لحظة العثور على أزرار الحديد
تأملات في الفقد المتكرر في قصة زقاق النباعي للدكتور محمد مطلك صالح
ليس الفقد أن يغيب شخص عن العين فحسب؛ فذلك هو الوجه الأول من الغياب، وربما أبسطه. أما الفقد الحقيقي فيبدأ حين يصبح الغائب حاضراً في كل شيء: في المكان الذي كان يجلس فيه، في الباب الذي اعتاد أن يفتحه، في صوت الخطوات التي لم تعد تُسمع، وفي الأشياء الصغيرة التي تركها وراءه من دون أن يدري أنها ستتحول ذات يوم إلى شواهد. لهذا لا ينتهي الفقد بالموت دائماً، بل قد يبدأ منه، ثم يتشعب في الذاكرة، ويعيد إنتاج نفسه كلما عثر الإنسان على أثر جديد لمن فقد.
وفي الحروب، يأخذ الفقد صورة أكثر قسوة؛ لأن الحرب لا تكتفي بأخذ الإنسان، بل تسلب أهله حقهم في معرفة كيف وأين ولماذا غاب. إنها لا تقتل الجسد وحده، وإنما تعبث بما بعد الموت أيضاً: بالقبر، والاسم، والذاكرة، وبحق الذين بقوا في أن يقولوا إن هذا كان لنا ذات يوم. ومن هنا يصبح انتظار المفقود نوعاً آخر من العيش؛ حياة معلقة بين احتمالين، لا تستطيع أن تصدق الموت ولا تستطيع أن تستعيد الأمل.
من هذه المنطقة الموجعة تنفتح قصة “زقاق النباعي” للدكتور محمد مطلك صالح؛ فهي لا تحكي الحرب بوصفها حدثاً عابراً يقع خارج الإنسان، وإنما ترصد ما تفعله الحرب في الزمن الإنساني نفسه. تجعل الانتظار حرفة، والأمل طعماً مراً، والجسد دليلاً، والجثة سؤالاً، والقرية ذاكرة مفتوحة على الموت. وليس محور القصة موت نجم وحده، بل ذلك الفقد المتكرر الذي يتوالد من فقد آخر: يختفي الابن، ثم يغيب الزوج، ثم تغيب الجثة، ثم يضيع القبر، ثم تُسرق الجثث، ثم يصبح حتى حق الحزن مشروطاً بإثبات أن المفقود بريء.
وهنا تتخذ القصة قيمتها التأملية؛ لأن الموت فيها ليس لحظة واحدة، بل سلسلة من الغيابات المتعاقبة. وكأن الحرب تقول للناجين: لن أمنحكم حتى رفاهية الحزن المكتمل.
تبدأ القصة بزمن يبدو كأنه فقد قدرته على الحركة: “أكثر من عشرة أعوام وأم نجم تنتظر ولدها كي يكبر حلم بطعم مر يكاد يتلاشى”
ليست السنوات هنا مجرد رقم زمني؛ إنها كتلة من الانتظار تراكمت فوق قلب الأم. والحلم الذي يفترض أن يكون مصدر حياة يتحول إلى شيء ذي طعم مر. وكأن الأمل حين يطول أكثر مما ينبغي، يفقد طبيعته الأولى، فيصبح عبئاً لا يستطيع صاحبه التخلص منه ولا يستطيع التخلي عنه.
وهذا ما يجعل انتظار أم نجم مختلفاً عن الانتظار العادي؛ فهي لا تنتظر عودة شخص فحسب، بل تنتظر اكتمال صورة الحياة التي توقفت عند لحظة غيابه. ولذلك يأتي حلمها بأن ترقص في عرس ولدها كاستعادة مؤجلة للمستقبل. غير أن الإحساس بـيوم نحس ومشؤوم يقلب المعنى كله؛ فالعُرس الذي كان يفترض أن يكون احتفالاً بالحياة يتحول إلى نقيضه، ويصبح الرقص قريباً من البكاء، والزفاف من الدفن. كأن القصة تريد أن تقول إن الحرب لا تقتل الحاضر وحده، بل تقتل المستقبل الذي كان ينتظره الناس أيضاً.
يتسع الفقد من الأم إلى المكان. تقول القصة: “فتحت النافذة وسمعت صياح يعم القرية… صياح النساء الثكالى”
النافذة هنا ليست مجرد تفصيل سردي؛ إنها منفذ يخرج منه صوت الموت إلى فضاء القرية. لا ترى الأم من خلالها مشهداً محدداً، وإنما تسمع وجعاً جماعياً. فالحزن لم يعد ملك امرأة واحدة؛ لقد صار لغة مشتركة بين النساء.
ثم تأتي الصورة الأشد قسوة:
“القرية تبدو مدينة أثرية، لا تسمع فيها وقع قدم ولا نبح كلب، الأشجار تموت وهي واقفة عطشاً”
إنها صورة لقرية لم تصبح أثراً بعد، لكنها تعيش زمن الأطلال. وهذا هو أحد أكثر وجوه الحرب رعباً: أن يتحول المكان الحي إلى ذاكرة وهو ما يزال قائماً. البيوت موجودة، والأشجار موجودة، والطريق موجود، لكن الحياة التي كانت تمنح هذه الأشياء معناها قد انحسرت.
ويمكن استحضار مقولة “والتر بنيامين الشهيرة”:
“ما من وثيقة حضارة إلا وهي في الوقت نفسه وثيقة بربرية”
لا بوصفها تفسيراً جاهزاً للقصة، وإنما بوصفها مفتاحاً للتأمل في هذا الخراب الذي يكشف الوجه الآخر للتاريخ. فالقرية التي صارت مدينة أثرية ليست أثراً لحضارة قديمة، وإنما شاهد حي على ما يمكن أن تفعله البربرية حين تدخل حياة الإنسان وتعيد ترتيبها على أساس الموت.
لا تكتفي القصة برصد موت الأفراد، وإنما تنقلنا إلى صورة الموت حين يتحول إلى ظاهرة جماعية: “دفنوا ثلاثة أو أربعة في قبر واحد”
هنا يفقد الموت شيئاً من خصوصيته الإنسانية. فالقبر الذي كان ينبغي أن يحمل اسم إنسان واحد يصبح مكاناً لأجساد متعددة، وكأن الموت نفسه لم يعد قادراً على منح كل ضحية مساحة مستقلة.
وتزداد الصورة مرارة حين تقول القصة: “القتل يجمعهم ويتشاطرونه بالتساوي”
إن كلمة بالتساوي تكتسب هنا دلالة ساخرة ومفزعة في آن واحد. فالمساواة التي عجزت الحياة عن تحقيقها بين البشر تحققها الحرب بطريقة معكوسة؛ لا تمنحهم عدالة في الحياة، وإنما تجمعهم في الموت. إنها مساواة الإلغاء، حيث يصبح الاختلاف بين الأسماء والوجوه والقصص بلا قيمة أمام آلة القتل.
ثم تبلغ المفارقة ذروتها في الحديث عن “512” نبعية موزعة في البراري بشكل عادل لتقسيم جثث الأموات. إن استعمال مفردة “عادل “في سياق توزيع الجثث يخلق صدمة لغوية وأخلاقية؛ فاللغة هنا تبدو وكأنها فقدت معناها الطبيعي. كيف يمكن للعدالة أن تكون في توزيع الموت؟ وكيف يصبح الخراب قابلاً للحساب والتنظيم؟
وهنا تتجاوز القصة وصف المأساة إلى فضح الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الموت، حين يتكرر، إلى شيء اعتيادي في الوعي الجمعي.
لكن الذروة الحقيقية في القصة لا تأتي مع وصف المقابر، وإنما مع شيء صغير جداً: أزرار الحديد. حيث تقول القصة:
“وسعت البيجامة على جسم نجم… فأعطته الزوجة أزرار الحديد التي كانت تشد وتربط ثوبها من صدرها الجميل”
إنها لحظة يتحول فيها الحب إلى أثر مادي. الأزرار التي كانت جزءاً من لباس الزوجة تنتقل إلى ثوب نجم، وكأنها تعبر معه من الحياة اليومية إلى فضاء الغياب. الشيء الصغير الذي لم يكن يحمل في لحظته الأولى أي قيمة استثنائية يصبح، بعد الفقد، أثمن من كثير من الأشياء.
وهنا تكمن براعة الرمز؛ فالزوجة لا تعثر على جسد زوجها كاملاً، ولا على قبر يحمل اسمه، وإنما تعثر على علامة صغيرة يمكن من خلالها أن تستعيد الحقيقة. إن العبث البربري لم يترك لها الرجل الذي أحبته، وإنما ترك لها جزءاً من شيء كان يلامسه.
لذلك فإن لحظة العثور على أزرار الحديد ليست لحظة انتهاء البحث، بل لحظة انهيار آخر احتمال للأمل. طوال السنوات السابقة كان الغياب قابلاً للتأويل: ربما يعود، ربما يكون حياً، ربما يأتي خبر. أما الأزرار فتمنح الغياب شكله النهائي. وهكذا يتحول الشيء البسيط إلى شهادة. ليس لأنه يتكلم، وإنما لأن الصمت الذي يحيط به يصبح أكثر بلاغة من الكلام.
في هذا الصدد، يبدو الأكثر مأساوية في “زقاق النباعي” أن العبث البربري لا يكتفي بأخذ الجسد، بل يمتد إلى الحقيقة نفسها. حين تتحدث الزوجة عن “سرقة الجثث خوفاً أن يقال عنك وقع ابنك في بئر الخيانة” فإن المأساة تنتقل من سؤال الموت إلى سؤال السمعة والاتهام. فلم يعد كافياً أن يموت الإنسان؛ ينبغي بعد موته أن يثبت أهله أنه لم يكن خائناً.
وهنا تصبح الجثة وثيقة، ويصبح القبر أرشيفاً، ويصبح العثور على بقايا الجسد فعل مقاومة للنسيان. إن الإنسان الذي اختفى في هذا العبث لا يحتاج إلى من يبكيه فقط، بل إلى من يحفظ اسمه من أن تبتلعه رواية أخرى.
وفي هذا السياق يمكن استحضار مفهوم “جورجيو أغامبين” عن الحياة العارية:
“حيث يصبح الإنسان في بعض الظروف منزوع الحماية والقيمة القانونية والرمزية”
والقصة توسع هذا المعنى بصورة مؤلمة؛ فحتى بعد الموت لا يستعيد الإنسان بالضرورة كرامته كاملة، لأن جسده قد يتحول إلى دليل اتهام أو براءة، وقد يصبح غيابه مادة للتأويل السياسي والاجتماعي. وهكذا لا يكون الفقد فقداً للإنسان فقط، وإنما فقداً للحق في تعريفه أيضاً.
ومن أكثر الصور كثافة في القصة قولها: “لقد مات النخيل في بلاده إلى الأبد، وهزت النباعي مخاضها بدلاً عنها”
النخيل هنا ليس شجرة وحسب؛ إنه علامة على الحياة والجذور والامتداد. وعندما يموت النخيل، لا يموت النبات وحده، بل يبدو وكأن شيئاً من علاقة الإنسان بأرضه قد انكسر. أما النباعي، فيتحول في هذه الصورة من مجرد مكان إلى كائن رمزي. لكنه رحم مقلوب؛ فبدل أن يلد الحياة يخرج الجثث، وبدل أن يمنح الأرض ثماراً يمنحها قبوراً، وبدل أن تكتسي النساء بالأعراس يكسوهن السواد.
وهنا تبلغ المفارقة أقصى درجاتها: الأرض التي يفترض أن تحفظ الإنسان أصبحت مكاناً لابتلاعه. إنها ليست مقبرة بالمعنى المكاني فقط، وإنما مقبرة للزمن أيضاً؛ لأن كل جثة مدفونة هناك تحمل معها جزءاً من مستقبل كان يمكن أن يكون.
إن ما يجعل زقاق النباعي قصة عن الفقد أكثر من كونها قصة عن الموت، هو أن الموت فيها لا يحدث مرة واحدة. فالأم تفقد حلمها بولدها، والزوجة تفقد زوجها، والقرية تفقد أبناءها، والمكان يفقد حيويته، والجسد يفقد ملامحه، والقبر يفقد اسمه، ثم تأتي الذاكرة لتتحمل عبء استعادة كل ذلك. لهذا فإن الفقد في القصة يشبه دوائر الماء حين تسقط فيه حجارة؛ تبدأ من نقطة صغيرة، ثم تتسع حتى تشمل المحيط كله.
ولعل السؤال الأعمق الذي تتركه القصة ليس: أين مات نجم؟ وإنما: ماذا بقي منه بعد أن اختفى؟
بقيت الأزرار، وبقيت ذاكرة امرأة، وبقيت قرية تتذكر الذين غابوا، وبقي نص أدبي يرفض أن يسمح للموت بأن يكون النهاية الأخيرة. وهنا تتحول الكتابة نفسها إلى نوع من استعادة المفقود. فالقاص حين يكتب عن الذين غابوا لا يعيد أجسادهم، لكنه يعيد أسماءهم إلى فضاء الذاكرة، ويمنحهم حياة أخرى داخل اللغة.
إن زقاق النباعي ليست نصاً للبكاء وحده، ولا حكاية عن امرأة عثرت على علامة تثبت موت زوجها؛ إنها تأمل عميق في الإنسان حين يُحاصر بالفقد، وفي الذاكرة حين تصبح المكان الأخير الذي يمكن أن يلجأ إليه الغائب.
لقد كان العثور على أزرار الحديد أشبه بالعثور على الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه كان اكتشافاً لحقيقة أكثر مرارة: أن الإنسان قد يُقتل مرة حين يُنتزع من الحياة، ثم يُقتل مرة أخرى حين يُمحى اسمه، وثالثة حين يُنتزع قبره، ورابعة حين يصبح موته مجرد رقم في ذاكرة الجماعة. لذلك فإن صرخة “يا ويلتاه؟” ليست صرخة دهشة عابرة، وإنما هي صرخة اليقين حين يأتي متأخراً، وبعد أن يكون الأمل قد استنفد كل احتمالاته.
وربما هنا تكمن قوة القصة: إنها تجعلنا نعيد النظر في معنى الفقد. فليس المفقود من غاب جسده فقط؛ قد يكون المفقود هو الاسم، أو الذاكرة، أو الحق في الحزن، أو حتى القدرة على معرفة الحقيقة. أما أزرار الحديد، تلك الأشياء الصغيرة التي ظلت صامتة طوال الحكاية، فقد قالت في النهاية ما عجزت عنه كل الأخبار: كان هنا إنسان.
وهذا هو ما ينبغي ألا يسمح الأدب بضياعه. فحين تعجز الذاكرة عن حمل أسماء موتاها، تصبح الكتابة ذاكرة بديلة. وحين تضيع القبور، تصبح الكلمات قبوراً رمزية تحفظ ما تبقى من أصحابها. وحين يتحول الموت إلى أرقام، تعيد القصة للرقم وجهاً، وللوجه اسماً، وللاسم حكاية.
لذلك لا تنتهي “زقاق النباعي” عند لحظة العثور على الأثر، بل تبدأ منها مسؤولية أخرى: أن نسأل دائماً عمّن غاب، وأن نبحث عن الإنسان خلف الرقم، وعن الاسم خلف الجثة، وعن الحكاية خلف الصمت. فحتما لا نستطيع أن نعيد الموتى إلى الحياة، لكننا نستطيع على الأقل، ألا نسمح بأن يموتوا مرتين: مرة في الجسد ومرة في الذاكرة.
لحظة العثور على أزرار الحديد تأملات في الفقد المتكرر في قصة زقاق النباعي للدكتور محمد مطلك صالح
لحظة العثور على أزرار الحديد
تأملات في الفقد المتكرر في قصة زقاق النباعي للدكتور محمد مطلك صالح
ليس الفقد أن يغيب شخص عن العين فحسب؛ فذلك هو الوجه الأول من الغياب، وربما أبسطه. أما الفقد الحقيقي فيبدأ حين يصبح الغائب حاضراً في كل شيء: في المكان الذي كان يجلس فيه، في الباب الذي اعتاد أن يفتحه، في صوت الخطوات التي لم تعد تُسمع، وفي الأشياء الصغيرة التي تركها وراءه من دون أن يدري أنها ستتحول ذات يوم إلى شواهد. لهذا لا ينتهي الفقد بالموت دائماً، بل قد يبدأ منه، ثم يتشعب في الذاكرة، ويعيد إنتاج نفسه كلما عثر الإنسان على أثر جديد لمن فقد.
وفي الحروب، يأخذ الفقد صورة أكثر قسوة؛ لأن الحرب لا تكتفي بأخذ الإنسان، بل تسلب أهله حقهم في معرفة كيف وأين ولماذا غاب. إنها لا تقتل الجسد وحده، وإنما تعبث بما بعد الموت أيضاً: بالقبر، والاسم، والذاكرة، وبحق الذين بقوا في أن يقولوا إن هذا كان لنا ذات يوم. ومن هنا يصبح انتظار المفقود نوعاً آخر من العيش؛ حياة معلقة بين احتمالين، لا تستطيع أن تصدق الموت ولا تستطيع أن تستعيد الأمل.
من هذه المنطقة الموجعة تنفتح قصة “زقاق النباعي” للدكتور محمد مطلك صالح؛ فهي لا تحكي الحرب بوصفها حدثاً عابراً يقع خارج الإنسان، وإنما ترصد ما تفعله الحرب في الزمن الإنساني نفسه. تجعل الانتظار حرفة، والأمل طعماً مراً، والجسد دليلاً، والجثة سؤالاً، والقرية ذاكرة مفتوحة على الموت. وليس محور القصة موت نجم وحده، بل ذلك الفقد المتكرر الذي يتوالد من فقد آخر: يختفي الابن، ثم يغيب الزوج، ثم تغيب الجثة، ثم يضيع القبر، ثم تُسرق الجثث، ثم يصبح حتى حق الحزن مشروطاً بإثبات أن المفقود بريء.
وهنا تتخذ القصة قيمتها التأملية؛ لأن الموت فيها ليس لحظة واحدة، بل سلسلة من الغيابات المتعاقبة. وكأن الحرب تقول للناجين: لن أمنحكم حتى رفاهية الحزن المكتمل.
تبدأ القصة بزمن يبدو كأنه فقد قدرته على الحركة: “أكثر من عشرة أعوام وأم نجم تنتظر ولدها كي يكبر حلم بطعم مر يكاد يتلاشى”
ليست السنوات هنا مجرد رقم زمني؛ إنها كتلة من الانتظار تراكمت فوق قلب الأم. والحلم الذي يفترض أن يكون مصدر حياة يتحول إلى شيء ذي طعم مر. وكأن الأمل حين يطول أكثر مما ينبغي، يفقد طبيعته الأولى، فيصبح عبئاً لا يستطيع صاحبه التخلص منه ولا يستطيع التخلي عنه.
وهذا ما يجعل انتظار أم نجم مختلفاً عن الانتظار العادي؛ فهي لا تنتظر عودة شخص فحسب، بل تنتظر اكتمال صورة الحياة التي توقفت عند لحظة غيابه. ولذلك يأتي حلمها بأن ترقص في عرس ولدها كاستعادة مؤجلة للمستقبل. غير أن الإحساس بـيوم نحس ومشؤوم يقلب المعنى كله؛ فالعُرس الذي كان يفترض أن يكون احتفالاً بالحياة يتحول إلى نقيضه، ويصبح الرقص قريباً من البكاء، والزفاف من الدفن. كأن القصة تريد أن تقول إن الحرب لا تقتل الحاضر وحده، بل تقتل المستقبل الذي كان ينتظره الناس أيضاً.
يتسع الفقد من الأم إلى المكان. تقول القصة: “فتحت النافذة وسمعت صياح يعم القرية… صياح النساء الثكالى”
النافذة هنا ليست مجرد تفصيل سردي؛ إنها منفذ يخرج منه صوت الموت إلى فضاء القرية. لا ترى الأم من خلالها مشهداً محدداً، وإنما تسمع وجعاً جماعياً. فالحزن لم يعد ملك امرأة واحدة؛ لقد صار لغة مشتركة بين النساء.
ثم تأتي الصورة الأشد قسوة:
“القرية تبدو مدينة أثرية، لا تسمع فيها وقع قدم ولا نبح كلب، الأشجار تموت وهي واقفة عطشاً”
إنها صورة لقرية لم تصبح أثراً بعد، لكنها تعيش زمن الأطلال. وهذا هو أحد أكثر وجوه الحرب رعباً: أن يتحول المكان الحي إلى ذاكرة وهو ما يزال قائماً. البيوت موجودة، والأشجار موجودة، والطريق موجود، لكن الحياة التي كانت تمنح هذه الأشياء معناها قد انحسرت.
ويمكن استحضار مقولة “والتر بنيامين الشهيرة”:
“ما من وثيقة حضارة إلا وهي في الوقت نفسه وثيقة بربرية”
لا بوصفها تفسيراً جاهزاً للقصة، وإنما بوصفها مفتاحاً للتأمل في هذا الخراب الذي يكشف الوجه الآخر للتاريخ. فالقرية التي صارت مدينة أثرية ليست أثراً لحضارة قديمة، وإنما شاهد حي على ما يمكن أن تفعله البربرية حين تدخل حياة الإنسان وتعيد ترتيبها على أساس الموت.
لا تكتفي القصة برصد موت الأفراد، وإنما تنقلنا إلى صورة الموت حين يتحول إلى ظاهرة جماعية: “دفنوا ثلاثة أو أربعة في قبر واحد”
هنا يفقد الموت شيئاً من خصوصيته الإنسانية. فالقبر الذي كان ينبغي أن يحمل اسم إنسان واحد يصبح مكاناً لأجساد متعددة، وكأن الموت نفسه لم يعد قادراً على منح كل ضحية مساحة مستقلة.
وتزداد الصورة مرارة حين تقول القصة: “القتل يجمعهم ويتشاطرونه بالتساوي”
إن كلمة بالتساوي تكتسب هنا دلالة ساخرة ومفزعة في آن واحد. فالمساواة التي عجزت الحياة عن تحقيقها بين البشر تحققها الحرب بطريقة معكوسة؛ لا تمنحهم عدالة في الحياة، وإنما تجمعهم في الموت. إنها مساواة الإلغاء، حيث يصبح الاختلاف بين الأسماء والوجوه والقصص بلا قيمة أمام آلة القتل.
ثم تبلغ المفارقة ذروتها في الحديث عن “512” نبعية موزعة في البراري بشكل عادل لتقسيم جثث الأموات. إن استعمال مفردة “عادل “في سياق توزيع الجثث يخلق صدمة لغوية وأخلاقية؛ فاللغة هنا تبدو وكأنها فقدت معناها الطبيعي. كيف يمكن للعدالة أن تكون في توزيع الموت؟ وكيف يصبح الخراب قابلاً للحساب والتنظيم؟
وهنا تتجاوز القصة وصف المأساة إلى فضح الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الموت، حين يتكرر، إلى شيء اعتيادي في الوعي الجمعي.
لكن الذروة الحقيقية في القصة لا تأتي مع وصف المقابر، وإنما مع شيء صغير جداً: أزرار الحديد. حيث تقول القصة:
“وسعت البيجامة على جسم نجم… فأعطته الزوجة أزرار الحديد التي كانت تشد وتربط ثوبها من صدرها الجميل”
إنها لحظة يتحول فيها الحب إلى أثر مادي. الأزرار التي كانت جزءاً من لباس الزوجة تنتقل إلى ثوب نجم، وكأنها تعبر معه من الحياة اليومية إلى فضاء الغياب. الشيء الصغير الذي لم يكن يحمل في لحظته الأولى أي قيمة استثنائية يصبح، بعد الفقد، أثمن من كثير من الأشياء.
وهنا تكمن براعة الرمز؛ فالزوجة لا تعثر على جسد زوجها كاملاً، ولا على قبر يحمل اسمه، وإنما تعثر على علامة صغيرة يمكن من خلالها أن تستعيد الحقيقة. إن العبث البربري لم يترك لها الرجل الذي أحبته، وإنما ترك لها جزءاً من شيء كان يلامسه.
لذلك فإن لحظة العثور على أزرار الحديد ليست لحظة انتهاء البحث، بل لحظة انهيار آخر احتمال للأمل. طوال السنوات السابقة كان الغياب قابلاً للتأويل: ربما يعود، ربما يكون حياً، ربما يأتي خبر. أما الأزرار فتمنح الغياب شكله النهائي. وهكذا يتحول الشيء البسيط إلى شهادة. ليس لأنه يتكلم، وإنما لأن الصمت الذي يحيط به يصبح أكثر بلاغة من الكلام.
في هذا الصدد، يبدو الأكثر مأساوية في “زقاق النباعي” أن العبث البربري لا يكتفي بأخذ الجسد، بل يمتد إلى الحقيقة نفسها. حين تتحدث الزوجة عن “سرقة الجثث خوفاً أن يقال عنك وقع ابنك في بئر الخيانة” فإن المأساة تنتقل من سؤال الموت إلى سؤال السمعة والاتهام. فلم يعد كافياً أن يموت الإنسان؛ ينبغي بعد موته أن يثبت أهله أنه لم يكن خائناً.
وهنا تصبح الجثة وثيقة، ويصبح القبر أرشيفاً، ويصبح العثور على بقايا الجسد فعل مقاومة للنسيان. إن الإنسان الذي اختفى في هذا العبث لا يحتاج إلى من يبكيه فقط، بل إلى من يحفظ اسمه من أن تبتلعه رواية أخرى.
وفي هذا السياق يمكن استحضار مفهوم “جورجيو أغامبين” عن الحياة العارية:
“حيث يصبح الإنسان في بعض الظروف منزوع الحماية والقيمة القانونية والرمزية”
والقصة توسع هذا المعنى بصورة مؤلمة؛ فحتى بعد الموت لا يستعيد الإنسان بالضرورة كرامته كاملة، لأن جسده قد يتحول إلى دليل اتهام أو براءة، وقد يصبح غيابه مادة للتأويل السياسي والاجتماعي. وهكذا لا يكون الفقد فقداً للإنسان فقط، وإنما فقداً للحق في تعريفه أيضاً.
ومن أكثر الصور كثافة في القصة قولها: “لقد مات النخيل في بلاده إلى الأبد، وهزت النباعي مخاضها بدلاً عنها”
النخيل هنا ليس شجرة وحسب؛ إنه علامة على الحياة والجذور والامتداد. وعندما يموت النخيل، لا يموت النبات وحده، بل يبدو وكأن شيئاً من علاقة الإنسان بأرضه قد انكسر. أما النباعي، فيتحول في هذه الصورة من مجرد مكان إلى كائن رمزي. لكنه رحم مقلوب؛ فبدل أن يلد الحياة يخرج الجثث، وبدل أن يمنح الأرض ثماراً يمنحها قبوراً، وبدل أن تكتسي النساء بالأعراس يكسوهن السواد.
وهنا تبلغ المفارقة أقصى درجاتها: الأرض التي يفترض أن تحفظ الإنسان أصبحت مكاناً لابتلاعه. إنها ليست مقبرة بالمعنى المكاني فقط، وإنما مقبرة للزمن أيضاً؛ لأن كل جثة مدفونة هناك تحمل معها جزءاً من مستقبل كان يمكن أن يكون.
إن ما يجعل زقاق النباعي قصة عن الفقد أكثر من كونها قصة عن الموت، هو أن الموت فيها لا يحدث مرة واحدة. فالأم تفقد حلمها بولدها، والزوجة تفقد زوجها، والقرية تفقد أبناءها، والمكان يفقد حيويته، والجسد يفقد ملامحه، والقبر يفقد اسمه، ثم تأتي الذاكرة لتتحمل عبء استعادة كل ذلك. لهذا فإن الفقد في القصة يشبه دوائر الماء حين تسقط فيه حجارة؛ تبدأ من نقطة صغيرة، ثم تتسع حتى تشمل المحيط كله.
ولعل السؤال الأعمق الذي تتركه القصة ليس: أين مات نجم؟ وإنما: ماذا بقي منه بعد أن اختفى؟
بقيت الأزرار، وبقيت ذاكرة امرأة، وبقيت قرية تتذكر الذين غابوا، وبقي نص أدبي يرفض أن يسمح للموت بأن يكون النهاية الأخيرة. وهنا تتحول الكتابة نفسها إلى نوع من استعادة المفقود. فالقاص حين يكتب عن الذين غابوا لا يعيد أجسادهم، لكنه يعيد أسماءهم إلى فضاء الذاكرة، ويمنحهم حياة أخرى داخل اللغة.
إن زقاق النباعي ليست نصاً للبكاء وحده، ولا حكاية عن امرأة عثرت على علامة تثبت موت زوجها؛ إنها تأمل عميق في الإنسان حين يُحاصر بالفقد، وفي الذاكرة حين تصبح المكان الأخير الذي يمكن أن يلجأ إليه الغائب.
لقد كان العثور على أزرار الحديد أشبه بالعثور على الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه كان اكتشافاً لحقيقة أكثر مرارة: أن الإنسان قد يُقتل مرة حين يُنتزع من الحياة، ثم يُقتل مرة أخرى حين يُمحى اسمه، وثالثة حين يُنتزع قبره، ورابعة حين يصبح موته مجرد رقم في ذاكرة الجماعة. لذلك فإن صرخة “يا ويلتاه؟” ليست صرخة دهشة عابرة، وإنما هي صرخة اليقين حين يأتي متأخراً، وبعد أن يكون الأمل قد استنفد كل احتمالاته.
وربما هنا تكمن قوة القصة: إنها تجعلنا نعيد النظر في معنى الفقد. فليس المفقود من غاب جسده فقط؛ قد يكون المفقود هو الاسم، أو الذاكرة، أو الحق في الحزن، أو حتى القدرة على معرفة الحقيقة. أما أزرار الحديد، تلك الأشياء الصغيرة التي ظلت صامتة طوال الحكاية، فقد قالت في النهاية ما عجزت عنه كل الأخبار: كان هنا إنسان.
وهذا هو ما ينبغي ألا يسمح الأدب بضياعه. فحين تعجز الذاكرة عن حمل أسماء موتاها، تصبح الكتابة ذاكرة بديلة. وحين تضيع القبور، تصبح الكلمات قبوراً رمزية تحفظ ما تبقى من أصحابها. وحين يتحول الموت إلى أرقام، تعيد القصة للرقم وجهاً، وللوجه اسماً، وللاسم حكاية.
لذلك لا تنتهي “زقاق النباعي” عند لحظة العثور على الأثر، بل تبدأ منها مسؤولية أخرى: أن نسأل دائماً عمّن غاب، وأن نبحث عن الإنسان خلف الرقم، وعن الاسم خلف الجثة، وعن الحكاية خلف الصمت. فحتما لا نستطيع أن نعيد الموتى إلى الحياة، لكننا نستطيع على الأقل، ألا نسمح بأن يموتوا مرتين: مرة في الجسد ومرة في الذاكرة.
التعليقات