ما زلت هناك.. حين تتحول ذاكرة المرأة إلى سؤال نسوي ح

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 7 أكتوبر 2026 عدد المشاهدات: 3579
ما زلت هناك.. حين تتحول ذاكرة المرأة إلى سؤال نسوي ح

على هامش مهرجان النور التاسع للثقافة والابداع – دورة المفكر عبد الحسين شعبان-
توقيع رواية ( ما زلت هناك) للروائية الفلسطينية المغتربة ” سوما حسن عبد القادر”

ما زلت هناك.. حين تتحول ذاكرة المرأة إلى سؤال نسوي
حمدي العطار
ليست كل رواية تكتبها امرأة رواية نسوية كما أن حضور المرأة بوصفها شخصية رئيسة لا يكفي وحده لمنح النص صفة النسوية. فثمة فرق بين الرواية الأنثوية التي تنطلق من خصوصية التجربة النسائية ومشاعرها وعلاقتها بالعالم، وبين الرواية النسوية التي تتجاوز فقط التعبير عن الذات إلى مساءلة البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج التمييز والهيمنة، وتضع المرأة في مواجهة الأسئلة المتعلقة بالحرية والاختيار والسلطة والحق في بناء الذات.
ومن هنا يمكن النظر إلى الرواية الأنثوية باعتبارها مرتبطة في المقام الأول بهوية التجربة ومنظور الكاتبة، بينما ترتبط الرواية النسوية بالموقف الفكري الذي تتخذه الرواية من قضايا المرأة. وقد تكون الرواية أنثوية من دون أن تكون نسوية، فيما يمكن لكاتب رجل أن يكتب رواية تحمل وعياً نسوياً واضحاً.
في هذا السياق تأتي رواية “ما زلت هناك” للروائية الفلسطينية سوما حسن عبد القادر، لتفتح مساحة واسعة أمام هذا السؤال: هل نحن أمام رواية تستعيد تجربة امرأة في الحب والطلاق والذاكرة، أم أمام نص يحاول مساءلة المنظومة الاجتماعية التي تجعل المرأة تدفع ثمناً مضاعفاً لاختياراتها الشخصية؟
*سوما.. امرأة في مواجهة الذاكرة
تقدم الرواية عبر بطلتها “سوما” عالماً روائياً متشابكاً تتقاطع فيه الحياة الخاصة مع الأسئلة الاجتماعية والنفسية. وتظهر في حياتها ثلاثة رجال، يمرون بها ويغيبون عنها، لكنهم لا يغادرون ذاكرتها، إذ يترك كل واحد منهم بصمته في تجربتها ويعيد فتح أبواب الماضي.
ومنذ الاستهلال تضعنا الروائية أمام لعبة الذاكرة والتذكر. ففي اجتماع عمل يظهر اسم “نسيم” الرجل الثالث في حياة سوما، فتقول: “ذكر اسمه في الاجتماع نسيم وبدأت أكرر اسمه في ذاكرتي: نسيم.. نسيم.. نسيم”. هنا لا يبدأ السرد من الحدث بقدر ما يبدأ من الذاكرة، لتتحول الذاكرة إلى أداة سردية تكشف الماضي وتعيد تفسير الحاضر.
واللافت أن سوما لا تكون قد نسيت نسيم تماماً، وإنما تأخر التذكر. فالماضي يعود إليها تدريجياً، خصوصاً حين تتكشف العلاقة القديمة التي ربطتها بأخيه “بسيم” قبل نحو ثلاثين عاماً. ثم تزداد شبكة العلاقات تعقيداً عندما تعرف أن نسيم متزوج من قريبتها “سلمى”وهو أمر لا ينكره بل يواجهه مباشرة.
وهنا تنجح الرواية في تحويل العلاقة العاطفية من حكاية شخصية إلى سؤال اجتماعي: ماذا يعني أن تكون المرأة مطلقة في مجتمع يراقب خطواتها أكثر مما يراقب خطوات الرجل؟
*المطلقة.. حين يتحول المجتمع إلى رقيب
تتقدم الرواية في أحد محاورها الأساسية نحو قضية الطلاق وما يترتب عليه من نظرة اجتماعية إلى المرأة. فسومة مطلقة مرتين، ولديها ابن وابنة، وتحاول أن تعيد بناء حياتها لكنها لا تتحرك في فضاء حر تماماً،إذ تحضر دائماً عين المجتمع بما تحمله من أحكام مسبقة على المرأة المطلقة وعلاقاتها واختياراتها.
وعندما تتصل بنسيم تقدم نفسها بوضوح فلا تخفي تاريخها: تذكر زواجها الأول، ثم زواجها الثاني، وطلاقها الثاني الذي مضى عليه خمسة عشر عاماً وتذكر أبناءها.
هذه المواجهة مع الماضي ليست مجرد اعترافات شخصية وإنما تكشف عن رغبة البطلة في استعادة حقها في تعريف نفسها بنفسها، بعيداً عن التعريف الذي يفرضه المجتمع عليها. وهنا تقترب الرواية من الوعي النسوي، لأن القضية لم تعد امرأة تبحث عن الحب فحسب، بل امرأة تحاول أن تستعيد حقها في الاختيار بعد أن ظلت حياتها محكومة بسلسلة من الأحكام الاجتماعية.
*من الحب إلى قضايا المجتمع
لا تحصر الرواية أسئلتها في العلاقات العاطفية. فكل خيط سردي يقود إلى قضية أوسع. ويبرز ذلك في شخصية الزوج الذي يتحول إلى مدمن على المخدرات، ثم يموت نتيجة جرعة زائدة.
ولا تقدم الروائية هذه الحادثة باعتبارها مجرد مأساة فردية، وإنما تجعلها جزءاً من النسيج الدرامي لتكشف مساوئ الإدمان وآثاره المدمرة في الإنسان والأسرة.
ومن هنا تنتقل الرواية إلى موضوع آخر هو الطلاق وآثاره في الأبناء، وحاجتهم إلى وجود الأب والأم، فضلاً عن العنف الأسري وآثاره النفسية والاجتماعية. وتتداخل هذه القضايا من دون أن تبدو الرواية في مادتها الظاهرة وكأنها مجموعة من الملفات الاجتماعية المنفصلة، إذ تربط بينها شخصية سوما وتجربتها ومسار حياتها.
وهذا التداخل هو أحد عناصر قوة البناء لأن الموضوعات لا تأتي على شكل مواعظ مباشرة،د وإنما تنشأ من حركة الشخصيات ومن تداعيات الذاكرة.
*السرد المختلط.. الماضي يفسر الحاضر
تعتمد الرواية على تقنية سردية تقوم على التداخل بين الحاضر والماضي، فالحاضر ليس سوى مفتاح لاستدعاء أحداث سابقة. ويتيح هذا الأسلوب للروائية أن تكشف الشخصية بالتدريج، وأن تؤجل بعض المعلومات حتى تصبح جزءاً من عملية التشويق.
ويؤدي السارد العليم دوراً في تقديم الشخصيات والأحداث، بينما تتيح مساحة السرد المرتبطة بسوما للقارئ الاقتراب من داخلها النفسي. وهكذا يصبح الزمن الروائي غير خطي، فالحدث الحالي يستدعي حدثاً قديماً، والاسم يستدعي علاقة، والعلاقة تستدعي جرحاً، والجرح يعيد تشكيل الحاضر.
إنها ليست تقنية للزمن فقط بل تقنية لفهم الشخصية لأن الإنسان في الرواية كما في الحياة لا يعيش حاضره منفصلاً عن ماضيه.
*هل هي رواية نسوية؟
السؤال النقدي هنا لا يتعلق بكون الكاتبة امرأة أو بكون بطلتها امرأة، وإنما بما تقوله الرواية عن المرأة وموقعها في المجتمع.
وفي “ما زلت هناك” تتقدم قضايا مثل الطلاق، والرقابة الاجتماعية، والعنف الأسري، والإدمان، والعلاقات العاطفية، وحق المرأة في إعادة بناء حياتها، لتشكل معاً أرضية يمكن من خلالها قراءة الرواية في ضوء الوعي النسوي.
لكن الرواية لا تبدو منشغلة بإطلاق الشعارات بقدر انشغالها بتجسيد الأزمة داخل حياة شخصية محددة. وهذه نقطة مهمة نقدياً، فالرواية لا تصبح نسوية لمجرد أن بطلتها تتمرد على بعض القيود، بل عندما تجعل التجربة الفردية كاشفة لبنية اجتماعية أوسع.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن “ما زلت هناك” تتحرك بين الأنثوي والنسوي: فهي تبدأ من خصوصية امرأة وذاكرتها وعلاقاتها، لكنها تتجاوز التجربة الفردية إلى مساءلة بعض التصورات الاجتماعية التي تحاصر المرأة وتعيد إنتاج هشاشتها.
*”ما زلت هناك”.. عنوان يتحدى الغياب
يظل العنوان من أهم عتبات الرواية، و”ما زلت هناك” عنوان شديد الكثافة من الناحية الدلالية.
من هي التي تقول: “ما زلت هناك”؟
هل هي سوما التي نجت من زواجين وانفصالين؟ أم المرأة التي بقيت رغم الخيبات؟ أم الذاكرة التي ترفض أن تختفي؟ أم فلسطين التي، بوصفها فضاءً تاريخياً وجغرافياً وإنسانياً للرواية تقول إنها ما زالت هناك رغم كل ما تعرضت له من اقتلاع وغياب؟
هنا يكتسب العنوان، خصوصاً في رواية فلسطينية، دلالة تتجاوز الشخصية الفردية. فكلمة “هناك” ليست مكاناً محدداً بالضرورة، وإنما يمكن أن تصبح إحالة إلى مكان وذاكرة وهوية، فيما تحمل عبارة “ما زلت” معنى الاستمرار والمقاومة في وجه المحو.
ولهذا فإن العنوان لا يكتفي بتسمية الرواية، بل يفتح أمامها أفقاً تأويلياً واسعاً، ويجعل حضور المرأة وحضور المكان متجاورين في سؤال واحد: كيف يبقى الإنسان حاضراً رغم محاولات الغياب؟
*رواية تضع القارئ أمام أسئلته
يرى الروائي أمجد توفيق أن هذه الرواية “لا تشبه ما تعودنا على قراءته” وأن أسئلتها تصيب أهدافها وتضع القارئ أمام ضميره. بينما يشير الناقد إبراهيم موسى النحاس إلى توظيف الرواية للسؤال الذي يعكس قلق الذات الروائية ويثير ذهن القارئ في أكثر من موضع.
واللافت أن الغلاف الخارجي للرواية يقدمها بوصفها أكثر من حكاية حب، فهي حكاية امرأة تحاول أن تبدأ حياتها من جديد، لكنها تجد نفسها ممزقة بين حب لم تخطط له، وماضٍ لم تستطع دفنه، وطفولة تركت في داخلها أسئلة بلا إجابات.
وهذه الأسئلة هي التي تمنح الرواية بعدها الإنساني؛ فالحب هنا ليس خلاصاً رومانسياً سهلاً، والماضي ليس مجرد ذكريات يمكن إغلاقها، والنجاة ليست بالضرورة نسياناً لما حدث.
*خاتمة
تبدو “ما زلت هناك”في النهاية رواية عن المرأة والذاكرة والحب لكنها لا تتوقف عند هذه الحدود. إنها تفتح ملفات اجتماعية ونفسية متعددة وتضع بطلتها في مواجهة مجتمع يراقب اختيارات المرأة ويحمّلها أحياناً مسؤولية ما لا يحمّل الرجل المسؤولية نفسها.
وإذا كانت الرواية الأنثوية تنطلق من خصوصية تجربة المرأة، فإن الرواية النسوية تتقدم خطوة أخرى لتسأل عن الأسباب التي جعلت هذه التجربة على هذه الصورة. ومن هنا تأتي أهمية “ما زلت هناك”: فهي لا تقدم لنا امرأة تبحث عن حب ضائع فحسب بل امرأة تحاول أن تستعيد حقها في أن تكون حاضرة في حياتها لا أثر في ذاكرة الآخرين.
وربما لهذا تحديداً يحمل العنوان كل هذه الطاقة الدلالية: ما زلت هناك… جملة قصيرة، لكنها تصلح أن تكون إعلاناً عن بقاء الذات في مواجهة الحب والخسارة والطلاق والذاكرة والمجتمع، بل وربما في مواجهة الغياب الأكبر الذي يظل يلاحق المكان الفلسطيني والإنسان الفلسطيني.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

مئة عام ولم يصمت الشعر.. السياب والبياتي وبلند يعودون إلى بغداد

مئة عام ولم يصمت الشعر.. السياب والبياتي وبلند يعودون إلى بغداد

مئة عام ولم يصمت الشعر.. السياب والبياتي وبلند يعودون إلى بغداد “مئوية الرواد”تفتح كتاب قرن…

صورة الكاتب حمدي العطار
3 أكتوبر 2026
اقرأ المزيد
قراءة نقدية في رواية “جذور من الطين والنخيل” لصالح مهدي الكندي

قراءة نقدية في رواية “جذور من الطين والنخيل” لصالح مهدي الكندي

شاني.. حين يتحول المقاوم الفرد إلى ذاكرة وطنية قراءة نقدية في رواية “جذور من الطين…

صورة الكاتب حمدي العطار
29 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد
حين تتمرد القصة القصيرة على حدودها: كيف تولد الرواية؟

حين تتمرد القصة القصيرة على حدودها: كيف تولد الرواية؟

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة دار الورشة الثقافية بالمركز الثقافي البغدادي اليوم الجمعة 25/9…

صورة الكاتب حمدي العطار
26 سبتمبر 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ما زلت هناك.. حين تتحول ذاكرة المرأة إلى سؤال نسوي ح

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 7 أكتوبر 2026

التصنيف: النقد الأدبي

على هامش مهرجان النور التاسع للثقافة والابداع – دورة المفكر عبد الحسين شعبان-
توقيع رواية ( ما زلت هناك) للروائية الفلسطينية المغتربة ” سوما حسن عبد القادر”

ما زلت هناك.. حين تتحول ذاكرة المرأة إلى سؤال نسوي
حمدي العطار
ليست كل رواية تكتبها امرأة رواية نسوية كما أن حضور المرأة بوصفها شخصية رئيسة لا يكفي وحده لمنح النص صفة النسوية. فثمة فرق بين الرواية الأنثوية التي تنطلق من خصوصية التجربة النسائية ومشاعرها وعلاقتها بالعالم، وبين الرواية النسوية التي تتجاوز فقط التعبير عن الذات إلى مساءلة البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج التمييز والهيمنة، وتضع المرأة في مواجهة الأسئلة المتعلقة بالحرية والاختيار والسلطة والحق في بناء الذات.
ومن هنا يمكن النظر إلى الرواية الأنثوية باعتبارها مرتبطة في المقام الأول بهوية التجربة ومنظور الكاتبة، بينما ترتبط الرواية النسوية بالموقف الفكري الذي تتخذه الرواية من قضايا المرأة. وقد تكون الرواية أنثوية من دون أن تكون نسوية، فيما يمكن لكاتب رجل أن يكتب رواية تحمل وعياً نسوياً واضحاً.
في هذا السياق تأتي رواية “ما زلت هناك” للروائية الفلسطينية سوما حسن عبد القادر، لتفتح مساحة واسعة أمام هذا السؤال: هل نحن أمام رواية تستعيد تجربة امرأة في الحب والطلاق والذاكرة، أم أمام نص يحاول مساءلة المنظومة الاجتماعية التي تجعل المرأة تدفع ثمناً مضاعفاً لاختياراتها الشخصية؟
*سوما.. امرأة في مواجهة الذاكرة
تقدم الرواية عبر بطلتها “سوما” عالماً روائياً متشابكاً تتقاطع فيه الحياة الخاصة مع الأسئلة الاجتماعية والنفسية. وتظهر في حياتها ثلاثة رجال، يمرون بها ويغيبون عنها، لكنهم لا يغادرون ذاكرتها، إذ يترك كل واحد منهم بصمته في تجربتها ويعيد فتح أبواب الماضي.
ومنذ الاستهلال تضعنا الروائية أمام لعبة الذاكرة والتذكر. ففي اجتماع عمل يظهر اسم “نسيم” الرجل الثالث في حياة سوما، فتقول: “ذكر اسمه في الاجتماع نسيم وبدأت أكرر اسمه في ذاكرتي: نسيم.. نسيم.. نسيم”. هنا لا يبدأ السرد من الحدث بقدر ما يبدأ من الذاكرة، لتتحول الذاكرة إلى أداة سردية تكشف الماضي وتعيد تفسير الحاضر.
واللافت أن سوما لا تكون قد نسيت نسيم تماماً، وإنما تأخر التذكر. فالماضي يعود إليها تدريجياً، خصوصاً حين تتكشف العلاقة القديمة التي ربطتها بأخيه “بسيم” قبل نحو ثلاثين عاماً. ثم تزداد شبكة العلاقات تعقيداً عندما تعرف أن نسيم متزوج من قريبتها “سلمى”وهو أمر لا ينكره بل يواجهه مباشرة.
وهنا تنجح الرواية في تحويل العلاقة العاطفية من حكاية شخصية إلى سؤال اجتماعي: ماذا يعني أن تكون المرأة مطلقة في مجتمع يراقب خطواتها أكثر مما يراقب خطوات الرجل؟
*المطلقة.. حين يتحول المجتمع إلى رقيب
تتقدم الرواية في أحد محاورها الأساسية نحو قضية الطلاق وما يترتب عليه من نظرة اجتماعية إلى المرأة. فسومة مطلقة مرتين، ولديها ابن وابنة، وتحاول أن تعيد بناء حياتها لكنها لا تتحرك في فضاء حر تماماً،إذ تحضر دائماً عين المجتمع بما تحمله من أحكام مسبقة على المرأة المطلقة وعلاقاتها واختياراتها.
وعندما تتصل بنسيم تقدم نفسها بوضوح فلا تخفي تاريخها: تذكر زواجها الأول، ثم زواجها الثاني، وطلاقها الثاني الذي مضى عليه خمسة عشر عاماً وتذكر أبناءها.
هذه المواجهة مع الماضي ليست مجرد اعترافات شخصية وإنما تكشف عن رغبة البطلة في استعادة حقها في تعريف نفسها بنفسها، بعيداً عن التعريف الذي يفرضه المجتمع عليها. وهنا تقترب الرواية من الوعي النسوي، لأن القضية لم تعد امرأة تبحث عن الحب فحسب، بل امرأة تحاول أن تستعيد حقها في الاختيار بعد أن ظلت حياتها محكومة بسلسلة من الأحكام الاجتماعية.
*من الحب إلى قضايا المجتمع
لا تحصر الرواية أسئلتها في العلاقات العاطفية. فكل خيط سردي يقود إلى قضية أوسع. ويبرز ذلك في شخصية الزوج الذي يتحول إلى مدمن على المخدرات، ثم يموت نتيجة جرعة زائدة.
ولا تقدم الروائية هذه الحادثة باعتبارها مجرد مأساة فردية، وإنما تجعلها جزءاً من النسيج الدرامي لتكشف مساوئ الإدمان وآثاره المدمرة في الإنسان والأسرة.
ومن هنا تنتقل الرواية إلى موضوع آخر هو الطلاق وآثاره في الأبناء، وحاجتهم إلى وجود الأب والأم، فضلاً عن العنف الأسري وآثاره النفسية والاجتماعية. وتتداخل هذه القضايا من دون أن تبدو الرواية في مادتها الظاهرة وكأنها مجموعة من الملفات الاجتماعية المنفصلة، إذ تربط بينها شخصية سوما وتجربتها ومسار حياتها.
وهذا التداخل هو أحد عناصر قوة البناء لأن الموضوعات لا تأتي على شكل مواعظ مباشرة،د وإنما تنشأ من حركة الشخصيات ومن تداعيات الذاكرة.
*السرد المختلط.. الماضي يفسر الحاضر
تعتمد الرواية على تقنية سردية تقوم على التداخل بين الحاضر والماضي، فالحاضر ليس سوى مفتاح لاستدعاء أحداث سابقة. ويتيح هذا الأسلوب للروائية أن تكشف الشخصية بالتدريج، وأن تؤجل بعض المعلومات حتى تصبح جزءاً من عملية التشويق.
ويؤدي السارد العليم دوراً في تقديم الشخصيات والأحداث، بينما تتيح مساحة السرد المرتبطة بسوما للقارئ الاقتراب من داخلها النفسي. وهكذا يصبح الزمن الروائي غير خطي، فالحدث الحالي يستدعي حدثاً قديماً، والاسم يستدعي علاقة، والعلاقة تستدعي جرحاً، والجرح يعيد تشكيل الحاضر.
إنها ليست تقنية للزمن فقط بل تقنية لفهم الشخصية لأن الإنسان في الرواية كما في الحياة لا يعيش حاضره منفصلاً عن ماضيه.
*هل هي رواية نسوية؟
السؤال النقدي هنا لا يتعلق بكون الكاتبة امرأة أو بكون بطلتها امرأة، وإنما بما تقوله الرواية عن المرأة وموقعها في المجتمع.
وفي “ما زلت هناك” تتقدم قضايا مثل الطلاق، والرقابة الاجتماعية، والعنف الأسري، والإدمان، والعلاقات العاطفية، وحق المرأة في إعادة بناء حياتها، لتشكل معاً أرضية يمكن من خلالها قراءة الرواية في ضوء الوعي النسوي.
لكن الرواية لا تبدو منشغلة بإطلاق الشعارات بقدر انشغالها بتجسيد الأزمة داخل حياة شخصية محددة. وهذه نقطة مهمة نقدياً، فالرواية لا تصبح نسوية لمجرد أن بطلتها تتمرد على بعض القيود، بل عندما تجعل التجربة الفردية كاشفة لبنية اجتماعية أوسع.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن “ما زلت هناك” تتحرك بين الأنثوي والنسوي: فهي تبدأ من خصوصية امرأة وذاكرتها وعلاقاتها، لكنها تتجاوز التجربة الفردية إلى مساءلة بعض التصورات الاجتماعية التي تحاصر المرأة وتعيد إنتاج هشاشتها.
*”ما زلت هناك”.. عنوان يتحدى الغياب
يظل العنوان من أهم عتبات الرواية، و”ما زلت هناك” عنوان شديد الكثافة من الناحية الدلالية.
من هي التي تقول: “ما زلت هناك”؟
هل هي سوما التي نجت من زواجين وانفصالين؟ أم المرأة التي بقيت رغم الخيبات؟ أم الذاكرة التي ترفض أن تختفي؟ أم فلسطين التي، بوصفها فضاءً تاريخياً وجغرافياً وإنسانياً للرواية تقول إنها ما زالت هناك رغم كل ما تعرضت له من اقتلاع وغياب؟
هنا يكتسب العنوان، خصوصاً في رواية فلسطينية، دلالة تتجاوز الشخصية الفردية. فكلمة “هناك” ليست مكاناً محدداً بالضرورة، وإنما يمكن أن تصبح إحالة إلى مكان وذاكرة وهوية، فيما تحمل عبارة “ما زلت” معنى الاستمرار والمقاومة في وجه المحو.
ولهذا فإن العنوان لا يكتفي بتسمية الرواية، بل يفتح أمامها أفقاً تأويلياً واسعاً، ويجعل حضور المرأة وحضور المكان متجاورين في سؤال واحد: كيف يبقى الإنسان حاضراً رغم محاولات الغياب؟
*رواية تضع القارئ أمام أسئلته
يرى الروائي أمجد توفيق أن هذه الرواية “لا تشبه ما تعودنا على قراءته” وأن أسئلتها تصيب أهدافها وتضع القارئ أمام ضميره. بينما يشير الناقد إبراهيم موسى النحاس إلى توظيف الرواية للسؤال الذي يعكس قلق الذات الروائية ويثير ذهن القارئ في أكثر من موضع.
واللافت أن الغلاف الخارجي للرواية يقدمها بوصفها أكثر من حكاية حب، فهي حكاية امرأة تحاول أن تبدأ حياتها من جديد، لكنها تجد نفسها ممزقة بين حب لم تخطط له، وماضٍ لم تستطع دفنه، وطفولة تركت في داخلها أسئلة بلا إجابات.
وهذه الأسئلة هي التي تمنح الرواية بعدها الإنساني؛ فالحب هنا ليس خلاصاً رومانسياً سهلاً، والماضي ليس مجرد ذكريات يمكن إغلاقها، والنجاة ليست بالضرورة نسياناً لما حدث.
*خاتمة
تبدو “ما زلت هناك”في النهاية رواية عن المرأة والذاكرة والحب لكنها لا تتوقف عند هذه الحدود. إنها تفتح ملفات اجتماعية ونفسية متعددة وتضع بطلتها في مواجهة مجتمع يراقب اختيارات المرأة ويحمّلها أحياناً مسؤولية ما لا يحمّل الرجل المسؤولية نفسها.
وإذا كانت الرواية الأنثوية تنطلق من خصوصية تجربة المرأة، فإن الرواية النسوية تتقدم خطوة أخرى لتسأل عن الأسباب التي جعلت هذه التجربة على هذه الصورة. ومن هنا تأتي أهمية “ما زلت هناك”: فهي لا تقدم لنا امرأة تبحث عن حب ضائع فحسب بل امرأة تحاول أن تستعيد حقها في أن تكون حاضرة في حياتها لا أثر في ذاكرة الآخرين.
وربما لهذا تحديداً يحمل العنوان كل هذه الطاقة الدلالية: ما زلت هناك… جملة قصيرة، لكنها تصلح أن تكون إعلاناً عن بقاء الذات في مواجهة الحب والخسارة والطلاق والذاكرة والمجتمع، بل وربما في مواجهة الغياب الأكبر الذي يظل يلاحق المكان الفلسطيني والإنسان الفلسطيني.