حين يكون المسرح منقذا                                                                                    

صورة الكاتب
بقلم: طالب کاظم
التاريخ: 14 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2991
حين يكون المسرح منقذا                                                                                    

 

حين يكون المسرح منقذا 

حين يخفق المسرح  في انقاذ المجتمع . فالثوابت الفكرية التي تحققت عبر حياة الفرد  مختزلا تجاربه وتصوراته الفكرية والاخلاقية  الى  ما يشبه المسلات المتحجرة التي يصعب تفكيك بنيتها  بعرض مسرحي  يهدف الى تثوير  هذه النية وتفكيك جمودها  وانغلاقها  فالحديث  يبدو خجولا ومرتبكا  والى حدما محرما فهي المنطقة المضللة بالرماد  التي تسيء الى ثوابت المسرحيين وقناعاتهم الفكرية فالمأزق التاريخي المعرفي  الذي يمر به المسرح العراقي المعاصر  الذي قام على اسس فكرية  وفنية عالمية  من مايرخولد الى بريشت  وبيتر بروك وغيرهم ..الخ  يبدو شائكا  بسبب من اخفاقه  المزمن في انقاذ ما يمكن انقاذهم من العماء الفكري والجمالي الذي اطبق بحصاره حولنا برغم الابستملوجيا الواعدة التي تبناها المسرح العراقي خلال حياته التي امتدت لأكثر من قرن حيث تؤرخ بداياته بأول عرض مسرحي قدم للجمهور  في مدينة الموصل  عام 1898 *

ارى ان شجاعة التحول  من خطاب يستهدف البالغين إلى المناورة  باعادة بناء هيكل وعي الفتية يصبح اكثر جدوى .

الرومانسية المسرحية

طالما رددت الأوساط الثقافية مقولة لينين الشهيرة: “أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطيك شعباً مثقفاً”، وهي مقولة استندت إلى تفاؤل تاريخي يرى في الخشبة أداة سحرية لتحويل الوعي الجمعي. إلا أن القراءة الفاحصة لمسار المسرح لا سيما الاشتراكي منه   تكشف عن إخفاق بنيوي في إحداث تغيير إبستمولوجي حقيقي لدى الجمهور البالغ. يتعين علينا ان نذهب بملء ارادتنا  الى تفكيك مسببات هذا الإخفاق، مقترحاً تحولاً جذرياً نحو فئة الفتيان كخيار تربوي اكثر جدوى كضرورة معرفية ووجودية. هناك ثمة  سبب يدفعني الى  تغيير وجهتنا والانغمار  في مسرح يستهدف جمهوره  الفتي الذي يبحث عن ثوابت فكرية  لم تتحول بعد الى ثوابت عقائدية يصعب ازالتها كما حدث للناضجين

اولا: جدار الثبات المعرفي لدى الناضجين:

لاننا ندرك ذلك  الثبات  فالمتلقي البالغ  يدخل قاعة المسرح كبنية معرفية مكتملة يصعب تغيير ثوابتها  لمجرد اننا نرغب في  احداث ذلك. استناداً إلى نظرية التنافر الإدراكي (Cognitive Dissonance) لـ “ليون فستنغر”، نجد أن البالغ يمتلك جهازاً مناعياً فكرياً يرفض كل ما يزعزع ثوابته. فالمتلقي الذي نشأ على ثوابت مغايرة  على سبيل المثال قد يُعجب بجماليات عرض ينادي بافكار تناقض ثوابته تلك على سبيل الاكتشاف  ، لكنه في حقيقة الامر يمارس عملية “عزل ” حيث يستمتع بالصورة كتعويض جمالي عن قبح الواقع، بينما تظل ثوابته المعرفية  عصية على الزحزحة .

انها عملية  التلقي التي يتحول فيها  المسرح من مختبر معرفي وجمالي للتغيير عبر عملية الهدم والبناء المتواصلة إلى ” ليس اكثر من” فسحة مؤقتة لالتقاط الانفاس  و شقة للنظر يبحث فيها الناضج عن متعة بصرية مؤقتة، أو نافذة جمالية يطل منها على يوتيبيا  مفقودة يأمل  بأن تكون موجودة رغم  شعوره استحالة ذلك ، دون أن يمتلك الرغبة أو القدرة على هدم جدرانه الفكرية وإعادة بنائها.

ثانياً: سيكولوجيا التلقي والهروب

إن لجوء الناضج للمسرح في ظل الانهيارات سواء كانت اجتماعية  ثقافية فكرية  لا يعد  بحثا عن  حل  او لتقليد فعل تثويري  يقدمه العرض المسرحي ، في حقيقة الامر  المتلقي الناضج بحث عن عزاء روحي. يتفق هذا مع طروحات مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر) حول مفهوم “صناعة الثقافة”، حيث يتم استيعاب الفن داخل المنظومة ليصبح صمام أمان يمتص غضب الجماهير بدلاً من توجيهه. فالدمعة التي يذرفها البالغ في المسرح هي تفريغ لشحنة عاطفية تمنحه شعوراً زائفاً بالرضا عن الذات، مما يكرس ثباته الفكري بدلاً من خلخلته. كما في الطروحات اليونانية القديمة ، نتحدث هنا عن عملية التطهر  والشفاء الروحي بشكلها الكلاسيكي التي وردت في كتاب الشعر  لارسطو

ثالثاً: الرهان على ديناميكية ومرونة الوهي  للفتيان

تكمن الفجوة الإبستمولوجية التي أغفلها المسرح التقليدي في تجاهل “المرونة العصبية” (Neuroplasticity) لدى الفتية. فبينما يواجه المسرح مع الكبار صخوراً صلدة يصعب تفتيتها  لاننا نرغب في ذلك ، يجد في ذهن الفتية أرضاً خصبة  لوعي في طور التشكل.

ليس بالضرورة التذكير بإن مرحلة الفتوة تعد “نافذة إدراكية” اولى يبدأ فيها تشكل التفكير التجريدي وصياغة الهوية المعرفية بناء على منظور بياجيه و فيغوتسكي، يعمل المسرح كـ “منطقة تطور قريب”، حيث لا يكتفي بنقل المعلومات والمفاهيم  والخبرات فحسب ، بل يمنح الفتى أدوات التفكير النقدي قبل أن تتشكل لديه قائمة “الأصنام المقدسة” ومحرماتها التي تحجب الرؤية  عن الكبار.

رابعاً: نحو مسرح  هندسة  المعرفة

إن التحول نحو مسرح الفتيان يعني الانتقال من “مسرح العرض والمشاكسة الفكرية التي لا تفضي الى حل بقدر  اثارتها لتفكير سرعان ما يخمد ما ان يغادر الجمهور عرضهم المسرحي  فالمسرح   وجد للترفيه والمؤانسة  فالذهاب  إلى “مسرح التأسيس” يعد امرا  يجب ان ينظر اليها بالاهتمام الذي يستحقه،  إن فشل المسرح في تثوير المجتمعات التقليدية التي غفت مطمئنة الى ثوابتها  الفكرية والاخلاقية  يعود إلى كونه خاطب اولئك الذين فاتهم القطار، بينما الحل يكمن في صياغة وعي من يمسكون بزمام الرحلة القادمة. إن المسرح الموجه للفتيان هو وحده القادر على زراعة “شكوك منهجية” ورؤى جمالية متجددة تصبح مع مرور الوقت جزءاً من ثوابت نسيجهم المعرفي.

خاتمة:

آن الأوان للكف عن تجميل عجز المسرح أمام ثبات قناعات الكبار التي باتت مثابات فكرية مقدسة. علينا ان ندرك إن المسرح الحقيقي ليس ذاك الذي يمنح الناضج استراحة مؤقته لمتعة بصرية  تنقذه من قبح الواقع، طالما  المسرح الحقيقي هو الذي يبني في وعي الفتى واقعاً جديدا ومغايرا  إن مقولة لينين لن تستعيد عافيتها إلا إذا أدركنا أن الشعب المثقف الذي نسعى اليه  يبدأ من الفتى المتسائل.

*  تعد مسرحية “كوميديا آدم وحواء” التي قُدمت في مدينة الموصل عام 1898 علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي، وهي تؤكد ما ذهبتَ إليه في طروحاتك حول دور “التأسيس” في المراحل المبكرة.

  1. هوية العرض: كوميديا آدم وحواء (وفي بعض المراجع تُذكر باسم رواية آدم وحواء).قدمها طلاب “مدرسة الآباء الدومنيكان” في الموصل. كانت الإرساليات التبشيرية تلك تمتلك أدوات تثقيفية مؤثرة، وكان المسرح بالنسبة وسيلتهم التعليمية لإيصال القصص الديني والقيم الأخلاقية .

عن الکاتب / الکاتبة

طالب کاظم
طالب کاظم
باحث وناقد/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

الأثر والنتيجة

الأثر والنتيجة

الأثر والنتيجة سحق ثقافة الاطفال بين فكي الاهمال والبلادة الأمر لا يتطلب منا وضع التأكيدات…

صورة الكاتب طالب کاظم
12 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حين يكون المسرح منقذا                                                                                    

بقلم: طالب کاظم | التاريخ: 14 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

 

حين يكون المسرح منقذا 

حين يخفق المسرح  في انقاذ المجتمع . فالثوابت الفكرية التي تحققت عبر حياة الفرد  مختزلا تجاربه وتصوراته الفكرية والاخلاقية  الى  ما يشبه المسلات المتحجرة التي يصعب تفكيك بنيتها  بعرض مسرحي  يهدف الى تثوير  هذه النية وتفكيك جمودها  وانغلاقها  فالحديث  يبدو خجولا ومرتبكا  والى حدما محرما فهي المنطقة المضللة بالرماد  التي تسيء الى ثوابت المسرحيين وقناعاتهم الفكرية فالمأزق التاريخي المعرفي  الذي يمر به المسرح العراقي المعاصر  الذي قام على اسس فكرية  وفنية عالمية  من مايرخولد الى بريشت  وبيتر بروك وغيرهم ..الخ  يبدو شائكا  بسبب من اخفاقه  المزمن في انقاذ ما يمكن انقاذهم من العماء الفكري والجمالي الذي اطبق بحصاره حولنا برغم الابستملوجيا الواعدة التي تبناها المسرح العراقي خلال حياته التي امتدت لأكثر من قرن حيث تؤرخ بداياته بأول عرض مسرحي قدم للجمهور  في مدينة الموصل  عام 1898 *

ارى ان شجاعة التحول  من خطاب يستهدف البالغين إلى المناورة  باعادة بناء هيكل وعي الفتية يصبح اكثر جدوى .

الرومانسية المسرحية

طالما رددت الأوساط الثقافية مقولة لينين الشهيرة: “أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطيك شعباً مثقفاً”، وهي مقولة استندت إلى تفاؤل تاريخي يرى في الخشبة أداة سحرية لتحويل الوعي الجمعي. إلا أن القراءة الفاحصة لمسار المسرح لا سيما الاشتراكي منه   تكشف عن إخفاق بنيوي في إحداث تغيير إبستمولوجي حقيقي لدى الجمهور البالغ. يتعين علينا ان نذهب بملء ارادتنا  الى تفكيك مسببات هذا الإخفاق، مقترحاً تحولاً جذرياً نحو فئة الفتيان كخيار تربوي اكثر جدوى كضرورة معرفية ووجودية. هناك ثمة  سبب يدفعني الى  تغيير وجهتنا والانغمار  في مسرح يستهدف جمهوره  الفتي الذي يبحث عن ثوابت فكرية  لم تتحول بعد الى ثوابت عقائدية يصعب ازالتها كما حدث للناضجين

اولا: جدار الثبات المعرفي لدى الناضجين:

لاننا ندرك ذلك  الثبات  فالمتلقي البالغ  يدخل قاعة المسرح كبنية معرفية مكتملة يصعب تغيير ثوابتها  لمجرد اننا نرغب في  احداث ذلك. استناداً إلى نظرية التنافر الإدراكي (Cognitive Dissonance) لـ “ليون فستنغر”، نجد أن البالغ يمتلك جهازاً مناعياً فكرياً يرفض كل ما يزعزع ثوابته. فالمتلقي الذي نشأ على ثوابت مغايرة  على سبيل المثال قد يُعجب بجماليات عرض ينادي بافكار تناقض ثوابته تلك على سبيل الاكتشاف  ، لكنه في حقيقة الامر يمارس عملية “عزل ” حيث يستمتع بالصورة كتعويض جمالي عن قبح الواقع، بينما تظل ثوابته المعرفية  عصية على الزحزحة .

انها عملية  التلقي التي يتحول فيها  المسرح من مختبر معرفي وجمالي للتغيير عبر عملية الهدم والبناء المتواصلة إلى ” ليس اكثر من” فسحة مؤقتة لالتقاط الانفاس  و شقة للنظر يبحث فيها الناضج عن متعة بصرية مؤقتة، أو نافذة جمالية يطل منها على يوتيبيا  مفقودة يأمل  بأن تكون موجودة رغم  شعوره استحالة ذلك ، دون أن يمتلك الرغبة أو القدرة على هدم جدرانه الفكرية وإعادة بنائها.

ثانياً: سيكولوجيا التلقي والهروب

إن لجوء الناضج للمسرح في ظل الانهيارات سواء كانت اجتماعية  ثقافية فكرية  لا يعد  بحثا عن  حل  او لتقليد فعل تثويري  يقدمه العرض المسرحي ، في حقيقة الامر  المتلقي الناضج بحث عن عزاء روحي. يتفق هذا مع طروحات مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر) حول مفهوم “صناعة الثقافة”، حيث يتم استيعاب الفن داخل المنظومة ليصبح صمام أمان يمتص غضب الجماهير بدلاً من توجيهه. فالدمعة التي يذرفها البالغ في المسرح هي تفريغ لشحنة عاطفية تمنحه شعوراً زائفاً بالرضا عن الذات، مما يكرس ثباته الفكري بدلاً من خلخلته. كما في الطروحات اليونانية القديمة ، نتحدث هنا عن عملية التطهر  والشفاء الروحي بشكلها الكلاسيكي التي وردت في كتاب الشعر  لارسطو

ثالثاً: الرهان على ديناميكية ومرونة الوهي  للفتيان

تكمن الفجوة الإبستمولوجية التي أغفلها المسرح التقليدي في تجاهل “المرونة العصبية” (Neuroplasticity) لدى الفتية. فبينما يواجه المسرح مع الكبار صخوراً صلدة يصعب تفتيتها  لاننا نرغب في ذلك ، يجد في ذهن الفتية أرضاً خصبة  لوعي في طور التشكل.

ليس بالضرورة التذكير بإن مرحلة الفتوة تعد “نافذة إدراكية” اولى يبدأ فيها تشكل التفكير التجريدي وصياغة الهوية المعرفية بناء على منظور بياجيه و فيغوتسكي، يعمل المسرح كـ “منطقة تطور قريب”، حيث لا يكتفي بنقل المعلومات والمفاهيم  والخبرات فحسب ، بل يمنح الفتى أدوات التفكير النقدي قبل أن تتشكل لديه قائمة “الأصنام المقدسة” ومحرماتها التي تحجب الرؤية  عن الكبار.

رابعاً: نحو مسرح  هندسة  المعرفة

إن التحول نحو مسرح الفتيان يعني الانتقال من “مسرح العرض والمشاكسة الفكرية التي لا تفضي الى حل بقدر  اثارتها لتفكير سرعان ما يخمد ما ان يغادر الجمهور عرضهم المسرحي  فالمسرح   وجد للترفيه والمؤانسة  فالذهاب  إلى “مسرح التأسيس” يعد امرا  يجب ان ينظر اليها بالاهتمام الذي يستحقه،  إن فشل المسرح في تثوير المجتمعات التقليدية التي غفت مطمئنة الى ثوابتها  الفكرية والاخلاقية  يعود إلى كونه خاطب اولئك الذين فاتهم القطار، بينما الحل يكمن في صياغة وعي من يمسكون بزمام الرحلة القادمة. إن المسرح الموجه للفتيان هو وحده القادر على زراعة “شكوك منهجية” ورؤى جمالية متجددة تصبح مع مرور الوقت جزءاً من ثوابت نسيجهم المعرفي.

خاتمة:

آن الأوان للكف عن تجميل عجز المسرح أمام ثبات قناعات الكبار التي باتت مثابات فكرية مقدسة. علينا ان ندرك إن المسرح الحقيقي ليس ذاك الذي يمنح الناضج استراحة مؤقته لمتعة بصرية  تنقذه من قبح الواقع، طالما  المسرح الحقيقي هو الذي يبني في وعي الفتى واقعاً جديدا ومغايرا  إن مقولة لينين لن تستعيد عافيتها إلا إذا أدركنا أن الشعب المثقف الذي نسعى اليه  يبدأ من الفتى المتسائل.

*  تعد مسرحية “كوميديا آدم وحواء” التي قُدمت في مدينة الموصل عام 1898 علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي، وهي تؤكد ما ذهبتَ إليه في طروحاتك حول دور “التأسيس” في المراحل المبكرة.

  1. هوية العرض: كوميديا آدم وحواء (وفي بعض المراجع تُذكر باسم رواية آدم وحواء).قدمها طلاب “مدرسة الآباء الدومنيكان” في الموصل. كانت الإرساليات التبشيرية تلك تمتلك أدوات تثقيفية مؤثرة، وكان المسرح بالنسبة وسيلتهم التعليمية لإيصال القصص الديني والقيم الأخلاقية .