الدكتورة تهاني محمد : “الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة”

صورة الكاتب
بقلم: فرح تركي العامري
التاريخ: 29 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1822
الدكتورة تهاني محمد : “الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة”

الدكتورة تهاني محمد “الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة”

حوار: فرح تركي العامري

مع مسيرتها الطبية، مسارات أختارتها شغفا وعلما لتضيء حياة الأخرين، الدكتورة الداعمة والعبقة بالأمل، التي تكتب من الاعماق كاشفة أهم أسرار النفس البشرية، هي تتفوق على ذاتها والاخرين في كل سطر وفي كل مشوار للكتابة تنجزه، نموذجا حيا للمراة العراقية في الرّقي والصبر والعطاء، فهي ترى ان الانتحار التكتيكي، ليس يأسا بل محاولة من الشخص لوقف الألم في تفسير ناضج وحيوي، قله منا من يدركه عند كل خبر أنتحار مؤلم، بعقليتها الواعية، تصر بأن العشق هو مسار للنور لا للظلمة، الاخصائية النفسية، د. تهاني محمد الروائية الناجحة صاحبة البصمة الرائعة واليد الحانية طبياً، كان لي شرف حوارها لأحصل على هذه الأجوبة التي تعد قلائد من نور، تُعلق على جدار الحقيقة والصدق فأهلا بها وألف ألف شكر ومحبة:

• كيف نرى أنفسنا بمرآة الصدق؟ بطاقة تعريفية عنكِ؟

_أنا دكتورة تهاني محمد، طبيبة واختصاصية نفسية، وكاتبة تُؤمن أن الإنسان لا يُرى بمرآة الوجه…بل بمرآة داخله، مرآة الصدق هي اللحظة التي نتجرأ فيها على النظر إلى حقيقتنا دون تجميل، إلى نقاط قوتنا بلا غرور، وإلى جراحنا بلا خجل، وإلى أخطائنا بلا جلد. أنا امرأة تؤمن أن الوعي هو طريق العودة إلى الذات، وأن الإنسان الذي يرى نفسه بوضوح، لا يخشى طريقه، ولا علاقاته، ولا مصيره.

• الإقبال على الحياة يستلزم طاقة… من أين تستمدين طاقتك؟

_طاقتي تأتي من ثلاثة مصادر: المعنى، والإنجاز، والحب. المعنى الذي أجده في مريض يشفى، وفي فكرة تولد على الورق، وفي إنسان يستعيد نفسه. والإنجاز الذي يذكّرني أن لكل خطوة وزنًا، ولكل تعب نتيجة. أما الحب… فهو الطاقة التي لا تُرى، حب الحياة رغم قسوتها، وحب المعرفة، وحب الإنسان حين يكون في أضعف حالاته.

• ما الذي يجعل الإنسان في زاوية الانتحار؟ وهل هناك تكتيك نفسي لذلك؟ _الانتحار ليس رغبة في الموت… بل رغبة مؤلمة في إيقاف الألم. الإنسان يصل إلى حافة الانتحار حين يشعر أن صوته غير مسموع، وألمه غير مفهوم، وأزمته بلا مخرج. التكتيك النفسي الحقيقي هو: إعادة المعنى، وكسر العزلة، وخلق نقطة أمل صغيرة، تكفي لإنقاذ روح كاملة. لا أحد ينتحر لأنه ضعيف… بل لأنه استنزف قوته كلها دون أن يشعر أحد.

• ما الذي فقدناه في زحام الحياة؟ وهل أصعب من ضياع الأحبة والأحلام؟

– فقدنا الوقت… الوقت لنفهم، لنحب، لنشعر، لنعيش ببطء. وفقدنا الإنصات لبعضنا، اليوم نسمع ضجيج العالم، ولا نسمع قلوبنا.أما ضياع الأحبة والأحلام…فهو أشد الفقد، لكنه ليس نهاية الطريق.فالإنسان قادر أن يخلق معنى من الرماد، وأن يبني حلمًا جديدًا فوق أطلال حلمٍ قديم.

• هل يمكن أن يتمنى الإنسان أن يكون على الجانب الآخر من الأزمة؟أم لابد أن نواجه؟

_كلنا نتمنى الهروب… لكن الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة.الهروب يُريح لحظة،لكن المواجهة تبني حياة. نحن لا نكبر إلا حين نقف في وجه الألم، ونقول له: “لن أهرب… سأسير عبرك.”

• متى رسمتِ أولى كلماتكِ وعرفتِ أن الكتابة مسؤولية؟

_كتبت أولى كلماتي وأنا في عمر العشرين لكن لم انشرها، لكنني فهمت معنى الكتابة حين شعرت أنها تشفي أكثر مما تُزيّن.في اللحظة التي شعرت فيها أن قارئًا واحدًا قد وجد في كلماتي شفاءً، عرفت أن الكتابة ليست هواية… بل رسالة.

• كيف ينجو الإنسان العربي من صراعات ما بعد الألفية دون خسائر نفسية؟

_النجاة اليوم تحتاج: وعيًا، وحدودًا، وتوازنًا نفسيًا. نحتاج أن نفهم ذواتنا قبل أن نفهم العالم، وأن نحمي صحتنا النفسية كما نحمي أجسادنا. الإنسان الذي يمتلك مرونة نفسية يستطيع عبور أعقد الأزمات دون أن ينكسر.

• هل الأسرة العراقية بأمان من التفكك؟

_الأسرة العراقية قوية بطبيعتها… لكنها اليوم تواجه ضغوطًا اقتصادية ونفسية واجتماعية كبيرة. الأمان لا يأتي من الظروف، بل من الوعي والحوار والدعم النفسي داخل العائلة.إذا تعلمنا كيف نتواصل… وكيف نسمع أبناءنا… وكيف نتعامل مع الألم بدون عنف… فسنحمي بيوتنا مهما كانت العواصف بالخارج.

• “ليلة فهمت فيها كل شيء” — ما رسالتك فيها؟

_القصة تقول: إن لحظة الوعي قد تأتي في أقسى ليلة. وأن الإنسان قد يضيع سنوات… ثم يفهم فجأة أن الخلاص يبدأ حين يرى نفسه بوضوح رسالة القصة: لا أحد ينجو من الحقيقة… لكن الحقيقة هي طريق النجاة.

• كيف نتخطى آراء الناس السلبية في الآخرين ونتعامل بسلامة نية؟

_بأن نميز بين: الحقيقة، وظلال الحقيقة. الناس يتحدثون من جروحهم وتجاربهم. لكن الإنسان الواعي لا يبني حكمًا على رواية ناقصة.سلامة النية لا تعني السذاجة، بل تعني أن نرى الآخر كما هو،لا كما يراه الآخرون.

• من الأقرب إلى قلبك: الطب أم الأدب؟ وكيف جمعتهما؟

_الطب يعالج الجسد… والأدب يعالج الروح.وكلاهما امتداد للإنسان. لم أحتَر يوماً بينهما… لأنني في كل مريض أرى قصة، وفي كل قصة أرى إنسانًا يحتاج شفاءً. أنا أكتب لأنني طبيبة… وأعالج لأنني كاتبة.

• العزلة كإجراء احترازي… هل هي حل دائم؟

-العزلة قد تُنقذ، لكنها لا تبني حياة. هي مثل الضماد…ضرورية حين ننزف، لكن لا أحد يعيش عمره بضماد على قلبه.الإنسان يحتاج إلى لحظة عزلة، لكن يحتاج بعدها إلى عودة واعية للعالم.

• الكلمات الأخيرة لكِ

_أؤمن أن الإنسان لا يضيع حين يضيع شيء منه… بل حين ينسى نفسه.كل ما يحدث لنا، حتى الجراح، يحمل في داخله بذرة نور. والنجاة… ليست أن نعود كما كنّا، بل أن نعود أقوى، أعمق، وأصدق مع أنفسنا.

 

 

الروائية والطبيبة، مليون باقة ورد وأجمل الدعوات بالتوفيق والسداد مني محاورتك ومن كادر مجلة الجمان فلك كل الحب والاعتزاز.

عن الکاتب / الکاتبة

فرح تركي العامري
فرح تركي العامري
قاصة وكاتبة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“نبع الصافي” هو أسم أختارته لمشروعها، شابة عراقية تمتهن تعليم قيادة السيارات للسيدات فقط

“نبع الصافي” هو أسم أختارته لمشروعها، شابة عراقية تمتهن تعليم قيادة السيارات للسيدات فقط

“نبع الصافي” هو أسم أختارته لمشروعها، شابة عراقية تمتهن تعليم قيادة السيارات للسيدات فقط.. حوار:…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
9 أبريل 2026
اقرأ المزيد
خانة اهمال

خانة اهمال

خانة اهمال نادرةٌ هذه اللحظةُ في حياةِ البعضِ، فقد تكونُ تدميريةً وقد تكونُ لها دوافعُ…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
26 مارس 2026
اقرأ المزيد
من يضمد الورد؟

من يضمد الورد؟

من يضمد الورد؟ كل شيء فيه تعريف للرقة والترافة، لكننا نعود إليه محتاجين، هي حاجة…

صورة الكاتب فرح تركي العامري
12 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الدكتورة تهاني محمد : “الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة”

بقلم: فرح تركي العامري | التاريخ: 29 ديسمبر 2025

التصنيف: الحوارات

الدكتورة تهاني محمد “الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة”

حوار: فرح تركي العامري

مع مسيرتها الطبية، مسارات أختارتها شغفا وعلما لتضيء حياة الأخرين، الدكتورة الداعمة والعبقة بالأمل، التي تكتب من الاعماق كاشفة أهم أسرار النفس البشرية، هي تتفوق على ذاتها والاخرين في كل سطر وفي كل مشوار للكتابة تنجزه، نموذجا حيا للمراة العراقية في الرّقي والصبر والعطاء، فهي ترى ان الانتحار التكتيكي، ليس يأسا بل محاولة من الشخص لوقف الألم في تفسير ناضج وحيوي، قله منا من يدركه عند كل خبر أنتحار مؤلم، بعقليتها الواعية، تصر بأن العشق هو مسار للنور لا للظلمة، الاخصائية النفسية، د. تهاني محمد الروائية الناجحة صاحبة البصمة الرائعة واليد الحانية طبياً، كان لي شرف حوارها لأحصل على هذه الأجوبة التي تعد قلائد من نور، تُعلق على جدار الحقيقة والصدق فأهلا بها وألف ألف شكر ومحبة:

• كيف نرى أنفسنا بمرآة الصدق؟ بطاقة تعريفية عنكِ؟

_أنا دكتورة تهاني محمد، طبيبة واختصاصية نفسية، وكاتبة تُؤمن أن الإنسان لا يُرى بمرآة الوجه…بل بمرآة داخله، مرآة الصدق هي اللحظة التي نتجرأ فيها على النظر إلى حقيقتنا دون تجميل، إلى نقاط قوتنا بلا غرور، وإلى جراحنا بلا خجل، وإلى أخطائنا بلا جلد. أنا امرأة تؤمن أن الوعي هو طريق العودة إلى الذات، وأن الإنسان الذي يرى نفسه بوضوح، لا يخشى طريقه، ولا علاقاته، ولا مصيره.

• الإقبال على الحياة يستلزم طاقة… من أين تستمدين طاقتك؟

_طاقتي تأتي من ثلاثة مصادر: المعنى، والإنجاز، والحب. المعنى الذي أجده في مريض يشفى، وفي فكرة تولد على الورق، وفي إنسان يستعيد نفسه. والإنجاز الذي يذكّرني أن لكل خطوة وزنًا، ولكل تعب نتيجة. أما الحب… فهو الطاقة التي لا تُرى، حب الحياة رغم قسوتها، وحب المعرفة، وحب الإنسان حين يكون في أضعف حالاته.

• ما الذي يجعل الإنسان في زاوية الانتحار؟ وهل هناك تكتيك نفسي لذلك؟ _الانتحار ليس رغبة في الموت… بل رغبة مؤلمة في إيقاف الألم. الإنسان يصل إلى حافة الانتحار حين يشعر أن صوته غير مسموع، وألمه غير مفهوم، وأزمته بلا مخرج. التكتيك النفسي الحقيقي هو: إعادة المعنى، وكسر العزلة، وخلق نقطة أمل صغيرة، تكفي لإنقاذ روح كاملة. لا أحد ينتحر لأنه ضعيف… بل لأنه استنزف قوته كلها دون أن يشعر أحد.

• ما الذي فقدناه في زحام الحياة؟ وهل أصعب من ضياع الأحبة والأحلام؟

– فقدنا الوقت… الوقت لنفهم، لنحب، لنشعر، لنعيش ببطء. وفقدنا الإنصات لبعضنا، اليوم نسمع ضجيج العالم، ولا نسمع قلوبنا.أما ضياع الأحبة والأحلام…فهو أشد الفقد، لكنه ليس نهاية الطريق.فالإنسان قادر أن يخلق معنى من الرماد، وأن يبني حلمًا جديدًا فوق أطلال حلمٍ قديم.

• هل يمكن أن يتمنى الإنسان أن يكون على الجانب الآخر من الأزمة؟أم لابد أن نواجه؟

_كلنا نتمنى الهروب… لكن الوعي لا يُبنى إلا بالمواجهة.الهروب يُريح لحظة،لكن المواجهة تبني حياة. نحن لا نكبر إلا حين نقف في وجه الألم، ونقول له: “لن أهرب… سأسير عبرك.”

• متى رسمتِ أولى كلماتكِ وعرفتِ أن الكتابة مسؤولية؟

_كتبت أولى كلماتي وأنا في عمر العشرين لكن لم انشرها، لكنني فهمت معنى الكتابة حين شعرت أنها تشفي أكثر مما تُزيّن.في اللحظة التي شعرت فيها أن قارئًا واحدًا قد وجد في كلماتي شفاءً، عرفت أن الكتابة ليست هواية… بل رسالة.

• كيف ينجو الإنسان العربي من صراعات ما بعد الألفية دون خسائر نفسية؟

_النجاة اليوم تحتاج: وعيًا، وحدودًا، وتوازنًا نفسيًا. نحتاج أن نفهم ذواتنا قبل أن نفهم العالم، وأن نحمي صحتنا النفسية كما نحمي أجسادنا. الإنسان الذي يمتلك مرونة نفسية يستطيع عبور أعقد الأزمات دون أن ينكسر.

• هل الأسرة العراقية بأمان من التفكك؟

_الأسرة العراقية قوية بطبيعتها… لكنها اليوم تواجه ضغوطًا اقتصادية ونفسية واجتماعية كبيرة. الأمان لا يأتي من الظروف، بل من الوعي والحوار والدعم النفسي داخل العائلة.إذا تعلمنا كيف نتواصل… وكيف نسمع أبناءنا… وكيف نتعامل مع الألم بدون عنف… فسنحمي بيوتنا مهما كانت العواصف بالخارج.

• “ليلة فهمت فيها كل شيء” — ما رسالتك فيها؟

_القصة تقول: إن لحظة الوعي قد تأتي في أقسى ليلة. وأن الإنسان قد يضيع سنوات… ثم يفهم فجأة أن الخلاص يبدأ حين يرى نفسه بوضوح رسالة القصة: لا أحد ينجو من الحقيقة… لكن الحقيقة هي طريق النجاة.

• كيف نتخطى آراء الناس السلبية في الآخرين ونتعامل بسلامة نية؟

_بأن نميز بين: الحقيقة، وظلال الحقيقة. الناس يتحدثون من جروحهم وتجاربهم. لكن الإنسان الواعي لا يبني حكمًا على رواية ناقصة.سلامة النية لا تعني السذاجة، بل تعني أن نرى الآخر كما هو،لا كما يراه الآخرون.

• من الأقرب إلى قلبك: الطب أم الأدب؟ وكيف جمعتهما؟

_الطب يعالج الجسد… والأدب يعالج الروح.وكلاهما امتداد للإنسان. لم أحتَر يوماً بينهما… لأنني في كل مريض أرى قصة، وفي كل قصة أرى إنسانًا يحتاج شفاءً. أنا أكتب لأنني طبيبة… وأعالج لأنني كاتبة.

• العزلة كإجراء احترازي… هل هي حل دائم؟

-العزلة قد تُنقذ، لكنها لا تبني حياة. هي مثل الضماد…ضرورية حين ننزف، لكن لا أحد يعيش عمره بضماد على قلبه.الإنسان يحتاج إلى لحظة عزلة، لكن يحتاج بعدها إلى عودة واعية للعالم.

• الكلمات الأخيرة لكِ

_أؤمن أن الإنسان لا يضيع حين يضيع شيء منه… بل حين ينسى نفسه.كل ما يحدث لنا، حتى الجراح، يحمل في داخله بذرة نور. والنجاة… ليست أن نعود كما كنّا، بل أن نعود أقوى، أعمق، وأصدق مع أنفسنا.

 

 

الروائية والطبيبة، مليون باقة ورد وأجمل الدعوات بالتوفيق والسداد مني محاورتك ومن كادر مجلة الجمان فلك كل الحب والاعتزاز.