نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

صورة الكاتب
بقلم: علاء احمد الشاهین
التاريخ: 9 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2865
نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

 

تتشكل رواية (على رصيف العمر) للكاتب السوري الفلسطيني حسن سامي يوسف كعمل سردي يتكئ على الذاكرة بوصفها مادة أولى للكتابة، حيث تتقاطع التجربة الفلسطينية مع الواقع السوري في نسيج حكائي مشحون بالألم والحنين. لا تقدم الرواية حكاية خطية بقدر ما تستعيد شظايا حياة بطلها (أمجد) ، الذي يتحول إلى وسيط سردي يعكس انكسارات الطفولة وضغوط الحاضر، في سياق اجتماعي مأزوم تحكمه الحرب والفقر.
يمكن ان نلاحظ ان الكاتب قد تخلى عن التقسيم التقليدي للفصول، معتمداً أسلوب التداعي الحر وتوزيع السرد على مقاطع مرقمة، وهو خيار يعكس طبيعة الذاكرة المتشظية أكثر مما يخضع لمنطق السرد الكلاسيكي. هذه التقنية تمنح النص طابعاً تأملياً، لكنها في الوقت ذاته قد تربك القارئ الذي يبحث عن تسلسل حكائي واضح. تتشكل الشخصيات ضمن هذا البناء بوصفها امتدادات لتجربة (أمجد)، فـ(وداد) تمثل صورة الحب الأول بما يحمله من براءة واستحالة، بينما تجسد (سلمى) واقعية العلاقة الزوجية تحت ضغط الحياة، في حين تضيف الشخصيات الثانوية، مثل (سامر) بعداً إنسانياً يعمق الصراع الداخلي والخارجي.
تنشغل الرواية بثلاثية الفقر والحنين والحرب، بوصفها محددات رئيسية للوجود الإنساني في هذا العالم الروائي. لا يكتفي الكاتب بوصف هذه الحالات، بل يسعى إلى تفكيكها نفسياً وأخلاقياً، خاصة حين يقترب من مناطق حساسة مثل (قبول العار) كآلية دفاعية للبقاء. هنا تتجلى جرأة الطرح، إذ تتحول القيم إلى موضوع مساءلة، لا مسلمات ثابتة.
أسلوب حسن سامي يوسف يتسم بنزعة تصويرية واضحة، فهو يرسم بالكلمات لا يكتبها ، حيث تتداخل اللغة الشعرية مع واقعية قاسية تذكر أحياناً بروح غابرييل غارسيا ماركيز في نقل الواقع عبر حساسية جمالية عالية. غير أن هذا الانزياح نحو الشعرية لا يلغي الطابع السردي للنص، بل يمنحه بعداً مزدوجاً يجمع بين التوثيق والتخييل، خاصة في تصوير الأمكنة كدمشق القديمة، أو في استحضار عوالم الاعتقال والحرب.
من جانب آخر تنجح الرواية في تفكيك التناقضات التي تحكم النفس البشرية، فهي تضع القارئ أمام جدلية مستمرة بين الأمل واليأس، الحب والانكسار، ما يجعل الشخصيات تبدو واقعية في هشاشتها وترددها. غير أن هذا العمق النفسي قد يأتي أحياناً على حساب الإيقاع السردي، حيث تميل بعض المقاطع إلى الإطالة التأملية.
ان رواية (على رصيف العمر) تمثل إضافة نوعية إلى تجربة حسن سامي يوسف، إذ تكشف عن قدرة لافتة على دمج الحس السينمائي بالسرد الروائي – خاصة اذا ما عرفنا ان الكاتب يعد واحداً من أشهر كتاب الدراما السورية – وتقديم عالم إنساني معقد بملامح حية ومؤلمة. إنها رواية لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تسعى إلى مساءلة الواقع وإعادة تشكيله عبر ذاكرة مثقلة بالخسارات، ما يمنحها قيمة نقدية وجمالية في آن واحد.

عن الکاتب / الکاتبة

علاء احمد الشاهین
علاء احمد الشاهین
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية)

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية)

تفكيك خطاب البطولة الزائف في (كل شيئ هادئ على الجبهة الغربية) رواية (كل شيء هادئ…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
6 أبريل 2026
اقرأ المزيد
معنى العبث في إنتظار من لا يجيئ

معنى العبث في إنتظار من لا يجيئ

معنى العبث في إنتظار من لا يجيئ.. مسرحية (في انتظار غودو) للكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
27 مارس 2026
اقرأ المزيد
العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب في رواية موسم الهجرة إلى الشمال

العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب في رواية موسم الهجرة إلى الشمال

العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب في رواية موسم الهجرة إلى الشمال تتميز رواية (موسم الهجرة…

صورة الكاتب علاء احمد الشاهین
24 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

بقلم: علاء احمد الشاهین | التاريخ: 9 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

نسج الواقع بخيوط ذاكرة الخسارات..

 

تتشكل رواية (على رصيف العمر) للكاتب السوري الفلسطيني حسن سامي يوسف كعمل سردي يتكئ على الذاكرة بوصفها مادة أولى للكتابة، حيث تتقاطع التجربة الفلسطينية مع الواقع السوري في نسيج حكائي مشحون بالألم والحنين. لا تقدم الرواية حكاية خطية بقدر ما تستعيد شظايا حياة بطلها (أمجد) ، الذي يتحول إلى وسيط سردي يعكس انكسارات الطفولة وضغوط الحاضر، في سياق اجتماعي مأزوم تحكمه الحرب والفقر.
يمكن ان نلاحظ ان الكاتب قد تخلى عن التقسيم التقليدي للفصول، معتمداً أسلوب التداعي الحر وتوزيع السرد على مقاطع مرقمة، وهو خيار يعكس طبيعة الذاكرة المتشظية أكثر مما يخضع لمنطق السرد الكلاسيكي. هذه التقنية تمنح النص طابعاً تأملياً، لكنها في الوقت ذاته قد تربك القارئ الذي يبحث عن تسلسل حكائي واضح. تتشكل الشخصيات ضمن هذا البناء بوصفها امتدادات لتجربة (أمجد)، فـ(وداد) تمثل صورة الحب الأول بما يحمله من براءة واستحالة، بينما تجسد (سلمى) واقعية العلاقة الزوجية تحت ضغط الحياة، في حين تضيف الشخصيات الثانوية، مثل (سامر) بعداً إنسانياً يعمق الصراع الداخلي والخارجي.
تنشغل الرواية بثلاثية الفقر والحنين والحرب، بوصفها محددات رئيسية للوجود الإنساني في هذا العالم الروائي. لا يكتفي الكاتب بوصف هذه الحالات، بل يسعى إلى تفكيكها نفسياً وأخلاقياً، خاصة حين يقترب من مناطق حساسة مثل (قبول العار) كآلية دفاعية للبقاء. هنا تتجلى جرأة الطرح، إذ تتحول القيم إلى موضوع مساءلة، لا مسلمات ثابتة.
أسلوب حسن سامي يوسف يتسم بنزعة تصويرية واضحة، فهو يرسم بالكلمات لا يكتبها ، حيث تتداخل اللغة الشعرية مع واقعية قاسية تذكر أحياناً بروح غابرييل غارسيا ماركيز في نقل الواقع عبر حساسية جمالية عالية. غير أن هذا الانزياح نحو الشعرية لا يلغي الطابع السردي للنص، بل يمنحه بعداً مزدوجاً يجمع بين التوثيق والتخييل، خاصة في تصوير الأمكنة كدمشق القديمة، أو في استحضار عوالم الاعتقال والحرب.
من جانب آخر تنجح الرواية في تفكيك التناقضات التي تحكم النفس البشرية، فهي تضع القارئ أمام جدلية مستمرة بين الأمل واليأس، الحب والانكسار، ما يجعل الشخصيات تبدو واقعية في هشاشتها وترددها. غير أن هذا العمق النفسي قد يأتي أحياناً على حساب الإيقاع السردي، حيث تميل بعض المقاطع إلى الإطالة التأملية.
ان رواية (على رصيف العمر) تمثل إضافة نوعية إلى تجربة حسن سامي يوسف، إذ تكشف عن قدرة لافتة على دمج الحس السينمائي بالسرد الروائي – خاصة اذا ما عرفنا ان الكاتب يعد واحداً من أشهر كتاب الدراما السورية – وتقديم عالم إنساني معقد بملامح حية ومؤلمة. إنها رواية لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تسعى إلى مساءلة الواقع وإعادة تشكيله عبر ذاكرة مثقلة بالخسارات، ما يمنحها قيمة نقدية وجمالية في آن واحد.