وجوه تغنّي للفرح … حوار مع دکتور جاسم محمد صالح

صورة الكاتب
بقلم: فرح تركي العامري
التاريخ: 27 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 2951
وجوه تغنّي للفرح … حوار مع دکتور جاسم محمد صالح

جاسم محمد صالح» أديب الطفولة، كتب أكثر من مئة كتاب في أدب الاطفال، وترجمت أعماله الى تسع لغات، حظيت كتبه بالالاف الدراسات النقدية واطاريح الدكتوراه، نذر نفسه لتهذيب الطفولة، يؤمن بأن الطفل العراقي ذكي وذا قدرات عالية، أتخذ من التراث مادة دسمة ليعلي قيمة القدوة لدى الاجيال التي تقرا له، أسس مجلة دراسات الطفولة بجعود ذاتية بسيطة ولاقت أنتشارا واسعا، أنه الاديب العراقي ذو الصيت العالي عربيا وعالميا، جاسم محمد صالح كان لنا معه هذا الحوار وقد أجاب متفضلا بسعة صدر ولباقة عالية، فكل الود والاحترام:

• متى قررت أن تكتب للطفل وللطفل فقط ولماذا؟

-قررت ان اكتب للطفل من خلال اهتمامي التربوي وانا طالب في الكلية واقتربت في كتاباتي كثيرا من المناهج الدراسية والقضايا التربوية والتعليمية , حين عرفت انني صاحب رسالة وهذه الرسالة لابدَّ ان تصل لمن يحتاج اليها وكان الطفل بأمس الحاجة اليها , فقررت ان اكتب له من دون غَيره , علما بانني كتبتُ اكثر من مجموعة قصصية للكبار , لكنني ما وجدت نفسي فيها لأنها كانت تتوق الى عالم الطفل والى التعامل معه والى خلق بيئة انسانية وتربوية

• الاديب جاسم محمد صالح، من أرائك “أهم ما يجب أن يتعلمه الطفل ايضا الابتسام والتحية والاصغاء الجيد والتعامل بود وأحترام مع الآخرين؟ هل لهذا الرأي آثر في نشأتهم بشكل صالح وجيد؟

_ إن القيم الاخلاقية التي تبني المجتمعات هي تلك القيم التي يجب ان يتعلمها الطفل منذ نعومة اظافره , لقد علمته من خلال قصصي وكتاباتي ومسرحياتي التي وجهتها له على ان يكون اجتماعيا وباسما وسعيدا ومحترما وعارفا بفنّ الاصغاء في الحديث والتعامل مع الاخرين بكل ودّ واحترام , لان القيم العربية التي ورثناها عن آبائنا واجدادنا كانت كلها تركز على هذه الاشياء في مضامينها ومحاورها , وحقيقة اقولها : كلما كثرت هذه القيم في نفوس اطفالنا كان مجتمعنا مجتمعا زاهيا ومتطورا ومتعافيا ومتحابا ويقترب من تحقيق ما يريد من المفاهيم الانسانية والتربوية .

• عدد من مسرحياتك « أصدقاء الشمس، الاصدقاء الطيبون، بيت للجميع، تم تمثيلها، هل هناك شيء مشترك بينها كأن تكون ثيمة الصداقة هي الرابط بينهن؟

_ مسرحياتي كثيرة وكانت كلها موجهه للأطفال وتم تمثيلها ايضا على خشبه المسرح , والشيء المشترك بين هذه المسرحيات جميعا هو زرع القيم والمفاهيم الانسانية والقضايا التربوية والحثّ على العمل وطلب العلم والتآلف والتكاتف ومساعدة الاخرين من اجل زرع الخير ونشر المحبة في نفوسهم وكانت مسرحياتي: (الاصدقاء الطيبون واصدقاء الشمس وبيت للجميع واطفال الغابة) تؤكد على مفهوم انساني كبير وهو التعاون والتآلف والعمل على بناء المجتمعات بالعلم والعمل وهذا ما كنت اطمح الى تحقيقه من خلال كتاباتي الكثيرة .

بطاقة تعريفية «جاسم محمد صالح» رائد الطفولة العربية، كتبت مسرح للدمى، الرواية، القصة، المسرحية، وكل ذلك في ادب الطفل، ولكن السؤال هل وصلت إلى مرحلة الرضا؟

_انا نذرت نفسي لتحقيق رسالتي التربوية التي اوجهها الى الطفل العربي من خلال الطفل العراقي , وهذه الرسالة تحتاج الى الكثير من الجهد والتضحية والايثار , وحقيقة تحولت حياتي الى مسار من التضحية ومن الايثار بحيث تجاوزت كل شيء من اجل ايصال الرسالة التي احملها , وانني حقيقة لست راضيا كل الرضا عما قدمته لحدّ الان الى اطفال امتنا العربية ولكنني مقتنع بانني سأكون راضيا عن هذا الجهد مستقبلا , لان الرسالة التي أحملها رسالة كبيرة وتحتاج الى صبر والى تضحية بالغالي والنفيس , وقد سبقنا العلماء الاجلاء في تحقيق هذا الشيء.

• طقوس في مدينة النساء، ما هي الرسالة من خلال هذا العمل الذي قدمته في عام 1975؟

_ إن مجموعتي القصصية : (طقوس في مدن النساء) هي من اوائل المجاميع القصصية التي كتبتها وكانت موجهه للكبار وليس للأطفال وبعد ذلك حينما احسست بقيمة وعظمة وجمالية ومصداقية ادب الاطفال تركت الكتابة الموجة للكبار وتحولت كليا الى الكتابة لأطفالنا الاحباء لانهم اقرب الى قلبي من كل الكائنات التي اراها.

• هناك عنوان شدني كثيراً لاحدى اعمالك في عام 1978وهو( وجوه تغني للفرح) هل هناك أمل للغناء لكي يأتي الفرح بعد كل التحديات والازمات والحروب التي عاشها الطفل العراقي؟

– ان مجموعتي القصصية التي عنوانها :(وجوه تغني للفرح) هي المجموعة القصصية الثانية التي كتبتها للكبار على امل ان ازرع الفرح والبسمة في وجوههم , لكنني بعد ذلك حينما زرعت البسمة والفرح في وجوه الكبار تحولت الى احبائي الصغار لكي ازرع البسمة والفرح في وجوههم أيضا , على الرغم من كل التحديات والازمات التي عاشها ويعيشها الطفل العراقي في هذه الاوقات التي لا تبشر بخير وانما تدل عن مستقبل مظلم للطفل العراقي في ظل التجاهل الكبير للطفل والى حقوقه المختلفة .

•توظيف ابطال ثورة العشرين في الادب وخاصة القصص للاطفال والتي نشرت في مجلات المزمار والمسيرة و مجلتي، سابقة مهمة ولها بعد انساني ونفسي، هل تعرضت الى نقد او اراء سلبية، بسببها؟

_إن ثورة العشرين التحررية تشكل مسارا كبيرا في ابداعي وكتاباتي الموجة للأطفال , حيث كتبت اكثر من اثنتي عشرة رواية موجهه للطفل وكلها تنخرط في باب الروايات الوطنية التي تستلهم ابطال ورموز ثوره العشرين والتي اردتُ من خلالها تسليط الضوء على هذه الرموز وتقريبها الى الاطفال في اعمال روائية وان ازرع فيهم روح حب الوطن والمواطنة والتضحية والايثار ومعرفه مفاهيم الحرية التي حاول المستعمرون ان يغيروا مسارها وطعمها ولونها عند الفرد العراقي , لهذا كله قررت عازما على ان ازرع في نفوس اطفالنا هذه القيم الوطنية التي استلهمناها من رموزنا التاريخية والذين هم بدورهم استوحوها من الرموز التي سبقتهم , كتبتُ عن جميع ابطال ثورة العشرين , كتبت رواية حميد البلام عن ثورة اهالي الموصل الكرام ضد المحتل الانجليزي وكتبت عن نجم البقال بطل ثورة النجف في رواية اسمها (الحصار) وكتبت عن البطل الشهير شعلان ابو الجون في رواية (ليرات العشر) وكذلك كتبت رواية بعنوان:(الفأس) عن البطل الاخرس (رشيد ملا شكر) الذي استشهد في شارع الرشيد وهو يقارع المدرعات البريطانية والتي كانت تصب نيرانها على العراقيين الثائرين الناقمين على ظلم المحتل الانجليزي , كتبت عن الشيخ البطل ضاري المحمود الزوبعي رواية بعنوان:(السيف),وكتبت رواية عن البطل الكبير صالح الخراشي الذي حارب المحتل التركي وقدم حياته ثمنا لهذه التضحيات الكبيرة , كتبت عن ابطال الحلة الشجعان وعن ابطال البصرة الشجعان … كتبت عن كل الرموز الوطنية ولكنني لم انس التاريخ العراقي المشرف يوم سقطت بغداد العظيمة على يد المتوحشين المغول فقد كتبت رواية (منقذ اليعربي) التي كان بطلها عراقي من بغداد يقود ثورة تحررية مستعينا بأخوته العرب من اجل الحاق الهزيمة بالمحتل المغولي وكانت معركة (عين جالوت) ايذانا بانحسار التسلط المغولي على وطننا العربي وعوده بغداد حرة محررة وتطير في اجوائها طيور الفرح والبسمة والسعادة , في كل كتاباتي الوطنية كنت أعتمد على بناء الانسان على حب وطنه وتاريخه وحضارته , ولا يخفى على احد ان الكتابة عن الوطن ومحاربه المحتل تعرضت من خلالها الى معارضه السلطات سابقا وحاضرا لان الوطن حقيقه لا يشكل حيزا في مفاهيم المتنفذين من الذين تبوؤوا على كراسي السلطة فلا يهمهم الوطن ولا تهمهم الوطنية بقدر ما يهمهم ان يتشبثوا بأماكنهم التي حصلوا عليها في غفلة من التاريخ وفي ظلام من الاحداث ولا يريدون شخصا ان ينور الآخرين على جماليات التضحية والفداء من أجل تحر الوطن .

• هل الطفل العراقي قارئ، ام لوثته اوقاته التكنولوجيا والحواسيب؟
_الطفل العراقي هو طفل ذكي ومبدع ومتميز ويختلف عن بقية الاطفال في كل بلدان العالم بعقله وثقافته , حقيقة كان نهما ومحبا للقراءة ومتشبثا بالقصص والحكايات التي تشكل جانبا كبيرا في حيزه المعرفي ولكن نظام العولمة بدا يتسلل الى بعض اطفال العراق ويبعدهم عن القراءة الورقية , ولقد عجز نظام العولمة الخبيث بأجهزته الاعلامية ضخمة وبإمكانياته التقنية الكبيرة من ان يغير بعض مفاهيم هذا الطفل وبدأ يركض وراء الاشياء التي لا تمتُّ الى تاريخنا بصلة والى واقعنا بصلة وان رموزهم التي يطرحونها عليه هي بعيدة عن رموزنا الوطنية , لهذا انا اقول : علينا ككتاب ان نواصل المسيرة وان نواصل التضحية وان نقدم كل ما يمكننا من تقديمه من أجل ان نعيد الطفل العراقي الى حظيرة الابداع والقراءة الورقية والتي تشكل حيزا كبيرا من جمالياته المعرفية وهذه رسالة ربما يجب ان تشاركني فيها الدولة العراقية ومؤسسات الاعلام المختلفة , لان اليد الواحدة لا تصفق ابدا .

• للاطفال ولع كبير بالأسماك الملونة، كيف أستثمرت هذا الولع بمواضيع قصصك؟

_إن اللون يشكل شيئا كبيرا في عالم الاطفال , فلهذا تراهم يحبون الاشياء الملونة لأنها تفتح امامهم عوالم قوس قزح , وكانت قصصي كلها تهتم باللون وجماله اللون وقيمه من خلال العمل الصالح وحينما طبعت مؤلفاتي القصصية والروائية طبعتها بألوان زاهية وعلى ورق متميز جدا لكي اجذب الطفل القارئ الى القصة , حتى تترسخ مفاهيمها ومضامينها ورموزها في ذهنه بشكل مباشر او غير مباشر , فلهذا انني حقيقة تعاملت مع الالوان حتى أن اللون في قصصي كان يدل على قيمة واهمية وجمال وما يتركه اللون في نفس الطفل من مخيلة جمالية وانطباعية وراحة نفسية موجودة .

• كيف يمكننا أن نوظف الرموز التاريخية، كما فعلت حضرتك ليستمدا الاطقال منهم القدوة والشجاعة؟

_الرموز التاريخية هي فيض معرفي وصل الينا من خلال تاريخنا العميق وحينما يصلنا هذا الفيض من التاريخ علينا بدورنا ككتاب موجهين للأطفال ومتخصصين في الكتابة لهم ان نقدم هذه الرموز الى الاطفال بشكل جميل وبشكل مقنع بعيدا عن الاملاءات وعن الفروع والمباشرة وعن التعبئة الذهنية للطفل , لان الطفل يحتاج الى ان يفجر مخيلته ويكتشف بنفسه جمال الاحداث وروعة الشخوص الذين يقرا عنهم , لهذا كله قدمت ابطالنا في ثورة العشرين وغير ثورة العشرين بشكل جميل وسلس وابداع الى الطفل العراقي لكي يتفاعل معها بعيدا عن الشخصنة , بعيدا عن الفرض والاملاءات بعيدا عن الطائفية بعيدا عن العنصرية, لهذا كانت رواياتي استلهاما للتاريخ بشكل جديد من اجل ان احفز فيهم كل شيء , ومن اجل ان يبنوا كل شيء في هذا البلد العزيز .

• كيف يمكننا أن نعيد تشكيل المجتمع ليكون مسالم ومحب للفنون وذا حس أنساني؟

_يجب ان نزرع المخيلة ونوظف الجمال ونعيد البسمة الى اجواء واقعنا من خلال القصص والحكايات التي نكتبها للأطفال لان الطفلة بحاجة ماسة الى ان يكون محبا للخير مسالما في تعامله مع الاخرين ومتعلقا بالفنون ومقدرا لمضامينها ولحسه الانساني واذا تمكنا من ان نقدم كل هذه الاشياء للطفل بشكل غير مباشر ونزرع هذه القيم وهذه الدعوات في اللاوعي من مخيلته وعقله وتفكيره , فانه بطبيعة الحال سيكون طفلا جيدا ورصينا ومتمسكا بواقعه ومجتمعه وانسانيته من خلال القصص التي كانت كلها تركز على مفهوم المحبة والتعاون والسلام والتعايش مع الاخرين والايمان بوجود الشخص الاخر والتحاور معه بكل مصداقية وانسانية ومحبة وبذلك يكون طفلنا جزءا او نواة لمجتمع محب ومتعاون ومسالم بعيدا كل البعد عن البغضاء , بعيدا عن الانانية , بعيدا عن الذاتية , بعيدا كل البعد عن كل ما يجعل الحياة غثة وغير مقبولة .

• بجهود ذاتية انجزت مجلة دراسات الطفولة هل هي موجه للاطفال ام الادباء المختصين بأدب الطفل؟

_إن مجلة دراسات الطفولة العربية هي مجلة تصدر بجهد شخصي وحلم كان يراودني ان ابني من خلالها جامعة فكرية موجهة للأطفال في هذا المجتمع الذي بدأ فيه الطفل غريبا وبعيدا كل البعد عن التشريعات وعن القرارات الادارية والحكومية التي لم تعر ايَّ اهتمام للطفل , فلهذا كانت المجلة هي المنبر الحقيقي والوحيد لكل كتابة توجه الى الاطفال بأسلوب علمي واكاديمي بحت , حقيقه لابد لنا ان أقول ان مجلة دراسات الطفولة العربية والتي صدر منها لحد الان 24 عددا في 200 صفحة من الحجم الكبير لكل عدد , هي مجلة اكاديمية بحثية علمية موجهة الى الدارسين والباحثين والى ذوي العلاقة بأمور تربية وثقافه الطفل , سواء أكانت هذه ثقافة فنية ام موسيقية ام مسرحية ام فنون جميلة وكانت مصدرا واعدا ومبشرا لكل الباحثين والدارسين في الجامعات والمعاهد العراقية , اذا ارادوا ان ينظّروا للكتابة في ادب وثقافة الاطفال فان مجلة دراسات الطفولة العربية بمقالاتها القيمة وكتابها البارزين الذين يتبوؤون الصدارة في مسيرة ثقافة الطفل في العراق وتشكل هذه المجلة خير مصدر للثقافة.

• الختام لك، كلمة او نصيحة أو حكمة مع وافر الامتنان لهذة الفسحة والحوار الجميل

_لابدَّ لي ان اقول : ان الطفل أمانة في اعناقنا , وحينما كنت التقي بالمسؤولين الكبار والمتنفذين في الدولة العراقية كان كلامي لهم وواضحا , اقول لهم : ان الطفل العراقي امانة في اعناقكم , وان الاجيال ستذكركم بكل الخدمات التي يمكنكم ان تقدموها للطفل , فالطفل بحاجة الى خدمات كثيرة, بحاجة الى مكتبات , بحاجة الى افلام وموسيقى , بحاجة الى اذاعة , بحاجة الى فضائية , بحاجة الى مجلات متخصصة ذات الوان زاهية تربي فيه قيم الجمال والمفاهيم الجيدة تنمي فيه الحس الجمالي من خلال الالوان وما شابه ذلك , الطفل العراقي اليوم بحاجة ماسة الى تشريعات قانونية تحميه من التنمر ومن غضب الوالدين وتجاوزهما عليه , ومن الاستغلال في العمل وهو بحاجة الى ان يكون ملكا واعدا في المجتمع العراقي , الملك المبجل الذي تنحني له كل الرؤوس مهما كانت كبيرة , ختاما انا اشكركم على حسن صبركم ومطاولتكم معي في هذا الحوار الجيد وشكرا لكم مع كل التقدير باسمي شخصيا وباسم مجلة دراسات الطفولة العربية.

عن الکاتب / الکاتبة

فرح تركي العامري
فرح تركي العامري
قاصة وكاتبة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“نبع الصافي” هو أسم أختارته لمشروعها، شابة عراقية تمتهن تعليم قيادة السيارات للسيدات فقط

“نبع الصافي” هو أسم أختارته لمشروعها، شابة عراقية تمتهن تعليم قيادة السيارات للسيدات فقط

“نبع الصافي” هو أسم أختارته لمشروعها، شابة عراقية تمتهن تعليم قيادة السيارات للسيدات فقط.. حوار:…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
9 أبريل 2026
اقرأ المزيد
خانة اهمال

خانة اهمال

خانة اهمال نادرةٌ هذه اللحظةُ في حياةِ البعضِ، فقد تكونُ تدميريةً وقد تكونُ لها دوافعُ…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
26 مارس 2026
اقرأ المزيد
من يضمد الورد؟

من يضمد الورد؟

من يضمد الورد؟ كل شيء فيه تعريف للرقة والترافة، لكننا نعود إليه محتاجين، هي حاجة…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
12 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


وجوه تغنّي للفرح … حوار مع دکتور جاسم محمد صالح

بقلم: فرح تركي العامري | التاريخ: 27 ديسمبر 2025

التصنيف: الحوارات

جاسم محمد صالح» أديب الطفولة، كتب أكثر من مئة كتاب في أدب الاطفال، وترجمت أعماله الى تسع لغات، حظيت كتبه بالالاف الدراسات النقدية واطاريح الدكتوراه، نذر نفسه لتهذيب الطفولة، يؤمن بأن الطفل العراقي ذكي وذا قدرات عالية، أتخذ من التراث مادة دسمة ليعلي قيمة القدوة لدى الاجيال التي تقرا له، أسس مجلة دراسات الطفولة بجعود ذاتية بسيطة ولاقت أنتشارا واسعا، أنه الاديب العراقي ذو الصيت العالي عربيا وعالميا، جاسم محمد صالح كان لنا معه هذا الحوار وقد أجاب متفضلا بسعة صدر ولباقة عالية، فكل الود والاحترام:

• متى قررت أن تكتب للطفل وللطفل فقط ولماذا؟

-قررت ان اكتب للطفل من خلال اهتمامي التربوي وانا طالب في الكلية واقتربت في كتاباتي كثيرا من المناهج الدراسية والقضايا التربوية والتعليمية , حين عرفت انني صاحب رسالة وهذه الرسالة لابدَّ ان تصل لمن يحتاج اليها وكان الطفل بأمس الحاجة اليها , فقررت ان اكتب له من دون غَيره , علما بانني كتبتُ اكثر من مجموعة قصصية للكبار , لكنني ما وجدت نفسي فيها لأنها كانت تتوق الى عالم الطفل والى التعامل معه والى خلق بيئة انسانية وتربوية

• الاديب جاسم محمد صالح، من أرائك “أهم ما يجب أن يتعلمه الطفل ايضا الابتسام والتحية والاصغاء الجيد والتعامل بود وأحترام مع الآخرين؟ هل لهذا الرأي آثر في نشأتهم بشكل صالح وجيد؟

_ إن القيم الاخلاقية التي تبني المجتمعات هي تلك القيم التي يجب ان يتعلمها الطفل منذ نعومة اظافره , لقد علمته من خلال قصصي وكتاباتي ومسرحياتي التي وجهتها له على ان يكون اجتماعيا وباسما وسعيدا ومحترما وعارفا بفنّ الاصغاء في الحديث والتعامل مع الاخرين بكل ودّ واحترام , لان القيم العربية التي ورثناها عن آبائنا واجدادنا كانت كلها تركز على هذه الاشياء في مضامينها ومحاورها , وحقيقة اقولها : كلما كثرت هذه القيم في نفوس اطفالنا كان مجتمعنا مجتمعا زاهيا ومتطورا ومتعافيا ومتحابا ويقترب من تحقيق ما يريد من المفاهيم الانسانية والتربوية .

• عدد من مسرحياتك « أصدقاء الشمس، الاصدقاء الطيبون، بيت للجميع، تم تمثيلها، هل هناك شيء مشترك بينها كأن تكون ثيمة الصداقة هي الرابط بينهن؟

_ مسرحياتي كثيرة وكانت كلها موجهه للأطفال وتم تمثيلها ايضا على خشبه المسرح , والشيء المشترك بين هذه المسرحيات جميعا هو زرع القيم والمفاهيم الانسانية والقضايا التربوية والحثّ على العمل وطلب العلم والتآلف والتكاتف ومساعدة الاخرين من اجل زرع الخير ونشر المحبة في نفوسهم وكانت مسرحياتي: (الاصدقاء الطيبون واصدقاء الشمس وبيت للجميع واطفال الغابة) تؤكد على مفهوم انساني كبير وهو التعاون والتآلف والعمل على بناء المجتمعات بالعلم والعمل وهذا ما كنت اطمح الى تحقيقه من خلال كتاباتي الكثيرة .

بطاقة تعريفية «جاسم محمد صالح» رائد الطفولة العربية، كتبت مسرح للدمى، الرواية، القصة، المسرحية، وكل ذلك في ادب الطفل، ولكن السؤال هل وصلت إلى مرحلة الرضا؟

_انا نذرت نفسي لتحقيق رسالتي التربوية التي اوجهها الى الطفل العربي من خلال الطفل العراقي , وهذه الرسالة تحتاج الى الكثير من الجهد والتضحية والايثار , وحقيقة تحولت حياتي الى مسار من التضحية ومن الايثار بحيث تجاوزت كل شيء من اجل ايصال الرسالة التي احملها , وانني حقيقة لست راضيا كل الرضا عما قدمته لحدّ الان الى اطفال امتنا العربية ولكنني مقتنع بانني سأكون راضيا عن هذا الجهد مستقبلا , لان الرسالة التي أحملها رسالة كبيرة وتحتاج الى صبر والى تضحية بالغالي والنفيس , وقد سبقنا العلماء الاجلاء في تحقيق هذا الشيء.

• طقوس في مدينة النساء، ما هي الرسالة من خلال هذا العمل الذي قدمته في عام 1975؟

_ إن مجموعتي القصصية : (طقوس في مدن النساء) هي من اوائل المجاميع القصصية التي كتبتها وكانت موجهه للكبار وليس للأطفال وبعد ذلك حينما احسست بقيمة وعظمة وجمالية ومصداقية ادب الاطفال تركت الكتابة الموجة للكبار وتحولت كليا الى الكتابة لأطفالنا الاحباء لانهم اقرب الى قلبي من كل الكائنات التي اراها.

• هناك عنوان شدني كثيراً لاحدى اعمالك في عام 1978وهو( وجوه تغني للفرح) هل هناك أمل للغناء لكي يأتي الفرح بعد كل التحديات والازمات والحروب التي عاشها الطفل العراقي؟

– ان مجموعتي القصصية التي عنوانها :(وجوه تغني للفرح) هي المجموعة القصصية الثانية التي كتبتها للكبار على امل ان ازرع الفرح والبسمة في وجوههم , لكنني بعد ذلك حينما زرعت البسمة والفرح في وجوه الكبار تحولت الى احبائي الصغار لكي ازرع البسمة والفرح في وجوههم أيضا , على الرغم من كل التحديات والازمات التي عاشها ويعيشها الطفل العراقي في هذه الاوقات التي لا تبشر بخير وانما تدل عن مستقبل مظلم للطفل العراقي في ظل التجاهل الكبير للطفل والى حقوقه المختلفة .

•توظيف ابطال ثورة العشرين في الادب وخاصة القصص للاطفال والتي نشرت في مجلات المزمار والمسيرة و مجلتي، سابقة مهمة ولها بعد انساني ونفسي، هل تعرضت الى نقد او اراء سلبية، بسببها؟

_إن ثورة العشرين التحررية تشكل مسارا كبيرا في ابداعي وكتاباتي الموجة للأطفال , حيث كتبت اكثر من اثنتي عشرة رواية موجهه للطفل وكلها تنخرط في باب الروايات الوطنية التي تستلهم ابطال ورموز ثوره العشرين والتي اردتُ من خلالها تسليط الضوء على هذه الرموز وتقريبها الى الاطفال في اعمال روائية وان ازرع فيهم روح حب الوطن والمواطنة والتضحية والايثار ومعرفه مفاهيم الحرية التي حاول المستعمرون ان يغيروا مسارها وطعمها ولونها عند الفرد العراقي , لهذا كله قررت عازما على ان ازرع في نفوس اطفالنا هذه القيم الوطنية التي استلهمناها من رموزنا التاريخية والذين هم بدورهم استوحوها من الرموز التي سبقتهم , كتبتُ عن جميع ابطال ثورة العشرين , كتبت رواية حميد البلام عن ثورة اهالي الموصل الكرام ضد المحتل الانجليزي وكتبت عن نجم البقال بطل ثورة النجف في رواية اسمها (الحصار) وكتبت عن البطل الشهير شعلان ابو الجون في رواية (ليرات العشر) وكذلك كتبت رواية بعنوان:(الفأس) عن البطل الاخرس (رشيد ملا شكر) الذي استشهد في شارع الرشيد وهو يقارع المدرعات البريطانية والتي كانت تصب نيرانها على العراقيين الثائرين الناقمين على ظلم المحتل الانجليزي , كتبت عن الشيخ البطل ضاري المحمود الزوبعي رواية بعنوان:(السيف),وكتبت رواية عن البطل الكبير صالح الخراشي الذي حارب المحتل التركي وقدم حياته ثمنا لهذه التضحيات الكبيرة , كتبت عن ابطال الحلة الشجعان وعن ابطال البصرة الشجعان … كتبت عن كل الرموز الوطنية ولكنني لم انس التاريخ العراقي المشرف يوم سقطت بغداد العظيمة على يد المتوحشين المغول فقد كتبت رواية (منقذ اليعربي) التي كان بطلها عراقي من بغداد يقود ثورة تحررية مستعينا بأخوته العرب من اجل الحاق الهزيمة بالمحتل المغولي وكانت معركة (عين جالوت) ايذانا بانحسار التسلط المغولي على وطننا العربي وعوده بغداد حرة محررة وتطير في اجوائها طيور الفرح والبسمة والسعادة , في كل كتاباتي الوطنية كنت أعتمد على بناء الانسان على حب وطنه وتاريخه وحضارته , ولا يخفى على احد ان الكتابة عن الوطن ومحاربه المحتل تعرضت من خلالها الى معارضه السلطات سابقا وحاضرا لان الوطن حقيقه لا يشكل حيزا في مفاهيم المتنفذين من الذين تبوؤوا على كراسي السلطة فلا يهمهم الوطن ولا تهمهم الوطنية بقدر ما يهمهم ان يتشبثوا بأماكنهم التي حصلوا عليها في غفلة من التاريخ وفي ظلام من الاحداث ولا يريدون شخصا ان ينور الآخرين على جماليات التضحية والفداء من أجل تحر الوطن .

• هل الطفل العراقي قارئ، ام لوثته اوقاته التكنولوجيا والحواسيب؟
_الطفل العراقي هو طفل ذكي ومبدع ومتميز ويختلف عن بقية الاطفال في كل بلدان العالم بعقله وثقافته , حقيقة كان نهما ومحبا للقراءة ومتشبثا بالقصص والحكايات التي تشكل جانبا كبيرا في حيزه المعرفي ولكن نظام العولمة بدا يتسلل الى بعض اطفال العراق ويبعدهم عن القراءة الورقية , ولقد عجز نظام العولمة الخبيث بأجهزته الاعلامية ضخمة وبإمكانياته التقنية الكبيرة من ان يغير بعض مفاهيم هذا الطفل وبدأ يركض وراء الاشياء التي لا تمتُّ الى تاريخنا بصلة والى واقعنا بصلة وان رموزهم التي يطرحونها عليه هي بعيدة عن رموزنا الوطنية , لهذا انا اقول : علينا ككتاب ان نواصل المسيرة وان نواصل التضحية وان نقدم كل ما يمكننا من تقديمه من أجل ان نعيد الطفل العراقي الى حظيرة الابداع والقراءة الورقية والتي تشكل حيزا كبيرا من جمالياته المعرفية وهذه رسالة ربما يجب ان تشاركني فيها الدولة العراقية ومؤسسات الاعلام المختلفة , لان اليد الواحدة لا تصفق ابدا .

• للاطفال ولع كبير بالأسماك الملونة، كيف أستثمرت هذا الولع بمواضيع قصصك؟

_إن اللون يشكل شيئا كبيرا في عالم الاطفال , فلهذا تراهم يحبون الاشياء الملونة لأنها تفتح امامهم عوالم قوس قزح , وكانت قصصي كلها تهتم باللون وجماله اللون وقيمه من خلال العمل الصالح وحينما طبعت مؤلفاتي القصصية والروائية طبعتها بألوان زاهية وعلى ورق متميز جدا لكي اجذب الطفل القارئ الى القصة , حتى تترسخ مفاهيمها ومضامينها ورموزها في ذهنه بشكل مباشر او غير مباشر , فلهذا انني حقيقة تعاملت مع الالوان حتى أن اللون في قصصي كان يدل على قيمة واهمية وجمال وما يتركه اللون في نفس الطفل من مخيلة جمالية وانطباعية وراحة نفسية موجودة .

• كيف يمكننا أن نوظف الرموز التاريخية، كما فعلت حضرتك ليستمدا الاطقال منهم القدوة والشجاعة؟

_الرموز التاريخية هي فيض معرفي وصل الينا من خلال تاريخنا العميق وحينما يصلنا هذا الفيض من التاريخ علينا بدورنا ككتاب موجهين للأطفال ومتخصصين في الكتابة لهم ان نقدم هذه الرموز الى الاطفال بشكل جميل وبشكل مقنع بعيدا عن الاملاءات وعن الفروع والمباشرة وعن التعبئة الذهنية للطفل , لان الطفل يحتاج الى ان يفجر مخيلته ويكتشف بنفسه جمال الاحداث وروعة الشخوص الذين يقرا عنهم , لهذا كله قدمت ابطالنا في ثورة العشرين وغير ثورة العشرين بشكل جميل وسلس وابداع الى الطفل العراقي لكي يتفاعل معها بعيدا عن الشخصنة , بعيدا عن الفرض والاملاءات بعيدا عن الطائفية بعيدا عن العنصرية, لهذا كانت رواياتي استلهاما للتاريخ بشكل جديد من اجل ان احفز فيهم كل شيء , ومن اجل ان يبنوا كل شيء في هذا البلد العزيز .

• كيف يمكننا أن نعيد تشكيل المجتمع ليكون مسالم ومحب للفنون وذا حس أنساني؟

_يجب ان نزرع المخيلة ونوظف الجمال ونعيد البسمة الى اجواء واقعنا من خلال القصص والحكايات التي نكتبها للأطفال لان الطفلة بحاجة ماسة الى ان يكون محبا للخير مسالما في تعامله مع الاخرين ومتعلقا بالفنون ومقدرا لمضامينها ولحسه الانساني واذا تمكنا من ان نقدم كل هذه الاشياء للطفل بشكل غير مباشر ونزرع هذه القيم وهذه الدعوات في اللاوعي من مخيلته وعقله وتفكيره , فانه بطبيعة الحال سيكون طفلا جيدا ورصينا ومتمسكا بواقعه ومجتمعه وانسانيته من خلال القصص التي كانت كلها تركز على مفهوم المحبة والتعاون والسلام والتعايش مع الاخرين والايمان بوجود الشخص الاخر والتحاور معه بكل مصداقية وانسانية ومحبة وبذلك يكون طفلنا جزءا او نواة لمجتمع محب ومتعاون ومسالم بعيدا كل البعد عن البغضاء , بعيدا عن الانانية , بعيدا عن الذاتية , بعيدا كل البعد عن كل ما يجعل الحياة غثة وغير مقبولة .

• بجهود ذاتية انجزت مجلة دراسات الطفولة هل هي موجه للاطفال ام الادباء المختصين بأدب الطفل؟

_إن مجلة دراسات الطفولة العربية هي مجلة تصدر بجهد شخصي وحلم كان يراودني ان ابني من خلالها جامعة فكرية موجهة للأطفال في هذا المجتمع الذي بدأ فيه الطفل غريبا وبعيدا كل البعد عن التشريعات وعن القرارات الادارية والحكومية التي لم تعر ايَّ اهتمام للطفل , فلهذا كانت المجلة هي المنبر الحقيقي والوحيد لكل كتابة توجه الى الاطفال بأسلوب علمي واكاديمي بحت , حقيقه لابد لنا ان أقول ان مجلة دراسات الطفولة العربية والتي صدر منها لحد الان 24 عددا في 200 صفحة من الحجم الكبير لكل عدد , هي مجلة اكاديمية بحثية علمية موجهة الى الدارسين والباحثين والى ذوي العلاقة بأمور تربية وثقافه الطفل , سواء أكانت هذه ثقافة فنية ام موسيقية ام مسرحية ام فنون جميلة وكانت مصدرا واعدا ومبشرا لكل الباحثين والدارسين في الجامعات والمعاهد العراقية , اذا ارادوا ان ينظّروا للكتابة في ادب وثقافة الاطفال فان مجلة دراسات الطفولة العربية بمقالاتها القيمة وكتابها البارزين الذين يتبوؤون الصدارة في مسيرة ثقافة الطفل في العراق وتشكل هذه المجلة خير مصدر للثقافة.

• الختام لك، كلمة او نصيحة أو حكمة مع وافر الامتنان لهذة الفسحة والحوار الجميل

_لابدَّ لي ان اقول : ان الطفل أمانة في اعناقنا , وحينما كنت التقي بالمسؤولين الكبار والمتنفذين في الدولة العراقية كان كلامي لهم وواضحا , اقول لهم : ان الطفل العراقي امانة في اعناقكم , وان الاجيال ستذكركم بكل الخدمات التي يمكنكم ان تقدموها للطفل , فالطفل بحاجة الى خدمات كثيرة, بحاجة الى مكتبات , بحاجة الى افلام وموسيقى , بحاجة الى اذاعة , بحاجة الى فضائية , بحاجة الى مجلات متخصصة ذات الوان زاهية تربي فيه قيم الجمال والمفاهيم الجيدة تنمي فيه الحس الجمالي من خلال الالوان وما شابه ذلك , الطفل العراقي اليوم بحاجة ماسة الى تشريعات قانونية تحميه من التنمر ومن غضب الوالدين وتجاوزهما عليه , ومن الاستغلال في العمل وهو بحاجة الى ان يكون ملكا واعدا في المجتمع العراقي , الملك المبجل الذي تنحني له كل الرؤوس مهما كانت كبيرة , ختاما انا اشكركم على حسن صبركم ومطاولتكم معي في هذا الحوار الجيد وشكرا لكم مع كل التقدير باسمي شخصيا وباسم مجلة دراسات الطفولة العربية.