دنیا

صورة الكاتب
بقلم: طالب هاشم
التاريخ: 19 يناير 2026 عدد المشاهدات: 1926
دنیا

في خضم جلستهم العائلية ، كان الابتهاج والمزاح وأصواتهم العالية يظهر بهجة هذه العائلة
السعيدة ، منتهى الشابة العشرينية وأخوها الكبير أحمد الثلاثيني وخالد المراهق الذي يقترب من الثامنة عشر ، كانت الأم تنظر الى هذا الابتهاج على مائدة الطعام وأولادها يتمازحون
فيما بينهم بكل محبة ، أغمضت الأم للحظة عينيها تمنت لو أن الأب المتوفي يغمرهم بلحظة حضور كي تكتمل الصورة ، تبسمت ابتسامة لطيفة مليئة بالحنان والرضا والطمأنينة ، لقد
رأت في أحمد ولدها الكبير مكاناً كافياً لدور الأب ، وتذكرت كيف كان أبوهم يفعل ذلك حين
يتحول العشاء أو الغداء الى فعالية مرحة ممتلئة بالفرح والضحك والمودة ، أنها تستمتع بكل
لحظة حين تستمر هذه الفعالية كل يوم ،كان رؤيتها لابنتها منتهى وهي تتهيأ للذهاب الى الكلية
وترتب هندامها وتسرّح شعرها وتتزين بمكياجها وتنطلق خارج البيت بمنتهى السعادة والهمة والنشاط يغمرها باللهفة ، بينما كان أحمد السائق كعادته كل يوم يخرج على باب الله يبحث عن رزقه بسيارته التكسي ، أما وليد فقد كان صديق أخوه الكبير وينظر اليه بكل اعجاب وافتتان وكأنه والده ، ويطيعه طاعة عمياء ولا يعصي له أمراً ، لم يستطيع الأخ الأكبر أحمد أن يكمل دراسته
بسبب وفاة والده الذي ترك عليه رعاية هذه العائلة فاضطر للعمل سائق تكسي في النهار وبائع
بضاعة الكترونية عبر المواقع في الليل ويقوم بمهمة توصيل البضاعة التي يروج لها لزبائنه .
في تلك الليلة اقترح أحمد أن يخرجوا للتفسح والتنزه هو وأخوه وليد وأخته منتهى ، ورفض
أن تأتي معهم أمهم بذريعة أنها نزهة شبابية لا تناسب تطلعات الأم المهووسة بالزيارات الدينية ورغم محاولة الأم في الذهاب معهم الا أن أحمد أصر أن تبقى في البيت ووعدها في غير مرة يأخذها معهم …..
بعد 3 ساعات عاد أحمد ووليد بدون أختهم منتهى ، وعندما دخلوا البيت كانت وجوههم مصفرة
وعليهم آثار القلق والخوف والتوتر ، استغربت الأم من غياب ابنتها بينهم ، وتوجست شراً في
حال أولادها ، ولكن أحمد قال لها لقد اتصل بي خالي أمير وطلب أن تبقى منتهى عندهم في البيت وغدا سيأخذهم كلهم لبيت الخال أمير ، ولكن الأم لم تطمئن لهذا الخبر وخاصة عندما رأت أثر القلق والتوتر والاضطراب الذي بدا على محياهم ، فأخذت موبايلها
واتصلت من فورها بأخيها أمير تسأله عن منتهى ، فطمّنها بخير مع ذلك توجست في كلام أخيها التوتر والاضطراب ، رغم الحاحها على أخيها بأن يصدقها الخبر الا أن أخيها طمنها
رغم عدم اقتناعها ، بعدها بساعة اتصلت على ابنتها منتهى لكن الموبايل مغلق ، فأعادت الاتصال بأخيها أمير تسأله عن سبب اغلاق موبايل منتهى ، فأخبرها بأن الموبايل تعطل ، ولما طلبت منه أن تتحدث مع منتهى قال لها أنه الآن خارج المنزل وعندما يعود سيعطي الموبايل لمنتهى لتتحدث معها ، ولكن الأم لم تهدأ .
أولادها أحمد وخالد دخلا غرفتهما وعندما دخلت عليهما وجدتهما جالسان صامتان كأنهما صنمان ، فأعادت عليهما الأسئلة من جديد ،علّهم يخبروها ما الذي حدث .
_ قلبي يؤلمني انا غير مطمئنة استحلفكما بالله تحدثا معي ما الذي حدث لا تخفيا عني ، قلبي يخبرني بأن شيئا حدث ، لكنهما بقيا ساكتين ثم قال أحمد
_ غدا غدا نذهب وترينها بنفسك فقط اهدئي من فضلك أمي . بقيت تنظر لهما فقالت
_ لو كانت الأمور بخير فلم هذا التوتر والقلق وكأنكما عملتم مصيبة ،واستمر الصمت …..
في الصباح أخذ أحمد أمه وأخيه وركبوا السيارة وتوجهوا لبيت الخال أمير وهنالك في بيت الخال كان الجميع قلقون وينظرون للأم بحزن وألم وحرقة ، فقال لها أخوها أمير أجلسي وسوف أخبرك بكل شيء :
أطرق الخال أمير برأسه وتأوّه بحسرة ثم استجمع رباطة جأشه ، فقال لأخته :
_ لم أك أعلم بأي شيء حتى جاء أبنك أحمد وأخوه وليد وأخبروني بأن منتهى أقامت علاقة حب مع ولد شاب وقد اكتشف ذلك أحمد الذي كان في الشارع ورآهم سوية في السيارة وراقب أخته وعشيقها وكانا يذهبان الى شقة يمضيان فيها بعض الوقت ثم يخرجان ، وتكرر هذا الأمر عدة مرات ،وعندما سألت أحمد لماذا لم يسأل أخته عن هذا الشاب ولماذا تخرج معه ولماذا تدخل معه الى تلك الشقة ، قال انه تسلل خفية واستطاع أن يجد ثغرة ينظر فيها الى داخل الشقة ورأى أخته شبه عارية ومعها ذلك الشاب وأخبرني بأنه لم يفعل شيئا وأضمر في نفسه السوء لهما وحتى لا يتعرض للسجن رتب لتصفية الأمر بطريقته الخاصة
سمعت الأم هذا الكلام ووقع على قلبها كالصاعقة التي تشطر شجرة الى نصفين ، ثم قالت لأخوها أمير :
_ ومنتهى ؟ أين هي الآن ؟
_ قتلها أحمد ورمى جثتها في منطقة جرداء ، ثم أخذ موبايل منتهى وأتصل بالشاب وتواعد معه باسم أخته في مكان ولما جاء وثبا عليه أحمد ووليد وقتلوه ورموا جثته في مكان نائي ، وهذا ما حصل .
أغمضت الأم عينيها واستعادت تلك الذكريات الجميلة التي كانوا يقضونها كل يوم ، ثم صرخت
صرخة مدوّية تعلو السماء .

عن الکاتب / الکاتبة

طالب هاشم
طالب هاشم
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قصة قصيرة – الزوهري

قصة قصيرة – الزوهري

قصة قصيرة – الزوهري الاحلام وكر من أوكار الروح ودهاليزها ، الأحلام غالبا تأتي معتمة…

صورة الكاتب طالب هاشم
6 مارس 2026
اقرأ المزيد
رواية “هب الله” للروائي علي قاسم دراسة نقدية موجزة

رواية “هب الله” للروائي علي قاسم دراسة نقدية موجزة

رواية “هب الله” للروائي علي قاسم دراسة نقدية موجزة رواية هب الله للروائي علي قاسم…

صورة الكاتب طالب هاشم
7 يناير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


دنیا

بقلم: طالب هاشم | التاريخ: 19 يناير 2026

التصنيف: قصة قصيرة

في خضم جلستهم العائلية ، كان الابتهاج والمزاح وأصواتهم العالية يظهر بهجة هذه العائلة
السعيدة ، منتهى الشابة العشرينية وأخوها الكبير أحمد الثلاثيني وخالد المراهق الذي يقترب من الثامنة عشر ، كانت الأم تنظر الى هذا الابتهاج على مائدة الطعام وأولادها يتمازحون
فيما بينهم بكل محبة ، أغمضت الأم للحظة عينيها تمنت لو أن الأب المتوفي يغمرهم بلحظة حضور كي تكتمل الصورة ، تبسمت ابتسامة لطيفة مليئة بالحنان والرضا والطمأنينة ، لقد
رأت في أحمد ولدها الكبير مكاناً كافياً لدور الأب ، وتذكرت كيف كان أبوهم يفعل ذلك حين
يتحول العشاء أو الغداء الى فعالية مرحة ممتلئة بالفرح والضحك والمودة ، أنها تستمتع بكل
لحظة حين تستمر هذه الفعالية كل يوم ،كان رؤيتها لابنتها منتهى وهي تتهيأ للذهاب الى الكلية
وترتب هندامها وتسرّح شعرها وتتزين بمكياجها وتنطلق خارج البيت بمنتهى السعادة والهمة والنشاط يغمرها باللهفة ، بينما كان أحمد السائق كعادته كل يوم يخرج على باب الله يبحث عن رزقه بسيارته التكسي ، أما وليد فقد كان صديق أخوه الكبير وينظر اليه بكل اعجاب وافتتان وكأنه والده ، ويطيعه طاعة عمياء ولا يعصي له أمراً ، لم يستطيع الأخ الأكبر أحمد أن يكمل دراسته
بسبب وفاة والده الذي ترك عليه رعاية هذه العائلة فاضطر للعمل سائق تكسي في النهار وبائع
بضاعة الكترونية عبر المواقع في الليل ويقوم بمهمة توصيل البضاعة التي يروج لها لزبائنه .
في تلك الليلة اقترح أحمد أن يخرجوا للتفسح والتنزه هو وأخوه وليد وأخته منتهى ، ورفض
أن تأتي معهم أمهم بذريعة أنها نزهة شبابية لا تناسب تطلعات الأم المهووسة بالزيارات الدينية ورغم محاولة الأم في الذهاب معهم الا أن أحمد أصر أن تبقى في البيت ووعدها في غير مرة يأخذها معهم …..
بعد 3 ساعات عاد أحمد ووليد بدون أختهم منتهى ، وعندما دخلوا البيت كانت وجوههم مصفرة
وعليهم آثار القلق والخوف والتوتر ، استغربت الأم من غياب ابنتها بينهم ، وتوجست شراً في
حال أولادها ، ولكن أحمد قال لها لقد اتصل بي خالي أمير وطلب أن تبقى منتهى عندهم في البيت وغدا سيأخذهم كلهم لبيت الخال أمير ، ولكن الأم لم تطمئن لهذا الخبر وخاصة عندما رأت أثر القلق والتوتر والاضطراب الذي بدا على محياهم ، فأخذت موبايلها
واتصلت من فورها بأخيها أمير تسأله عن منتهى ، فطمّنها بخير مع ذلك توجست في كلام أخيها التوتر والاضطراب ، رغم الحاحها على أخيها بأن يصدقها الخبر الا أن أخيها طمنها
رغم عدم اقتناعها ، بعدها بساعة اتصلت على ابنتها منتهى لكن الموبايل مغلق ، فأعادت الاتصال بأخيها أمير تسأله عن سبب اغلاق موبايل منتهى ، فأخبرها بأن الموبايل تعطل ، ولما طلبت منه أن تتحدث مع منتهى قال لها أنه الآن خارج المنزل وعندما يعود سيعطي الموبايل لمنتهى لتتحدث معها ، ولكن الأم لم تهدأ .
أولادها أحمد وخالد دخلا غرفتهما وعندما دخلت عليهما وجدتهما جالسان صامتان كأنهما صنمان ، فأعادت عليهما الأسئلة من جديد ،علّهم يخبروها ما الذي حدث .
_ قلبي يؤلمني انا غير مطمئنة استحلفكما بالله تحدثا معي ما الذي حدث لا تخفيا عني ، قلبي يخبرني بأن شيئا حدث ، لكنهما بقيا ساكتين ثم قال أحمد
_ غدا غدا نذهب وترينها بنفسك فقط اهدئي من فضلك أمي . بقيت تنظر لهما فقالت
_ لو كانت الأمور بخير فلم هذا التوتر والقلق وكأنكما عملتم مصيبة ،واستمر الصمت …..
في الصباح أخذ أحمد أمه وأخيه وركبوا السيارة وتوجهوا لبيت الخال أمير وهنالك في بيت الخال كان الجميع قلقون وينظرون للأم بحزن وألم وحرقة ، فقال لها أخوها أمير أجلسي وسوف أخبرك بكل شيء :
أطرق الخال أمير برأسه وتأوّه بحسرة ثم استجمع رباطة جأشه ، فقال لأخته :
_ لم أك أعلم بأي شيء حتى جاء أبنك أحمد وأخوه وليد وأخبروني بأن منتهى أقامت علاقة حب مع ولد شاب وقد اكتشف ذلك أحمد الذي كان في الشارع ورآهم سوية في السيارة وراقب أخته وعشيقها وكانا يذهبان الى شقة يمضيان فيها بعض الوقت ثم يخرجان ، وتكرر هذا الأمر عدة مرات ،وعندما سألت أحمد لماذا لم يسأل أخته عن هذا الشاب ولماذا تخرج معه ولماذا تدخل معه الى تلك الشقة ، قال انه تسلل خفية واستطاع أن يجد ثغرة ينظر فيها الى داخل الشقة ورأى أخته شبه عارية ومعها ذلك الشاب وأخبرني بأنه لم يفعل شيئا وأضمر في نفسه السوء لهما وحتى لا يتعرض للسجن رتب لتصفية الأمر بطريقته الخاصة
سمعت الأم هذا الكلام ووقع على قلبها كالصاعقة التي تشطر شجرة الى نصفين ، ثم قالت لأخوها أمير :
_ ومنتهى ؟ أين هي الآن ؟
_ قتلها أحمد ورمى جثتها في منطقة جرداء ، ثم أخذ موبايل منتهى وأتصل بالشاب وتواعد معه باسم أخته في مكان ولما جاء وثبا عليه أحمد ووليد وقتلوه ورموا جثته في مكان نائي ، وهذا ما حصل .
أغمضت الأم عينيها واستعادت تلك الذكريات الجميلة التي كانوا يقضونها كل يوم ، ثم صرخت
صرخة مدوّية تعلو السماء .