رواية “هب الله” للروائي علي قاسم
دراسة نقدية موجزة
رواية هب الله للروائي علي قاسم رواية النوفيلا ( الرواية القصيرة ) وهو النمط السائد اليوم لكتاب الروايات في العالم في عصر التقدم والعلم والمعرفةوالتكنولوجيا
حيث بدأت الأعمال الأدبية تتقلص لاسباب تتعلق بالوقت الذي يشد الناس في العمل والالتزامات ولضيق الوقت اعتبر هذا النوع هو المثالي للقرّاء الذين يفضلون انهاء قراءة أي عمل أدبي بيوم واحد .
العنوان :
العنوان لوهلة سيظنه المتلقي عنوانا اجتذابي هدفه لفت الانتباه لأنه غير واضح لغوياً وبالتالي سيكون تفسيره منوط بقراءة المتن للاطلاع على سر كتابته بهذه الطريقة الملفتة ولا يمكننا الجزم بأن هذا مخطط المؤلف بقدر ما قدمه المتن من دلائل على أهمية كتابته بهذا الشكل وتفسير ظاهرة العنوان حيث أن الأصل هو هبة الله ولأن الشخصية الثانوية في المتن كانت امرأة أجنبية أوربية بالكاد يستطيع لسانها نطق العربية ولضرورة العبارة كما جاء في متن الرواية التي وردت بها هذه العبارة ( هبة الله ) كان لنطقها بلسان المرأة الأوربية ( هب الله ) وهذا هو السبب لنطق الشخصية المهمة لبطل الرواية حين جعل ( هب الله ) هو العنوان المهم والأهم لخلاصة الرواية باعتبارها تقديراً منه لها.
بعد العنوان يستهل المؤلف بثيمة الاهداء
الى ولده محمد بعبارة تحث على القراءة
دون تحديد لنوع القراءة التي يوجه اليها ولكننا نقطع باليقين انه يريد بذلك القراءة
بكل اشكالها الأدبية والثقافية والعلمية ثم يستهل بمدخل آخر باقتباسة من خليل جبران خليل حول الأم والتي تتماس بشكل مباشر مع ثيمة الموضوعة الروائية للمتن .
المتن :
تبدأ الروية في أول سطورها الأربعة بنقلة فنية عبر تقنية القطع حيث ينتقل السارد من قلب بغداد الى دولة التشيك ، وتستمر عمليات القطع السريعة بين اقسام الرواية المعنونة بالأرقام ان استخدام تقنية القطع المفرط في الرواية وهذا يعني ان المؤلف أراد استخدام اسلوب التشويق والجذب لجرّ المتلقي الى عالم السرد من خلال اللعب السردي التقني وهذا اللعب على نحو ما لا يتطلب كل هذا الكم من القطع وفي النهاية ، للمؤلف تكتيكه وأسلوبه السردي على اي حال .
شخصية وليد في هذه الرواية وهي شخصية رئيسية تنتج لنا سيرة ذاتية عن مجمل ما تخللها من عمق انساني يتعلق بموضوعة عالمية مؤرقة منذ القدم الا وهي موضوعة اللقيط أو ما يسمى بهجتنا العامية ( النغل ) ويسلط السارد في هذه السيرة على تداعيات الحس الانساني في هذه الشخصية مع الاشارة الى البؤرة المنفلتة التي أحاطت بالأحداث والوقائع التي عاشتها شخصية وليد مع المجتمع وفق الظروف والبيئة والتكتلات والافرازات والتراكمات التي ترتب عليها كل ما جاء فيها من انحراف وتدني سلوكي وأخلاقي في اشارة واضحة الى علل تلك التداعيات في بيئة الشخصية ونمو سلوكها عبر الزمن وأشعر ان المؤلف ليس متعاطفاً البتة مع شخصيته لأنه ترك الشائع في المجتمع يأخذ مجراه فيما يتعلق الأمر باشكالية الذنب الذي ليس للشخصية الرئيسية أي عبأ فيه
أما ثمة ( النغل ) فهي ثيمة انسانية بحتة تناولت الأفكار والرؤى التي يجب أخذها بعين الاعتبار على ان ( النغل ) لا ذنب له ولا يؤخذ بجريرة والديه وتلك النزوة التي أوجدته لهذه الحياة حتى يُعاقب فيها مع ذلك في فقد أشار السارد الى نقاط مهمة وهي محاولة لتصحيح وجهات النظر فيما يتعلق بوجود هذا الانسان المغلوب على أمره وبغض النظر عن مشاعره الشخصية فقد وجد نفسه بعد تلك الخطيئة التي يدفع ثمنها وجد انه ما زال يدفع الثمن في هذا المجتمع الذي من الصعب بمكان ما أن يقبله بطيبة خاطر وسيبقى يدفع الثمن الى ما لا نهاية وهذه هي ثيمة الصراع في هذه الرواية حيث يعمل المؤلف على تطريد السارد فيما يتعلق ببعض التعليقات الخاصة بالرأي والتفسير والتبرير التي يلقنها للسارد باعتباره واسطته التي يلقي عليها اسقاطاته الفكرية والثقافية تجاه الموضوعة الاساسية المحورية لل ( النغل ) وما يعتنقه المجتمع تجاه هكذا حالة والثقافة العامة سواء كانت هذه الثقافة اجتماعية أو دينية أو شعبية أو مدنية فهي بكل الأحوال مجتمعة ضد هذا الوجود لهذا الانسان المبتلى .
واذا أخذنا بنظر الاعتبار الجهد السردي في هذه الرواية فهو جهد نظمي نوعا ما تناول قضية معقدة لا يمكن فك عقدها الا بالهروب الى مجتمعات لا تهتم بالحسب والنسب بقدر ما تهتم بوجود الانسان وقيمته التي يصنعها من خلال عمله وفكره وعطائه وتفاعله مع المجتمع وهذا يفسر لنا استقرار الشخصية الرئيسية خارج الوطن وفي دولة أوربية .
سلنقي الضوء على أهم النقاط في الرواية
أولا :
الصراع الداخلي كان ضعيفاً لأنه اشتد في الصراع الخارجي البيئي المكان والزمان والأفراد ، ووجدت ان السارد أغفل الكثير من المونولوج الداخلي لهكذا شخصية جميعنا يعرف بان صراعها الداخلي هو الأقوى والأشد على الشخصية من الصراع الخارجي لما يشكل فيه من شعور بالخزي والعار داخله بمعنى ان الصراع الداخلي يجب أن يكون ملفتا بينما كان السارد يقوم بعملية النقل لا بتفكيك المشاعر والعواطف وتحليلها داخل شخصيته الأساسية وبالتالي فهي شخصية مهزوزة حزينة مكلومة مهدومة فضلا عن ما ورد في الرواية من تسليم الشخصية لبيئتها وتنفيذه لكل النزعات والرغبات
ولكن دعونا نلتفت لمناطق القوة في هذه الرواية :
1-الموضوعة
اختيار هذا النوع من الموضوعات يجعل هذا العمل مميز بطرحه القوي تجاه قضية مجتمعية مهمة تجاه ( النغل ) كونه بريء تماماً بينما يعاقبه المجتمع بكل قوة حتى وأن تظاهر بتعاطفه والدليل ان لا أحد يزوجه عندما يعرف حقيقته أو حتى يصحبه أو يرافقه في حياته اليومية .
2- اللغة السردية واللعب السردي تجاه الشد والجذب في تقديم وتأخير الأحداث .
3- استخدام التقنيات السردية كالقطع والفلاش باك والضمائر الثلاثة المخاطب والغائب والمتكلم ووجهات النظر والحبكة والاسترجاع والاستباق والتكنيك السردي .
4- اللغة النثرية وتوظيف الشعرية في رسم الصورة المتخيلة لدى الشخصية وتوظيف بعض المفردات القاموسية في المحكيات الصغيرة التي تتقدم وصفا شعرياً على نحو استطرادي في السرد.
5- تثوير الصراع بنوع من الفجائعية والمأساة عنصر فعال في قصة هروبه من بلده الى أوربا وما قبل النهاية.
ولكن هنالك ملاحظة مهمة تتعلق بتقنية الاسترجاع والقطع حيث الافراط فيها ليس ترفاً سردياً مناسباً بهذا الكم المتوافر بكثرة اذ يكون ذلك مرهقاً نوعاً ما للمتلقي عندما يكون مفرطاً في استخدامه .
وبالتالي فأن العودة للفلاش باك في هذه هذا العمل الروائي مهم جداً خصوصاً مع سرديات سيّرية تتعلق بزمان ومكان الشخصية الرئيسية التي يضمنها السارد في محكياته ونلاحظ أيضاً ان الراوي انتقل في أكثر من مرة حيث كان الراوي الخارجي مرة وكان الراوي الداخلي في غير مرة ، أي تعدد الرواة وهي طريقة حديثة تعتمد على كسر النمطية التقليدية لخلق فضاء سردي أوسع وعلى الرغم من أن غالبية السرد كان للشخصية الساردة الا أن الراوي في النهاية الجزء الأخير 34 انحدر نحو السرد التقليدي وراح يستطرد للنهاية ختاماً تقليدياً أيضاً وانتهى بنا المطاف نتكهن بما سيكون عليه الحال قبل أن نصل اليه وهذا على نحو ما غير متوقع كما في البداية التي أشعلت لهيب التسارع السردي وجعلتنا نعتقد أننا سنفشل في استكهان النهاية ولكن على كل حال أنه أسلوب الكاتب وطريقته ولا يسعنا أن نقدم سوى وجهة نظر قابلة للنقض .
الشخصيات الفعالة في الرواية
وليد بطل الرواية / شخصية أساسية مهمة
تفاعلية
صوفيا / شخصية ثانوية هامشية
مكي الأعرج / شخصية ثانوية هامشية
أم الود / شخصية مهمة مؤثرة وفعالة
خالدية / شخصية ثانوية هامشية
عمار / شخصية ثانوية هامشية
أما باقي الشخصيات فهي هامشية بحتة.
الزمان والمكان:
لم يحدد أي من الزمان أو المكان سياقه التاريخي بدقة ، حيث انتفى السارد بذكر
يسير للمكان من حيث الوصف والدقة وأيضا تحديد الزمان كان عابراً هشاً تجاه الأحداث اذ قل ما نجد ذكراً محدداً للتاريخ الزمني مثل ساعة أو أكثر أو يوم أو شهر أو سنة وهذا ليس نقداً بقدر ما هو استخداماً مهماً للسارد لتفصيل الأحداث عندما يسترجع أو يستبق في سردياته .
في النهاية
الرواية جديرة بالقراءة وتستحق الوقوف عندها لأنها تناولت موضوعة مهمة يجب الوقوف أمامها باعتبارها مشكلة تاريخية بحق الانسانية وقد كانت الرواية محققة للشكل الفني الأدبي من حيث سردها وتشكيلها وأسلوبها وفيها ما يلفت النظر وأقل ، وأختتم قراءتي لهذا العمل الروائي وأقول : قرأتها وتمتعت نوعاً ما بقراءتها .
د. محمد عبدالله الخولي
جليلة المازني
عبدالواسع السقاف
التعليقات