منافِي الاِغتِرابِ وَهُويَّةُ الاِنتماءِ الإنسانِيّ المَفقُودةُ دِراسةٌ نَقديَّةٌ لِمَجموعةِ ذِكرى لعَيبي القَصصيَّةِ(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ)

صورة الكاتب
بقلم: د. جبَّار ماجد البهادليّ
التاريخ: 13 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 2072
منافِي الاِغتِرابِ  وَهُويَّةُ الاِنتماءِ الإنسانِيّ المَفقُودةُ دِراسةٌ نَقديَّةٌ لِمَجموعةِ ذِكرى لعَيبي القَصصيَّةِ(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ)

تقديـمٌ:
لمَ يَعُدْ الخوض في مسار رحلة البحث الشَّاقَّة عن تجلِّيات هُويَّة صراع الذات والانتماء الإنساني في مواجهة عقابيل راهن الاغتراب الذاتي والوجودي الشَّخصيَّة أمراً سهلاً مُمكناً ومُستطاعاً لِمَن أرادَ البدء بالكتابة السردية, أو رام التعبير عنها قصصيَّاً وإبداعياً فيتمُّ له ذلك بِيُسرٍ وانتظامٍ لملاقاةَ العقباتٍ أو التحدِّياتٍ الراهنةٍ. وبالتالي يعدُّ عملاً منقوصاً غير مكتملٍ من الناحية الإنسانية والجمالية والمعرفيَّة ما لم يكن الكاتب ذاته صاحب الكتابة التعبيريَّة السرديَّة قد عاش نفسه مخاض حدث التجربة القصصيَّة الإنسانيَّة الواقعيَّة العسيرة المُتمايزة, وذاق جَمرة فعلها اللَّاهب وطعمَ مرارتها اللّاَذع , ولذَّة حلاوتها الشخصيَّة المتباينة بكلِّ أبعادها الإنسانية المتعدِّدة.
وذلكَ أنْ تعيش لتجربة الحيَّة المريرة ومخاضها الولادي الواقعي العسير غيرَ أنْ تسمع عنها شفاهياً فتكوُّنها أو تخلقَ منها عَملاً سرديَّاً وإنتاجياً متكاملاً. وهذا هو سرُّ الاختلاف البائن بين ساردٍ واصفٍ يعيش جوَّ تصوير التجربة خياليَّاً وسمعياً عن بعدٍ, وبين ساردٍ حاذقٍ وماهرٍ مَكينٍ عاشَ لظى وسعير جمرة التجربة, وخَبِرَ شِعاب طُرقها الإنسانية الكثيرة الوعرة, وعَركَ تشعُّباتها الكونية المتشابكة بالحراك الذي لا بُدَّ منه في مواجهة الذات الوجودية في ظلَّ هذا العالم الوجودي.
قِصصيَّاً هذا هو البعد التخليقي الفنَّي والجمالي المكنون إبداعياً, وسرُّ المعادل الموضوعي الدفين لواقعة الحدث الموضوعية لتي هي في الحقيقة ثيمة الفكرة الأساسيَّة لتمظهرات(الجامعة الإنسانيَّة) بكلِّ مسمَّياتها القريبة والبعيدة, والتي تميَّزت بها خاصيَّة فنِّ القصِّ السردي لهذا العمل الإنساني الصِرف والجريء وقعاً وفعلاً عن نظائره من الأعمال القصصية ذات الطابع الإنساني التقليدي.
لا لكونه عملاً إنسانياً حقيقياً فاعلاً ومباشراً لِلذات الأنويَّة الجمعية المُعذَّبة فحسب, وإنَّما كان حقَّاً عملاً فرائدياً مُعدَّاً ومُهيَّأً فكريَّاً لأكثر من فكرةٍ حيَّةٍ ناضجةٍ لوقائع موضوعية من موضوعات الحياة المعيشية التي تلامس شغاف القلب ونياط علائقه, وتُهيِّج شفاء الجرح الدامي المنكوء بالألم والتقرُّحات الجسدية التي استحالت إلى نُدبةٍ في نواة القلب. وليس هذا فقط ما يُميِّزه إدائياً,فقد كانت التجربة الشخصية الذاتية للكاتبة ذكرى لعيبي تسبق الفكرة أو الأفكارالقصصية المتوالية التي بُنيت عليها حكايات لائحة هذه العواطف والمشاعر الحقيقية في مواجهة الاغتراب الوجودي والكوني.
وهذا ما يمنح هذا العمل السردي المُلتقط بعنايةٍ واحترافيةٍ فائقةٍ من أبجديَّات الواقع وإرهاصات تداعياته ومخايله الداخلية التي ترتبط به وتنتج عنه أدباً واقعياً من خلال خاصيَّة فضيلةٍ التميَّزِ والاحتفاء الفنِّي وصيرورة النجاح الدائم التي تضمن لمثل هذا العمل الأدبي المُكتنز بلغته شكلاً ومضموناً روح الخلود والبقاء وديمومة التواصل الفكري الكبير مع القارئ الواعي والمتلقَّي النابه.
العُنوانُ شَاخصاً دَلاليَّاً:
التَّهميشُ والتَّغييبُ والسكوتُ عنه عن قصدٍ أو غيرِ قصدٍ مظاهرٌ سيِّئةٌ لمفاهيمَ مجتمعيةٍ عديدةٍ أفرزتها تجلِّيات ديستوبيا الواقع الحياتي القمعي الفوضوي الفاسد الذي ألقى بِظُلمه القاسي لبني الإنسان وعبث بحركة سعيه الاجتماعي والاقتصادي والعملي. والتي تُعيق وجوده الفكري والأدبي والتحرُّري المستقبلي نحو التعايش والتواصل الجمعي بطريقة لائقةٍ تضمن له سُبِلَ حرية العيش الكريم دون تحدياتٍ جمَّةٍ أو مواجهاتٍ عقيمةٍ, فتكونُ المشاعر الإنسانية والعواطف الجيَّاشة حيالَ ذلكَ الطارئ مُعلَّقةً على جُدران لائحة الانتظار وقائمة الفشل والنكوص والهزيمة الذاتية والانكسار الروحي والوجودي الأنوي في مواجهة تداعيات فعل الاغتراب وإشكالاته العقيمة المؤلمة للنفس.
ما تَقدَّم من طرحٍ يُشكِّل المعنى الدلالي القريب لشخاصيَّة العنوان الإثرائية, والتي من خلالها يتمُّ الكشفُ عن مرجعيات وظائفه(التعينيَّة والوصفية والإيحائية والإغرائية), تلك الوظائف الفاعلية الأربع المهمَّة التي اقترحها جيرار جينيت في عتباته النصيًّة التي لها وظائفها التعريفية لمهمَّة, ولها الأثر الكبير في الدخول إلى مدينة القصِّ السردية ومعرفة مكامنها الوجودية. فمن خلال هذه الوظائف لا بدَّ من تعيين الأثر النصِّي للعمل الإنتاجي وتعقُّب دلالاته ومحتواه الكلِّي, ومنحه قيمةً فنيَّةً, وحضُّ القارئ وتحفيزه على الانجذاب إليه وإغرائه فكرياً على التواصل مع نصِّه الموازي.
فحينما يكون الأثر الأدبي جملةً اسميةً قائمةً بذاتها التركيبية والمعنوية مثل,(عواطفٌ على لائحةِ الاِغترابِ), يكونُ العنوانُ جديراً بالمتابعة والاهتمام تحليلاً وتعليلاً وتأويلاً وتفكيكاً نصيَّاً لشفراته اللُّغوية السياقية والدلالية النسقية التي تُسهَّل مهمَّة المُتلقّي والقارئ في آليات التلقِّي القرائي والسياحة المعرفية والفكرية بِحِفْرياتِه الأثرية ولُقاه الجوهريةالثمينة التي تَجعله عملاً أدبيَّاً شاخصاً.
(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ), هي الّلَافتةُ الضوئيةُ والعتبةُ العنوانيةُ الفنيَّةُ المُشعَّةُ بتمايزها لهذه المجموعة القصصيَّة السرديَّة التي نحنُ بصددِ دراستها وتفكيكها للأديبة العراقية المغتربة الروح والجسد, ذات الأوجه الشموليَّة المُتعدِّدة الكتابة, الشاعرة والروائية والقاصَّة الكاتبة ذكرى لعيبي, والصادرة بطبعتها الأول عام (2025م) عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد/ العراق, ومن فئة القطع الكتاب المتوسِّط الحجم الذي ناهز المائة والخمسين صفحةً من الناحية الكمية.
وتضمُّ موضوعات هذه المدوَّنة السردية ثلاث عشرةَ قصَّةً, كلُّ قصَّةٍ من هذه القصص لها واقعتها الفكرية, ووحدتها الموضوعية الحدثية الخاصَّة,والمُغايرة لنظائرها الأخرى من حيث نظام شخصياتها ووحداتها الزمانية والمكانية ووحدتها العُقدية وصراعها وفِعلِيَاتها الحدثية التي ترتبط ارتباطاً كليَّاً بنواة الوحدة العضويَّة والموضوعية لهذه المدوَّنة. وأنَّ أغلب شخصيَّات هذه المدوَّنة هُنَّ من النسوة المغيَّبات في الظلِّ وخلفَ الجدران المغلقة, وثلةٌ من العناصر الذكورية المؤثرة.
وفي التجنيس الأدبي تحديداً نستطيع القولَ,إنَّها مجموعة قصصيَّة سردية أنثوية تخصُّ هموم المرأة بامتياز ومن اللَّواتي يشعرن بالهزيمة التامَّة والانكسار الذاتي والرُّوحي والتراجع النفسي, وعدم تحقيق المأمول بالشكل الذي يوافق خطِّ رغباتهُنَّ الشخصيَّة وطموحهُنَّ الفعلي المستقبلي في الحياة؛ نتيجة عوامل وأسباب داخلية وخارجية جمَّةً؛ وإثر ضغوطات الحياة , والارتباط بالعادات والتقاليد الاجتماعية والعشائرية المتوارثة التي فرضت نفسها على كاهل حياتهُنَّ الذاتية.فضلاً عن الشعور بالفقر والفاقة والعوز والحرمان الاجتماعي والاقتصادي والتباين الطبقي والفكري الواقعي القائم.
وعلى الرغم من أنَّ شخصيَّات هذه المجموعة القصصيَّة الأنثوية تنتمي إلى بلدانٍ آسيويةٍ فقيرةٍ وعربية ومحليَّةٍ مسلمةٍ وغير مسلمةٍ, فإنَّ اللَّافت للنظر فيها أنَّ موضوعات هذه المجموعة القصصيَّة هي حكايات أغلبها حقيقية الوجود, ومستمدَّة من الواقعة السحرية للمجتمع, وإنْ امتزج بعضها بالطابع الخيالي الأسطوري الذي يُضفي عليها بُعداً فنيَّاً وجمالياً أخَّاذاً؛ لِأنَّ الكاتبة ذكرى لعيبي هي جزء لا يتجزأ من موضوعات هذه المدوَّنة وبطلة رئيسة من أبطال قصصها الفاعلية.
وقائعها, هي أشبه بمشاهد حكاياتٍ ميلودراميةٍ سرديةٍ بصريةٍ حيَّةٍ عاشتها الكاتبة بكلِّ تفاصيلها خلال مُدَّة إقامتها العملية الطويلة في دولة الإمارات العربيَّة, وتحديداً بإمارة الشارقة,وأثناء رحلتها الطبية العلاجية والاغترابية بالمنفى في ألمانياً, مضافاً إليها وَقَعاً كبيراً من حياتها الأوليَّة بالعراق.
فهذه التجربة الإبداعية الصادقة الفعل في معناها ومبناها التكويني تكاد تكون مزيجاً صوريَّاً بين تجلِّيات الواقع العربي الحياتي اليومي المألوف في رتابته, وبين حقيقة الواقع الغربي المغاير قانوناً ونظاماً وأخلاقاً وتعاملاً إنسانياً لافتاً. بل تكاد تكون هذه الرحلة القاريَّة توثيقاً عينياً وسيريَّاً ذاتياً لشخصيَّاتٍ أنثويةٍ مسحوقةٍ تسابقْنَ مع رياح التَّحدي وعركْنَ يدَ الزمن التي طالتهُنَّ وذُقْنَ مرارة شظف العيش وقيود حرية التحرُّر من ظلم الإنسانية وقسوة أنظمتها الاستبدادية التتابعية الحاكمة.
وعلى الرغم من كلِّ هذه الانحسارات والانكسارات الذاتية المتتالية التي واجهتها شخصيَّات هذه المجموعة من عواقب وأزمات وتحدَّيات وصعاب وانتظار طويل على قائمة الركون والإهمال والتهميش المجتمعي والشعور ذاتياً بالدُّونية فاقت حتَّى الأنظمة والقوانين, فإنهُنَّ برغم المرارة والوجع والفزع النفسي لم يفقدْنَ أبداً الأمل بالحياة والإنسانية في تحقيق الذات الوجودية الطامحة.
إنَّ هذا الشعور الحياتي بالتشتت والرغبة الشديدة بالإقدام في حياكةِ خُيوطِ الشَّمسِ لمَنْ رامَ الوصول إلى عُلاها بشتَّى الطرق والمنافذ الإنسانية والاجتماعية المناسبة, كدَّاً وتعبَاً ونَصَبَاً في كسر صخرة سيزيف وتحطيمها إرادياً وفعليَّاً بهذا الصبر والجَلَدِ والإصرار العجيب في نيل المطالب والتمنيات كما يُلَوُّحُ إلى ذلك المشهد الهَاملتي الدرامي(أكونُ أو لا أكونُ), (وإلَّا فَلَا لَا).
كُل هذا الشعور الإنساني العالي الهمَّة كان مزيجاً من الألم الدامي وفُيُوضات من نثيث الأمل الشفيف المتنامي, هو النسق الدلالي العميق والخفي المضمر البعيد الذي يغمر طيَّات هذه المدوَّنة, ويكشف آفاق وبواطن نسيجها السردي العميق الذي اشتغلت عليه الكاتبة في مركزية اشتغالاتها الفكرية والموضوعية, والتي أعطت هذا العمل الأدبي ميزةً إبداعيةً وجماليةً على مستوى الجامعة الإنسانية الكبرى للوجود الجمعي المشترك, والتي تجمع بين أبطال وشخصيَّات هذه السرديَّات الموضوعية المتباينة, والتي هي تعضيد للحياة للحياة الإنسانية بكل جوانبها وأبعادها المُختلفة.
وبالتالي هذا هو المعنى الحقيقي لتجلِّيات العنوان القريبة والبعيدة التي تصيَّرتْ ثِيمٌ وَقائعهِ الكونية إلى عواطف ومشاعر فائرةٍ مُوَّارةٍ لا تعرف الفتور والقنوط برغم من أنها تشعر بالتشظي والتشرذم والاغتراب الشخصي على لائحةالانتظار.وتأتي عتبة الإهداء لتكشفَ حقيقةَ الوجد التواقة لشخوص هذه المجموعة في تحقيق الحلم, لكنَّ خبايا القدر المحتوم وسهامه قتلت الحُلُمَ ورؤياه.
إذنْ -وباختصارٍ شديدٍ-إنَّ المعنى الدلالي القريب للعنوان يوحي بوجود عواطف ومشاعر إنسانية كبيرةٍ مُهتاجةٍ تعيش حالةً من الانفصال والاغتراب الذاتي الكبير, وقي الوقت ذاته تركِّزُ رمزية العنوان على الحالة النفسية والإنسانية لهذه الشخصيَّات المختارة لبنية هذه المجموعة التي تعاني من الحرمان الإنساني المجتمعي ورافديه الوجع والاغتراب وتأثير ه على عواطفها ومشاعرها.
أمَّا المعنى الدلالي البعيد للعتبة العنوانية(عَواطفٌ عَلَى لَائحةَ الاِغترابِ) فإنَّه يَعدُّ الاغتراب كحالةٍ وجوديةٍ أو حالةٍ إنسانيةٍ عامةٍ, حيث تُعاني هذه الشخصيَّات الأنثوية من مشاعر التشتت والانفصال أو العزلة الفردية في مختلف جوانب الحياة اليومية الضَّاجة بالمفارقات الإنسانية. لذلك فإنَّ العنوان يوحي ويُلوُّح سيميائياً بأهمية البحث عن الانتماء الوجودي وأصل الهُوية في مواجهة تحدِّيَات الاغتراب والانفصال الذاتي الذي يُسيطر على هواجس تلك الشخصيَّات وأفكارها الذاتية.
تَجلِّياتُ رِحلةِ البَحثِ عَنْ هُويَّةِ الانتماءِ:
وقَبلَ أنْ نخوض العمل في تناول التجارب الحيَّة الشخصيَّة لأبطال مدوَّنة(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ), وكيفية التعامل مع مشاعر الاغتراب الوجودي والنفسي والتغريب الذاتي, والكشف عن قصص هذه العواطف والمشاعر الإنسانية المائرة في سياق قضية الاغتراب لا بُدَّ من أنْ نفهم هُوية الانتماء المفقودة في مواجهة هذا الذي يسمَّى الاغتراب النفسي والوجودي من خلال التساؤال التالي: ما مَعنى هُويةِ الانتماءِ الإنساني المفقودة التي يسعى في البحث عنها الإنسان في صراعه؟
وبأقصر الإجابات عن هذا التساؤل المشروع. إنَّ مفهم هُويَّة الانتماء المفقودة في مواجهة هذا الاغتراب الكينوني تُشيرُ نسقيَّاً إلى حالة الشخصيَّة الفردية أو الجماعية التي تفقد الإحساس كليَّاً بالانتماء إلى المكان أو المجتمع الذي تعيش فيه أو الثقافة المعينة التي تتعاطاها أو درجت عليها إثر شعورها بالاغتراب أو الانفصال عن جذورها البيئية أو أصولها المُحيطية والمكانية الضاربة.
أمَّا السؤال الآخر الذي يرتبط بالسؤال السابق الأول ويُلقي بنفسه على المُتلقِّي كي يفهم معنى تساؤله القصدي الإيضاحي, ما مفهومُ هُويَّة الانتماء المفقودة؟ وهذا يعني أنَّ هُويَّة الانتماء المفقودة بالشعور يمكن أن نفهمها شخصيَّاً على أنَّها فقدان الشعور الذاتي بالانتماء الحقيقي, وهذا ما نستشعره أو تحسُّ به الشخصيَّات المكافحة لهذه المجموعة القصصيَّة بفقدان الإحساس الوجودي لديهم برغبة الانتماء الجديد إلى المجتمع وحده أو الوطن الكبير أو الثقافة الحياتية البديلة.
فضلاً عن ذلك كلِّه ما يحصل للهُويَّة الشخصيَّة يمكن أنْ يؤثِّر فقدان هُويَّة الانتماء سَلباً على الهُويَّة الشخصيَّة لأفراد تلك الشخصيَّات شعورها بالذات. وهذا يؤثِّر أيضاً على حركتها الفواعلية ونكوصها في المجتمع. والحقيقة أنَّ لهُويَّة الانتماء المفقودة أسبابهُ ومسبباتهُ الكثيرة التي تجعله ظاهرة اجتماعيةً خطيرةً لا ببدَّ ممن مواجهتا فعلياً بدلاً من الهروب عنها.
فمن بين هذه الأسباب الشعور بالاغتراب الذاتي النفسي عن الأصول الأولية لتلك الشخصيَّات, فيحصل لديها شعور بالاغتراب عن الوطن الأصلي(المجتمع), أو الثقافة اللَّصيقة الأصليَّة التي درجت عليها وتلبَّست بها عُرفاً وعملاً واكتساباً. وهذا بدوره قد يؤدِّي كثيراً إلى الشعور بفقدان هُويَّة الانتماء إلى الأصل وضياعها. كما أنَّ التغيُّرات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في المجتمع أو الثقافة العامة يمكن أنْ تؤثِّر سلباً على شعور وإحساس الشخصيَّة الفردية برابطة الانتماء.
ولهوية الانتماء المفقودة في مواجهة الاغتراب في هذه المدوَّنة القصصية السردية تأثيرانِ مُهمَّان, أولهما: شعور شخصيَّات أو أبطال هذه المدوُّنة بعوامل الضياع والتشتت والتِّيهِ والانفصال عن المجتمع الأول أو النواة, والثقافة المجتمعية الأصلية كما مرَّ بنا في الإشارة إليها. وثانياً: قد يؤدِّي ذلك التأثير بفقدان هُويَّة الانتماء إلى بحث هذه الشخصيَّات عن بؤر انتماء أو استقطاب جديد أو إعادة التعريف بالهوية الشخصيَّة المفقودة بحسب ما تجده ملائماً لحياتها التحوُّلية الجديدة .
وإزاء هذا التأثير السلبي لا بُدَّ من مواجهة حقيقية لعوامل الاغتراب والبحث عن هُويَّة الانتماء المفقودة التي يناضل من أجلها الفرد ويخاطر بنفسه, ولا يمكن أنْ يواجه هذا السبيل العاصف لذاته الوجودية إلَّا من خلال البحث عن كفية التوازن بين الانتماء إلى الثقافة الأصلية أو الشعور ببناء روابط جديدة مع البيئة الاجتماعية والثقافية المُتَبنَّاة الجديدة التي طرأت على خطِّ حياته بديلاً عنها.
ومُلخصُ القول الإيجازي للانتماء,إنَّ رحلة البحث الطويلة عن هُويَّة الانتماء المفقودة في مواجهة ظاهرة أو مسألة الاغتراب الذي يُعانيه أبطال وشخصيَّات هذه المدوَّنة القصصيَّة(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ) بشكّلٍ دائمٍ, تُشيرُ موحياتها الدلالية ومظان قصصها الحكائيَّة الفاعلة, وتجريبها السردي الدرامي الذاتي والوجودي إلى مجموعةٍ كبيرةٍ من التَّحدِّيات والصِّعاب والعقابيل الحياتية الراهنة التي يواجهها أفراد وشخصيَّات هذه المدوَّنة القصصيَّة في كيفية الحفاظ على خطِّ توازن إحساسها ومشاعرها الشخصيَّة الصادقة بالانتماء الحقيقي في ظلِّ ظاهرة الاغتراب أو التغيُّرات الثقافية والتحوُّلات السريعة التي فرضت نفسها أصلاً على أرض الواقع البيئي والاجتماعي الجديد.
تَمثُّلاتُ مَظاهرِ مُواجهةِ الاِغترابِ الذَّاتيّ:
لم تكن مسيرة البحث عن فقدان هُويَّة الانتماء الأصلي الذاتي في مواجهة مظاهر الاغتراب النفسي والوجودي لشخصيَّات مجموعة(عَواطفٌ عَلَىَ لَائحةِ الاِغترابِ) عند الكاتبة والقاصَّة المثابرة ذكرى لعيبي أُسلوبيَّا تتخذُ طابعاً موضوعيَّاً تدويرياً رتيباً واحداً مُكرَّراً, وإنَّما كان لكلٍّ قصةٍ من قصص هذه المجموعة الثلاث عشرة قصةً, لها صفاتها الواقعية الحدثية المُميَّزة والمؤثِّرة موضوعيَّاً في عملية التلقِّي القرائي المعرفي والتراسل الثقافي الذي يجعل منها وحداتٍ موضوعيةً وفكريةً تُسهم في بناء ثقافة القارئ بناء سليماً وفاعلاً موصلاً لضفاف الحقيقة الفكرية.
وتكشف عن مدى الظلم الذي تُعانيه(الجامعة الإنسانية) من تَعسُّفٍ كبيرٍ وجحودٍ وانكسارٍ وخيبةٍ ووجعٍ دائمٍ وخسرانٍ مُبينٍ طالها من يدِ الزمن وجَوره القاتل الذي هو بطبيعة الحال بؤرة هذا العمل الأدبي القَصصي المَكين ومركزه الذي لا يقف عند حدٍّ من حدود الإنسانية ومظاهرها العديدة التي زخرت بها طيَّات هذه المجموعة وامتلأت حركتها الفواعلية المتنامية بعديدٍ من وقائع الأحداث الفعلية المؤثِّرة على سلوك وتصرُّفات شخصيَّاتها الارتكاسية المأزومة زمكانيّاً وبيئيَّاً.
لقد عكفت القاصَّة التأصيلية ذكرى لعيبي على تجسيد أرقى معاني الإنسانية وأحسنها اتِّصالاً بشخصيِّة الإنسان من أجل تحقيق هدف تكاملها الذاتي في العثور على هُويَّتها الوجودية وانتسابها للمجتمع الإنساني الذي يعاني من آفةٍ ويلات الاغتراب الذاتي التي تُطيح بأخلاقه ومستقبله وتطلّعاته الشخصيَّة على المدى الذاتي البعيد دون هوادةٍ.
على وفق ذلك الهاجس الاغترابي المُلِحِ أنَّ أبرز موضوعات هذه المجموعة القصصيَّة تسريداً وتعضيداً بأهمية الإنسانية وشخصياتها, يأتي التهميش والظلم والهزيمة والبحث عن الحُريَّة الذاتية من أهمِّ موضوعات هذه المدوَّنة, ويُكملهُ الشعور بالوحدة والفراغ وعقابيل تجارب الفشل التي مرَّت به الكاتبة في حياتها السيرية,التي هي جزء مهمٌّ ورافدُ مغذٍّ لها في تماهيه لكينونة شخصيَّاتها الأنثوية. فضلاً عن مشاعر الحُبِّ وسيل رسائل الانتظار العاطفي بلغة النثر الخواطري الشفيف.
وقد وردت بعض من شخصيَّات هذه المدوُنة الفواعلية ذكوريةٌ كما هو الحال في سردية شخصيَّة الحارس اللَّيلي الذي اُتُّهمَ غرائبياً من قبل ملك أو سلطان المدينة بأنَّه قاتل له في أحلامه. وقد تجسَّد ذلك في أروع تسريد حكائي خيالي. ثمَّ التفتتِ الكاتبة إلى أُسلوب التماهي في الحديث عن ذاتها الشخصية والسيرية خلال التقارب في سردها الارتحالي بينها وبين إحدى شخصيَّاتها الأنثوية التي تتلقَّى العلاج الكيمياوي في إحدى مشافي ألمانيا, وباتَ التفريق بين الكاتبة وشخصيَّة بطلتها صعباً.
وقد أخذ موضوع الحديث عن مُخيَّم النسوة اللَّاجئات الأسيويات وأوضاعهُنَّ الحقيقية الخاصَّة مِساحةً مهمَّةً وكبيرةً من وقائع هذه المجموعة المؤثِّرة إنسانياً في آليات التلقِّي السردية بالقارئ. ويخيَّل إليك أنَّ الكاتبة تعيش مظاهر الشعور الاغترابي نفسه وتشارك شخصياتها الأمل في تحقيق الحُلم المراد المنتظر. ويأتي الحديث عن فشل العلاقات الزوجية من صميم هذه السرديَّات؛ نتيجة الإهمال الذاتي والانجذاب لهُوَّية المثير الآخر في المحيط الاجتماعي والبيئي الجمعي المشترك.
أمَّا موضوعة الانصياع والتمسُّك بالعادات والتقاليد والأعراف العشائرية العراقية المتوارثة التي كانت سبباً من أسباب تخلف المجتمع وانحرافه السلبي, فهي من الموضوعات الداخلية الأخرى التي وظَّفتها الكاتبة توظيفياً إنسانياً حقيقياً متمايزاً؛ بوصفها ابنة الواقع الريفي الجنوبي والعشائري العراقي؛وكونها ذاتياً امرأة شيخانية ذاتَ حسبٍ ونسبٍ عشائريٍ عريقٍ وابنةَ شُيوخ وأصل عريقٍ.
وقد أعقب ذلك التسريد الواقعي الحديث عن فعل جريمة مُدبَّر بقتل شيخ عشيرة جنوبي كبير صاحب بختٍ وحظٍّ ومعروف النسب لها في مضيف أخية الشيخ؛ وذلك من خلال حكايته الإشكالية التي روتها ابنته, والذي تعاطفت معه الكاتبة وانشغلت ذاتياً في حقيقة وصدق هذا العمل المروُّع للإنسانية. ومن إفرازات هذا التقاليد العشائرية وسُنَنِها العُرفية المكروهة فعلاً واقعياً ما أنتجته بما يُسمَّى بـ(الفُصْليَّة) أو زواج الدم الذي كان من سرديَّات هذه المجموعة الجريئة في الطرح والتعليل والتأويل والبناء القصصي الذي عالجته الكاتبة بصدقٍ للكشف عن قَباحة ظلم هذا الفعل المجتمعي.
أمَّا الحبُّ والمشاعر والعواطف والأحاسيس التي كانت ظلَّاً لرسائل التواصل الاجتماعي, فهي الأخرى من مظان هذا التراسل السردي الإنساني بين الكاتبة والقارئ النابه للوصول إلى ضفاف الواقعية.وتختم الكاتبة موضوعات رحلتها الوجودية الحقيقية في مواجهة راهن الانتظار الاغترابي بمجموعة حكائيَّة مُختارة بعناية فائقةٍ من بين قصص الشخصيَّات الاجتماعية الذكورية والأنثوية المُهمَّة الوقع في مآثر المجتمع العراقي والعربي الفاعلة. تلك الشخصيَّات التي كانت تعاني التعب والإرهاق والفشل والقنوط والإحباط الشخصي وأزمات التنكر المرير؛ بسبب إجبار أفرادها على القيام بفعل مكروه لا تُحمد عقباه الأخيرة ونتائجه البينية الخطيرة ؛ لذلك لا بُدَّ من الثورة عليه.
وفي ظلِّ هذه القراءة السريعة التي ألقينا عليها الضوء الكاشف عن وقع تمثَّلات البحث عن هُوية الانتماء المفقودة في قصص هذه المدونة السردية الثلاث عشرةَ؛ ونتيجة لأهميتها الإنسانية والفنيَّة والموضوعية لا بُدَّ من الوقوف على تحليل نصوص هذه القصص الإبداعية والكشف عن معاناة شخصياتها وتفكيك جماليات حفرياتها الأسلوبية, ومن ثمَّ التعرُّف بعمق على تحليل وقائعها الحدثية والنفسية التوترية الظاهرة والخفيَّة في منافي الاغتراب الذاتي, معتمدين في ذلك على مرجعياتها.
1- قصة (أكاتشي)
تعدُّ قصة الفتاة (أكاتشي) من أبرز تمثُّلات البحث عن هُوية الانتماء الإنساني المفقودة والاغتراب الوجودي والنفسي وأولها مع ثلاث فتياتٍ آسيويات مُسلماتٍ, ورابعة أخرى من الديانة المسيحية وهُنَّ: (تشينو وأديسا وفيمي أيبيل), من اللَّواتي كُنَّ يعملن في خدمة البيوت الخليجية بإمارة دبي؛ بسبب ضيق الحال والضياع الوجودي والفقر والحاجة والعوز والقهر الاجتماعي والاقتصادي.
ونتيجةً لكثرة المضايقات والضغوط والابتزاز والتحرُّش الجنسي, وتشابك المشاكل مع هذه الأُسرِ في الإمارات اضطررْنَ للبحث عن هُوَّيةٍ جديدةٍ مفقودةً وذاتٍ مُغيَّبةٍ فَقَدِمْنَ إلى ألمانيا من أجل الحصول على لُجوءٍ إنساني. ولكلِّ فتاة من الفتيات قصَّةً خاصةً وعجيبة تُميِّز سيرتها الذاتية عن غيرها,ومن تلك التي ترويها الكاتبة وتوثُّقها بصدقٍ عن أيبيل الفتاة المسيحية التي تعمل خادمة في أحد البيوت وقصتها مع الشاب أحد أبناء العوائل الخليجيَّة في إمارة دُبي وما فعله من انتهاكٍ وابتزازٍ وتَحرُّشٍ جنسيٍ بهذه الفتاة المسالمة التي أخفت ديانتها عن والده للاحتفاظ بعملها الخدمي:
“فَبدأتْ رِحلةُ الاِبتزازِ القَذرِ, بَينَ إخبارِ وَالدهِ, فَينهِي عَملهَا, أوْ التَّغاضِي بَشرطِ تَلبيةِ مَطلبهِ, وَلَمْ تَقوَ عَلَى فِعلِ شَيءٍ غَيرَ الرُّضوخِ لَهُ, الصَّادمُ وُصولُ الأمرِ إلَى أنَّهُ بَدَأ َيَدعو أصدقاءَهُ, وَكأنَّها أَمَةٌ مُستباحةٌ, فَثارتْ, وتَمرَّدتْ, وَحَاولتْ أنْ تَنتَحرَ مَرَّةً, وَأنْ تَقتُلَ اِبنَهُم مَرَّةً أُخرَى, فَساعدَهَا شَابٌ مِنْ نَفسِ جِنسيتِهَا بِالهَربِ والسَّفرِ”. (عَواطفٌ عَلَى لائحةِ الاغترابِ, ص 13).
تبدأ رحلة البحث عن الذات حين التقت الكاتبة الساردة بهذه الفتيات الخمس التي تعرَّفت عليهنَّ من خلال الخادمة(أكاتشي) التي كانت على معرفة سابقة بالكاتبة في دبي, والتي كانت لها حكاية سيريَّة خاصَّة بها تعني لها الكثير. فَدُبَي بالنسبة للكاتبة والقاصة تعدُّ مدينةَ لقاء الأحبة ومفصل مفارقتهم:
“دُبَي…آهٍ دُبَي…الإِمارةُ الَّتِي تُسابقُ الرِّيحَ والتَّطورَ والبِناءَ وَالنُّموَ والتَّعميرَ وَجذبَ السُّوَّاحِ. دُبَي الَّتي طَبطَبَتْ عَلَى كَتِفِي, وَمَدَّتْ يَدَهَا لِي قَبلَ أنْ تَطالَنِي أيادِي الجُبنَاءِ لأتركَهَا مُرغَمَةً…” (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 6).وفي الجملة الأخيرة نسق ثقافيٌ خفيٌّ حقيقيٌّ يخصُّ جانباً مُهمَّاً من حياة الكاتبة وسيرتها الشخصيَّة التي ذاقت فيها علقم الاغتراب الذاتي خلال مدَّة وصولها لهذه المدينة.
فَدُبي هي المدينة التي تشكِّل هاجساً أوليّاً؛ كونها نقطة البداية الأولى التي انطلقت منها في رحلة البحث عن ذاتها الحياتية الشخصَّية القلقة, وعن أمالها وآلامها التي أخذت تتَّسع وتخبو, وتظهر وتضمحل. ما أقسى الفراق والضياع والتِيه حين يبدأ بلقاء الأحبة وينتهي بالترحال عنهم غصباً واضطراراً! مشاعر حقيقية تنتاب الكاتبة الساردة ذكرى , فتقول عند لقائها الأخير بالفتاة أكاتشي:
” شَمَمتُ عِطرَ المَدينةِ الَّتي أعشقُهَا, وَرَأيتُ بِملامِحهَا وُجُوهَ الأحبابِ الَّذينَ تَركتَهُم هُناكَ, مَا أقسَى المَسافاتِ الَّتي تَحكمُهَا أوجاعُ النَّفسِ والأمسِ!” (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاغترابِ, ص7).
وبعد أن خاضت الكاتبة في حِلِّها وتِرحالها الداخلي بالأمارات أكثر من محطَّة سفر وإقامةٍ استقرَّ بها الحال في إمارة الشارقة والعمل بها كَمُديرةِ تحريرٍ في إدارة مجلة(الشُّرطيُ الصغيرُ) الصادرة عن القيادة العامة لشرطة الشارقة. فراحت الكاتبة تبحث عن وجودها الذاتي والمستقبلي الكينوني في اللُّجوء الإنساني إلى ألمانيا, إبَّانَ جائحة كورونا(كوفيد19). والتي جمعتها مع النسوة بالذات:
“عَلَى أحدِ أَطرَافِ مَدينةِ (بَامبيرغ), الوَاقعةِ فِي شَمالِ وُلايةِ بَافاريَا الألمانيةِ, يَقعُ مَبنىً ضَخمٌ مُسوَّرٌ بِأسلاكٍ شَائكةٍ, ذُو بَوابتينِ يَحرسُهُمَا مَجموعةٌ مِنْ رِجالِ الأمنِ الخَاصِّ”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ , ص 3).
ومن بين الأسباب الأخرى التي جعلت ذكرى لعيبي أنْ تبحث عن أماكن ومثابات أخرى للاستقرار الحياتي والنفسي,هذا الحوار الذي دار بينها وبين الخادمة أكاتشي, وكان حوَّاراً حقيقياً مؤلماً للنفس الأمَّارة بالوجع والألم والإحباط والهزيمة والشعور بالتراجع بيدَ أنَّ لا مناص من تحقيق الذات:
“أنَا يَا أكاتشِي مِثلَكِ, أَيضَاً هُناكَ عُمرٌ يَضيعُ مِنْ دُونَ مُستقبلٍ, نَحنُ مِنْ بِلادِ الحُرُوبِ, وَأنتُم مِنْ بِلادِ الفُقرِ والجُوعِ, وَجميعُنَا نَبحثُ عَنْ بِلادِ الأحلامِ والأمَانِ”. (عَواطفٌ عَلَى لائحةِ الاِغترابِ, ص 9).
ومن اعترافات الكاتبة السيريَّة المُهمَّة التي سطَّرتها عن وعيٍ وإدراكٍ وبعفويةٍ تلقائيةٍ إنسانيةٍ مؤثِّرةٍ أحد أسباب هروبها من العراق ومجيئها للإمارات ولجوئها لألمانيا لرحلة العلاج الشخصيَّة:
“هَذهِ اللَّيلةُ أصابني الأَرقُ, وَمَرَقَ أمامَ عَينَي شَريطُ صُورٍ وَأحداثِ سَنواتٍ طَويلةٍ, بَدَأ مِنْ هُروبِي عَنْ بَلدِي مِنْ قُربِ ضَفةِ أحدِ الفُراتينِ, حَتَّى اِستقرارِي فِي الأُماراتِ فَترةً مِنَ الزَّمنِ, وَأخيرَاً لُجوئِي إلَى ألمَانيَا”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 6).
وعن مشاهداتها لمناظرالطبيعة الألمانية وظروفها المُناخية الماطرة تُسطُّر الكاتبة لعيبي من خلال تراسلها التسريدي لقصةِ أكاتشي مَشاعرَها الذاتية وثقافتها الشخصية المعرفية التي اكتسبتها من ثراء قراءتها واطِّلاعها على شعر (بدر شاكر السيَّاب) خَالدُ الذِّكرِ, وعن(أنشودةُ المَطَرِ) في قصيدة(شَناشيلُ ابنةُ الجَلَبِي):
(يَا مَطَراً يَا حَلَبِي / عَبِّرْ بَناتِ الجَلبِي/ مَطَرٌ مَطرْ .. يَا شَاشَا عِبّرْ بَناتَ البَاشَا. ونتيجةً لشعورها الإنساني الضافي أنَّها ابنة شيوخٍ وأصلٍ وفصلٍ وعِزٍّ, وقد أزرى بها الدهر إلى منافي الغُربة والقهر والمَرض والمُعاناة, فقد التفَتَتْ إلى تحويرِ قصيدة السيَّاب؛ لكونها تشعر بغربةً قاتلةً فقالت متماهيةً مع مشاعر السيَّاب وغربته وحنينه لأهله وبيته جيكور ووطنه الكبير العراق:
“مَطَرٌ … مَطَرٌ شَاشَا, تَغرَّبَتْ بِنْتُ البَاشَا”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 14 ). ويَلوحُ لي كثيراً, أنَّ النسق الخفي المضمر لعبارة(بِنتَ البَاشَا) هوِ الكاتبة نفسِها, ابنة شيخ العشيرة العام الباشا المشهود له بالوجاهة الاجتماعية والعشائرية القبيلة والرأي السديد والحظ والبخت والفراضة والحكم بالصلح والتراضي بين العشائر المُتخاصمة حول أمر جللٍ أو حادث ما حدثَ لها مع نظائرها الأخرى..
2-قِصَّةُ (عَواصِمُ الرِّيحِ)
عنوانٌ لافتٌ المعنى لقصِّةٍ مؤلمةٍ, إنّهاَ مُدنُ وعواصم المنفى التي تُشبه الريح العابرة بالنسبة لطالب اللُّجوء إلى هذه المدن الساحرة بجمالها ونظامها, والموحشة بوحدتها وفراغها. إنَّ الشعور بالاغتراب النفسي الذي لم تعتَدْ أو تتعود الساردة العليمة عليه؛ بوصفها امرأةً شرقيةً لها مذاقها الخاص في العيش والحياة الجديدة التي وطأتها قدماها وأصبحت ركناً مهماً دائماً لا يُغادر نفسها أو يخرج منها إلَّا للضرورة التي تستدعي ذلك الإقدام عليها دون تباطؤ أو إحجام يمنعها عنها:
“لَمْ أعتَدْ هَذَه الحَياةَ بَعدَ, هُدوءٌ حَذرٌ يُغلِّفُ المَنافَي, وُجوهٌ بَاردةٌ تَمامَاً كَبرودةِ الطُّقسِ هُنَا, شَوارعٌ شِبهُ خَاويةٍ مِنَ المَارةِ, رُكوبِ المُواصلاتِ العَامَّةِ الّتي لَمْ أُجربهَا فِي حَياتِي قَطٌّ… اِمرأةٌ وَحيدةٌ تُقاومُ هَذا الزَّمنَ الصَّعبَ؛ زَمنٌ تَضيقُ فِيهِ مَعالِمُ الأمانِ, إنَّه اِغترابٌ بِامتيازٍ.. تَوجُّسٌ يُذكِّرُني بِوَيلاتِ الحَربِ وَسنواتِهَا, الَّتِي عَلَّمتنِي كَيفَ أنقرُ عَلَى الرُّوحِ وَترَ هَذا العُمرِ بِترّوٍ. جِئتُ أبحثُ عَنْ مَلامحِ وَجهِ السَّلامِ الَّتِي ضَيّعتهَا دُخانُ القَنابلِ, عَنْ الضَوءِ وَالعافيَةِ, عَنْ نَوافذَ جَليلةٍ مُشرِعَةٍ. اَستجدِي الدِفءَ أحيانَاً مَعَ بَعضَ الأهلِ وَالَّصديقَاتِ والأصدِقَاءِ, وَقَدْ تَمُرُّ أيامٌ لَا أكادُ أُسمعُ صَوتِي, فَألجَأ إلَى حخَانةِ الذَّكرياتِ”. (عَواطفٌ عَلىَ لَائحةِ الاِغترابِ, ص15).
وعلى لسان حال بطلتها تمضي الكاتبة في سرد حكاياتها ووصف حال المنافي التي تبحث عنها علَّها تُحقِّق جزءاً مُهمَّاً يعوض عن قلقها الوجودي واستقرارها النفسي, فتصف الحياة الجديدة وكيف يمكن الحصول عليها بقوانين وأنظمة صارمة ومشقة وطول انتظار وترقُّبٍ وحذرٍ شديدين:
“الِإقامَةُ المُؤقتةُ الِّتي لَا نَحصلُ عَلَيهَا إلَّا بَعدَ فَترةٍ زَمنيةٍ طَويلَةٍ مِنَ القَلقِ وَالانتظارِ وَالتَّرقُّبِ! ..تَصدُّعِ مَا تَبَقَّى مِنَ الغِطاءِ الَذي يُغلِّفُ أمنياتَنَا! أوْ بَعدَ رَحيلِ أهلِ وَأحبَابِي لَمْ نُعانقُهُم! أو بَعدَ اِنهيارِ العَافيةِ وَعًهودِ مَاضيه جَرفُهَا تَيارُ العَبَثِ وَالفُرَاقِ”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاغتراب, ص 16).
وعلى الرغم من ذلك الحُلم المنشود والذي تسعى في الحصول عليه فإنَّها تعتبر الوصول إليه ضوضاء لا تعوض ساعة واحدة من لياليها. فالحبُّ طريق لا بُدَّ منه لتخطّي عقبات الزمن الجائرة ومواجهة تحدياته الراهنة التي تأكل القلوب, إنه مشكاة النور للعبور إلى أرض الضفة الأخرى:
“لَستُ بِخَيرٍ, تَكادُ الغُربةُ تَبتَلَعنِي, أنَا حَزينةٌ. المُشكلةُ لَا تَكمِنُ فِي الغُربةِ يَا صَديقتِي, بَلْ فِي الوَحدةِ, لَا بُدَّ أنْ تَتخذِي رَفيقَاً. أنتِ مَجنونَةٌ؟ صَحيحٌ أعيشُ فِي بَلدٍ أَجنبِيٍّ, لَكنْ مَا زَلتُ مُتمسكةً بِأخلاقِي. يَا حَبيبتِي تَفكيرُكِ ذَهبَ بَعيدَاً, أقصدُ تَرتَبطينَ فِي عَلاقةِ حُبٍّ أوْ زَوَاجٍ. زَواجٌ… تَجربَةٌ أخرَى! يَا قَلبِي مَنْ يَنظرُ إلَيَّ وَأنَا فِي هَذَا العُمرِ؟” (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 17).
ومن المشاهد الذاتية التي تعبر عنها الكاتبة على لسان حال شخصيَّة بطلتها, تجربة الزواج والارتباط بعلاقة حبٍّ ثانيةٍ توصلها إلى ناصية وِبرِّ الأمانِ والاستقرار فَتُبدِّدُ عن نفسها الوحدة وعامل الاغتراب والقلق الوجودي الذي تشعر به باستمرار في حياتها وهي تخوض غمارالطريق:
“مُنذُ زَمَنٍ طَويلٍ حَجَرتُ يَمَامَاتِ العَواطفِ وَالشوقِ دَاخلِ قَلبِي, كَيْ لَا تَقتَرِفَ التَّحليقَ ثَانيةً. بِالعكسِ صَديقتِي, كُلَّما تَقدمنَا فِي العُمرِ, نَكونُ بِحاجةٍ أكثرَ إلَى شَريكٍ يُؤنسُنَا, يُشارِكُنَا تَفاصيلَ الحَياةِ, نَتَحدَّثُ إليهِ, يَتحدَّثُ إلينَا, نَشرَبُ فِنجانَ قَهوةٍ مَعَاً, نَتمَشَى مَعَاً, نَمرَحُ, نَقرَأُ, نُسافِرُ… هُناكَ أشياءُ كَثيرةٌ مُهمَّةٌ فِي الحَياةِ غَيرَ (الفِرَاشِ)”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 17).
تجربةُ الحبِّ اتي تعاني منها بطلة هذه القصَّة والتي هي جزء من سيرة الكاتبة تمثِّل تجربةَ صراعٍ مريرِ معَ الحبِّ والخوف من الخوض بالذي رُبَّما يؤدِّي إلى الفشل والنكوص؛ لكن إيمانها بنفسها وبمن تحبُّ دفعها إلى المَغامرة الجديدة التي أقبلت عليها ولا تعرف الإدبار عنها مطلقا:
“قَرَّرتُ أنْ أتركَ سَكرَاتِ الفَنَاءِ, وَأحبِسَ الصَّمتَ الهَزيلَ, لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ غِناءٌ مُفعَّلٌ بِروحِ المُغامرةِ الجَميلةِ, نَعَمُ سَأفعلُ هَذَا فِيمَا لَو اِتَّصلَ مَعِي مِنْ جَديدٍ. كُنَّا نُتابعُ بَعضَنَا عَلَى صَفحَاتِ الفِيسِ بُوك, نَتبادلُ الآراءً والتعليقاتِ عَلَى بَعض(البُوستَاتِ) الَّتي نَنشرُها, وَنتواصُل أحيانَاً بِالهاتفِ”. (عواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 18)

عن الکاتب / الکاتبة

د. جبَّار ماجد البهادليّ
د. جبَّار ماجد البهادليّ
نَاقدٌ وكَاتبٌ عراقيّ

مقالات أخرى للكاتب

قراءة في قصیدة “الإمتلاء فراغا” للشاعر یحیی السماوي

قراءة في قصیدة “الإمتلاء فراغا” للشاعر یحیی السماوي

القصيدة : الإمتلاء فراغا ________________ لـسـتُ بـالـكـافـرِ لـكـنْ كَـثُـرَ الأربـابُ فـي أوروكَ .. كـلٌّ ولـهُ…

صورة الكاتب د. جبَّار ماجد البهادليّ
14 يوليو 2026
اقرأ المزيد
شَواخصٌ سَرديَّةٌ مِن رِحْلَةِ البَحثِ عَنِ المَجهُولِ دِراسةٌ نَقديةٌ فِي رِوايَةِ الحُبِّ والحَربِ,(ِطِفلٌ ودَفترُ ذِكريَاتٍ)

شَواخصٌ سَرديَّةٌ مِن رِحْلَةِ البَحثِ عَنِ المَجهُولِ دِراسةٌ نَقديةٌ فِي رِوايَةِ الحُبِّ والحَربِ,(ِطِفلٌ ودَفترُ ذِكريَاتٍ)

تقديم: (الحبُّ والحربُ), دَالَتَانِ مُتضادتانِ, ونقيضانٍ لَدودانِ لا يلتقيانِ على هوى المَحجَّةِ أبداً وعلى الدوام…

صورة الكاتب د. جبَّار ماجد البهادليّ
19 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


منافِي الاِغتِرابِ وَهُويَّةُ الاِنتماءِ الإنسانِيّ المَفقُودةُ دِراسةٌ نَقديَّةٌ لِمَجموعةِ ذِكرى لعَيبي القَصصيَّةِ(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ)

بقلم: د. جبَّار ماجد البهادليّ | التاريخ: 13 ديسمبر 2025

التصنيف: النقد الأدبي

تقديـمٌ:
لمَ يَعُدْ الخوض في مسار رحلة البحث الشَّاقَّة عن تجلِّيات هُويَّة صراع الذات والانتماء الإنساني في مواجهة عقابيل راهن الاغتراب الذاتي والوجودي الشَّخصيَّة أمراً سهلاً مُمكناً ومُستطاعاً لِمَن أرادَ البدء بالكتابة السردية, أو رام التعبير عنها قصصيَّاً وإبداعياً فيتمُّ له ذلك بِيُسرٍ وانتظامٍ لملاقاةَ العقباتٍ أو التحدِّياتٍ الراهنةٍ. وبالتالي يعدُّ عملاً منقوصاً غير مكتملٍ من الناحية الإنسانية والجمالية والمعرفيَّة ما لم يكن الكاتب ذاته صاحب الكتابة التعبيريَّة السرديَّة قد عاش نفسه مخاض حدث التجربة القصصيَّة الإنسانيَّة الواقعيَّة العسيرة المُتمايزة, وذاق جَمرة فعلها اللَّاهب وطعمَ مرارتها اللّاَذع , ولذَّة حلاوتها الشخصيَّة المتباينة بكلِّ أبعادها الإنسانية المتعدِّدة.
وذلكَ أنْ تعيش لتجربة الحيَّة المريرة ومخاضها الولادي الواقعي العسير غيرَ أنْ تسمع عنها شفاهياً فتكوُّنها أو تخلقَ منها عَملاً سرديَّاً وإنتاجياً متكاملاً. وهذا هو سرُّ الاختلاف البائن بين ساردٍ واصفٍ يعيش جوَّ تصوير التجربة خياليَّاً وسمعياً عن بعدٍ, وبين ساردٍ حاذقٍ وماهرٍ مَكينٍ عاشَ لظى وسعير جمرة التجربة, وخَبِرَ شِعاب طُرقها الإنسانية الكثيرة الوعرة, وعَركَ تشعُّباتها الكونية المتشابكة بالحراك الذي لا بُدَّ منه في مواجهة الذات الوجودية في ظلَّ هذا العالم الوجودي.
قِصصيَّاً هذا هو البعد التخليقي الفنَّي والجمالي المكنون إبداعياً, وسرُّ المعادل الموضوعي الدفين لواقعة الحدث الموضوعية لتي هي في الحقيقة ثيمة الفكرة الأساسيَّة لتمظهرات(الجامعة الإنسانيَّة) بكلِّ مسمَّياتها القريبة والبعيدة, والتي تميَّزت بها خاصيَّة فنِّ القصِّ السردي لهذا العمل الإنساني الصِرف والجريء وقعاً وفعلاً عن نظائره من الأعمال القصصية ذات الطابع الإنساني التقليدي.
لا لكونه عملاً إنسانياً حقيقياً فاعلاً ومباشراً لِلذات الأنويَّة الجمعية المُعذَّبة فحسب, وإنَّما كان حقَّاً عملاً فرائدياً مُعدَّاً ومُهيَّأً فكريَّاً لأكثر من فكرةٍ حيَّةٍ ناضجةٍ لوقائع موضوعية من موضوعات الحياة المعيشية التي تلامس شغاف القلب ونياط علائقه, وتُهيِّج شفاء الجرح الدامي المنكوء بالألم والتقرُّحات الجسدية التي استحالت إلى نُدبةٍ في نواة القلب. وليس هذا فقط ما يُميِّزه إدائياً,فقد كانت التجربة الشخصية الذاتية للكاتبة ذكرى لعيبي تسبق الفكرة أو الأفكارالقصصية المتوالية التي بُنيت عليها حكايات لائحة هذه العواطف والمشاعر الحقيقية في مواجهة الاغتراب الوجودي والكوني.
وهذا ما يمنح هذا العمل السردي المُلتقط بعنايةٍ واحترافيةٍ فائقةٍ من أبجديَّات الواقع وإرهاصات تداعياته ومخايله الداخلية التي ترتبط به وتنتج عنه أدباً واقعياً من خلال خاصيَّة فضيلةٍ التميَّزِ والاحتفاء الفنِّي وصيرورة النجاح الدائم التي تضمن لمثل هذا العمل الأدبي المُكتنز بلغته شكلاً ومضموناً روح الخلود والبقاء وديمومة التواصل الفكري الكبير مع القارئ الواعي والمتلقَّي النابه.
العُنوانُ شَاخصاً دَلاليَّاً:
التَّهميشُ والتَّغييبُ والسكوتُ عنه عن قصدٍ أو غيرِ قصدٍ مظاهرٌ سيِّئةٌ لمفاهيمَ مجتمعيةٍ عديدةٍ أفرزتها تجلِّيات ديستوبيا الواقع الحياتي القمعي الفوضوي الفاسد الذي ألقى بِظُلمه القاسي لبني الإنسان وعبث بحركة سعيه الاجتماعي والاقتصادي والعملي. والتي تُعيق وجوده الفكري والأدبي والتحرُّري المستقبلي نحو التعايش والتواصل الجمعي بطريقة لائقةٍ تضمن له سُبِلَ حرية العيش الكريم دون تحدياتٍ جمَّةٍ أو مواجهاتٍ عقيمةٍ, فتكونُ المشاعر الإنسانية والعواطف الجيَّاشة حيالَ ذلكَ الطارئ مُعلَّقةً على جُدران لائحة الانتظار وقائمة الفشل والنكوص والهزيمة الذاتية والانكسار الروحي والوجودي الأنوي في مواجهة تداعيات فعل الاغتراب وإشكالاته العقيمة المؤلمة للنفس.
ما تَقدَّم من طرحٍ يُشكِّل المعنى الدلالي القريب لشخاصيَّة العنوان الإثرائية, والتي من خلالها يتمُّ الكشفُ عن مرجعيات وظائفه(التعينيَّة والوصفية والإيحائية والإغرائية), تلك الوظائف الفاعلية الأربع المهمَّة التي اقترحها جيرار جينيت في عتباته النصيًّة التي لها وظائفها التعريفية لمهمَّة, ولها الأثر الكبير في الدخول إلى مدينة القصِّ السردية ومعرفة مكامنها الوجودية. فمن خلال هذه الوظائف لا بدَّ من تعيين الأثر النصِّي للعمل الإنتاجي وتعقُّب دلالاته ومحتواه الكلِّي, ومنحه قيمةً فنيَّةً, وحضُّ القارئ وتحفيزه على الانجذاب إليه وإغرائه فكرياً على التواصل مع نصِّه الموازي.
فحينما يكون الأثر الأدبي جملةً اسميةً قائمةً بذاتها التركيبية والمعنوية مثل,(عواطفٌ على لائحةِ الاِغترابِ), يكونُ العنوانُ جديراً بالمتابعة والاهتمام تحليلاً وتعليلاً وتأويلاً وتفكيكاً نصيَّاً لشفراته اللُّغوية السياقية والدلالية النسقية التي تُسهَّل مهمَّة المُتلقّي والقارئ في آليات التلقِّي القرائي والسياحة المعرفية والفكرية بِحِفْرياتِه الأثرية ولُقاه الجوهريةالثمينة التي تَجعله عملاً أدبيَّاً شاخصاً.
(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ), هي الّلَافتةُ الضوئيةُ والعتبةُ العنوانيةُ الفنيَّةُ المُشعَّةُ بتمايزها لهذه المجموعة القصصيَّة السرديَّة التي نحنُ بصددِ دراستها وتفكيكها للأديبة العراقية المغتربة الروح والجسد, ذات الأوجه الشموليَّة المُتعدِّدة الكتابة, الشاعرة والروائية والقاصَّة الكاتبة ذكرى لعيبي, والصادرة بطبعتها الأول عام (2025م) عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد/ العراق, ومن فئة القطع الكتاب المتوسِّط الحجم الذي ناهز المائة والخمسين صفحةً من الناحية الكمية.
وتضمُّ موضوعات هذه المدوَّنة السردية ثلاث عشرةَ قصَّةً, كلُّ قصَّةٍ من هذه القصص لها واقعتها الفكرية, ووحدتها الموضوعية الحدثية الخاصَّة,والمُغايرة لنظائرها الأخرى من حيث نظام شخصياتها ووحداتها الزمانية والمكانية ووحدتها العُقدية وصراعها وفِعلِيَاتها الحدثية التي ترتبط ارتباطاً كليَّاً بنواة الوحدة العضويَّة والموضوعية لهذه المدوَّنة. وأنَّ أغلب شخصيَّات هذه المدوَّنة هُنَّ من النسوة المغيَّبات في الظلِّ وخلفَ الجدران المغلقة, وثلةٌ من العناصر الذكورية المؤثرة.
وفي التجنيس الأدبي تحديداً نستطيع القولَ,إنَّها مجموعة قصصيَّة سردية أنثوية تخصُّ هموم المرأة بامتياز ومن اللَّواتي يشعرن بالهزيمة التامَّة والانكسار الذاتي والرُّوحي والتراجع النفسي, وعدم تحقيق المأمول بالشكل الذي يوافق خطِّ رغباتهُنَّ الشخصيَّة وطموحهُنَّ الفعلي المستقبلي في الحياة؛ نتيجة عوامل وأسباب داخلية وخارجية جمَّةً؛ وإثر ضغوطات الحياة , والارتباط بالعادات والتقاليد الاجتماعية والعشائرية المتوارثة التي فرضت نفسها على كاهل حياتهُنَّ الذاتية.فضلاً عن الشعور بالفقر والفاقة والعوز والحرمان الاجتماعي والاقتصادي والتباين الطبقي والفكري الواقعي القائم.
وعلى الرغم من أنَّ شخصيَّات هذه المجموعة القصصيَّة الأنثوية تنتمي إلى بلدانٍ آسيويةٍ فقيرةٍ وعربية ومحليَّةٍ مسلمةٍ وغير مسلمةٍ, فإنَّ اللَّافت للنظر فيها أنَّ موضوعات هذه المجموعة القصصيَّة هي حكايات أغلبها حقيقية الوجود, ومستمدَّة من الواقعة السحرية للمجتمع, وإنْ امتزج بعضها بالطابع الخيالي الأسطوري الذي يُضفي عليها بُعداً فنيَّاً وجمالياً أخَّاذاً؛ لِأنَّ الكاتبة ذكرى لعيبي هي جزء لا يتجزأ من موضوعات هذه المدوَّنة وبطلة رئيسة من أبطال قصصها الفاعلية.
وقائعها, هي أشبه بمشاهد حكاياتٍ ميلودراميةٍ سرديةٍ بصريةٍ حيَّةٍ عاشتها الكاتبة بكلِّ تفاصيلها خلال مُدَّة إقامتها العملية الطويلة في دولة الإمارات العربيَّة, وتحديداً بإمارة الشارقة,وأثناء رحلتها الطبية العلاجية والاغترابية بالمنفى في ألمانياً, مضافاً إليها وَقَعاً كبيراً من حياتها الأوليَّة بالعراق.
فهذه التجربة الإبداعية الصادقة الفعل في معناها ومبناها التكويني تكاد تكون مزيجاً صوريَّاً بين تجلِّيات الواقع العربي الحياتي اليومي المألوف في رتابته, وبين حقيقة الواقع الغربي المغاير قانوناً ونظاماً وأخلاقاً وتعاملاً إنسانياً لافتاً. بل تكاد تكون هذه الرحلة القاريَّة توثيقاً عينياً وسيريَّاً ذاتياً لشخصيَّاتٍ أنثويةٍ مسحوقةٍ تسابقْنَ مع رياح التَّحدي وعركْنَ يدَ الزمن التي طالتهُنَّ وذُقْنَ مرارة شظف العيش وقيود حرية التحرُّر من ظلم الإنسانية وقسوة أنظمتها الاستبدادية التتابعية الحاكمة.
وعلى الرغم من كلِّ هذه الانحسارات والانكسارات الذاتية المتتالية التي واجهتها شخصيَّات هذه المجموعة من عواقب وأزمات وتحدَّيات وصعاب وانتظار طويل على قائمة الركون والإهمال والتهميش المجتمعي والشعور ذاتياً بالدُّونية فاقت حتَّى الأنظمة والقوانين, فإنهُنَّ برغم المرارة والوجع والفزع النفسي لم يفقدْنَ أبداً الأمل بالحياة والإنسانية في تحقيق الذات الوجودية الطامحة.
إنَّ هذا الشعور الحياتي بالتشتت والرغبة الشديدة بالإقدام في حياكةِ خُيوطِ الشَّمسِ لمَنْ رامَ الوصول إلى عُلاها بشتَّى الطرق والمنافذ الإنسانية والاجتماعية المناسبة, كدَّاً وتعبَاً ونَصَبَاً في كسر صخرة سيزيف وتحطيمها إرادياً وفعليَّاً بهذا الصبر والجَلَدِ والإصرار العجيب في نيل المطالب والتمنيات كما يُلَوُّحُ إلى ذلك المشهد الهَاملتي الدرامي(أكونُ أو لا أكونُ), (وإلَّا فَلَا لَا).
كُل هذا الشعور الإنساني العالي الهمَّة كان مزيجاً من الألم الدامي وفُيُوضات من نثيث الأمل الشفيف المتنامي, هو النسق الدلالي العميق والخفي المضمر البعيد الذي يغمر طيَّات هذه المدوَّنة, ويكشف آفاق وبواطن نسيجها السردي العميق الذي اشتغلت عليه الكاتبة في مركزية اشتغالاتها الفكرية والموضوعية, والتي أعطت هذا العمل الأدبي ميزةً إبداعيةً وجماليةً على مستوى الجامعة الإنسانية الكبرى للوجود الجمعي المشترك, والتي تجمع بين أبطال وشخصيَّات هذه السرديَّات الموضوعية المتباينة, والتي هي تعضيد للحياة للحياة الإنسانية بكل جوانبها وأبعادها المُختلفة.
وبالتالي هذا هو المعنى الحقيقي لتجلِّيات العنوان القريبة والبعيدة التي تصيَّرتْ ثِيمٌ وَقائعهِ الكونية إلى عواطف ومشاعر فائرةٍ مُوَّارةٍ لا تعرف الفتور والقنوط برغم من أنها تشعر بالتشظي والتشرذم والاغتراب الشخصي على لائحةالانتظار.وتأتي عتبة الإهداء لتكشفَ حقيقةَ الوجد التواقة لشخوص هذه المجموعة في تحقيق الحلم, لكنَّ خبايا القدر المحتوم وسهامه قتلت الحُلُمَ ورؤياه.
إذنْ -وباختصارٍ شديدٍ-إنَّ المعنى الدلالي القريب للعنوان يوحي بوجود عواطف ومشاعر إنسانية كبيرةٍ مُهتاجةٍ تعيش حالةً من الانفصال والاغتراب الذاتي الكبير, وقي الوقت ذاته تركِّزُ رمزية العنوان على الحالة النفسية والإنسانية لهذه الشخصيَّات المختارة لبنية هذه المجموعة التي تعاني من الحرمان الإنساني المجتمعي ورافديه الوجع والاغتراب وتأثير ه على عواطفها ومشاعرها.
أمَّا المعنى الدلالي البعيد للعتبة العنوانية(عَواطفٌ عَلَى لَائحةَ الاِغترابِ) فإنَّه يَعدُّ الاغتراب كحالةٍ وجوديةٍ أو حالةٍ إنسانيةٍ عامةٍ, حيث تُعاني هذه الشخصيَّات الأنثوية من مشاعر التشتت والانفصال أو العزلة الفردية في مختلف جوانب الحياة اليومية الضَّاجة بالمفارقات الإنسانية. لذلك فإنَّ العنوان يوحي ويُلوُّح سيميائياً بأهمية البحث عن الانتماء الوجودي وأصل الهُوية في مواجهة تحدِّيَات الاغتراب والانفصال الذاتي الذي يُسيطر على هواجس تلك الشخصيَّات وأفكارها الذاتية.
تَجلِّياتُ رِحلةِ البَحثِ عَنْ هُويَّةِ الانتماءِ:
وقَبلَ أنْ نخوض العمل في تناول التجارب الحيَّة الشخصيَّة لأبطال مدوَّنة(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ), وكيفية التعامل مع مشاعر الاغتراب الوجودي والنفسي والتغريب الذاتي, والكشف عن قصص هذه العواطف والمشاعر الإنسانية المائرة في سياق قضية الاغتراب لا بُدَّ من أنْ نفهم هُوية الانتماء المفقودة في مواجهة هذا الذي يسمَّى الاغتراب النفسي والوجودي من خلال التساؤال التالي: ما مَعنى هُويةِ الانتماءِ الإنساني المفقودة التي يسعى في البحث عنها الإنسان في صراعه؟
وبأقصر الإجابات عن هذا التساؤل المشروع. إنَّ مفهم هُويَّة الانتماء المفقودة في مواجهة هذا الاغتراب الكينوني تُشيرُ نسقيَّاً إلى حالة الشخصيَّة الفردية أو الجماعية التي تفقد الإحساس كليَّاً بالانتماء إلى المكان أو المجتمع الذي تعيش فيه أو الثقافة المعينة التي تتعاطاها أو درجت عليها إثر شعورها بالاغتراب أو الانفصال عن جذورها البيئية أو أصولها المُحيطية والمكانية الضاربة.
أمَّا السؤال الآخر الذي يرتبط بالسؤال السابق الأول ويُلقي بنفسه على المُتلقِّي كي يفهم معنى تساؤله القصدي الإيضاحي, ما مفهومُ هُويَّة الانتماء المفقودة؟ وهذا يعني أنَّ هُويَّة الانتماء المفقودة بالشعور يمكن أن نفهمها شخصيَّاً على أنَّها فقدان الشعور الذاتي بالانتماء الحقيقي, وهذا ما نستشعره أو تحسُّ به الشخصيَّات المكافحة لهذه المجموعة القصصيَّة بفقدان الإحساس الوجودي لديهم برغبة الانتماء الجديد إلى المجتمع وحده أو الوطن الكبير أو الثقافة الحياتية البديلة.
فضلاً عن ذلك كلِّه ما يحصل للهُويَّة الشخصيَّة يمكن أنْ يؤثِّر فقدان هُويَّة الانتماء سَلباً على الهُويَّة الشخصيَّة لأفراد تلك الشخصيَّات شعورها بالذات. وهذا يؤثِّر أيضاً على حركتها الفواعلية ونكوصها في المجتمع. والحقيقة أنَّ لهُويَّة الانتماء المفقودة أسبابهُ ومسبباتهُ الكثيرة التي تجعله ظاهرة اجتماعيةً خطيرةً لا ببدَّ ممن مواجهتا فعلياً بدلاً من الهروب عنها.
فمن بين هذه الأسباب الشعور بالاغتراب الذاتي النفسي عن الأصول الأولية لتلك الشخصيَّات, فيحصل لديها شعور بالاغتراب عن الوطن الأصلي(المجتمع), أو الثقافة اللَّصيقة الأصليَّة التي درجت عليها وتلبَّست بها عُرفاً وعملاً واكتساباً. وهذا بدوره قد يؤدِّي كثيراً إلى الشعور بفقدان هُويَّة الانتماء إلى الأصل وضياعها. كما أنَّ التغيُّرات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في المجتمع أو الثقافة العامة يمكن أنْ تؤثِّر سلباً على شعور وإحساس الشخصيَّة الفردية برابطة الانتماء.
ولهوية الانتماء المفقودة في مواجهة الاغتراب في هذه المدوَّنة القصصية السردية تأثيرانِ مُهمَّان, أولهما: شعور شخصيَّات أو أبطال هذه المدوُّنة بعوامل الضياع والتشتت والتِّيهِ والانفصال عن المجتمع الأول أو النواة, والثقافة المجتمعية الأصلية كما مرَّ بنا في الإشارة إليها. وثانياً: قد يؤدِّي ذلك التأثير بفقدان هُويَّة الانتماء إلى بحث هذه الشخصيَّات عن بؤر انتماء أو استقطاب جديد أو إعادة التعريف بالهوية الشخصيَّة المفقودة بحسب ما تجده ملائماً لحياتها التحوُّلية الجديدة .
وإزاء هذا التأثير السلبي لا بُدَّ من مواجهة حقيقية لعوامل الاغتراب والبحث عن هُويَّة الانتماء المفقودة التي يناضل من أجلها الفرد ويخاطر بنفسه, ولا يمكن أنْ يواجه هذا السبيل العاصف لذاته الوجودية إلَّا من خلال البحث عن كفية التوازن بين الانتماء إلى الثقافة الأصلية أو الشعور ببناء روابط جديدة مع البيئة الاجتماعية والثقافية المُتَبنَّاة الجديدة التي طرأت على خطِّ حياته بديلاً عنها.
ومُلخصُ القول الإيجازي للانتماء,إنَّ رحلة البحث الطويلة عن هُويَّة الانتماء المفقودة في مواجهة ظاهرة أو مسألة الاغتراب الذي يُعانيه أبطال وشخصيَّات هذه المدوَّنة القصصيَّة(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ) بشكّلٍ دائمٍ, تُشيرُ موحياتها الدلالية ومظان قصصها الحكائيَّة الفاعلة, وتجريبها السردي الدرامي الذاتي والوجودي إلى مجموعةٍ كبيرةٍ من التَّحدِّيات والصِّعاب والعقابيل الحياتية الراهنة التي يواجهها أفراد وشخصيَّات هذه المدوَّنة القصصيَّة في كيفية الحفاظ على خطِّ توازن إحساسها ومشاعرها الشخصيَّة الصادقة بالانتماء الحقيقي في ظلِّ ظاهرة الاغتراب أو التغيُّرات الثقافية والتحوُّلات السريعة التي فرضت نفسها أصلاً على أرض الواقع البيئي والاجتماعي الجديد.
تَمثُّلاتُ مَظاهرِ مُواجهةِ الاِغترابِ الذَّاتيّ:
لم تكن مسيرة البحث عن فقدان هُويَّة الانتماء الأصلي الذاتي في مواجهة مظاهر الاغتراب النفسي والوجودي لشخصيَّات مجموعة(عَواطفٌ عَلَىَ لَائحةِ الاِغترابِ) عند الكاتبة والقاصَّة المثابرة ذكرى لعيبي أُسلوبيَّا تتخذُ طابعاً موضوعيَّاً تدويرياً رتيباً واحداً مُكرَّراً, وإنَّما كان لكلٍّ قصةٍ من قصص هذه المجموعة الثلاث عشرة قصةً, لها صفاتها الواقعية الحدثية المُميَّزة والمؤثِّرة موضوعيَّاً في عملية التلقِّي القرائي المعرفي والتراسل الثقافي الذي يجعل منها وحداتٍ موضوعيةً وفكريةً تُسهم في بناء ثقافة القارئ بناء سليماً وفاعلاً موصلاً لضفاف الحقيقة الفكرية.
وتكشف عن مدى الظلم الذي تُعانيه(الجامعة الإنسانية) من تَعسُّفٍ كبيرٍ وجحودٍ وانكسارٍ وخيبةٍ ووجعٍ دائمٍ وخسرانٍ مُبينٍ طالها من يدِ الزمن وجَوره القاتل الذي هو بطبيعة الحال بؤرة هذا العمل الأدبي القَصصي المَكين ومركزه الذي لا يقف عند حدٍّ من حدود الإنسانية ومظاهرها العديدة التي زخرت بها طيَّات هذه المجموعة وامتلأت حركتها الفواعلية المتنامية بعديدٍ من وقائع الأحداث الفعلية المؤثِّرة على سلوك وتصرُّفات شخصيَّاتها الارتكاسية المأزومة زمكانيّاً وبيئيَّاً.
لقد عكفت القاصَّة التأصيلية ذكرى لعيبي على تجسيد أرقى معاني الإنسانية وأحسنها اتِّصالاً بشخصيِّة الإنسان من أجل تحقيق هدف تكاملها الذاتي في العثور على هُويَّتها الوجودية وانتسابها للمجتمع الإنساني الذي يعاني من آفةٍ ويلات الاغتراب الذاتي التي تُطيح بأخلاقه ومستقبله وتطلّعاته الشخصيَّة على المدى الذاتي البعيد دون هوادةٍ.
على وفق ذلك الهاجس الاغترابي المُلِحِ أنَّ أبرز موضوعات هذه المجموعة القصصيَّة تسريداً وتعضيداً بأهمية الإنسانية وشخصياتها, يأتي التهميش والظلم والهزيمة والبحث عن الحُريَّة الذاتية من أهمِّ موضوعات هذه المدوَّنة, ويُكملهُ الشعور بالوحدة والفراغ وعقابيل تجارب الفشل التي مرَّت به الكاتبة في حياتها السيرية,التي هي جزء مهمٌّ ورافدُ مغذٍّ لها في تماهيه لكينونة شخصيَّاتها الأنثوية. فضلاً عن مشاعر الحُبِّ وسيل رسائل الانتظار العاطفي بلغة النثر الخواطري الشفيف.
وقد وردت بعض من شخصيَّات هذه المدوُنة الفواعلية ذكوريةٌ كما هو الحال في سردية شخصيَّة الحارس اللَّيلي الذي اُتُّهمَ غرائبياً من قبل ملك أو سلطان المدينة بأنَّه قاتل له في أحلامه. وقد تجسَّد ذلك في أروع تسريد حكائي خيالي. ثمَّ التفتتِ الكاتبة إلى أُسلوب التماهي في الحديث عن ذاتها الشخصية والسيرية خلال التقارب في سردها الارتحالي بينها وبين إحدى شخصيَّاتها الأنثوية التي تتلقَّى العلاج الكيمياوي في إحدى مشافي ألمانيا, وباتَ التفريق بين الكاتبة وشخصيَّة بطلتها صعباً.
وقد أخذ موضوع الحديث عن مُخيَّم النسوة اللَّاجئات الأسيويات وأوضاعهُنَّ الحقيقية الخاصَّة مِساحةً مهمَّةً وكبيرةً من وقائع هذه المجموعة المؤثِّرة إنسانياً في آليات التلقِّي السردية بالقارئ. ويخيَّل إليك أنَّ الكاتبة تعيش مظاهر الشعور الاغترابي نفسه وتشارك شخصياتها الأمل في تحقيق الحُلم المراد المنتظر. ويأتي الحديث عن فشل العلاقات الزوجية من صميم هذه السرديَّات؛ نتيجة الإهمال الذاتي والانجذاب لهُوَّية المثير الآخر في المحيط الاجتماعي والبيئي الجمعي المشترك.
أمَّا موضوعة الانصياع والتمسُّك بالعادات والتقاليد والأعراف العشائرية العراقية المتوارثة التي كانت سبباً من أسباب تخلف المجتمع وانحرافه السلبي, فهي من الموضوعات الداخلية الأخرى التي وظَّفتها الكاتبة توظيفياً إنسانياً حقيقياً متمايزاً؛ بوصفها ابنة الواقع الريفي الجنوبي والعشائري العراقي؛وكونها ذاتياً امرأة شيخانية ذاتَ حسبٍ ونسبٍ عشائريٍ عريقٍ وابنةَ شُيوخ وأصل عريقٍ.
وقد أعقب ذلك التسريد الواقعي الحديث عن فعل جريمة مُدبَّر بقتل شيخ عشيرة جنوبي كبير صاحب بختٍ وحظٍّ ومعروف النسب لها في مضيف أخية الشيخ؛ وذلك من خلال حكايته الإشكالية التي روتها ابنته, والذي تعاطفت معه الكاتبة وانشغلت ذاتياً في حقيقة وصدق هذا العمل المروُّع للإنسانية. ومن إفرازات هذا التقاليد العشائرية وسُنَنِها العُرفية المكروهة فعلاً واقعياً ما أنتجته بما يُسمَّى بـ(الفُصْليَّة) أو زواج الدم الذي كان من سرديَّات هذه المجموعة الجريئة في الطرح والتعليل والتأويل والبناء القصصي الذي عالجته الكاتبة بصدقٍ للكشف عن قَباحة ظلم هذا الفعل المجتمعي.
أمَّا الحبُّ والمشاعر والعواطف والأحاسيس التي كانت ظلَّاً لرسائل التواصل الاجتماعي, فهي الأخرى من مظان هذا التراسل السردي الإنساني بين الكاتبة والقارئ النابه للوصول إلى ضفاف الواقعية.وتختم الكاتبة موضوعات رحلتها الوجودية الحقيقية في مواجهة راهن الانتظار الاغترابي بمجموعة حكائيَّة مُختارة بعناية فائقةٍ من بين قصص الشخصيَّات الاجتماعية الذكورية والأنثوية المُهمَّة الوقع في مآثر المجتمع العراقي والعربي الفاعلة. تلك الشخصيَّات التي كانت تعاني التعب والإرهاق والفشل والقنوط والإحباط الشخصي وأزمات التنكر المرير؛ بسبب إجبار أفرادها على القيام بفعل مكروه لا تُحمد عقباه الأخيرة ونتائجه البينية الخطيرة ؛ لذلك لا بُدَّ من الثورة عليه.
وفي ظلِّ هذه القراءة السريعة التي ألقينا عليها الضوء الكاشف عن وقع تمثَّلات البحث عن هُوية الانتماء المفقودة في قصص هذه المدونة السردية الثلاث عشرةَ؛ ونتيجة لأهميتها الإنسانية والفنيَّة والموضوعية لا بُدَّ من الوقوف على تحليل نصوص هذه القصص الإبداعية والكشف عن معاناة شخصياتها وتفكيك جماليات حفرياتها الأسلوبية, ومن ثمَّ التعرُّف بعمق على تحليل وقائعها الحدثية والنفسية التوترية الظاهرة والخفيَّة في منافي الاغتراب الذاتي, معتمدين في ذلك على مرجعياتها.
1- قصة (أكاتشي)
تعدُّ قصة الفتاة (أكاتشي) من أبرز تمثُّلات البحث عن هُوية الانتماء الإنساني المفقودة والاغتراب الوجودي والنفسي وأولها مع ثلاث فتياتٍ آسيويات مُسلماتٍ, ورابعة أخرى من الديانة المسيحية وهُنَّ: (تشينو وأديسا وفيمي أيبيل), من اللَّواتي كُنَّ يعملن في خدمة البيوت الخليجية بإمارة دبي؛ بسبب ضيق الحال والضياع الوجودي والفقر والحاجة والعوز والقهر الاجتماعي والاقتصادي.
ونتيجةً لكثرة المضايقات والضغوط والابتزاز والتحرُّش الجنسي, وتشابك المشاكل مع هذه الأُسرِ في الإمارات اضطررْنَ للبحث عن هُوَّيةٍ جديدةٍ مفقودةً وذاتٍ مُغيَّبةٍ فَقَدِمْنَ إلى ألمانيا من أجل الحصول على لُجوءٍ إنساني. ولكلِّ فتاة من الفتيات قصَّةً خاصةً وعجيبة تُميِّز سيرتها الذاتية عن غيرها,ومن تلك التي ترويها الكاتبة وتوثُّقها بصدقٍ عن أيبيل الفتاة المسيحية التي تعمل خادمة في أحد البيوت وقصتها مع الشاب أحد أبناء العوائل الخليجيَّة في إمارة دُبي وما فعله من انتهاكٍ وابتزازٍ وتَحرُّشٍ جنسيٍ بهذه الفتاة المسالمة التي أخفت ديانتها عن والده للاحتفاظ بعملها الخدمي:
“فَبدأتْ رِحلةُ الاِبتزازِ القَذرِ, بَينَ إخبارِ وَالدهِ, فَينهِي عَملهَا, أوْ التَّغاضِي بَشرطِ تَلبيةِ مَطلبهِ, وَلَمْ تَقوَ عَلَى فِعلِ شَيءٍ غَيرَ الرُّضوخِ لَهُ, الصَّادمُ وُصولُ الأمرِ إلَى أنَّهُ بَدَأ َيَدعو أصدقاءَهُ, وَكأنَّها أَمَةٌ مُستباحةٌ, فَثارتْ, وتَمرَّدتْ, وَحَاولتْ أنْ تَنتَحرَ مَرَّةً, وَأنْ تَقتُلَ اِبنَهُم مَرَّةً أُخرَى, فَساعدَهَا شَابٌ مِنْ نَفسِ جِنسيتِهَا بِالهَربِ والسَّفرِ”. (عَواطفٌ عَلَى لائحةِ الاغترابِ, ص 13).
تبدأ رحلة البحث عن الذات حين التقت الكاتبة الساردة بهذه الفتيات الخمس التي تعرَّفت عليهنَّ من خلال الخادمة(أكاتشي) التي كانت على معرفة سابقة بالكاتبة في دبي, والتي كانت لها حكاية سيريَّة خاصَّة بها تعني لها الكثير. فَدُبَي بالنسبة للكاتبة والقاصة تعدُّ مدينةَ لقاء الأحبة ومفصل مفارقتهم:
“دُبَي…آهٍ دُبَي…الإِمارةُ الَّتِي تُسابقُ الرِّيحَ والتَّطورَ والبِناءَ وَالنُّموَ والتَّعميرَ وَجذبَ السُّوَّاحِ. دُبَي الَّتي طَبطَبَتْ عَلَى كَتِفِي, وَمَدَّتْ يَدَهَا لِي قَبلَ أنْ تَطالَنِي أيادِي الجُبنَاءِ لأتركَهَا مُرغَمَةً…” (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 6).وفي الجملة الأخيرة نسق ثقافيٌ خفيٌّ حقيقيٌّ يخصُّ جانباً مُهمَّاً من حياة الكاتبة وسيرتها الشخصيَّة التي ذاقت فيها علقم الاغتراب الذاتي خلال مدَّة وصولها لهذه المدينة.
فَدُبي هي المدينة التي تشكِّل هاجساً أوليّاً؛ كونها نقطة البداية الأولى التي انطلقت منها في رحلة البحث عن ذاتها الحياتية الشخصَّية القلقة, وعن أمالها وآلامها التي أخذت تتَّسع وتخبو, وتظهر وتضمحل. ما أقسى الفراق والضياع والتِيه حين يبدأ بلقاء الأحبة وينتهي بالترحال عنهم غصباً واضطراراً! مشاعر حقيقية تنتاب الكاتبة الساردة ذكرى , فتقول عند لقائها الأخير بالفتاة أكاتشي:
” شَمَمتُ عِطرَ المَدينةِ الَّتي أعشقُهَا, وَرَأيتُ بِملامِحهَا وُجُوهَ الأحبابِ الَّذينَ تَركتَهُم هُناكَ, مَا أقسَى المَسافاتِ الَّتي تَحكمُهَا أوجاعُ النَّفسِ والأمسِ!” (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاغترابِ, ص7).
وبعد أن خاضت الكاتبة في حِلِّها وتِرحالها الداخلي بالأمارات أكثر من محطَّة سفر وإقامةٍ استقرَّ بها الحال في إمارة الشارقة والعمل بها كَمُديرةِ تحريرٍ في إدارة مجلة(الشُّرطيُ الصغيرُ) الصادرة عن القيادة العامة لشرطة الشارقة. فراحت الكاتبة تبحث عن وجودها الذاتي والمستقبلي الكينوني في اللُّجوء الإنساني إلى ألمانيا, إبَّانَ جائحة كورونا(كوفيد19). والتي جمعتها مع النسوة بالذات:
“عَلَى أحدِ أَطرَافِ مَدينةِ (بَامبيرغ), الوَاقعةِ فِي شَمالِ وُلايةِ بَافاريَا الألمانيةِ, يَقعُ مَبنىً ضَخمٌ مُسوَّرٌ بِأسلاكٍ شَائكةٍ, ذُو بَوابتينِ يَحرسُهُمَا مَجموعةٌ مِنْ رِجالِ الأمنِ الخَاصِّ”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ , ص 3).
ومن بين الأسباب الأخرى التي جعلت ذكرى لعيبي أنْ تبحث عن أماكن ومثابات أخرى للاستقرار الحياتي والنفسي,هذا الحوار الذي دار بينها وبين الخادمة أكاتشي, وكان حوَّاراً حقيقياً مؤلماً للنفس الأمَّارة بالوجع والألم والإحباط والهزيمة والشعور بالتراجع بيدَ أنَّ لا مناص من تحقيق الذات:
“أنَا يَا أكاتشِي مِثلَكِ, أَيضَاً هُناكَ عُمرٌ يَضيعُ مِنْ دُونَ مُستقبلٍ, نَحنُ مِنْ بِلادِ الحُرُوبِ, وَأنتُم مِنْ بِلادِ الفُقرِ والجُوعِ, وَجميعُنَا نَبحثُ عَنْ بِلادِ الأحلامِ والأمَانِ”. (عَواطفٌ عَلَى لائحةِ الاِغترابِ, ص 9).
ومن اعترافات الكاتبة السيريَّة المُهمَّة التي سطَّرتها عن وعيٍ وإدراكٍ وبعفويةٍ تلقائيةٍ إنسانيةٍ مؤثِّرةٍ أحد أسباب هروبها من العراق ومجيئها للإمارات ولجوئها لألمانيا لرحلة العلاج الشخصيَّة:
“هَذهِ اللَّيلةُ أصابني الأَرقُ, وَمَرَقَ أمامَ عَينَي شَريطُ صُورٍ وَأحداثِ سَنواتٍ طَويلةٍ, بَدَأ مِنْ هُروبِي عَنْ بَلدِي مِنْ قُربِ ضَفةِ أحدِ الفُراتينِ, حَتَّى اِستقرارِي فِي الأُماراتِ فَترةً مِنَ الزَّمنِ, وَأخيرَاً لُجوئِي إلَى ألمَانيَا”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 6).
وعن مشاهداتها لمناظرالطبيعة الألمانية وظروفها المُناخية الماطرة تُسطُّر الكاتبة لعيبي من خلال تراسلها التسريدي لقصةِ أكاتشي مَشاعرَها الذاتية وثقافتها الشخصية المعرفية التي اكتسبتها من ثراء قراءتها واطِّلاعها على شعر (بدر شاكر السيَّاب) خَالدُ الذِّكرِ, وعن(أنشودةُ المَطَرِ) في قصيدة(شَناشيلُ ابنةُ الجَلَبِي):
(يَا مَطَراً يَا حَلَبِي / عَبِّرْ بَناتِ الجَلبِي/ مَطَرٌ مَطرْ .. يَا شَاشَا عِبّرْ بَناتَ البَاشَا. ونتيجةً لشعورها الإنساني الضافي أنَّها ابنة شيوخٍ وأصلٍ وفصلٍ وعِزٍّ, وقد أزرى بها الدهر إلى منافي الغُربة والقهر والمَرض والمُعاناة, فقد التفَتَتْ إلى تحويرِ قصيدة السيَّاب؛ لكونها تشعر بغربةً قاتلةً فقالت متماهيةً مع مشاعر السيَّاب وغربته وحنينه لأهله وبيته جيكور ووطنه الكبير العراق:
“مَطَرٌ … مَطَرٌ شَاشَا, تَغرَّبَتْ بِنْتُ البَاشَا”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 14 ). ويَلوحُ لي كثيراً, أنَّ النسق الخفي المضمر لعبارة(بِنتَ البَاشَا) هوِ الكاتبة نفسِها, ابنة شيخ العشيرة العام الباشا المشهود له بالوجاهة الاجتماعية والعشائرية القبيلة والرأي السديد والحظ والبخت والفراضة والحكم بالصلح والتراضي بين العشائر المُتخاصمة حول أمر جللٍ أو حادث ما حدثَ لها مع نظائرها الأخرى..
2-قِصَّةُ (عَواصِمُ الرِّيحِ)
عنوانٌ لافتٌ المعنى لقصِّةٍ مؤلمةٍ, إنّهاَ مُدنُ وعواصم المنفى التي تُشبه الريح العابرة بالنسبة لطالب اللُّجوء إلى هذه المدن الساحرة بجمالها ونظامها, والموحشة بوحدتها وفراغها. إنَّ الشعور بالاغتراب النفسي الذي لم تعتَدْ أو تتعود الساردة العليمة عليه؛ بوصفها امرأةً شرقيةً لها مذاقها الخاص في العيش والحياة الجديدة التي وطأتها قدماها وأصبحت ركناً مهماً دائماً لا يُغادر نفسها أو يخرج منها إلَّا للضرورة التي تستدعي ذلك الإقدام عليها دون تباطؤ أو إحجام يمنعها عنها:
“لَمْ أعتَدْ هَذَه الحَياةَ بَعدَ, هُدوءٌ حَذرٌ يُغلِّفُ المَنافَي, وُجوهٌ بَاردةٌ تَمامَاً كَبرودةِ الطُّقسِ هُنَا, شَوارعٌ شِبهُ خَاويةٍ مِنَ المَارةِ, رُكوبِ المُواصلاتِ العَامَّةِ الّتي لَمْ أُجربهَا فِي حَياتِي قَطٌّ… اِمرأةٌ وَحيدةٌ تُقاومُ هَذا الزَّمنَ الصَّعبَ؛ زَمنٌ تَضيقُ فِيهِ مَعالِمُ الأمانِ, إنَّه اِغترابٌ بِامتيازٍ.. تَوجُّسٌ يُذكِّرُني بِوَيلاتِ الحَربِ وَسنواتِهَا, الَّتِي عَلَّمتنِي كَيفَ أنقرُ عَلَى الرُّوحِ وَترَ هَذا العُمرِ بِترّوٍ. جِئتُ أبحثُ عَنْ مَلامحِ وَجهِ السَّلامِ الَّتِي ضَيّعتهَا دُخانُ القَنابلِ, عَنْ الضَوءِ وَالعافيَةِ, عَنْ نَوافذَ جَليلةٍ مُشرِعَةٍ. اَستجدِي الدِفءَ أحيانَاً مَعَ بَعضَ الأهلِ وَالَّصديقَاتِ والأصدِقَاءِ, وَقَدْ تَمُرُّ أيامٌ لَا أكادُ أُسمعُ صَوتِي, فَألجَأ إلَى حخَانةِ الذَّكرياتِ”. (عَواطفٌ عَلىَ لَائحةِ الاِغترابِ, ص15).
وعلى لسان حال بطلتها تمضي الكاتبة في سرد حكاياتها ووصف حال المنافي التي تبحث عنها علَّها تُحقِّق جزءاً مُهمَّاً يعوض عن قلقها الوجودي واستقرارها النفسي, فتصف الحياة الجديدة وكيف يمكن الحصول عليها بقوانين وأنظمة صارمة ومشقة وطول انتظار وترقُّبٍ وحذرٍ شديدين:
“الِإقامَةُ المُؤقتةُ الِّتي لَا نَحصلُ عَلَيهَا إلَّا بَعدَ فَترةٍ زَمنيةٍ طَويلَةٍ مِنَ القَلقِ وَالانتظارِ وَالتَّرقُّبِ! ..تَصدُّعِ مَا تَبَقَّى مِنَ الغِطاءِ الَذي يُغلِّفُ أمنياتَنَا! أوْ بَعدَ رَحيلِ أهلِ وَأحبَابِي لَمْ نُعانقُهُم! أو بَعدَ اِنهيارِ العَافيةِ وَعًهودِ مَاضيه جَرفُهَا تَيارُ العَبَثِ وَالفُرَاقِ”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاغتراب, ص 16).
وعلى الرغم من ذلك الحُلم المنشود والذي تسعى في الحصول عليه فإنَّها تعتبر الوصول إليه ضوضاء لا تعوض ساعة واحدة من لياليها. فالحبُّ طريق لا بُدَّ منه لتخطّي عقبات الزمن الجائرة ومواجهة تحدياته الراهنة التي تأكل القلوب, إنه مشكاة النور للعبور إلى أرض الضفة الأخرى:
“لَستُ بِخَيرٍ, تَكادُ الغُربةُ تَبتَلَعنِي, أنَا حَزينةٌ. المُشكلةُ لَا تَكمِنُ فِي الغُربةِ يَا صَديقتِي, بَلْ فِي الوَحدةِ, لَا بُدَّ أنْ تَتخذِي رَفيقَاً. أنتِ مَجنونَةٌ؟ صَحيحٌ أعيشُ فِي بَلدٍ أَجنبِيٍّ, لَكنْ مَا زَلتُ مُتمسكةً بِأخلاقِي. يَا حَبيبتِي تَفكيرُكِ ذَهبَ بَعيدَاً, أقصدُ تَرتَبطينَ فِي عَلاقةِ حُبٍّ أوْ زَوَاجٍ. زَواجٌ… تَجربَةٌ أخرَى! يَا قَلبِي مَنْ يَنظرُ إلَيَّ وَأنَا فِي هَذَا العُمرِ؟” (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 17).
ومن المشاهد الذاتية التي تعبر عنها الكاتبة على لسان حال شخصيَّة بطلتها, تجربة الزواج والارتباط بعلاقة حبٍّ ثانيةٍ توصلها إلى ناصية وِبرِّ الأمانِ والاستقرار فَتُبدِّدُ عن نفسها الوحدة وعامل الاغتراب والقلق الوجودي الذي تشعر به باستمرار في حياتها وهي تخوض غمارالطريق:
“مُنذُ زَمَنٍ طَويلٍ حَجَرتُ يَمَامَاتِ العَواطفِ وَالشوقِ دَاخلِ قَلبِي, كَيْ لَا تَقتَرِفَ التَّحليقَ ثَانيةً. بِالعكسِ صَديقتِي, كُلَّما تَقدمنَا فِي العُمرِ, نَكونُ بِحاجةٍ أكثرَ إلَى شَريكٍ يُؤنسُنَا, يُشارِكُنَا تَفاصيلَ الحَياةِ, نَتَحدَّثُ إليهِ, يَتحدَّثُ إلينَا, نَشرَبُ فِنجانَ قَهوةٍ مَعَاً, نَتمَشَى مَعَاً, نَمرَحُ, نَقرَأُ, نُسافِرُ… هُناكَ أشياءُ كَثيرةٌ مُهمَّةٌ فِي الحَياةِ غَيرَ (الفِرَاشِ)”. (عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 17).
تجربةُ الحبِّ اتي تعاني منها بطلة هذه القصَّة والتي هي جزء من سيرة الكاتبة تمثِّل تجربةَ صراعٍ مريرِ معَ الحبِّ والخوف من الخوض بالذي رُبَّما يؤدِّي إلى الفشل والنكوص؛ لكن إيمانها بنفسها وبمن تحبُّ دفعها إلى المَغامرة الجديدة التي أقبلت عليها ولا تعرف الإدبار عنها مطلقا:
“قَرَّرتُ أنْ أتركَ سَكرَاتِ الفَنَاءِ, وَأحبِسَ الصَّمتَ الهَزيلَ, لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ غِناءٌ مُفعَّلٌ بِروحِ المُغامرةِ الجَميلةِ, نَعَمُ سَأفعلُ هَذَا فِيمَا لَو اِتَّصلَ مَعِي مِنْ جَديدٍ. كُنَّا نُتابعُ بَعضَنَا عَلَى صَفحَاتِ الفِيسِ بُوك, نَتبادلُ الآراءً والتعليقاتِ عَلَى بَعض(البُوستَاتِ) الَّتي نَنشرُها, وَنتواصُل أحيانَاً بِالهاتفِ”. (عواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ, ص 18)