محاولة في صناعة فوكو العربي

صورة الكاتب
بقلم: علي حسن الفواز
التاريخ: 8 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 2352
محاولة في صناعة فوكو العربي

محاولة في صناعة فوكو العربي

تبدو الحاجة إلى إعادة قراءة ميشيل فوكو مثيرة للفضول المعرفي، وللمساءلة عن أزمة هذا الفيلسوف مع العالم، الذي هو عالمنا أيضا، لكنه المختلف في الجوهر، وفي النظر إلى الحرية التي يملكها فوكو الفرنسي، ولا نملكها نحن..
مصطلحات مثل الخطاب والعصاب والعقاب والرقابة والجنوسة والسجن والعيادية تشكّل قاموسا غامضا، ومجالا لمعاينة الأفكار العميقة التي تلامس المخفي في هذه المصطلحات، فتجعلها أكثر توترا وإثارة، وأكثر تهديدا للتاريخ، بما فيه تاريخ الأفكار ذاتها، فما يراه فوكو ليس بعيدا عن قلق الحداثة واسئلتها الفاجعة والفارقة، وعن رهابات «الوعي الشقي» وعن أزمة السلطة مع الإنسان، وأزمة الإنسان مع الحرية والجسد والتاريخ، ومع المؤسسات والأيديولوجيات التي تصنع السجون والعنف، وتضع الجسد أمام تأويلات مفتوحة، تجعله مطاردا ومحصورا ومُهددا بالتدمير، وأن ما يصنعه من خطابات لا تعدو أن تكون جزءا من لعبته في المقاومة، وفي التورية والاختفاء والشغف بالدفاع عن فرادته، وعن وعيه الصاخب بسؤال الحرية..
قد يصلح فوكو أنموذجا للدرس، ولتوظيفه في مقاربة موضوع المثقف العربي المتعالي، والرث في آن معا، الذي يجد نفسه تحت إيقاع قهري، وفي حرب مفتوحة، تخص السلطة، والجسد والهوية والعمل والحرية والتاريخ، وأن ما يمكن أن يكتبه سيكشف عن محنته وهو يرقب وجوده في الأنساق المضطربة، حيث كائنه الفلسفي المعطوب والضحية المنتهك، الذي يعيش استحالة تحوّله إلى مواطن حر، قادر على الإباحة والاعتراف، ومراقبة السلطة التي ظلت تراقبه على الدوام، وأحسب أن إعادة صياغة الأدوار واحدة من أكثر الأزمات التي ستواجه فوكو الفرنسي، فرغم أنه خرج من تاريخ غرائبي جمع فيه ماركس ونيتشه وهوسرل وهيدغر، ألا أن كان اكثر اقترابا من فلاسفة «ثورة باريس 1968» ومن أطروحات جماعة فرانكفورت، وهذا ما جعله فيسلوفا مناورا، وانثربولوجيا حاذقا، يناور في وعيه الماركسي المضطرب، مثلما يغوص في اجندات التحليل النفسي، كخيار لمواجهة استحقاقات تحليل الخطاب، ومراقبة الكائن الذي يعيش عقدة التاريخ والسجون والعقاب والخوف، ومراثي الصراع الطبقي، حيث جعل هذا الصراع مدخلا لاعادة قراءة “الفكر البرجوازي الغربي” وقراءة صراعات الجماعات المقموعة، عبر معاينة القمع بوصفه تمثيلا لصراع داخلي أكثر من كونه صراعات بين الطبقات، فالذوات تعيش الصراع عبر القمع والعقاب والمراقبة والسجن، وعبر الهيمنة والعصاب والايديولوجيا، وهذا ما جعل كتبه «ألغاما ومتفجرات» كما وصف نفسه، وأن نظرته للسلطة، تعني نظرته للسياسة والإدارة البيروقراطية، مثلما تعني نظرته للرأسمالية التي فخخت العالم والأسواق، وجعلت من الإنسان كائنا يلتذ بالاستهلاك، مثلما يلتذ بالجنس والحرية، وهذا الاشتباك هو جزء من أزمة الكائن العولمي الذي يرهن الحرية واللذة بالاستهلاك، وأن «من المستحيل» الخروج عن ذلك إلى الحرية الفائقة، إذ سيخرج التاريخ شاهرا أسلحته المركزية الأيديولوجية والسياسية عبر مظاهر القمع الناعمة والصلبة، حيث الحروب والمدارس والمستشفيات والسجون والمكتبات والمؤتمرات والأيديولوجيات.

عن الکاتب / الکاتبة

علي حسن الفواز
علي حسن الفواز
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

السياب وما يُخفيه قميص الشاعر

في مئويته..   السياب وما يُخفيه قميص الشاعر علي حسن الفواز مع مئوية ولادة  الشاعر بدر…

صورة الكاتب علي حسن الفواز
3 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
شوقي بزيع يرمم العلاقة ما بين الزمن والجسد باللغة

شوقي بزيع يرمم العلاقة ما بين الزمن والجسد باللغة

شوقي بزيع يرمم العلاقة ما بين الزمن والجسد باللغة حين يتحول الشعر إلى ما يشبه…

صورة الكاتب علي حسن الفواز
22 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


محاولة في صناعة فوكو العربي

بقلم: علي حسن الفواز | التاريخ: 8 يونيو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

محاولة في صناعة فوكو العربي

تبدو الحاجة إلى إعادة قراءة ميشيل فوكو مثيرة للفضول المعرفي، وللمساءلة عن أزمة هذا الفيلسوف مع العالم، الذي هو عالمنا أيضا، لكنه المختلف في الجوهر، وفي النظر إلى الحرية التي يملكها فوكو الفرنسي، ولا نملكها نحن..
مصطلحات مثل الخطاب والعصاب والعقاب والرقابة والجنوسة والسجن والعيادية تشكّل قاموسا غامضا، ومجالا لمعاينة الأفكار العميقة التي تلامس المخفي في هذه المصطلحات، فتجعلها أكثر توترا وإثارة، وأكثر تهديدا للتاريخ، بما فيه تاريخ الأفكار ذاتها، فما يراه فوكو ليس بعيدا عن قلق الحداثة واسئلتها الفاجعة والفارقة، وعن رهابات «الوعي الشقي» وعن أزمة السلطة مع الإنسان، وأزمة الإنسان مع الحرية والجسد والتاريخ، ومع المؤسسات والأيديولوجيات التي تصنع السجون والعنف، وتضع الجسد أمام تأويلات مفتوحة، تجعله مطاردا ومحصورا ومُهددا بالتدمير، وأن ما يصنعه من خطابات لا تعدو أن تكون جزءا من لعبته في المقاومة، وفي التورية والاختفاء والشغف بالدفاع عن فرادته، وعن وعيه الصاخب بسؤال الحرية..
قد يصلح فوكو أنموذجا للدرس، ولتوظيفه في مقاربة موضوع المثقف العربي المتعالي، والرث في آن معا، الذي يجد نفسه تحت إيقاع قهري، وفي حرب مفتوحة، تخص السلطة، والجسد والهوية والعمل والحرية والتاريخ، وأن ما يمكن أن يكتبه سيكشف عن محنته وهو يرقب وجوده في الأنساق المضطربة، حيث كائنه الفلسفي المعطوب والضحية المنتهك، الذي يعيش استحالة تحوّله إلى مواطن حر، قادر على الإباحة والاعتراف، ومراقبة السلطة التي ظلت تراقبه على الدوام، وأحسب أن إعادة صياغة الأدوار واحدة من أكثر الأزمات التي ستواجه فوكو الفرنسي، فرغم أنه خرج من تاريخ غرائبي جمع فيه ماركس ونيتشه وهوسرل وهيدغر، ألا أن كان اكثر اقترابا من فلاسفة «ثورة باريس 1968» ومن أطروحات جماعة فرانكفورت، وهذا ما جعله فيسلوفا مناورا، وانثربولوجيا حاذقا، يناور في وعيه الماركسي المضطرب، مثلما يغوص في اجندات التحليل النفسي، كخيار لمواجهة استحقاقات تحليل الخطاب، ومراقبة الكائن الذي يعيش عقدة التاريخ والسجون والعقاب والخوف، ومراثي الصراع الطبقي، حيث جعل هذا الصراع مدخلا لاعادة قراءة “الفكر البرجوازي الغربي” وقراءة صراعات الجماعات المقموعة، عبر معاينة القمع بوصفه تمثيلا لصراع داخلي أكثر من كونه صراعات بين الطبقات، فالذوات تعيش الصراع عبر القمع والعقاب والمراقبة والسجن، وعبر الهيمنة والعصاب والايديولوجيا، وهذا ما جعل كتبه «ألغاما ومتفجرات» كما وصف نفسه، وأن نظرته للسلطة، تعني نظرته للسياسة والإدارة البيروقراطية، مثلما تعني نظرته للرأسمالية التي فخخت العالم والأسواق، وجعلت من الإنسان كائنا يلتذ بالاستهلاك، مثلما يلتذ بالجنس والحرية، وهذا الاشتباك هو جزء من أزمة الكائن العولمي الذي يرهن الحرية واللذة بالاستهلاك، وأن «من المستحيل» الخروج عن ذلك إلى الحرية الفائقة، إذ سيخرج التاريخ شاهرا أسلحته المركزية الأيديولوجية والسياسية عبر مظاهر القمع الناعمة والصلبة، حيث الحروب والمدارس والمستشفيات والسجون والمكتبات والمؤتمرات والأيديولوجيات.