“التراث هوية المدينة والمجتمع” رحلة إلى افتتاح متحف البيت الحلي للتراث في بابل

صورة الكاتب
بقلم: د. صالح الشريف
التاريخ: 11 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2883
“التراث هوية المدينة والمجتمع” رحلة إلى افتتاح متحف البيت الحلي للتراث في بابل

“التراث هوية المدينة والمجتمع”
رحلة إلى افتتاح متحف البيت الحلي للتراث في بابل

تحدي بطعم النصر
الساعة الرابعة فجراً، ولم أكتفِ من النوم رغم ارتفاع حرارة الجو داخل المكتب، المكان الذي اعتدت عليه منذ مزاولتي مهنة الإعلام.
لكن اليوم غير. اليوم موعد مع حكاية قررت أن أجسدها على أوراقي الناصعة البياض كقلبي. هذه خيوطها الأولى: تحت شعار “التراث هوية المدينة والمجتمع”، فتح متحف البيت الحلي للتراث أبوابه يوم الجمعة 8 أيار 2026، الساعة 3 عصراً، في بوابة بابل – شارع 100 محيزم.
الوقت مبكر، لكن الوقت كالسيف. فبعد العزم والتوكل على الله، توجهت إلى عاصمة الدنيا وحبيبة قلبي الأوحد “بغداد”. كان لدي موعد مهم مع شخصيتين كبيرتين بالنسبة لي، زميلتيْن في مهنة الصحافة والإعلام المتعبة:
الإعلامية لمى الجبوري من السيدية، التي تهتم بالشأن المجتمعي وتوثق قصص الناس لتبقى في ذاكرة الوطن.
والمستشارة الإعلامية بيداء الربيعي، صاحبة الاهتمام الواضح بالتراث، وحفيدة “علي جاوش” أحد المؤسسين السبعة للفوج الأول “موسى الكاظم” عليه السلام، نواة الجيش العراقي الباسل آنذاك.
يجمعني بهن حب العراق وصداقة شارفت على السبع سنوات. لنعد إلى بيت القصيد: البيت الحلي.
وصلنا قبل الموعد بساعتين،( ديوانية – بغداد – بابل)… ما أجملها من رحلة. والأجمل حضور أمنا أم عمار، تلك الإنسانة الطيبة رغم كبر سنها. لما سمعت برحلتنا إلى بابل الحضارة أصرّت أن تأتي معنا. أمام هذه الشيبة المباركة التي تشبه شيبة أمي رحمها الله، لم يكن لنا إلا أن نقول: سمعاً وطاعة.
عند الوصول، وبفضل “ويزو” الذي اختصر علينا الطريق، كان اكتشافنا الأول: مساحة حية للذاكرة والهوية.
البداية:
ترحيب بابلي أصيل”هلا ومية هلا بالجاي لينه”…
وقبل الدخول عليا ان نسلط الضوء على صاحب الدعوة “عبد الرحيم الفتلاوي ” وهنا سأستعير مقابلة للزميل عماد الطيب من صحيفة الزمان (ثقافة شعبية بتاريخ 21تموز 2020م الذي اجده شاملاً في حق صاحبه وبجدارة “عبد الرحيم علي موسى الفتلاوي، فنان مصور يستهوي جمع الأشياء التراثية، تكللت حصيلة تلك الهواية بجمع أكثر من (2200) قطعة تراثيَّة. كل واحدة تحكي جزءاً من تاريخ العراق. يطمح أنْ ينشئ متحفاً خاصاً به، بعدما فتح قاعة خاصة له في متحف الحلة التراثي. شكل الفتلاوي لنفسه سفيراً للعراق بإقامة معارض تراثيَّة في عددٍ من العواصم العالمية والمحلية.
وعن بدايته مع هذه الهواية قال الفتلاوي: «تعود الى فترة الطفولة حيث كنت شغوفاً بجمع الأشياء القديمة وتطورت قبل سنوات فأصبحت أبحث وأجمع الأشياء القديمة التي لها دورٌ في الصناعات وحركة الحياة الاجتماعيَّة».
سألته عن أبرز موجوداته النفيسة فقال: «كل حاجة نفيسة وغنية بالتاريخ وتعبر عن فترة زمنيَّة معينة، فمثلاً خوذة لضابط بريطاني من الحرب العالميَّة الأولى 1914، شارك مع الجيش البريطاني في معركة الرارنجيَّة حصلت عليها من موجودات أحد أقاربي الذي شارك في تلك المعركة وقتل الضابط الانكليزي واستولى على خوذته وسلاحه بندقية البرنو كغنيمة حرب. وبندقية برنو أخرى صنعت في العام 1903. شاركت في الحرب العالمية الأولى 1914 والحرب العالمية الثانية وثورة العشرين وفي حرب فلسطين عام 1948 وكذلك حرب فلسطين عام 1968. وهي من مقتنيات والدي. فضلاً عن فانوس قطار له استخدامات عديدة آنذاك منها الإنارة ومراقبة تلاسق السكك عن تحويل الاتجاه في الليل وفيه فلتر ملون بالأحمر والأخضر والأبيض. ويعملُ هذا الفانوس على النفط. وجهاز راديو نوع ناشيونال ياباني وهو أول راديو دخل العراق يعمل بنظام الترانسستر وهو الجيل الأول بعد أنْ كان يعمل على الصمامات (اللمبه). وجهاز راديو آخر يعمل على اللمبة صنع في العام 1940 يعمل الى الآن على التردد اي ام. ومسجل أبو القوان وهو من الجيل الأول يعمل بنظام النابض والتكويك وليس على الكهرباء أو البطاريَّة. دخل العراق منتصف الثلاثيني، ومسجل شريط أو البكرتين يعمل بنظام الصمامات دخل العراق منتصف الستينيات من القرن الماضي. ويوجد جهاز تلفزيون يطلق عليه الملكي دخل مع افتتاح التلفزيون في العراق عام 1956 وكان يعمل على الصمامات (اللمبة)، لا يمتلكه سوى الملوك والوزراء وكبار التجار وباعة الذهب. وهو متعدد الاجهزة يضم تلفزيوناً وراديو ومن الأعلى مسجل أبو القوانة».
وأضاف «تضم مقتنياتي أول جهاز إنارة للتصوير (فلاش) دخل العراق بداية الخمسينيات حينها أحدث ضجة إعلامية في التصوير الليلي يعمل على الكهرباء بمجموعة متسعات (كنديسرات)، فضلاً عن أول جهاز طبع للصور دخل العراق بداية الأربعينيات لتكبير الصور يعمل على الكهرباء وهو هولندي الصنع. وتوجد كاميرا شمسيَّة وهي من الجيل الأول لكاميرات التصوير الشمسي قبل دخول الكهرباء للعراق صنعت عام 1900».
وأشار الى أنه «يوجد من ضمن المقتنيات «قناع» وهو غطاء يستخدم في ايام البرد في الليل يصنع من خيوط الصوف وبفن يدوي فطري استعمل منذ العام 1850 بصناعات يدوية محلية وبأسر تمتهن الحياكة. وكان من ضمن مقتنياتي الأثريَّة أيضاً الجاون والمجنة وعمره أكثر من قرن من الزمان. وكان ضمن أدوات الزواج الرسميَّة مع باقي المواد المنزلية الاخرى يعمل لتهبيش الحنطة والرز وعمل المدكوكة من التمر والسمسم.
وعثرت في إحدى المدن العراقية على بريمز يعمل بالنفط من الجيل الأول للنفطيات استخدم في صهر الذهب والرصاص، يعود الى أقدم صائغ للذهب في العراق وهو يهودي اسمه الياهو في الديوانية، وحصلت على أباريق نحاسية بأحجام وأشكال منها الاندلسي والاغريقي والفارسي والبغدادي وبريق العروس»
ثم أُذن لنا بالدخول: “تفضلوا اغاتي”.
أول نظرة تقع على بيت طابوقي مشيّد على أرض زراعية يحتضن التاريخ. جدران طابوقية، أقواس بسيطة، سجاد معلق بنقوشه الزاهية، وشبابيك محتشمة بألوان الطيف الشمسي تستر ما وراءها.
هنا تشعر أنك داخل مكان ينبض بالأصالة، ليس متحفاً جامداً، بل بيتاً حياً صار ملتقى للناس والذاكرة بين المقتنيات
الحلة تحكي نفسها:
الداخل يمشي بين مقتنيات تروي حكاية المدينة.
فوانيس قديمة، أسلحة الثوار العراقيين ضد الاحتلال البريطاني، أباريق نحاسية، راديوهات من زمن آخر، وأدوات نُسيت في زماننا هذا لكنها كانت جزءاً من بيوتنا العراقية والبابلية.
الطاولات مغطاة بسجاد تراثي، والرفوف مرتبة بعناية، كأن كل قطعة تنتظر من يسمع قصتها.
فعالية حية لذاكرة بصوت أصحابها المشهد لم يتوقف عند العرض. ناشطة من الحمدانية – الموصل وقفت تروي قصص الرسومات والنقوش التراثية، بينما عرض أحد الضيوف قطعة نسيج مطرزة، شيوخ وأكاديميون جلسوا على العشب يستمعون ببساطة، كأنك في مجلس تراثي مفتوح مع لحظة تفاعلية مع التاريخ أحد الحاضرين ارتدى خوذة جنرال إنكليزي من الأربعينيات، موجودة ضمن مقتنيات البيت، والتقط بها صوراً تذكارية. هنا تتحول المقتنيات من أشياء للعرض إلى تجربة للمعايشة، حيث يلمس الزائر التاريخ بيده.
ملتقى وطني تحت سقف:
احدالصور الجماعية تثبت أن البيت جمع ناساً من كل العراق. زي كردي تراثي يقف جنب بدلة رسمية، نساء بحجاب وأزياء عملية جنب رجال بزي تقليدي. التنوع واضح، لكن الرابط واحد: هو الانتماء للذاكرة المشتركة.
حضور نسوي واجتماعي واسع:
السيلفي وثّق مشاركة لافتة للنساء مع الرجال: إعلاميات، أكاديميات، وناشطات كنّ جزءاً من المشهد. نرفع القبعة للناشطة التراثية عدوية إبراهيم، عضوة مهرجان الأشقاء ورابطة الأفندية والخاتون والمجالس الثقافية البغدادية. البيت موجه للجميع، وليس لجهة معينة.
مسك الختام
أمسية جميلة تحضّرت عفوياً على نغمات كمان شجي، وأغاني المقام العراقي، وأبوذيات من ذاكرة الشعراء، أبدع في إلقائها قامة بابلية شامخة. كانت تغازل الحاضرين وتكرم حضورهم البهي.
نهايةٌ كأنها البداية:
البيت الحلي التراثي اليوم ليس مجرد مكان للعرض، بل منصة ثقافية.
هنا تلتقي ذاكرة الحلة مع ذاكرة حمدانية الموصل عبر “غادة فصيح” من متحف أسلاف، ومن وزيرية بغداد الأميرة بيداء الربيعي، ومن سيديتها إعلاميتنا الكبيرة لمى الجبوري، ومن شارع فلسطين حضرت عدوية إبراهيم، عاشقة العراق وعلمه، عارضة الأزياء والناشطة التراثية .
ومن البصرة الفيحاء حضور بهي تمثل بالحاج ريسان / متحف شناشيل البصرة ، ديوانية الدلة والشعر الدارمي، وهيت نبض الرمادي مهند العفتان.
ومن تكريت الحبيبة عاصمة صلاح الدين، وجلولاء أيقونة ديالى سمير صالح.
ومن كردستان السليمانية، من جمجمان خليفة رنان، ورئيس متاحف كفري أحمد كفري.
ومن السماوة، إرث الفالة والمكوار، بحضور الفنان ساجت الرميثي والتراثي الأصيل عماد السماوي.
ونرفع القبعة للتراثي البغدادي الأصيل الحاج محمد عبد الغفور زبالة الذي أضاف حضوره البهي مع إخوته ملحة المهرجان، بالإضافة الى مؤسسات إعلامية رصينة ساهمة في تغطية الافتتاحية ( وكالة التراث الإخبارية للزميل محمد الحسيني و الوكالة الوطنية شرف برس الإخبارية / التي مثلتها الزميلة الإعلامية لمى الجبوري مديرة مكتب بغداد )
الجميع ساهم في سرد واحد، لتصبح لحمة وطنية تُبنى بالتراث، وبالحكاية، وبالحضور الحي للناس.
في الأخير، اعتذاري عن السرعة في السرد وعدم ذكر كل الأسماء، لكنني أؤمن أنها في القلب جميعاً. فالجميع ينتمي لعراق واحد.

عن الکاتب / الکاتبة

د. صالح الشريف
د. صالح الشريف
کاتب واعلامي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“العراقية لا ‘الزجاجية’ بين الأمس واليوم: صراع الهوية في زمن “السوشيال ميديا “

“العراقية لا ‘الزجاجية’ بين الأمس واليوم: صراع الهوية في زمن “السوشيال ميديا “

“العراقية لا ‘الزجاجية’ بين الأمس واليوم: صراع الهوية في زمن “السوشيال ميديا ” من المسلمات…

صورة الكاتب د. صالح الشريف
24 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“التراث هوية المدينة والمجتمع” رحلة إلى افتتاح متحف البيت الحلي للتراث في بابل

بقلم: د. صالح الشريف | التاريخ: 11 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

“التراث هوية المدينة والمجتمع”
رحلة إلى افتتاح متحف البيت الحلي للتراث في بابل

تحدي بطعم النصر
الساعة الرابعة فجراً، ولم أكتفِ من النوم رغم ارتفاع حرارة الجو داخل المكتب، المكان الذي اعتدت عليه منذ مزاولتي مهنة الإعلام.
لكن اليوم غير. اليوم موعد مع حكاية قررت أن أجسدها على أوراقي الناصعة البياض كقلبي. هذه خيوطها الأولى: تحت شعار “التراث هوية المدينة والمجتمع”، فتح متحف البيت الحلي للتراث أبوابه يوم الجمعة 8 أيار 2026، الساعة 3 عصراً، في بوابة بابل – شارع 100 محيزم.
الوقت مبكر، لكن الوقت كالسيف. فبعد العزم والتوكل على الله، توجهت إلى عاصمة الدنيا وحبيبة قلبي الأوحد “بغداد”. كان لدي موعد مهم مع شخصيتين كبيرتين بالنسبة لي، زميلتيْن في مهنة الصحافة والإعلام المتعبة:
الإعلامية لمى الجبوري من السيدية، التي تهتم بالشأن المجتمعي وتوثق قصص الناس لتبقى في ذاكرة الوطن.
والمستشارة الإعلامية بيداء الربيعي، صاحبة الاهتمام الواضح بالتراث، وحفيدة “علي جاوش” أحد المؤسسين السبعة للفوج الأول “موسى الكاظم” عليه السلام، نواة الجيش العراقي الباسل آنذاك.
يجمعني بهن حب العراق وصداقة شارفت على السبع سنوات. لنعد إلى بيت القصيد: البيت الحلي.
وصلنا قبل الموعد بساعتين،( ديوانية – بغداد – بابل)… ما أجملها من رحلة. والأجمل حضور أمنا أم عمار، تلك الإنسانة الطيبة رغم كبر سنها. لما سمعت برحلتنا إلى بابل الحضارة أصرّت أن تأتي معنا. أمام هذه الشيبة المباركة التي تشبه شيبة أمي رحمها الله، لم يكن لنا إلا أن نقول: سمعاً وطاعة.
عند الوصول، وبفضل “ويزو” الذي اختصر علينا الطريق، كان اكتشافنا الأول: مساحة حية للذاكرة والهوية.
البداية:
ترحيب بابلي أصيل”هلا ومية هلا بالجاي لينه”…
وقبل الدخول عليا ان نسلط الضوء على صاحب الدعوة “عبد الرحيم الفتلاوي ” وهنا سأستعير مقابلة للزميل عماد الطيب من صحيفة الزمان (ثقافة شعبية بتاريخ 21تموز 2020م الذي اجده شاملاً في حق صاحبه وبجدارة “عبد الرحيم علي موسى الفتلاوي، فنان مصور يستهوي جمع الأشياء التراثية، تكللت حصيلة تلك الهواية بجمع أكثر من (2200) قطعة تراثيَّة. كل واحدة تحكي جزءاً من تاريخ العراق. يطمح أنْ ينشئ متحفاً خاصاً به، بعدما فتح قاعة خاصة له في متحف الحلة التراثي. شكل الفتلاوي لنفسه سفيراً للعراق بإقامة معارض تراثيَّة في عددٍ من العواصم العالمية والمحلية.
وعن بدايته مع هذه الهواية قال الفتلاوي: «تعود الى فترة الطفولة حيث كنت شغوفاً بجمع الأشياء القديمة وتطورت قبل سنوات فأصبحت أبحث وأجمع الأشياء القديمة التي لها دورٌ في الصناعات وحركة الحياة الاجتماعيَّة».
سألته عن أبرز موجوداته النفيسة فقال: «كل حاجة نفيسة وغنية بالتاريخ وتعبر عن فترة زمنيَّة معينة، فمثلاً خوذة لضابط بريطاني من الحرب العالميَّة الأولى 1914، شارك مع الجيش البريطاني في معركة الرارنجيَّة حصلت عليها من موجودات أحد أقاربي الذي شارك في تلك المعركة وقتل الضابط الانكليزي واستولى على خوذته وسلاحه بندقية البرنو كغنيمة حرب. وبندقية برنو أخرى صنعت في العام 1903. شاركت في الحرب العالمية الأولى 1914 والحرب العالمية الثانية وثورة العشرين وفي حرب فلسطين عام 1948 وكذلك حرب فلسطين عام 1968. وهي من مقتنيات والدي. فضلاً عن فانوس قطار له استخدامات عديدة آنذاك منها الإنارة ومراقبة تلاسق السكك عن تحويل الاتجاه في الليل وفيه فلتر ملون بالأحمر والأخضر والأبيض. ويعملُ هذا الفانوس على النفط. وجهاز راديو نوع ناشيونال ياباني وهو أول راديو دخل العراق يعمل بنظام الترانسستر وهو الجيل الأول بعد أنْ كان يعمل على الصمامات (اللمبه). وجهاز راديو آخر يعمل على اللمبة صنع في العام 1940 يعمل الى الآن على التردد اي ام. ومسجل أبو القوان وهو من الجيل الأول يعمل بنظام النابض والتكويك وليس على الكهرباء أو البطاريَّة. دخل العراق منتصف الثلاثيني، ومسجل شريط أو البكرتين يعمل بنظام الصمامات دخل العراق منتصف الستينيات من القرن الماضي. ويوجد جهاز تلفزيون يطلق عليه الملكي دخل مع افتتاح التلفزيون في العراق عام 1956 وكان يعمل على الصمامات (اللمبة)، لا يمتلكه سوى الملوك والوزراء وكبار التجار وباعة الذهب. وهو متعدد الاجهزة يضم تلفزيوناً وراديو ومن الأعلى مسجل أبو القوانة».
وأضاف «تضم مقتنياتي أول جهاز إنارة للتصوير (فلاش) دخل العراق بداية الخمسينيات حينها أحدث ضجة إعلامية في التصوير الليلي يعمل على الكهرباء بمجموعة متسعات (كنديسرات)، فضلاً عن أول جهاز طبع للصور دخل العراق بداية الأربعينيات لتكبير الصور يعمل على الكهرباء وهو هولندي الصنع. وتوجد كاميرا شمسيَّة وهي من الجيل الأول لكاميرات التصوير الشمسي قبل دخول الكهرباء للعراق صنعت عام 1900».
وأشار الى أنه «يوجد من ضمن المقتنيات «قناع» وهو غطاء يستخدم في ايام البرد في الليل يصنع من خيوط الصوف وبفن يدوي فطري استعمل منذ العام 1850 بصناعات يدوية محلية وبأسر تمتهن الحياكة. وكان من ضمن مقتنياتي الأثريَّة أيضاً الجاون والمجنة وعمره أكثر من قرن من الزمان. وكان ضمن أدوات الزواج الرسميَّة مع باقي المواد المنزلية الاخرى يعمل لتهبيش الحنطة والرز وعمل المدكوكة من التمر والسمسم.
وعثرت في إحدى المدن العراقية على بريمز يعمل بالنفط من الجيل الأول للنفطيات استخدم في صهر الذهب والرصاص، يعود الى أقدم صائغ للذهب في العراق وهو يهودي اسمه الياهو في الديوانية، وحصلت على أباريق نحاسية بأحجام وأشكال منها الاندلسي والاغريقي والفارسي والبغدادي وبريق العروس»
ثم أُذن لنا بالدخول: “تفضلوا اغاتي”.
أول نظرة تقع على بيت طابوقي مشيّد على أرض زراعية يحتضن التاريخ. جدران طابوقية، أقواس بسيطة، سجاد معلق بنقوشه الزاهية، وشبابيك محتشمة بألوان الطيف الشمسي تستر ما وراءها.
هنا تشعر أنك داخل مكان ينبض بالأصالة، ليس متحفاً جامداً، بل بيتاً حياً صار ملتقى للناس والذاكرة بين المقتنيات
الحلة تحكي نفسها:
الداخل يمشي بين مقتنيات تروي حكاية المدينة.
فوانيس قديمة، أسلحة الثوار العراقيين ضد الاحتلال البريطاني، أباريق نحاسية، راديوهات من زمن آخر، وأدوات نُسيت في زماننا هذا لكنها كانت جزءاً من بيوتنا العراقية والبابلية.
الطاولات مغطاة بسجاد تراثي، والرفوف مرتبة بعناية، كأن كل قطعة تنتظر من يسمع قصتها.
فعالية حية لذاكرة بصوت أصحابها المشهد لم يتوقف عند العرض. ناشطة من الحمدانية – الموصل وقفت تروي قصص الرسومات والنقوش التراثية، بينما عرض أحد الضيوف قطعة نسيج مطرزة، شيوخ وأكاديميون جلسوا على العشب يستمعون ببساطة، كأنك في مجلس تراثي مفتوح مع لحظة تفاعلية مع التاريخ أحد الحاضرين ارتدى خوذة جنرال إنكليزي من الأربعينيات، موجودة ضمن مقتنيات البيت، والتقط بها صوراً تذكارية. هنا تتحول المقتنيات من أشياء للعرض إلى تجربة للمعايشة، حيث يلمس الزائر التاريخ بيده.
ملتقى وطني تحت سقف:
احدالصور الجماعية تثبت أن البيت جمع ناساً من كل العراق. زي كردي تراثي يقف جنب بدلة رسمية، نساء بحجاب وأزياء عملية جنب رجال بزي تقليدي. التنوع واضح، لكن الرابط واحد: هو الانتماء للذاكرة المشتركة.
حضور نسوي واجتماعي واسع:
السيلفي وثّق مشاركة لافتة للنساء مع الرجال: إعلاميات، أكاديميات، وناشطات كنّ جزءاً من المشهد. نرفع القبعة للناشطة التراثية عدوية إبراهيم، عضوة مهرجان الأشقاء ورابطة الأفندية والخاتون والمجالس الثقافية البغدادية. البيت موجه للجميع، وليس لجهة معينة.
مسك الختام
أمسية جميلة تحضّرت عفوياً على نغمات كمان شجي، وأغاني المقام العراقي، وأبوذيات من ذاكرة الشعراء، أبدع في إلقائها قامة بابلية شامخة. كانت تغازل الحاضرين وتكرم حضورهم البهي.
نهايةٌ كأنها البداية:
البيت الحلي التراثي اليوم ليس مجرد مكان للعرض، بل منصة ثقافية.
هنا تلتقي ذاكرة الحلة مع ذاكرة حمدانية الموصل عبر “غادة فصيح” من متحف أسلاف، ومن وزيرية بغداد الأميرة بيداء الربيعي، ومن سيديتها إعلاميتنا الكبيرة لمى الجبوري، ومن شارع فلسطين حضرت عدوية إبراهيم، عاشقة العراق وعلمه، عارضة الأزياء والناشطة التراثية .
ومن البصرة الفيحاء حضور بهي تمثل بالحاج ريسان / متحف شناشيل البصرة ، ديوانية الدلة والشعر الدارمي، وهيت نبض الرمادي مهند العفتان.
ومن تكريت الحبيبة عاصمة صلاح الدين، وجلولاء أيقونة ديالى سمير صالح.
ومن كردستان السليمانية، من جمجمان خليفة رنان، ورئيس متاحف كفري أحمد كفري.
ومن السماوة، إرث الفالة والمكوار، بحضور الفنان ساجت الرميثي والتراثي الأصيل عماد السماوي.
ونرفع القبعة للتراثي البغدادي الأصيل الحاج محمد عبد الغفور زبالة الذي أضاف حضوره البهي مع إخوته ملحة المهرجان، بالإضافة الى مؤسسات إعلامية رصينة ساهمة في تغطية الافتتاحية ( وكالة التراث الإخبارية للزميل محمد الحسيني و الوكالة الوطنية شرف برس الإخبارية / التي مثلتها الزميلة الإعلامية لمى الجبوري مديرة مكتب بغداد )
الجميع ساهم في سرد واحد، لتصبح لحمة وطنية تُبنى بالتراث، وبالحكاية، وبالحضور الحي للناس.
في الأخير، اعتذاري عن السرعة في السرد وعدم ذكر كل الأسماء، لكنني أؤمن أنها في القلب جميعاً. فالجميع ينتمي لعراق واحد.