“كانَ العالمُ قديمًا”

صورة الكاتب
بقلم: حمید الساعدي
التاريخ: 7 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2580
“كانَ العالمُ قديمًا”

كانَ العالمُ قديمًا
أفقرَ في الأشياء،
وأغنى في المعنى.

لم تكنِ البيوتُ واسعة،
لكنّها كانتْ تتّسعُ لقلوبٍ كثيرة.

الخبزُ أقلَّ،
لكنَّ الأيدي التي تقسمهُ
أكثرَ شبعًا من الجوع.

الناسُ يعرفونَ كيف يُخفونَ دموعَهم،
خجلًا منها،
احترامًا لهيبةِ الحياة.

حدثَ شيءٌ ما…
لا أحدُ يعرفُ متى بدأَ بالضبط،
لكنَّ العالمَ استيقظَ ذاتَ صباحٍ
وقد بدّلَ أثمنَ ما فيه.

صارَ الذهبُ أغلى من الذمّة،
والمنصبُ أعلى من المروءة،
الصوتُ المرتفعُ
أكثرَ قبولًا من الحقيقة.

الناسُ يربحونَ أشياءَ كثيرة،
ويخسرونَ أنفسهم
من غيرِ أن ينتبهوا.

لم تعدِ القيمُ تُسرقُ دفعةً واحدة،
تُنتزعُ بهدوء،
كما تُسحبُ الخيوط من ثوبٍ قديم
دون أن يلاحظَ أحدٌ
أنّ النسيجَ كلَّهُ بدأ يتفكّك.

ضاعتِ الأمانةُ
حينَ صارَ الذكاءُ
اسمًا آخرَ للمراوغة.

ضاعَ الحياءُ
حينَ ظنَّ الناسُ
أنّ الوقاحةَ شجاعة.

ضاعَ الاحترامُ
حينَ جلسَ الأصغرُ سنًّا من الأدب
على كرسيِّ الكلام.

ما عادَ الشرُّ يلبسُ وجهَهُ القديم،
صارَ أنيقًا،
مرتبًا،
يضعُ عطرًا باهظًا،
ويتحدّثُ عن المبادئ
بصوتٍ هادئ.

الأبوابُ لا تخافُ من الذئبِ
إذا دخلَ مرتديًا ثيابَ الراعي.

الأكثرُ وجعًا
أنّ الأشياءَ التي ضاعت
لم تكنْ أشياء.

كانتْ ما يجعلُ الإنسانَ
جديرًا بأن يُسمّى إنسانًا.

ما قيمةُ بيتٍ كبير
إذا كانَ لا يعرفُ كيف يحفظُ سرًّا؟
ما قيمةُ جاهٍ عالٍ
إذا كانَ صاحبُهُ صغيرًا أمامَ مرآته؟
ما قيمةُ علمٍ كثير
إذا لم يتركْ في القلبِ
شيئًا من الرحمة؟

كثرَ المتعلّمون،
وقلَّ الحكماء.
كثرَ المتكلّمون،
وقلَّ الصادقون.
كثرَ الذين يعرفونَ كيف يربحون،
وقلَّ الذين يعرفونَ
كيف لا يخسرونَ أرواحَهم.

القيَّمُ لا تموتُ في الكتب،
تموتُ حينَ يتوقّفُ الناسُ
عن دفعِ ثمنها.

حينَ يصيرُ الصدقُ عبئًا،
والنبلُ سذاجة،
والعفّةُ ضعفًا،
والكرامةُ خسارةً غيرَ محسوبة
في دفاترِ هذا العصر.

لكنَّ الخرابَ،
مهما اتّسع،
لا يُصبحُ قانونًا.

وما يزالُ في العالمِ
من يُغلقُ البابَ على نفسهِ
كي لا يبيعَ ضميرَهُ.

ومن يمشي خاسرًا في السوق،
رابحًا في قلبه.

ومن يُفضّلُ أن يبقى نقيًّا
ولو بدا في نظرِ الآخرين
أقلَّ حظًّا.

أولئكَ
هم البقيّةُ التي تؤجّلُ سقوطَ العالم
هم السندُ الخفيُّ
الذي يمنعُ الأرضَ
من أن تنزلقَ تمامًا إلى القسوة.

القيمَ المفقودة
لا تحتاجُ إلى رثاءٍ طويل،
بل إلى إنسانٍ واحد
يعيدُها إلى يدهِ،
إلى صوتهِ،
إلى خبزِه اليوميّ،
إلى نظرتهِ لأبيه،
إلى رحمتهِ بأمّه،
إلى وفائهِ لصديقٍ قديم،
إلى خوفهِ من كلمةٍ
قد تجرحُ قلبًا لا يراه.

العالمُ لا يفسدُ
بسببِ الأشرار،
يفسدُ
حينَ يتعبُ الطيّبون
في الدفاعِ عن المعنى.

 

عن الکاتب / الکاتبة

حمید الساعدي
حمید الساعدي
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة في رواية  عالم زي …زو للكاتب مهدي علي ازبين

قراءة في رواية عالم زي …زو للكاتب مهدي علي ازبين

قراءة في رواية عالم عالم زي …زو للكاتب مهدي علي ازبين في عام 1981 صدرت…

صورة الكاتب حمید الساعدي
16 مارس 2026
اقرأ المزيد
“أُقَلِّبُ”

“أُقَلِّبُ”

  أُقَلِّبُ في القصيدةِ جُرحَ قلبي وأُخفي خلفَ تفعيلٍ سُؤالي   أُطارِدُ ظلَّ حرفي في…

صورة الكاتب حمید الساعدي
17 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“كانَ العالمُ قديمًا”

بقلم: حمید الساعدي | التاريخ: 7 أبريل 2026

التصنيف: الشعر

كانَ العالمُ قديمًا
أفقرَ في الأشياء،
وأغنى في المعنى.

لم تكنِ البيوتُ واسعة،
لكنّها كانتْ تتّسعُ لقلوبٍ كثيرة.

الخبزُ أقلَّ،
لكنَّ الأيدي التي تقسمهُ
أكثرَ شبعًا من الجوع.

الناسُ يعرفونَ كيف يُخفونَ دموعَهم،
خجلًا منها،
احترامًا لهيبةِ الحياة.

حدثَ شيءٌ ما…
لا أحدُ يعرفُ متى بدأَ بالضبط،
لكنَّ العالمَ استيقظَ ذاتَ صباحٍ
وقد بدّلَ أثمنَ ما فيه.

صارَ الذهبُ أغلى من الذمّة،
والمنصبُ أعلى من المروءة،
الصوتُ المرتفعُ
أكثرَ قبولًا من الحقيقة.

الناسُ يربحونَ أشياءَ كثيرة،
ويخسرونَ أنفسهم
من غيرِ أن ينتبهوا.

لم تعدِ القيمُ تُسرقُ دفعةً واحدة،
تُنتزعُ بهدوء،
كما تُسحبُ الخيوط من ثوبٍ قديم
دون أن يلاحظَ أحدٌ
أنّ النسيجَ كلَّهُ بدأ يتفكّك.

ضاعتِ الأمانةُ
حينَ صارَ الذكاءُ
اسمًا آخرَ للمراوغة.

ضاعَ الحياءُ
حينَ ظنَّ الناسُ
أنّ الوقاحةَ شجاعة.

ضاعَ الاحترامُ
حينَ جلسَ الأصغرُ سنًّا من الأدب
على كرسيِّ الكلام.

ما عادَ الشرُّ يلبسُ وجهَهُ القديم،
صارَ أنيقًا،
مرتبًا،
يضعُ عطرًا باهظًا،
ويتحدّثُ عن المبادئ
بصوتٍ هادئ.

الأبوابُ لا تخافُ من الذئبِ
إذا دخلَ مرتديًا ثيابَ الراعي.

الأكثرُ وجعًا
أنّ الأشياءَ التي ضاعت
لم تكنْ أشياء.

كانتْ ما يجعلُ الإنسانَ
جديرًا بأن يُسمّى إنسانًا.

ما قيمةُ بيتٍ كبير
إذا كانَ لا يعرفُ كيف يحفظُ سرًّا؟
ما قيمةُ جاهٍ عالٍ
إذا كانَ صاحبُهُ صغيرًا أمامَ مرآته؟
ما قيمةُ علمٍ كثير
إذا لم يتركْ في القلبِ
شيئًا من الرحمة؟

كثرَ المتعلّمون،
وقلَّ الحكماء.
كثرَ المتكلّمون،
وقلَّ الصادقون.
كثرَ الذين يعرفونَ كيف يربحون،
وقلَّ الذين يعرفونَ
كيف لا يخسرونَ أرواحَهم.

القيَّمُ لا تموتُ في الكتب،
تموتُ حينَ يتوقّفُ الناسُ
عن دفعِ ثمنها.

حينَ يصيرُ الصدقُ عبئًا،
والنبلُ سذاجة،
والعفّةُ ضعفًا،
والكرامةُ خسارةً غيرَ محسوبة
في دفاترِ هذا العصر.

لكنَّ الخرابَ،
مهما اتّسع،
لا يُصبحُ قانونًا.

وما يزالُ في العالمِ
من يُغلقُ البابَ على نفسهِ
كي لا يبيعَ ضميرَهُ.

ومن يمشي خاسرًا في السوق،
رابحًا في قلبه.

ومن يُفضّلُ أن يبقى نقيًّا
ولو بدا في نظرِ الآخرين
أقلَّ حظًّا.

أولئكَ
هم البقيّةُ التي تؤجّلُ سقوطَ العالم
هم السندُ الخفيُّ
الذي يمنعُ الأرضَ
من أن تنزلقَ تمامًا إلى القسوة.

القيمَ المفقودة
لا تحتاجُ إلى رثاءٍ طويل،
بل إلى إنسانٍ واحد
يعيدُها إلى يدهِ،
إلى صوتهِ،
إلى خبزِه اليوميّ،
إلى نظرتهِ لأبيه،
إلى رحمتهِ بأمّه،
إلى وفائهِ لصديقٍ قديم،
إلى خوفهِ من كلمةٍ
قد تجرحُ قلبًا لا يراه.

العالمُ لا يفسدُ
بسببِ الأشرار،
يفسدُ
حينَ يتعبُ الطيّبون
في الدفاعِ عن المعنى.