مطر
الكافتيريا ضيقةٌ كحُجرةِ انتظارٍ قديمة، تُحاصرنا بجدرانها وتلفظُ الزحامَ إلى الخارج ، حيث يتراكضُ الطلبةُ كظلالٍ ذائبة تحت مظلاتٍ ملوّنة، يفرّون من هطولٍ غاضبٍ يعيد تشكيل العالم خلف الزجاج. في الزاوية، كنتُ أقتبسُ حمايتي من الفراغ؛ أصابعي تلثمُ الدفءَ المتصاعدَ من كوب الشاي، والبخارُ يتصاعدُ كأرواحٍ صغيرة تتلاشى في الهواء، بينما ألتهمُ سيجارتي الأخيرة بشهيقٍ حادٍّ يحرقُ حنجرتي ويملأُ صدري بدخانٍ يحمل طعمَ النهارات الضائعة.
قبالة المطر، عند حدّ النافذة الشفافة، كانت ميساء تقفُ كتمثالٍ من الصمت والسكون. عيناها الناعستان ترعيان انهمارَ المياه على ممرات الجامعة وشوارعها المهجورة، تستغرقُ في غيبوبةٍ من الذكرى، تتمعن في اللاشيء كما لو أنها تستحضرُ مطراً قديماً هطلَ في زمنٍ آخر، على أجسادٍ أخرى لم تعد تشبهنا. كنتُ أرقبها، وأكتفي بقطع صمتها بكلماتٍ شحيحة ومتقطعة، خوفاً من أن أخدشَ البلّورَ الرهيف للغيمة التي تخيّمُ على رأسها، أو أبدّدَ حزنها المشتعل الذي يُذكيه صوتُ المطر وهو يضربُ الزجاج والمزاريب.
سألتها بفضولٍ متعب: ماذا يعني المطر؟
لم تُجب على الفور. التفتت إليّ برأسها، ونظرتْ بوحيِ حزنٍ ممتدٍ كليلٍ طازج، ثقيلٍ وشافٍّ في آن، ثم أعادت عينيها المجهدتين إلى الشارع المبتل. شغلني سؤالها المعلّق في الفضاء، وشغلني جمرُ سيجارتي الذي ينتحرُ رويداً رويداً ليصل إلى أطراف أصابعي. حدقتُ في تقاسيم وجهها أتأمل شحوبها الساحر، ومزجتُ صمتها بتداعي قطرات المطر الشديدة في الخارج.
فجأة، تركتْ النافذة، تحرّكتْ بخفة كأنها تمشي على الماء، وجلست أمامي على الطاولة الذابلة. كان المطر في الخارج يشتدُّ، يضربُ الأرض بضراوةٍ حميمية، والصمت بيننا يتمددُ ليصبحَ هو السيّد واللغة. فتحت شفتيها، وبصوتٍ خفيضٍ يأتي من أعماقِ روحٍ متعبة، قالت:
” تستفيقُ ملءَ روحي رعشةُ البكاء…”
رشفتُ بلهفةٍ جرعةً أخيرة من الشاي الذي بدأ يبرد، ورسختُ عيني في عينيها لأكمل طقس السياب، وأجبتها:
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المرازيبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟”
لكنها لم تدعني أُكمل الرثاء؛ قاطعتني بنبرةٍ دافئة، نبرةٍ تذيبُ كل المسافات والجدران الضيقة
وقالت وهي تنظر إلى المطر المتساقط بيننا وفينا:
وأنا وأنت
… مطر… مطر… مطر…”
طالب کاظم
عدنان لفتة السماوي
التعليقات