اللــوح الأول
صريرُ مزاليجِ البوابةِ المغلقة لفتَ انتباهَ الكاهنِ المسنِّ، فاستدارَ ليرى رفيقَه الكهلَ يزيحُ ذراعَ العضادةِ التي اعترضتْ طريقَهُ.
انتظرتُكَ طويلاً! موبخا تلقاه الكاهن المسن بتقاطيع وجهه الغاضبة وهو يحاول ان يبدو متماسكا، المسن الذي ظل واقفا في منتصف الحجرة المعتمة باستثناء كوة صغيرة بالكاد نفذ عبرها الضوء الخافت الذي اضاء ارضية الحجرة المعبدة بالآجر المفخور كما كشفت عن الخطافات التي تدلت من جذوع الصفصاف المستديرة المستقيمة التي اسندت حصران سعف النخيل التي منعت التراب من التساقط ، ليس بالأمر الملفت ان ترى مخابئ طائر الخفاش بل سترى الطائر الزاحف نفسه وهو يزحف بمشقة بين الجذوع التي رصت الواحد الى جنب الاخر يتفقد طريقه عبر العتمة ليحلق في ظلام المدينة التي يلفها الصمت. هناك ثمة اردية قديمة بالية علقت بالخطافات كما علقت عذوق التمر الناضج وعناقيد العنب وقلائد التين المجفف كما رصت على الحائط اكياس الخيش المملوءة بحبوب القمح والشعير واللوز. ستملأ خياشيمك رائحة النخر الذي شق دهاليزه في الجذوع القديمة في المكان الذي يبدو ساكنا وقديما، بل بدت الحجرة كما لو انها مذ شيدت بالآجر المفخور المهندم كانت على ماهي عليه منذ الازل، لم تتغير سوى عذوق التمر وسلالات الخفافيش التي تناسلت عبر الاعوام الطويلة وهي تلوذ في شقوقها في جذوع السقف بينما المقتنيات القديمة التي تناثرت في زوايا الحجرة المظلمة لم تمس منذ الفي عام. هناك تجويف امتد في حائط الحجرة رصت عليه الالواح الطينية المفخورة ، سترى اختاما نحاسية ملطخة بصدأ اخضر وجرار النبيذ الزجاجية الكبيرة الفارغة، حين أُزيحتْ ضلفتا البوابةِ الكبيرةِ و تدفقَ ضوءُ الظهيرة الساطع غامراً المكانَ المعتمَ، في تلك اللحظة التي اتسعت فيها فتحة البوابة اعترضَت مساقط الضوء الكاهنُ المسنُّ بثوبهِ الأبيضِ؛ بدا أشبهَ بملاكٍ عجوز مرهقٍ تخلص من تقطيب الغضب الذي اعترى وجهه وهو يسندُ هيكلَهُ الضامرَ بعصاً تنتهي بمقبضٍ مزينٍ بأكرةٍ نحاسية. أما الكاهنُ الكهلُ، الذي تسمر في مكانه عند المدخل، فقد أحاطَ به السطوعُ حتى وقفَ في هالة الضوء الساطع واجماً كشبحٍ أسودَ، يشبك يديه على بطنه الضامر تستطيع ان تكتشف تذمره وهو يردد بصوتٍ خافت:
-أشعرُ بألم شديد يبدو أنني مرضتُ بسببِ الطعامِ الذي تناولتُه.
-قلتُ لكَ أن تصومَ وتمتنعَ عن تناول الطعام.
-ـوكيف لجائع أن يترنمَ بالتراتيلِ من الليل حتى فجرِ اليومِ التالي؟
بنبرة غاضبة ردَّ الكاهن المسنُّ:
-ـكنتُ أعرفُ أنكَ لا تبالي بالوصايا، رغم أن واجباتِكَ تقتضي الزهد والصيامَ طوالَ الوقت.
– إنها إرادةُ الآلهة!
– ليكن صوتك شجيا فالكاهنة بنفسها ستكون هناك
– الكاهنة؟
– والالهة ايضا
عبر الدهليز المعتم المعقود بالآجر، سلك الكاهنان طريقهما الى حجرة قدس الاقداس، المكان الاكثر قدسية وطهرا، استغرقهما الصمت والوجوم وهما يقطعان الدهليز الطويل بخطواتهما المتمهلة ، بينما نهاية العصا الكاهن المسن تطرق الممر المعبد بإيقاع رتيب
انسدلتْ طياتُ الرداءِ الكهنوتيِّ الأبيضِ الطويل، بحاشيتهِ المزينةِ بأزاهيرِ البابونجِ البيضِ، والمنقوشةِ بأكاليلِ اوراق الصفصافِ المطرزةِ بخيوطٍ ذهبيةٍ على كتفِ الكاهنِ الأيسر. كان حاسرَ الرأسِ كما جرتْ العادةُ عندما يعد الكهنةِ انفسهم لولوج حجرة الحرمِ المقدس، او قدس الاقداس المحرم ، المكان الاكثر غموضا باستثناء الملك نفسه والكاهنة واكليروس الكهنة الذين يرعون المكان لا احد هناك يستطيع دخول المكان الاكثر سرية ، اذ يحلُّون “العصابةَ” بطياتِها الثلاثِ التي تلف حول الراس عند المدخلِ قبل ان يقوم الكاهن المختار بالطقوس والشعائر. كانت جبهتُه العاليةُ تلمعُ إثرَ الصلعِ حين انكسرَ عليها ضوءُ الشموع الداخن التي رصت في شمعداناتِ حرمِ آنو البرونزية.
كان كاهنا فطنا يستطيع ان يلتقط بأذنيه ما لم يستطع غيره سماعه ويرى بجفنين مغلقين ما يغيب عن بصر الاخرين حتى بات يستطيع ان يتنبأ بالأحداث قبل ان تقع ، اختياره لمهمة انشاد قصائد الترانيم المقفاة لم يكن بالأمر الذي يحدث مصادفة او بلا ترتيب اعد له بتمهل، على أي حال اختياره لمهمة الانشاد لم يكن سرا، إنَّ اختيارَ احد كهنِة محفل رهابنة المعبد لم يكن في أي يوم منذ اقيم الطقس الاول اختيارا عفويا او ان يتم بمحض المصادفات التي يصنعها الحظ او كما تشاء الاقدار؛ كل شيء اعد بحرص شديد بما فيها التفاصيل الصغيرة التي لا تلفت اليها انتباه الاخرين، ذلك ما اخبرهم به كبير الكهنة، فالاختيارُ كان أكثرُ تعقيداً من مجردِ وضعِ أحدهم ليترنمَ في قدسِ الأقداس، كان الاكليروس يخضعُون الكاهن المختار لاختبارٍ قاسٍ لا ينتهي عندَ حفظِ ترانيمِ التمجيدِ، تلك القصائدِ الطويلةِ المقفاةِ التي تنتهي كلُّ اثنتي عشرةَ مقطوعةً منها بقافيةٍ موحدة، التي تتغنى بالإله الخارق الذي لا يشبه سواه في عظمته وجبروته ولا يبدأ بالمعاييرَ الجماليةٍ الصارمة التي وضع اسسها كهنة المعبد منذ ألف عام مضت ؛ يشترط في الكاهن أن يكون بتقاطيع وجه متناسقة وسيما، قد يخفف هذا الشرط اذا كان يتمتع بصوت اسر وان يكون مكتملَ الجسدِ بلا عاهات تشوه هيكله، عليه ان يدرك حقيقة مهمته المقدسة فهو الخيطُ الرفيعُ الواهن الذي يصلُ ما بين النورِ والظلام، أو كما كان يصفهم الكاهنُ المسنُّ وهو يلقنهم الاسرار في بيت الرب قبل تكريسهم ككهنة ورهبان :
انتم الحبلُ السريُّ بيننا والمقدسِ ولكن حين تدنس الطقوس سينهار كل شيء وسيلتهمنا جميعا العماء! فيختم كلامه مؤكدا عليهم بنظراته وهو يتفقد الاختلاجات الروحية التي ترتعش في تقاطيع وجوههم الحليقة:
-مصير المدينة بين ايديكم !
الكاهنُ الكهل الواقف عند مدخل الحجرة في تضاد مع الضوء الساطع الذي غمر الكاهن المسن ، كان في منتصفِ عقدهِ الرابع، نال تكريس الكاهن الاعظم في بيت الرب ليكون منشدا في قدس الاقداس لأنه يتمتعُ بصوتٍ شجي وقدرةٍ لا يملكها غيره على تنغيمِ صلواتهِ بشجنٍ عميق فهو احترف الغناء منذ كان صبيا صغير السن او كما يقال منذ نعومة اظفاره ورث نعمة الصوت من والدته التي شغلت بصوتها الرقيق ذاكرة قريتها الصغيرة التي شغلت بنخيلها الباسق شاطئ الفرات. كانت تقاطيع وجهه متناسقة كما يجب ان يكون الكاهن الذي يرتل الاناشيد في قدس الاقداس ، بعينيه السوداوين القلقتين وانفه الاقني البارز تحيط به وجنتان بارزتان وفم بشفتين مضمومتين يتوسط فكا عريضا ينتهي بحنك مستدير ببشرة تشبه لون القمح ، منتصب القامة بطول ستة اقدام، كان رشيقا جميلا ومتناسقا، ببطن ضامر عريض المنكبين، في حقيقة الامر، اختيرت هذه السمات الفريدة لندرتها اذ من الصعب ان تجتمع هذه الصفات جميعا كالجمال والصوت الاسر في شخص واحد، سيجدون الصوت الاسر ولكنهم لن يعثروا على القوام الجميل، يحدث ذلك لإشباع غرور الكاهنة المتطلبة التي تجد نفسها مأخوذة بمعايير الجمال الصعبة التي تضعها عند اختيار المنشدين، لا احد يستطيع اقناعها بقبول معايير اقل تزمتا مما تريده لمنشدها الفاتن بما فيهم كبير الكهنة المسن الذي استسلم مرغما لاشتراطاتها فهي الكاهنة الاكثر سموا في المعبد الابيض، وهي الاقرب للعاهل نفسه بنسب الدم فهي تنتسب للعائلة الملكية التي توارثت الحكم منذ مئتي عام، انها ايضا العرافة التي تقرا طالع العاهل نفسه وتخبره بما تخبئه الاقدار لمملكته العتيدة ، في الطقس المقدس نفسه هناك ايضا الفتي ابن السابعة عشرة الذي لم ينل بعد صفة راهب ذلك الفتى الجميل الذي سيكون الراهب البتول، الذي لم يسبق له ان وطأ في حياته امرأة، سيكون حاضرا في حرم الاله المقدس طالما لا احد يملك حق دخول قدس الاقداس باستثناء الملك الذي يروق له التعبد هناك حينما يكون مزاجه معتدلا، فهي الوحيدة من بين شخصيات محفل الكهنة التي تملك حق الدخول الى الحرم برفقة الملك او بمفردها، الا انها لا تلج الممر الطويل المضاء بالشمعدانات والمعطر بالمباخر في طريقها الى المكان المقدس بلا مرافقة اولئك الكهنة المختارين، اذ اعتادت ان يسبقها الراهب الذي اختارته بالدخول الى الحرم المعتم بدوامات دخان المباخر وضوء الشموع الخافت.
تدلت طياتُ رداء الكاهن المسن السميكةُ حتى لامست بلاطَ المعبدِ. أما كتفُه الأيمنُ الذي لوَّحتْهُ شمسُ أوروك بلونها القمحيِّ، ظلَّ مكشوفا، بينما تدلتْ أطرافُ عقدةِ الرباطِ الفيروزيةِ التي شدَّتْ وسطَهُ حتى كادت تلامسُ بلاطَ الاجر المزجج ببريقِه الشديد. وبالقدرِ الذي كان فيه مظهرُه مهيباً، كان يبذلُ جهداً مضنياً لكتمانِ تذمُّرِه؛ فالبؤسُ طال الجميع، أما الأسوأُ، فهو الخوفُ من المجهولِ، بعد ان نصب ولي العهد الفتي ابن الثالثة عشرة ملكا في اليوم التالي لوفاة الملك لوكال بندا، يستطيع الكاهن ان يرى القلق في نظراتهم وحنط تفكيرهم بالعجز حتى بات الخوف من المجهول الهاجس الذي شلَّ تفكيرهم من نوباتِ الغضبِ التي تداهم العاهلَ فيزحف في عقله سوء الظن الذي طال الجميع
ردد الكاهن لنفسه متمتما دونما ان يفطن الى مرافقه الكهل الذي فك تصالب يديه على بطنه:
– يوم بعد اخر يؤكد لنا بانه لا يشبه غيره في تمرده على الأقانيم.
– ماذا؟
– لا شيء
لم يكن بالأمر الصعب على الكاهن الكهل فهو يدرك مغزى كلام رفيقه المسن فكلاهما يعيشان المأزق نفسه، رد الكهل بصوت عال
– حقا انه لا يشبه غيره فيما يقوم به
الكاهن المسن حاول ان يهرب من تبادل الكلام فيما كان يفكر به في تلك اللحظة عندما حث خطاه مستندا على عصاه الا ان وهن عظامه سبب له الما شديدا، قال ممتعضا :
– لم اعد كما كنت لكي اسرع قبل ان تسبقنا الكاهنة
– اننا مبكرون وسنسبقها بدخول المعبد
الكاهن المسن كان يدرك مأزق الملك الفتي، الذي يحاول التخلص من وساوس يقظته المريرة والشكوك التي انتابت تفكيره حتى طالت الجميع بالإيغال في اشد الاساليب قسوة للتخلص من المقربين بتهمة الخيانة، بينما الملل الذي تسلل الى لياليه التي لا تنتهي قاده الى إشباع نزواتِه.
لا الكهنة ولا الكاهنة نفسها استطاعت ان تجد مبررا للحق الغريب الذي منحه لنفسه الذي يحق له نيل الليلة الاولى فما من عذراء سواء كانت سليلة الاسر العريقة او غير العريقة تذهب الى عريسها قبل ان ينال منها بهتك عذريتها على سريره، انهم يدركون تفاقم الغضب الذي يغلي في صدورهم ولكن ما من احد هناك يجرؤ على مواجهة جبروت العاهل ، يوارون الغضب الذي لا يجد له منفذا فيخمد تحت رماد مخادع طالما الجمر يزداد اشتعالا وتوهجا، يدركون ان الخوف من الموت لم يكن السبب الذي اعترض طريقهم ولكن العذاب المرير الذي لايشبه أي عذاب اخر الذي تعرض له بعضهم بات معه الموت هبة للخلاص، كان تعذيبا بشعا اذ يغرز الجلادون خطافاتهم التي تشبه المخالب ببطء شديد بينما صراخ الضحية يمزق الصمت الذي خنق انفاس اولئك المذعورين الذين ارغموا على ان يكونوا شهود التعذيب في الميدان الكبير، تلك المشاهد المروعة التي تنتهي بانتزاع احشاء الضحية الذي يكون يقظا وشاهدا لما يحدث له، فهو يرى ما يجري له، فالجلاد كان حريصا ان لا تفقد الضحية وعيها. حدث ذلك لأن الفتى ابن السابعة عشرة تزوج سرا وفوت فرصة العاهل في نيل ليلته الاولى.
ولكن الامر نفسه كان مؤلما ومحزنا حتى لأقرب الناس اليه، فها هي المرأة التي انجبته، سيدة القصر وحرم العاهل الممجد لوكال بندا كانت تدعو الهها ان يخفف من وطأة شراسة ابنها ورغباته التي لا ترد فالمدينة نفسها ما عادت تستطيع ان تتنفس او حتى ان تلتقط انفاسها، فالناس كانوا يختنقون ولا حل هناك ينقذهم من سطوته سوى التضرع للآلهة التي بدت هي الاخرى متواطئة ضدهم.
– إنها إرادةُ الآلهة!
انها ارادة الالهة او مشيئتها انه الامر الذي يجعل من الشقاء قدرا كتب عليهم منذ الازل قدرا مظلما عليهم تقبله باي حال.
– ادرك انها ارادة الالهة ها نحن ننتظر حتى تبت امرا اخر ليس امامنا من حل سوى الخضوع لمشيئتها.
عدنان لفتة السماوي
التعليقات