3 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2353
السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

في مئويته..   السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

علي حسن الفواز

مع مئوية ولادة  الشاعر بدر شاكر السياب ثمة من يبحث عن الوجوه الثاوية له، الوجوه التي تحمل معها قلق الشاعر والانسان والايديولوجي وصاحب الاوهام والشتائم، حيث ينكشف السياب على سيرته المحمولة الضاجة، والغريبة، والمهجوسة بروحه الآدمية الملتاثة بأخطاء ذاته اللجوجة، والمعلولة، والمتورطة مع اصحاب العقائد، ومع الصانعين السريين لمحنة العراق السياسي المعاصر. استعادة هذه الوجوه ليست بريئة، لا نقديا، ولا نفسيا، لكنها تبقى جزءا من السياب الاثر والظاهرة الشعرية المؤسسة، فهل أن معطف السياب ما زال حقا هو المعطف العائلي للقصيدة العربية الذي تخرج من ثقوبه العصافير والمناشير؟ وهل أن ظاهرته ما زالت هي المهيمن اللاوعي الذي يمارس سطوته الابوية على توليدات القصيدة؟ وهل ان للسياب وجها اخر اختلط فيه النفسي مع السياسي مع الثقافي؟

هذه الاسئلة هي بعض وجوه السياب، لكن كثيرا منها لا يصلح ان يكون جزءا من أثره، أو جزءا من حروبه المسكونة بهوس التمرد والتجديد، رغم أنها مليئة بكثير من الفجائع الشخصية، والمراثي الاخلاقية، وبعضها مكشوف على عقد الايديولوجيات التي تحارب بعضها البعض دون هوادة.

من هذه الوجوه الغامضة ما تجلى في رسائله الشخصية، تلك التي تحولت الى خيبة شخصية اكلت الكثير من أثره، وشوشت على بعض ظاهرته في مجتمع يسيّس الثقافة، ويؤدلج الشعراء، لكنه يتركهم معزولين، وضحايا، أو منفيين، أو غارقين بأوهام الفشل والاحباط والفقد.

سأحاول في هذه القراءة التعاطي مع الوجه الاخر للسياب الثقافي /الانساني/المعذب، السياب الذي اضطر تحت مهيمنات الجوع وبعض غواية الشارع العراقي، أن يمارس ادوارا تتجاوز طاقته، وأثر فاعليته الشعرية، لينخرط مأزوما في سياق ساخن من الصراعات السياسية والايديولوجية التي كانت تعصف بالحياة العراقية منذ نهاية الخمسينات، واذا كانت هذه القراءة تكشف عن بعض شحوب ذلك الوجه الآخر للسياب، فإنها بالمقابل ستكشف عن الجوانيات الاضطرابية الراكزة في لاوعيه، والتي لا يمكن فصلها عن شخصيته، في قلقها، وفي انكفائها، وفي احساسه المريع بالفقد والخوف من ” المدينة الملعونة”، تلك التي اسبغت على تجربته نزوعا وجوديا، وتمردا حسيا، مثلما كشفت عن أن قلقه، وشغفه بالتمرد ليس خاضعا لأسباب فنية مجردة فحسب، او لأسباب تأثره بالعوالم السوداوية التي غرستها قراءته لشعراء الحزن الانكليزي المسيحي مثل ت. س اليوت، واديث ستويل، والتي جعلت من كثير قصائده الاقرب الى النزعة الرثائية، وانما لأسبابٍ تتعلق بتضخم قلقه العميق، وهوسه الشخصي بالتعويض الرمزي، والنفسي، وربما بتمثيل نزوع داخلي للكراهية والسخط والكآبة، تلك جعلت من قصائده مفتوحة على اصوات، وهلاوس، واستغراقات، جمع لها الحزن الاسطوري والمثيولوجي والحكائي بحزنه الشخصي، فكان يجمع بين المسيح وايوب والحسين، وبين ديموزي وعوليس، فضلا عما تحمله الاساطير الشعبية من حكايات في “ارم ذات العماد” والسندباد، وعلى نحوٍ جعل من قصيدته كثيفة الاحتدام، شائكة في رموزها، وفي تمثيل روحه التي تواجه الفناء/ الموت عبر اللغة، حيث تستدعي تفاصيل الأسى والفقد والوحدة، مثلما ينشّدُ الى العاطفة الغائبة، والقسوة التي تشبه الحرمان..

يا موت يا رب المخاوف والدياميس الصغيرة.

الآن تأتي، من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره.

أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها.

دعني أعيش على ابتسامتها وإن كانت قصيرة.

 

-السياب.. التجربة والاحساس بالإثم

بدر شاكر السياب ظاهرة شعرية حاضرة في الذاكرة دائما، نضعها عند كل موسم ثقافي امام المزيد من القراءات والتأويلات والاجتهادات الجديدة، حيث الكشف عن مستويات قرائية جديدة، وعن هوية المغامرة التي استفزت مركزية القصيدة العربية، والتي حملت معها مفاتيح انثربولوجية، وثقافية تخص التجربة والمغامرة.

وجود القراءات الضدية لتجربة السياب تخلط بين شخصيته المضطربة سياسيا وايديولوجيا، وبين شخصية العليل الذي يعيش اوهام الجسد والحزن، وهذا ما ربط بين ترحيل ظاهرته من سياقها الشعري الى سياق شخصاني، وعلى نحوٍ جعلها تحفل بكثيرٍ من الاشكالات والتقاطعات والاسئلة، لاسيما ما يتعلق بشخصيته المزاجية واشاعة (محدودية ثقافته) كما يصفها الناقد احسان عباس، حتى بتّ احسب ان هذه القراءات تحمل موقفا قصديا من السياب السياسي وليس السياب الشعري، وربما ذهب “البعض” بها الى افتراض أن السياب شاعر يعيش لوعة “الاثم الايديولوجي” لا سيما بعد صدور كتاب (كنت شيوعيا) الذي ضمّ مجموعة من اعترافات السياب ورسائله عن دار الجمل، كاشفا عن بعض هذا الهوس بالإثارة، والقصدية بالبحث في زوايا عوالم السياب الشخصية عن ملفات تثير اللغط حول شخصيته المضطربة والمزاجية ومواقفه غير الواضحة من الصراعات السياسية والاجتماعية والايديولوجية التي كانت تعتور الحياة العراقية آنذاك.. ضمّ هذا الكتاب 29 حلقة من الاعترافات/الرسائل، التي كان قد نشرها السياب سابقا عام 1959 في جريدة “الحرية” البغدادية لصاحبها ورئيس تحريرها المحامي قاسم حمودي المعروف باتجاهه القومي المناوىء للاتجاهات الشيوعية، فكان نشرها فاضحا، ومثيرا للجدل والخلاف حول النوايا التي وقفت وراء نشر الرسال والاعترافات، في التوقيت، والاختيار وفي ظل الصراع السياسي المحتدم في الشارع العراقي.

لقد حملت هذه الاعترافات/الرسائل نزوعا ساخطا ضد الشيوعيين العراقيين، نعتهم السياب بأوصاف حادة ومشينة تكشف عن موقفه السياسي المتقلب، مثلما تكشف عن مزاجه المضطرب وانعكاس تداعيات خصومته مع الآخرين، فضلا عما تكّشف من فطرته وبساطته في التعاطي مع مشكلات السياسة وظواهرها، إذ إن السياب كان في وقتٍ ما ينظر لها بطريقة الرومانسي الحالم، المسكون بأنموذج الشيوعي الملتزم و”المنظمّ حزبيا” مادحا لفكرة الثورة، ولحلم الخلاص من الاستعمار، فكان حاضرا في التظاهرات الشعبية التي كانت تعصف بالشارع العراقي تحت يافطة الثورة والاحلام والاشتراكية. وقد تحمّل ازاء هذا الانتماء كثيرا من المضايقات والمطاردات التي جعلت الحكومة الملكية بعد تخرجه من دار المعلمين العالية، تنفيه الى المدن البعيدة، حين تم تعيينه معلما في مدينة “هيت” البعيدة جدا عن مدينته البصرة، وعن كل مظاهر العمران الثقافي وضجيج اليوميات الثقافية التي ألفها، حتى بدا هذا التعيين وكأنه شكل من اشكال النفي السياسي كما جرت العادة للذين يناوئون النظام السياسي..

هذه الاعترافات حملت العنوان نفسه، لانها بدت وكأنها اشبه باعلان البراءة، وطبعا هذه البراءة تجد عند الخصوم السياسيين اهتماما واضحا، اذ رغم عدم اهمية هذه الرسائل/الاعترافات من الناحية التاريخية وضعف مستواها الفني وحتى “الانشائي” لكنها أيضا كشفت عن جوانب من ازمة السياب الشخصية، ومن المخفي من معاناته، فضلا عن حساسيته ازاء ما يجري، وعن اضطراب حياته الاجتماعية والسياسية، لاسيما مع ما تمظهر في انفعاله مع معطيات الظاهرة السياسية والحزبية التي كانت ظاهرة اجتماعية، أكثر من كونها ظاهرة ايديولوجية عميقة الاثر، كشفت عن هشاشة قدرته في السيطرة على انفعالاته، وعلى علاقته بالوسط السياسي، وحتى بالأفكار التي توزعت بين مواقف مضطربة، استثمرها جماعة التيار القومي، وهم الخصوم التقليديون للحركة الشيوعية في الخمسينات والستينات، فوجدوا فيها فرصة كبيرة للتشفي، حيث سارع رئيس تحرير جريدة ‘الحرية’ قاسم حمودي المحامي وهو الشخصية القومية الراديكالية، ووالد الصحافي سعد قاسم حمودي وزير الاعلام في السبعينات من القرن الماضي الى الاهتمام بنشرها في صحيفته وبطريقة تبدو فيها ملامح السخرية..

لا شك ان فضاء صراعيا وصاخبا وجدلا واسعا قد اثاره نشر مثل هذه الكتابات، لان السياب كان شخصية عامة اولا، وكان الجدل السياسي والحزبي على اشدّه في نهاية الخمسينات في العراق ثانيا، فضلا عما ماثله ايضا على الساحة اللبنانية من اسئلة خاصة بين مريدي التيار القومي والتيار اليساري والتيار المجذوب الى اشكال الحداثة (صاحبة الريبة) ثالثا بين اصحاب مجلة شعر بريادة يوسف الخال وادونيس، وبين مجلة الاداب ومزاجها القومي والوجودي بريادة سهيل ادريس. كل هذا جعل هذه المقالات بمثابة الانفجارات التي ملأت الساحة الثقافية بالكثير من الشظايا والدخان، لاسيما وان هذه الكتابات كانت بتوقيع شاعر مهم مثل السياب، وأن غرضها واضح في الكشف عن بعض خفايا الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والسلوكية للشيوعيين الذين يمثلون ظاهرة اجتماعية واسعة، حتى بدا واضحا فيها وكأن السياب مهووس بفكرة التشهير والشتيمة، وانه لا يفقه شيئا عن الشيوعية وان انتماءه اليها وطوال سنوات الكلية (معهد المعلمين العالي) والعمل في مجالها التنظيمي كانا جزءا من الانتماء للهيجان الشعبي..

حاول السياب ان يوظف وعيه (الثقافي) في تبرير خصومته مع الاخرين من خلال استعارته رواية (1984) لجورج اورويل المشهورة في عداوتها للشيوعية وهيمناتها، ومقابلة حيوات ابطالها مع يومياته وخصوماته، لكنه سقط في نوبات المزاج المنفعلة القلقة، اذ بدت الاعترافات فاضحة وحادة وتخلو من الشعرية طبعا! وضعت السياب في خانة صانعي الشتائم وفاضح الاسرار، واظن انها عكست جوهر شخصيته المزاجية المتقلبة، حيث لم تحمل هذه الاعترافات أي وعي بالمشكلة السياسية او حتى بالايديولوجيا، بقدر ما حملت هوسا ساخطا، تبلبل بالتوهان اللغوي الذي تختلط فيه الشتيمة بالرغبة بالاعتراف بالسخط، إذ حاول تحت هذا التوهان ربط الظواهر قسريا مع بعضها، فهو يرى أن مظاهر الانهيار السياسي لثورة تموز (يوليو) 1958 ارتبط بنزوع التفرد عند قوى معينة، مثلما رأى ايضا أن ازمة هذه القوى السياسية ترتبط بموقفها من الدين،  فذهب السياب وبشكل فاضح الى تهويل هذه الطروحات والمواقف واستخدام التوصيفات الحادة وغير المهذبة احيانا، حتى تبدو للقراء وكأنها اشهار بالقطيعة او الكشف عن أن كتابته/اعترافاته تلك كانت بمستوى تصفية حسابات مع اصدقاء الامس! فحملت تلك الاعترافات كثيرا من التفاصيل اليومية لبدر شاكر السياب خلال وجوده داخل التنظيم السياسي وفي اسفاره وهروباته، لاسيما الى ايران وعلاقته بحزب توده الشيوعي، فبدا وكأنه يعيش ازمة نفسية انعكست فيها رغبته العارمة في التمرد، وعدم انسجامه مع طبائع الايديولوجيا التي يحملها الحزب ودوره الشعبي في مرحلة ما بعد 1958 وصراعاته الداخلية التي تختلط فيها مشاعر الحسد والكراهية والخوف والغيرة من اسماء معينة يعرفها جيدا كاصدقاء ورفاق، لكنها تبوأت مراكز مهمة في الحزب، فقدمها السياب بنوع من السخرية السوداء المعبرة عن ضغائن واحتجاجات تعتمل في داخله.. ويبدو ان السياب لم يكن صادقا وحقيقيا في كل هذه الاتهامات والاعترافات والمواقف المنفعلة حيث ظل يعيش ازمة صراعية عميقة انهكت قواه مع ما كان ينهكه المرض الذي جعله جليس المستشفيات.. فقد نشرت مجلة (الاغتراب الادبي) التي كانت تصدر في لندن والتي يصدرها الشاعر العراقي صلاح نيازي وزوجته القاصة سميرة المانع في عددها (25) موضوعا تحدث فيها السيد عبد الصاحب الموسوي وهو من اصدقاء السياب القلائل، خلال زيارته للسياب في ايامه الاخيرة في مستشفى الكويت، حيث قال (كنت اكثر زائريه القليلين مكثا عنده واستماعا اليه، وكانت به رغبة شديدة للكلام عن كل شيء والتحدث في كل موضوع وخصوصا ما يتعلق بحاله وتنكر الحكومة العراقية له، وكان يشعر بندم جارح حين يتذكر مقالاته التي نشرها ايام عبد الكريم قاسم في جريدة قومية بعنوان (عندما كنت شيوعيا) وكان يشدّ بيده اليمنى (السليمة) على شعره الخفيف ويصرخ بكلمة شتيمة على نفسه لأنه ارتكب تلك الحماقة، ورضي أن يكذب على رفاق لا يستحقون ان يوصموا بما وصمهم به على طول تلك المقالات، وكان يقسم بأسلوب متشنج أن كلّ ما كتبه كذبٌ في كذب اضطره على ارتكابه سوء وضعه الاقتصادي، كما كان يذكر بندم شديد قبوله للمساعدة التي قدمها عبد الكريم قاسم من اجل ان يتعالج في الخارج). هذه الاعترافات المضادة تكشف هول الأزمة والحرمان اللذين كان يعيشهما السياب، وهول مطروديته وجزعه من الحكومات التي تركته نهبا للجوع والمرض والموت، فضلا عن خرابه الروحي الذي جعله يشتغل في منطقة بعيدة جدا عنه، منطقة المؤامرة والشتيمة والخصومة غير الواعية مع الآخرين ومع ازمات السياسة والايديولوجيا التي تحمل بطبيعتها مزاج الهواء والهروب الدائم نحو غواية الجهات.

عن الکاتب / الکاتبة

علي حسن الفواز
علي حسن الفواز
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

شوقي بزيع يرمم العلاقة ما بين الزمن والجسد باللغة

شوقي بزيع يرمم العلاقة ما بين الزمن والجسد باللغة

شوقي بزيع يرمم العلاقة ما بين الزمن والجسد باللغة حين يتحول الشعر إلى ما يشبه…

صورة الكاتب علي حسن الفواز
22 يوليو 2026
اقرأ المزيد
محاولة في صناعة فوكو العربي

محاولة في صناعة فوكو العربي

محاولة في صناعة فوكو العربي تبدو الحاجة إلى إعادة قراءة ميشيل فوكو مثيرة للفضول المعرفي،…

صورة الكاتب علي حسن الفواز
8 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

بقلم: علي حسن الفواز | التاريخ: 3 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

في مئويته..   السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

علي حسن الفواز

مع مئوية ولادة  الشاعر بدر شاكر السياب ثمة من يبحث عن الوجوه الثاوية له، الوجوه التي تحمل معها قلق الشاعر والانسان والايديولوجي وصاحب الاوهام والشتائم، حيث ينكشف السياب على سيرته المحمولة الضاجة، والغريبة، والمهجوسة بروحه الآدمية الملتاثة بأخطاء ذاته اللجوجة، والمعلولة، والمتورطة مع اصحاب العقائد، ومع الصانعين السريين لمحنة العراق السياسي المعاصر. استعادة هذه الوجوه ليست بريئة، لا نقديا، ولا نفسيا، لكنها تبقى جزءا من السياب الاثر والظاهرة الشعرية المؤسسة، فهل أن معطف السياب ما زال حقا هو المعطف العائلي للقصيدة العربية الذي تخرج من ثقوبه العصافير والمناشير؟ وهل أن ظاهرته ما زالت هي المهيمن اللاوعي الذي يمارس سطوته الابوية على توليدات القصيدة؟ وهل ان للسياب وجها اخر اختلط فيه النفسي مع السياسي مع الثقافي؟

هذه الاسئلة هي بعض وجوه السياب، لكن كثيرا منها لا يصلح ان يكون جزءا من أثره، أو جزءا من حروبه المسكونة بهوس التمرد والتجديد، رغم أنها مليئة بكثير من الفجائع الشخصية، والمراثي الاخلاقية، وبعضها مكشوف على عقد الايديولوجيات التي تحارب بعضها البعض دون هوادة.

من هذه الوجوه الغامضة ما تجلى في رسائله الشخصية، تلك التي تحولت الى خيبة شخصية اكلت الكثير من أثره، وشوشت على بعض ظاهرته في مجتمع يسيّس الثقافة، ويؤدلج الشعراء، لكنه يتركهم معزولين، وضحايا، أو منفيين، أو غارقين بأوهام الفشل والاحباط والفقد.

سأحاول في هذه القراءة التعاطي مع الوجه الاخر للسياب الثقافي /الانساني/المعذب، السياب الذي اضطر تحت مهيمنات الجوع وبعض غواية الشارع العراقي، أن يمارس ادوارا تتجاوز طاقته، وأثر فاعليته الشعرية، لينخرط مأزوما في سياق ساخن من الصراعات السياسية والايديولوجية التي كانت تعصف بالحياة العراقية منذ نهاية الخمسينات، واذا كانت هذه القراءة تكشف عن بعض شحوب ذلك الوجه الآخر للسياب، فإنها بالمقابل ستكشف عن الجوانيات الاضطرابية الراكزة في لاوعيه، والتي لا يمكن فصلها عن شخصيته، في قلقها، وفي انكفائها، وفي احساسه المريع بالفقد والخوف من ” المدينة الملعونة”، تلك التي اسبغت على تجربته نزوعا وجوديا، وتمردا حسيا، مثلما كشفت عن أن قلقه، وشغفه بالتمرد ليس خاضعا لأسباب فنية مجردة فحسب، او لأسباب تأثره بالعوالم السوداوية التي غرستها قراءته لشعراء الحزن الانكليزي المسيحي مثل ت. س اليوت، واديث ستويل، والتي جعلت من كثير قصائده الاقرب الى النزعة الرثائية، وانما لأسبابٍ تتعلق بتضخم قلقه العميق، وهوسه الشخصي بالتعويض الرمزي، والنفسي، وربما بتمثيل نزوع داخلي للكراهية والسخط والكآبة، تلك جعلت من قصائده مفتوحة على اصوات، وهلاوس، واستغراقات، جمع لها الحزن الاسطوري والمثيولوجي والحكائي بحزنه الشخصي، فكان يجمع بين المسيح وايوب والحسين، وبين ديموزي وعوليس، فضلا عما تحمله الاساطير الشعبية من حكايات في “ارم ذات العماد” والسندباد، وعلى نحوٍ جعل من قصيدته كثيفة الاحتدام، شائكة في رموزها، وفي تمثيل روحه التي تواجه الفناء/ الموت عبر اللغة، حيث تستدعي تفاصيل الأسى والفقد والوحدة، مثلما ينشّدُ الى العاطفة الغائبة، والقسوة التي تشبه الحرمان..

يا موت يا رب المخاوف والدياميس الصغيرة.

الآن تأتي، من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره.

أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها.

دعني أعيش على ابتسامتها وإن كانت قصيرة.

 

-السياب.. التجربة والاحساس بالإثم

بدر شاكر السياب ظاهرة شعرية حاضرة في الذاكرة دائما، نضعها عند كل موسم ثقافي امام المزيد من القراءات والتأويلات والاجتهادات الجديدة، حيث الكشف عن مستويات قرائية جديدة، وعن هوية المغامرة التي استفزت مركزية القصيدة العربية، والتي حملت معها مفاتيح انثربولوجية، وثقافية تخص التجربة والمغامرة.

وجود القراءات الضدية لتجربة السياب تخلط بين شخصيته المضطربة سياسيا وايديولوجيا، وبين شخصية العليل الذي يعيش اوهام الجسد والحزن، وهذا ما ربط بين ترحيل ظاهرته من سياقها الشعري الى سياق شخصاني، وعلى نحوٍ جعلها تحفل بكثيرٍ من الاشكالات والتقاطعات والاسئلة، لاسيما ما يتعلق بشخصيته المزاجية واشاعة (محدودية ثقافته) كما يصفها الناقد احسان عباس، حتى بتّ احسب ان هذه القراءات تحمل موقفا قصديا من السياب السياسي وليس السياب الشعري، وربما ذهب “البعض” بها الى افتراض أن السياب شاعر يعيش لوعة “الاثم الايديولوجي” لا سيما بعد صدور كتاب (كنت شيوعيا) الذي ضمّ مجموعة من اعترافات السياب ورسائله عن دار الجمل، كاشفا عن بعض هذا الهوس بالإثارة، والقصدية بالبحث في زوايا عوالم السياب الشخصية عن ملفات تثير اللغط حول شخصيته المضطربة والمزاجية ومواقفه غير الواضحة من الصراعات السياسية والاجتماعية والايديولوجية التي كانت تعتور الحياة العراقية آنذاك.. ضمّ هذا الكتاب 29 حلقة من الاعترافات/الرسائل، التي كان قد نشرها السياب سابقا عام 1959 في جريدة “الحرية” البغدادية لصاحبها ورئيس تحريرها المحامي قاسم حمودي المعروف باتجاهه القومي المناوىء للاتجاهات الشيوعية، فكان نشرها فاضحا، ومثيرا للجدل والخلاف حول النوايا التي وقفت وراء نشر الرسال والاعترافات، في التوقيت، والاختيار وفي ظل الصراع السياسي المحتدم في الشارع العراقي.

لقد حملت هذه الاعترافات/الرسائل نزوعا ساخطا ضد الشيوعيين العراقيين، نعتهم السياب بأوصاف حادة ومشينة تكشف عن موقفه السياسي المتقلب، مثلما تكشف عن مزاجه المضطرب وانعكاس تداعيات خصومته مع الآخرين، فضلا عما تكّشف من فطرته وبساطته في التعاطي مع مشكلات السياسة وظواهرها، إذ إن السياب كان في وقتٍ ما ينظر لها بطريقة الرومانسي الحالم، المسكون بأنموذج الشيوعي الملتزم و”المنظمّ حزبيا” مادحا لفكرة الثورة، ولحلم الخلاص من الاستعمار، فكان حاضرا في التظاهرات الشعبية التي كانت تعصف بالشارع العراقي تحت يافطة الثورة والاحلام والاشتراكية. وقد تحمّل ازاء هذا الانتماء كثيرا من المضايقات والمطاردات التي جعلت الحكومة الملكية بعد تخرجه من دار المعلمين العالية، تنفيه الى المدن البعيدة، حين تم تعيينه معلما في مدينة “هيت” البعيدة جدا عن مدينته البصرة، وعن كل مظاهر العمران الثقافي وضجيج اليوميات الثقافية التي ألفها، حتى بدا هذا التعيين وكأنه شكل من اشكال النفي السياسي كما جرت العادة للذين يناوئون النظام السياسي..

هذه الاعترافات حملت العنوان نفسه، لانها بدت وكأنها اشبه باعلان البراءة، وطبعا هذه البراءة تجد عند الخصوم السياسيين اهتماما واضحا، اذ رغم عدم اهمية هذه الرسائل/الاعترافات من الناحية التاريخية وضعف مستواها الفني وحتى “الانشائي” لكنها أيضا كشفت عن جوانب من ازمة السياب الشخصية، ومن المخفي من معاناته، فضلا عن حساسيته ازاء ما يجري، وعن اضطراب حياته الاجتماعية والسياسية، لاسيما مع ما تمظهر في انفعاله مع معطيات الظاهرة السياسية والحزبية التي كانت ظاهرة اجتماعية، أكثر من كونها ظاهرة ايديولوجية عميقة الاثر، كشفت عن هشاشة قدرته في السيطرة على انفعالاته، وعلى علاقته بالوسط السياسي، وحتى بالأفكار التي توزعت بين مواقف مضطربة، استثمرها جماعة التيار القومي، وهم الخصوم التقليديون للحركة الشيوعية في الخمسينات والستينات، فوجدوا فيها فرصة كبيرة للتشفي، حيث سارع رئيس تحرير جريدة ‘الحرية’ قاسم حمودي المحامي وهو الشخصية القومية الراديكالية، ووالد الصحافي سعد قاسم حمودي وزير الاعلام في السبعينات من القرن الماضي الى الاهتمام بنشرها في صحيفته وبطريقة تبدو فيها ملامح السخرية..

لا شك ان فضاء صراعيا وصاخبا وجدلا واسعا قد اثاره نشر مثل هذه الكتابات، لان السياب كان شخصية عامة اولا، وكان الجدل السياسي والحزبي على اشدّه في نهاية الخمسينات في العراق ثانيا، فضلا عما ماثله ايضا على الساحة اللبنانية من اسئلة خاصة بين مريدي التيار القومي والتيار اليساري والتيار المجذوب الى اشكال الحداثة (صاحبة الريبة) ثالثا بين اصحاب مجلة شعر بريادة يوسف الخال وادونيس، وبين مجلة الاداب ومزاجها القومي والوجودي بريادة سهيل ادريس. كل هذا جعل هذه المقالات بمثابة الانفجارات التي ملأت الساحة الثقافية بالكثير من الشظايا والدخان، لاسيما وان هذه الكتابات كانت بتوقيع شاعر مهم مثل السياب، وأن غرضها واضح في الكشف عن بعض خفايا الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والسلوكية للشيوعيين الذين يمثلون ظاهرة اجتماعية واسعة، حتى بدا واضحا فيها وكأن السياب مهووس بفكرة التشهير والشتيمة، وانه لا يفقه شيئا عن الشيوعية وان انتماءه اليها وطوال سنوات الكلية (معهد المعلمين العالي) والعمل في مجالها التنظيمي كانا جزءا من الانتماء للهيجان الشعبي..

حاول السياب ان يوظف وعيه (الثقافي) في تبرير خصومته مع الاخرين من خلال استعارته رواية (1984) لجورج اورويل المشهورة في عداوتها للشيوعية وهيمناتها، ومقابلة حيوات ابطالها مع يومياته وخصوماته، لكنه سقط في نوبات المزاج المنفعلة القلقة، اذ بدت الاعترافات فاضحة وحادة وتخلو من الشعرية طبعا! وضعت السياب في خانة صانعي الشتائم وفاضح الاسرار، واظن انها عكست جوهر شخصيته المزاجية المتقلبة، حيث لم تحمل هذه الاعترافات أي وعي بالمشكلة السياسية او حتى بالايديولوجيا، بقدر ما حملت هوسا ساخطا، تبلبل بالتوهان اللغوي الذي تختلط فيه الشتيمة بالرغبة بالاعتراف بالسخط، إذ حاول تحت هذا التوهان ربط الظواهر قسريا مع بعضها، فهو يرى أن مظاهر الانهيار السياسي لثورة تموز (يوليو) 1958 ارتبط بنزوع التفرد عند قوى معينة، مثلما رأى ايضا أن ازمة هذه القوى السياسية ترتبط بموقفها من الدين،  فذهب السياب وبشكل فاضح الى تهويل هذه الطروحات والمواقف واستخدام التوصيفات الحادة وغير المهذبة احيانا، حتى تبدو للقراء وكأنها اشهار بالقطيعة او الكشف عن أن كتابته/اعترافاته تلك كانت بمستوى تصفية حسابات مع اصدقاء الامس! فحملت تلك الاعترافات كثيرا من التفاصيل اليومية لبدر شاكر السياب خلال وجوده داخل التنظيم السياسي وفي اسفاره وهروباته، لاسيما الى ايران وعلاقته بحزب توده الشيوعي، فبدا وكأنه يعيش ازمة نفسية انعكست فيها رغبته العارمة في التمرد، وعدم انسجامه مع طبائع الايديولوجيا التي يحملها الحزب ودوره الشعبي في مرحلة ما بعد 1958 وصراعاته الداخلية التي تختلط فيها مشاعر الحسد والكراهية والخوف والغيرة من اسماء معينة يعرفها جيدا كاصدقاء ورفاق، لكنها تبوأت مراكز مهمة في الحزب، فقدمها السياب بنوع من السخرية السوداء المعبرة عن ضغائن واحتجاجات تعتمل في داخله.. ويبدو ان السياب لم يكن صادقا وحقيقيا في كل هذه الاتهامات والاعترافات والمواقف المنفعلة حيث ظل يعيش ازمة صراعية عميقة انهكت قواه مع ما كان ينهكه المرض الذي جعله جليس المستشفيات.. فقد نشرت مجلة (الاغتراب الادبي) التي كانت تصدر في لندن والتي يصدرها الشاعر العراقي صلاح نيازي وزوجته القاصة سميرة المانع في عددها (25) موضوعا تحدث فيها السيد عبد الصاحب الموسوي وهو من اصدقاء السياب القلائل، خلال زيارته للسياب في ايامه الاخيرة في مستشفى الكويت، حيث قال (كنت اكثر زائريه القليلين مكثا عنده واستماعا اليه، وكانت به رغبة شديدة للكلام عن كل شيء والتحدث في كل موضوع وخصوصا ما يتعلق بحاله وتنكر الحكومة العراقية له، وكان يشعر بندم جارح حين يتذكر مقالاته التي نشرها ايام عبد الكريم قاسم في جريدة قومية بعنوان (عندما كنت شيوعيا) وكان يشدّ بيده اليمنى (السليمة) على شعره الخفيف ويصرخ بكلمة شتيمة على نفسه لأنه ارتكب تلك الحماقة، ورضي أن يكذب على رفاق لا يستحقون ان يوصموا بما وصمهم به على طول تلك المقالات، وكان يقسم بأسلوب متشنج أن كلّ ما كتبه كذبٌ في كذب اضطره على ارتكابه سوء وضعه الاقتصادي، كما كان يذكر بندم شديد قبوله للمساعدة التي قدمها عبد الكريم قاسم من اجل ان يتعالج في الخارج). هذه الاعترافات المضادة تكشف هول الأزمة والحرمان اللذين كان يعيشهما السياب، وهول مطروديته وجزعه من الحكومات التي تركته نهبا للجوع والمرض والموت، فضلا عن خرابه الروحي الذي جعله يشتغل في منطقة بعيدة جدا عنه، منطقة المؤامرة والشتيمة والخصومة غير الواعية مع الآخرين ومع ازمات السياسة والايديولوجيا التي تحمل بطبيعتها مزاج الهواء والهروب الدائم نحو غواية الجهات.