غواية الدلفى

صورة الكاتب
بقلم: زيد الشهيد
التاريخ: 30 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2551
غواية الدلفى

غواية الدفلى

لأنَّ قلبي كأيِّ قلبٍ غادرَ رفيفَ الطفولةِ حَديثاً فقد رفعتُه مِن على العشبِ الطري وعلّقتُه على لافتةِ زقاقِنا الضيّق/ الضئيل، مُصممّاً على منحِه أولَ فتاةٍ ترفع عينيها وتبتسمُ لبراءتِه… تنحّيتُ جانباً وانتظرت (كانت ” لا خبر”(1) أغنيةً يترنّمُ بها العُشّاقُ المتزوجون المُثقلون بالأولاد مثلَما يردّدها العشّاقُ الخائبون.. أولئكَ يعودون بذكرياتِهم إلى سنواتِ صِباهم/ وهؤلاءِ يحلمونَ بفرصةِ سماعِها من قِبل الحبيباتِ متجلمداتِ القلوب لعلّهنَّ يلُنَ فيوافينّهم بالوصال..). القلبُ على هفيفِ العشقِ يطالعُ الزقاقَ الفارغَ. أنا مُمسكُ الانفاسِ مُصيخُ السَّمعِ لهمسِ الخطوات.. حفيفُ عباءةٍ تمسُّ الأرضَ هو ما وصلَني؛ وفورةُ غبارٍ تلاحقُ فتاةً مُتعثِّرةً هو ما أبصرَه القلبُ.. انتظرنا!! أمامَنا توقّفت (ابتسام) بنتُ جارتِنا حَسيبة. رفَعت رأسَها، ومن بين طيّات عباءتِها استلّت وردةَ دِفلى بيضاء. رَمتها إلى حيثُ قلبي فتلقَّفتها يدي.. ما زالت الوردةُ مُخبّأةً في كتابِ الجغرافية. كُنتُ يومَها في الثالث المتوسط؛ وكانت أمّي تُعوّلُ على نجاحي الفائقِ بدرجات] تُثلِج الدواخل.. ولأنَّها لا تعرفُ القراءةَ والكتابةَ فقد ظلّت تَتَباهى أمامَ نساءِ الزقاق بأنَّي أتأبّطُ كتابي ليلَ نهار… ولسوءِ حظِّ ابنةِ زقاقِنا ابتسام رسبتُ تلك السنةِ بدرجاتٍ مُخيّبة. ذلك أغضبَ أمّي وآلمَها. طفقت تبحثُ عَن سرّ الخيبةِ، حتّى استدلّت بعدَ تحرٍّ إلى أنَّ قلبَ ابنِها لم يكُن معه؛ وأنَّ الكتابَ الذي يحمله كان خالياً إلاّ مِن وردةٍ طرية، رأيتُها تسحبُها من بينِ أوراقِ الكتابِ محاولةً سحقَها فاندفعتُ.. وفي لحظةٍ بارقةٍ انتشلتُها من تحتِ قدميها.
ذلكَ اليوم ابتعَدت ابتسام.. ابتعدت ولمْ تقترب منّي… صارت كلَّما رأتني فرّت هاربةً/ مندفعةً إلى أقربِ بابٍ مواربٍ فتدخلُه.

همسةٌ إلى ابتسام
ما زلتُ محتفظاً بوردةِ الدِّفلى لكنَّ قلبي _ يا لجحودِ الزمنِ _ باتَ يتطلّع إليها الآنَ ببرودٍ، وأتطلّع أنا بانكسارٍ وألمٍ. فعلى وريقاتِها البيض جفّت أيامي الخوالي وبتُّ أحنُّ إليها… ماذا أفعلُ يا ابتسام!. إنَّني مُثقلٌ بالأولاد. أترنّم بـ ” شلون أودعك يالحبيب” (2) مُداراةً لخيبتي فيما أسمعُ أبنائي يرددّونها بتعاطفٍ كَبير وانسجامٍ يفوقُ التخيّل.
لماذا تبتسمينَ عندما تلمحينَني هذه الأيامِ من بعيدٍ, ولا تَهرَبين؟!!

هوامش
1. ” لا خبر” اغنية للمطرب العراقي فاضل عواد. ذاع صيتها أوائل السبعينات من القرن الماضي.
2. ” شلون أودعك يالحبيب” أغنية كاظم الساهر. ذاع صيتها أوائل التسعينات من القرن نفسه.

عن الکاتب / الکاتبة

زيد الشهيد
زيد الشهيد
الشاعر والناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

مجموعة (الليلة الأولى بعد الالف) القصصية لايناس البدران

مجموعة (الليلة الأولى بعد الالف) القصصية لايناس البدران

قراءة نقدية …….. تتشكَّل النصوصُ النسوية السائدة في الساحة التدوينية الأدبية العراقية والعربية مساراً لا…

صورة الكاتب زيد الشهيد
23 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


غواية الدلفى

بقلم: زيد الشهيد | التاريخ: 30 مارس 2026

التصنيف: قصة قصيرة

غواية الدفلى

لأنَّ قلبي كأيِّ قلبٍ غادرَ رفيفَ الطفولةِ حَديثاً فقد رفعتُه مِن على العشبِ الطري وعلّقتُه على لافتةِ زقاقِنا الضيّق/ الضئيل، مُصممّاً على منحِه أولَ فتاةٍ ترفع عينيها وتبتسمُ لبراءتِه… تنحّيتُ جانباً وانتظرت (كانت ” لا خبر”(1) أغنيةً يترنّمُ بها العُشّاقُ المتزوجون المُثقلون بالأولاد مثلَما يردّدها العشّاقُ الخائبون.. أولئكَ يعودون بذكرياتِهم إلى سنواتِ صِباهم/ وهؤلاءِ يحلمونَ بفرصةِ سماعِها من قِبل الحبيباتِ متجلمداتِ القلوب لعلّهنَّ يلُنَ فيوافينّهم بالوصال..). القلبُ على هفيفِ العشقِ يطالعُ الزقاقَ الفارغَ. أنا مُمسكُ الانفاسِ مُصيخُ السَّمعِ لهمسِ الخطوات.. حفيفُ عباءةٍ تمسُّ الأرضَ هو ما وصلَني؛ وفورةُ غبارٍ تلاحقُ فتاةً مُتعثِّرةً هو ما أبصرَه القلبُ.. انتظرنا!! أمامَنا توقّفت (ابتسام) بنتُ جارتِنا حَسيبة. رفَعت رأسَها، ومن بين طيّات عباءتِها استلّت وردةَ دِفلى بيضاء. رَمتها إلى حيثُ قلبي فتلقَّفتها يدي.. ما زالت الوردةُ مُخبّأةً في كتابِ الجغرافية. كُنتُ يومَها في الثالث المتوسط؛ وكانت أمّي تُعوّلُ على نجاحي الفائقِ بدرجات] تُثلِج الدواخل.. ولأنَّها لا تعرفُ القراءةَ والكتابةَ فقد ظلّت تَتَباهى أمامَ نساءِ الزقاق بأنَّي أتأبّطُ كتابي ليلَ نهار… ولسوءِ حظِّ ابنةِ زقاقِنا ابتسام رسبتُ تلك السنةِ بدرجاتٍ مُخيّبة. ذلك أغضبَ أمّي وآلمَها. طفقت تبحثُ عَن سرّ الخيبةِ، حتّى استدلّت بعدَ تحرٍّ إلى أنَّ قلبَ ابنِها لم يكُن معه؛ وأنَّ الكتابَ الذي يحمله كان خالياً إلاّ مِن وردةٍ طرية، رأيتُها تسحبُها من بينِ أوراقِ الكتابِ محاولةً سحقَها فاندفعتُ.. وفي لحظةٍ بارقةٍ انتشلتُها من تحتِ قدميها.
ذلكَ اليوم ابتعَدت ابتسام.. ابتعدت ولمْ تقترب منّي… صارت كلَّما رأتني فرّت هاربةً/ مندفعةً إلى أقربِ بابٍ مواربٍ فتدخلُه.

همسةٌ إلى ابتسام
ما زلتُ محتفظاً بوردةِ الدِّفلى لكنَّ قلبي _ يا لجحودِ الزمنِ _ باتَ يتطلّع إليها الآنَ ببرودٍ، وأتطلّع أنا بانكسارٍ وألمٍ. فعلى وريقاتِها البيض جفّت أيامي الخوالي وبتُّ أحنُّ إليها… ماذا أفعلُ يا ابتسام!. إنَّني مُثقلٌ بالأولاد. أترنّم بـ ” شلون أودعك يالحبيب” (2) مُداراةً لخيبتي فيما أسمعُ أبنائي يرددّونها بتعاطفٍ كَبير وانسجامٍ يفوقُ التخيّل.
لماذا تبتسمينَ عندما تلمحينَني هذه الأيامِ من بعيدٍ, ولا تَهرَبين؟!!

هوامش
1. ” لا خبر” اغنية للمطرب العراقي فاضل عواد. ذاع صيتها أوائل السبعينات من القرن الماضي.
2. ” شلون أودعك يالحبيب” أغنية كاظم الساهر. ذاع صيتها أوائل التسعينات من القرن نفسه.