ازدواجية الانفعال العاطفي إتجاه بلد الميلاد

صورة الكاتب
بقلم: د. مروة العميدي
التاريخ: 22 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3528
ازدواجية الانفعال العاطفي إتجاه بلد الميلاد

نعرف جيدًا أن أكثر الظواهر النفسية والاجتماعية تعقيدًا في روح الإنسان هي العلاقة العاطفية إتجاه البلد الذي يولد فيه، فهي علاقة يغمرها نوع من المشاعر المتضاربة ما بين الإنتماء الحقيقي وموجات الغضب المتتالية على ما آلت إليه الأمور، وأن هذه الحالة من الازدواجية عبارة عن حقل من المشاعر الشائكة التي تعكس تاريخ الإنسان الشخصي والاجتماعي والسياسي مع وطنه وعلى وجه الخصوص حيثما يذكر أن بلاده تعرضت للغزاة والمعاناة والهزيمة، وهذا النوع من الحب هو حب متلبس بالوطن أشار إليه البير كامو بقوله: “كل إنسان يحمل في داخله شيئًا من وطنه، حتى حين يتمرد عليه”.
والسؤال يأتي هنا لماذا نتألم حين ينتقد أحد ما وطننا؟ فعندما نسمع وصفًا سلبيًا لوطننا يثار في داخلنا انفعال شديد يتراوح بين الغضب والألم والحزن القاسي، ولو فسرنا هذا الانفعال لوجدناه استجابة دفاعية نفسية فالغضب كما هو معروف شعور فطري يدفع الإفراد للدفاع عن شيء شخصي يرتبط بهم، وهذا ينسجم مع رؤية إميل دوركايم: “إن المجتمع ليس شيئًا خارجنا، هو جزء من ذواتنا”، وفي حالة مثل حالة وطن الولادة يكون الغضب دفاعًا عن الهوية الوطنية والشخصية معًا لأنه عندما يتعرض الوطن إلى الانهيار كأن اجزاءً من ذواتنا تنهار أيضًا، نظرًا لما له من جذور عميقة في الذاكرة العاطفية والهوية الإنسانية.
أما في الأدبيات النفسية يظهر هذا الارتباط العاطفي في (دراسات الانتماء العاطفي والهوية) التي تؤكد أن علاقة الإنسان بوطنه تتجاوز البعد المكاني لتشمل علاقات اجتماعية وثقافية محددة تجعل المكان وطنًا. وتتجلى الازدواجية في الانفعال العاطفي تجاه الوطن في أن الإنسان يمكن أن يشعر بالحب الشديد في نفس اللحظة التي يغمره فيها الألم والغضب اتجاه بلده، وهذا أكده إيرك فروم بقوله: “إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون إطار من الانتماء دون جذور يشعر من خلالها بأنه جزء من عالم أكبر منه”، وهذه الحالة النفسية تسمى أحيانًا في الأدبيات بـ (Ambivalence) أو الشعور المتناقض اتجاه الشيء نفسه. 
ولو تسائلنا لماذا يحدث هذا؟
فنلاحظ أن الإنسان يرى وطنه كجزء من هويته الذاتية فعندما تذكر السلبيات أو الهزائم يقرأ الانسان ذلك على أنه هجوم شخصي على الهوية الفردية نفسها، ولا ننسى أن العديد من الناس يحفظون في الذاكرة صورًا لأوقات السعادة والفرح والأمان والذكريات التي تشكل جزءًا أساسيًا من الرفقة النفسية مع الوطن لأن من لا يعرف ماضيه لا يستطيع أن يفهم حاضر
وهذا ما أخبرنا إياه كارل غوستاف يونغ، لذلك حين ينقل عن هذا الوطن شيء يجرحه يحصل تداخل شعوري بين ما يحدث.

ويؤثر الفقدان (التهجير النفسي) على الهوية والانفعال، فالعلاقة بين الإنسان ووطنه تصبح أكثر تعقيدًا حينما يتعلق الأمر بفقدان الوطن أو التهجير القسري وفي حالات العنف أو الحرب والكوارث الكبرى، يتحول الوطن حينها من فكرة راسخة ومستقرة إلى مجموعة من الذكريات المؤسفة ورمزًا للغربة والحنين، وفي دراسة نوعية أُجريت على أشخاص انتقلوا من وطنهم بعد كوارث طبيعية (مثل زلزال سيشوان)، تبين أن فقدان الوطن شكل تهديدًا مباشرًا لهوية الشخص ونظام معانيه وقيمة ذاته، مما جعل الانفعال تجاه ما فقده أقوى وأكثر ازدواجية لأنه يحتوي على ألم الفقدان إضافة إلى الحنين والحنق من الظروف التي أدت إلى ذلك الفقدان، وهذا يؤكد مقولة عالم الإجتماع إدوارد سعيد (تأملات في المنفى): “المنفى هو حالة من الوجود المنكسر؛ فهو يجعل الإنسان يعيش بين عالمين لا ينتمي تمامًا إلى أي منهما”.
ولا ننسى أن الانفعال المزدوج يؤثر بشكل كبير على السلوك الشخصي والمجتمعي، فعندما يكون لدى الشخص هذا النوع من الانفعال المركب يدفعه إلى الدفاع الشديد عن وطنه سواء بالكلمة أو بالفعل أو عبر المشاركة في حوارات دفاعية، بينما يشعر البعض الآخر بالغضب من واقع معين وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نقد بناء أحيانًا أو إلى سلبية ويأس أحيانًا أخرى، وهذا بدوره يولد في داخل الفرد رغبة في إعادة البناء أو التغيير بدلًا من الاستسلام لما آلت إليه الأوضاع، وهذا الانفعال المركب ساهم في خلق مصدرًا قويًا للتعبير الإبداعي سواء في الأدب، الشعر، الفن وكذلك مصدرًا للصراع الداخلي إذ أن هماك حالات لم يتم التعامل معها.
وتعد الهوية والانتماء من المفاهيم العلمية والفلسفية، إذ يشير علم النفس الاجتماعي إلى أن الانتماء هو حاجة إنسانية أساسية لا تقل أهمية عن الاحتياجات الفيزيولوجية فوجود الإنتماء هو استفتاء يومي حسب رأي ارنست رينان، فالإنتماء يقدم للأفراد الأمان، المعنى، قيمة الذات، وسياقًا لفهم تجربتهم في العالم، وهذا الانتماء يكون أحيانًا صعب التوجيه لأنه مدفوع بذكريات، تجارب، تحولات ثقافية، وحب عميق راسخ حتى لو عانى الوطن!
وتشبه العلاقة بين الانفعال العاطفي والوطن إلى حد ما ما تسميه بعض النظريات النفسية بالمكان كمشاعر أو place attachment حيث المكان يصبح معادلًا في النفس للذاكرة والهوية والرغبات التي يستحيل فصلها عن الذات، وهذا ينسجم مع قول عالم النفس البيئي سوزان كلايتون: “إن الأماكن التي نعيش فيها تصبح جزءًا من هويتنا، لأنها ترتبط بذكرياتنا وتجاربنا ومشاعرنا، وتصبح بمرور الوقت جزءًا من مفهومنا عن ذواتنا”.

عن الکاتب / الکاتبة

د. مروة العميدي
د. مروة العميدي
أستاذة جامعية وشاعرة

مقالات أخرى للكاتب

“ما تبقى مني “

“ما تبقى مني “

ما تبقى مني – كان يلمعُ لي الليل كخاتم في إصبعي، حتى ظننتُ- أن الظلام…

صورة الكاتب د. مروة العميدي
29 يوليو 2026
اقرأ المزيد
“كأنكَ لم تكن”

“كأنكَ لم تكن”

– كأنكَ لم تكن –   مثل كل مرة أنزعُ رأسي وأضعهُ فوق الطاولة لأُشاهدني…

صورة الكاتب د. مروة العميدي
15 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ازدواجية الانفعال العاطفي إتجاه بلد الميلاد

بقلم: د. مروة العميدي | التاريخ: 22 أغسطس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

نعرف جيدًا أن أكثر الظواهر النفسية والاجتماعية تعقيدًا في روح الإنسان هي العلاقة العاطفية إتجاه البلد الذي يولد فيه، فهي علاقة يغمرها نوع من المشاعر المتضاربة ما بين الإنتماء الحقيقي وموجات الغضب المتتالية على ما آلت إليه الأمور، وأن هذه الحالة من الازدواجية عبارة عن حقل من المشاعر الشائكة التي تعكس تاريخ الإنسان الشخصي والاجتماعي والسياسي مع وطنه وعلى وجه الخصوص حيثما يذكر أن بلاده تعرضت للغزاة والمعاناة والهزيمة، وهذا النوع من الحب هو حب متلبس بالوطن أشار إليه البير كامو بقوله: “كل إنسان يحمل في داخله شيئًا من وطنه، حتى حين يتمرد عليه”.
والسؤال يأتي هنا لماذا نتألم حين ينتقد أحد ما وطننا؟ فعندما نسمع وصفًا سلبيًا لوطننا يثار في داخلنا انفعال شديد يتراوح بين الغضب والألم والحزن القاسي، ولو فسرنا هذا الانفعال لوجدناه استجابة دفاعية نفسية فالغضب كما هو معروف شعور فطري يدفع الإفراد للدفاع عن شيء شخصي يرتبط بهم، وهذا ينسجم مع رؤية إميل دوركايم: “إن المجتمع ليس شيئًا خارجنا، هو جزء من ذواتنا”، وفي حالة مثل حالة وطن الولادة يكون الغضب دفاعًا عن الهوية الوطنية والشخصية معًا لأنه عندما يتعرض الوطن إلى الانهيار كأن اجزاءً من ذواتنا تنهار أيضًا، نظرًا لما له من جذور عميقة في الذاكرة العاطفية والهوية الإنسانية.
أما في الأدبيات النفسية يظهر هذا الارتباط العاطفي في (دراسات الانتماء العاطفي والهوية) التي تؤكد أن علاقة الإنسان بوطنه تتجاوز البعد المكاني لتشمل علاقات اجتماعية وثقافية محددة تجعل المكان وطنًا. وتتجلى الازدواجية في الانفعال العاطفي تجاه الوطن في أن الإنسان يمكن أن يشعر بالحب الشديد في نفس اللحظة التي يغمره فيها الألم والغضب اتجاه بلده، وهذا أكده إيرك فروم بقوله: “إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون إطار من الانتماء دون جذور يشعر من خلالها بأنه جزء من عالم أكبر منه”، وهذه الحالة النفسية تسمى أحيانًا في الأدبيات بـ (Ambivalence) أو الشعور المتناقض اتجاه الشيء نفسه. 
ولو تسائلنا لماذا يحدث هذا؟
فنلاحظ أن الإنسان يرى وطنه كجزء من هويته الذاتية فعندما تذكر السلبيات أو الهزائم يقرأ الانسان ذلك على أنه هجوم شخصي على الهوية الفردية نفسها، ولا ننسى أن العديد من الناس يحفظون في الذاكرة صورًا لأوقات السعادة والفرح والأمان والذكريات التي تشكل جزءًا أساسيًا من الرفقة النفسية مع الوطن لأن من لا يعرف ماضيه لا يستطيع أن يفهم حاضر
وهذا ما أخبرنا إياه كارل غوستاف يونغ، لذلك حين ينقل عن هذا الوطن شيء يجرحه يحصل تداخل شعوري بين ما يحدث.

ويؤثر الفقدان (التهجير النفسي) على الهوية والانفعال، فالعلاقة بين الإنسان ووطنه تصبح أكثر تعقيدًا حينما يتعلق الأمر بفقدان الوطن أو التهجير القسري وفي حالات العنف أو الحرب والكوارث الكبرى، يتحول الوطن حينها من فكرة راسخة ومستقرة إلى مجموعة من الذكريات المؤسفة ورمزًا للغربة والحنين، وفي دراسة نوعية أُجريت على أشخاص انتقلوا من وطنهم بعد كوارث طبيعية (مثل زلزال سيشوان)، تبين أن فقدان الوطن شكل تهديدًا مباشرًا لهوية الشخص ونظام معانيه وقيمة ذاته، مما جعل الانفعال تجاه ما فقده أقوى وأكثر ازدواجية لأنه يحتوي على ألم الفقدان إضافة إلى الحنين والحنق من الظروف التي أدت إلى ذلك الفقدان، وهذا يؤكد مقولة عالم الإجتماع إدوارد سعيد (تأملات في المنفى): “المنفى هو حالة من الوجود المنكسر؛ فهو يجعل الإنسان يعيش بين عالمين لا ينتمي تمامًا إلى أي منهما”.
ولا ننسى أن الانفعال المزدوج يؤثر بشكل كبير على السلوك الشخصي والمجتمعي، فعندما يكون لدى الشخص هذا النوع من الانفعال المركب يدفعه إلى الدفاع الشديد عن وطنه سواء بالكلمة أو بالفعل أو عبر المشاركة في حوارات دفاعية، بينما يشعر البعض الآخر بالغضب من واقع معين وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نقد بناء أحيانًا أو إلى سلبية ويأس أحيانًا أخرى، وهذا بدوره يولد في داخل الفرد رغبة في إعادة البناء أو التغيير بدلًا من الاستسلام لما آلت إليه الأوضاع، وهذا الانفعال المركب ساهم في خلق مصدرًا قويًا للتعبير الإبداعي سواء في الأدب، الشعر، الفن وكذلك مصدرًا للصراع الداخلي إذ أن هماك حالات لم يتم التعامل معها.
وتعد الهوية والانتماء من المفاهيم العلمية والفلسفية، إذ يشير علم النفس الاجتماعي إلى أن الانتماء هو حاجة إنسانية أساسية لا تقل أهمية عن الاحتياجات الفيزيولوجية فوجود الإنتماء هو استفتاء يومي حسب رأي ارنست رينان، فالإنتماء يقدم للأفراد الأمان، المعنى، قيمة الذات، وسياقًا لفهم تجربتهم في العالم، وهذا الانتماء يكون أحيانًا صعب التوجيه لأنه مدفوع بذكريات، تجارب، تحولات ثقافية، وحب عميق راسخ حتى لو عانى الوطن!
وتشبه العلاقة بين الانفعال العاطفي والوطن إلى حد ما ما تسميه بعض النظريات النفسية بالمكان كمشاعر أو place attachment حيث المكان يصبح معادلًا في النفس للذاكرة والهوية والرغبات التي يستحيل فصلها عن الذات، وهذا ينسجم مع قول عالم النفس البيئي سوزان كلايتون: “إن الأماكن التي نعيش فيها تصبح جزءًا من هويتنا، لأنها ترتبط بذكرياتنا وتجاربنا ومشاعرنا، وتصبح بمرور الوقت جزءًا من مفهومنا عن ذواتنا”.