يوميات ناقد ثقافي….المخدرات

صورة الكاتب
بقلم: أ.د حسين القاصد
التاريخ: 12 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2440
يوميات ناقد ثقافي….المخدرات

يوميات ناقد ثقافي

المخدرات

لم تكن المخدرات تجارةً مربحة، ولم يكن الحصول عليها بالأمر اليسير، بل كانت تشتعل بسببها الحروب وتنتهك الأعراض، إذا حدث خرق واقترب أحدهم من مخدرات الآخرين.

كان هذا قبل الترحيل الدلالي لهذه اللفظة، التي صارت الآن تعني جريمة يحاسب عليها القانون، لأن المخدرات عند العرب قديما تعني النساء المكرمات المحميات، ولقد ذكر امرؤ القيس هذا حين اقترب من عنيزة:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
فَقَالَتْ:لَكَ الوَيْلاَتُ!،إنَّكَ مُرْجِلِي
وفي عجز البيت تحذير خطير مما سيحدث لو خرجت عنيزة وترجلت من خدرها الذي يسترها.
الخدر يوجب الحراسة الشديدة عليه وعلى من فيه، وسارت بنا الأيام وصارت المرأة تظهر نصف عارية في أقرب بثٍ مباشر، وبكلمات بمنتهى العري، واندرس الخدر، ولم يبق منه أي طلل سوى جذر الكلمة، ( خ د ر)، وهو المكان الواجب حراسته.
ثم صار طبيب القلب يسأل مريضه عما إذا كان يشعر بخدرٍ في أطرافه أو في اي مكان من جسده، لأنه أمر يشي بعزلة جزء من الجسد عن إيعاز العقل أو عن سريان الدم من القلب بشكل منتظم؛ وخدر المرأة قديما يعني أنها تعتزل الناس في مكانها المخصص لها.
في مشروعنا الجديد ( اللسانيات الموازية) لنا أن نقرأ عملية تخدير المريض هو عزل المريض عن مصدر الشعور بالألم ثم عزله عن الناس في غرفة الإفاقة؛ ألم يكن تخدير النساء قديما يعني العزل التام عن الناس؟
ثم تتم العملية الجراحية، ويكون المريض مهيأ لاستقبال الناس بعد مدة الإفاقة.
أما المخدرات بمعناها الحالي فهي أخت تلك بحكم نسق المجاورة والأثر العيني، فهي تعزل الذي يتعاطاها عن وعيه النابض، وتحيل تفكيره إلى التقاعد التام، ليظل يهذي بما أطلقت عليها بـ(اللسانيات الأرشيفية) ، حيث ينطق من الأفكار المسكوت عنها، بل المؤرشفة المسجونة، وصار لها أن تنساب بعد تخدير الحارس ( العقل).
لذلك يلجأ الطب الذي يكافح مدمني المخدرات بالحجر الذي يكون بديلا عن العقل، إلى أن يفيق العقل فيحرس صاحبه من الزلل.
١٠ / ٥ / ٢٠٢٦

عن الکاتب / الکاتبة

أ.د حسين القاصد
أ.د حسين القاصد
الناقد والشاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“سحابة من بخار الصوت”

“سحابة من بخار الصوت”

سحابة من بخار الصوت   إقفل جميع نوايا الليل ثم قم واحذر بقايا شظايا الغيم…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
27 أبريل 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي…. حسين أحمديان والحجاج الثقافي

يوميات ناقد ثقافي…. حسين أحمديان والحجاج الثقافي

يوميات ناقد ثقافي حسين أحمديان والحجاج الثقافي بغض النظر عن موقفك من إيران، وبغض النظر…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
14 أبريل 2026
اقرأ المزيد
يوميات ناقد ثقافي…  شعر الخدم أم أدب القيادة؟

يوميات ناقد ثقافي… شعر الخدم أم أدب القيادة؟

يوميات ناقد ثقافي شعر الخدم أم أدب القيادة؟ ارتكب النقد الأدبي جناية عظمى بحق الأدب…

صورة الكاتب أ.د حسين القاصد
13 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


يوميات ناقد ثقافي….المخدرات

بقلم: أ.د حسين القاصد | التاريخ: 12 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

يوميات ناقد ثقافي

المخدرات

لم تكن المخدرات تجارةً مربحة، ولم يكن الحصول عليها بالأمر اليسير، بل كانت تشتعل بسببها الحروب وتنتهك الأعراض، إذا حدث خرق واقترب أحدهم من مخدرات الآخرين.

كان هذا قبل الترحيل الدلالي لهذه اللفظة، التي صارت الآن تعني جريمة يحاسب عليها القانون، لأن المخدرات عند العرب قديما تعني النساء المكرمات المحميات، ولقد ذكر امرؤ القيس هذا حين اقترب من عنيزة:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
فَقَالَتْ:لَكَ الوَيْلاَتُ!،إنَّكَ مُرْجِلِي
وفي عجز البيت تحذير خطير مما سيحدث لو خرجت عنيزة وترجلت من خدرها الذي يسترها.
الخدر يوجب الحراسة الشديدة عليه وعلى من فيه، وسارت بنا الأيام وصارت المرأة تظهر نصف عارية في أقرب بثٍ مباشر، وبكلمات بمنتهى العري، واندرس الخدر، ولم يبق منه أي طلل سوى جذر الكلمة، ( خ د ر)، وهو المكان الواجب حراسته.
ثم صار طبيب القلب يسأل مريضه عما إذا كان يشعر بخدرٍ في أطرافه أو في اي مكان من جسده، لأنه أمر يشي بعزلة جزء من الجسد عن إيعاز العقل أو عن سريان الدم من القلب بشكل منتظم؛ وخدر المرأة قديما يعني أنها تعتزل الناس في مكانها المخصص لها.
في مشروعنا الجديد ( اللسانيات الموازية) لنا أن نقرأ عملية تخدير المريض هو عزل المريض عن مصدر الشعور بالألم ثم عزله عن الناس في غرفة الإفاقة؛ ألم يكن تخدير النساء قديما يعني العزل التام عن الناس؟
ثم تتم العملية الجراحية، ويكون المريض مهيأ لاستقبال الناس بعد مدة الإفاقة.
أما المخدرات بمعناها الحالي فهي أخت تلك بحكم نسق المجاورة والأثر العيني، فهي تعزل الذي يتعاطاها عن وعيه النابض، وتحيل تفكيره إلى التقاعد التام، ليظل يهذي بما أطلقت عليها بـ(اللسانيات الأرشيفية) ، حيث ينطق من الأفكار المسكوت عنها، بل المؤرشفة المسجونة، وصار لها أن تنساب بعد تخدير الحارس ( العقل).
لذلك يلجأ الطب الذي يكافح مدمني المخدرات بالحجر الذي يكون بديلا عن العقل، إلى أن يفيق العقل فيحرس صاحبه من الزلل.
١٠ / ٥ / ٢٠٢٦