أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

صورة الكاتب
بقلم: عدي عدنان البلداوي
التاريخ: 22 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3529
أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

من حق المجتمع ان يفتقد حضور المثقف في ما يمرّ بالبلاد من احداث وازمات ، ومن حق المجتمع أيضاً أن ينتقد المثقف على غيابه أو ضعف حضوره أو انشغاله عنه .
يمكن تصنيف منطقة العمل الثقافي في العراق الى :
١- منطقة قلقة ، انموذجها المجتمع .
٢- منطقة باردة ، انموذجها السلطة .
٣- منطقة ظل ، انموذجها الغربة .
■ في منطقة الظل ، عبّر المثقف المغترب عن وفائه لبيئة بلده الاجتماعية ، فقدّم اعمالاً بيّنت مشاعره تجاه معاناة الناس في بلاده ، وكتب عن امنياته وتطلعاته واقتراحاته لتجاوز تلك المعاناة والأزمات ، لكنه يظل كما المثقف في الداخل بحاجة الى قاعدة عمل جماعي لتغيير هذا الواقع السيئ ، وهذا العمل الجماعي يحتاج الى مشروع يحظى بقبول وتبنّي من قِبل ثقافة النخبة والثقاقة الشعبية وهو ما لم يتحقق لحد الآن .

■ اما المثقف الذي يعمل في منطقة باردة فهو مثقف رسمي يعمل موظفاً في مؤسسات الدولة الثقافية .
بشكل أو بآخر صاغ هذا المثقف ثقافته في أروقة الوزارات ومكاتب المسؤولين السياسيين ، فأكتفى من نشاطه بلبس الأربطة وقصّ الأشرطة ، فهو يعيش الواقع لكنه بعيد عن تفاصيل المشهد الحياتي بحكم جوّ المنطقة الباردة التي يعمل فيها . وليس ادلّ على برودة هذه المنطقة من مقطع الفديو الذي ظهر فيه رئيس الوزراء جالساً في مكتبه ، ثم يدخل عليه شاعر العرب الاكبر الجواهري ليقدّم له الشاي ، في وضع كشف بشكل جلي عن حالة الزكام الحادة المصابة بها ثقاقة الرئيس ، فبرغم إعلانه رفض المحتوى بعد موجة استياء كبيرة جداً ابداها الشارع العراقي ، اكدّت الفتاة التي قدّمت الفديو ان كل شيء تم بموافقة سيادته ، وان التصوير تم في مكتبه ، خلا تلك اللقطة التي يدخل فيها الجواهري على سيادته حاملاً (استكان الشاي) التي تم انتاجها بمساعدة الذكاء الاصطناعي . في مثل هكذا اجواء باردة ، لن يشعر المثقف الرسمي بغياب غاز الطبخ او ارتقاع سعر الطماطم في السوق ، او ارتفاع سقف الضرائب والكمارك واسعار الادوية وأجور الأطباء في العيادات الخاصة .

■ اما المثقف الذي يعمل في منطقة قلقلة فهو مواطن مهموم ، يعاني ويتألم ، يكتب ويتكلم ، لكنه لا يجد سبيلاً لرفع هذه ( الغمة عن هذه الأمة) ، بسبب انتشار القلق في كل جسم المجتمع الى الحدّ الذي لم يعد ممكناً السيطرة عليه ، وهو ما يعني حالة الإدمان . أصابت هذه الحالة جزء المثقف المسؤول عن انتاج الهمّة بالضرر ، فأصيب جزء مهم من خلاياه الحية بالتلف ، فلم تعد نفسه لتجد أملاً حقيقياً قي التغيير ، فراح يكتب لأجل الكتابة ، أو يكتب كي لا يفارقه الشعور بأنه لا زال يؤدي ما عليه من مسؤولية ثقافية بحق المجتمع . بعضهم أصيبت ثقافته بنوبة حادّة افقدته الشهية للكتابة والنقد ، حتى ان نفراً منهم اعتبر الكتابة والنشر والطبع هدراً مالياً لا يعود بالنفع في بلاد اصابت التفاهة مفاصل الحياة فيها ، وظهر وباء الفشل والفساد بين المسؤولين السياسيين ، ثم انتقلت العدوى الى الشارع .

عن الکاتب / الکاتبة

عدي عدنان البلداوي
عدي عدنان البلداوي
باحث وکاتب/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

“امركة العالم ثقافياً” أم انسنة العالم ثقافياً ؟ من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية

“امركة العالم ثقافياً” أم انسنة العالم ثقافياً ؟ من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية

“امركة العالم ثقافياً” أم انسنة العالم ثقافياً ؟ من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية عدي…

صورة الكاتب عدي عدنان البلداوي
16 أبريل 2026
اقرأ المزيد
الفلسفة والتكنلوجيا

الفلسفة والتكنلوجيا

الفلسفة والتكنلوجيا في كتابه ( الآلة قوة وسلطة) يقول المؤرخ البريطاني ، المختص بتاريخ التكنلوجيا…

صورة الكاتب عدي عدنان البلداوي
14 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
ما حاجتنا الى الفلسفة في عصر التقنية الذكية ؟

ما حاجتنا الى الفلسفة في عصر التقنية الذكية ؟

من التعريفات المعاصرة للفلسفة التي اراها قريبة جداً من لغة العصر وروحه ، ما تناوله…

صورة الكاتب عدي عدنان البلداوي
13 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

بقلم: عدي عدنان البلداوي | التاريخ: 22 أبريل 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

أين هو دور المثقف اليوم في المجتمع ؟

من حق المجتمع ان يفتقد حضور المثقف في ما يمرّ بالبلاد من احداث وازمات ، ومن حق المجتمع أيضاً أن ينتقد المثقف على غيابه أو ضعف حضوره أو انشغاله عنه .
يمكن تصنيف منطقة العمل الثقافي في العراق الى :
١- منطقة قلقة ، انموذجها المجتمع .
٢- منطقة باردة ، انموذجها السلطة .
٣- منطقة ظل ، انموذجها الغربة .
■ في منطقة الظل ، عبّر المثقف المغترب عن وفائه لبيئة بلده الاجتماعية ، فقدّم اعمالاً بيّنت مشاعره تجاه معاناة الناس في بلاده ، وكتب عن امنياته وتطلعاته واقتراحاته لتجاوز تلك المعاناة والأزمات ، لكنه يظل كما المثقف في الداخل بحاجة الى قاعدة عمل جماعي لتغيير هذا الواقع السيئ ، وهذا العمل الجماعي يحتاج الى مشروع يحظى بقبول وتبنّي من قِبل ثقافة النخبة والثقاقة الشعبية وهو ما لم يتحقق لحد الآن .

■ اما المثقف الذي يعمل في منطقة باردة فهو مثقف رسمي يعمل موظفاً في مؤسسات الدولة الثقافية .
بشكل أو بآخر صاغ هذا المثقف ثقافته في أروقة الوزارات ومكاتب المسؤولين السياسيين ، فأكتفى من نشاطه بلبس الأربطة وقصّ الأشرطة ، فهو يعيش الواقع لكنه بعيد عن تفاصيل المشهد الحياتي بحكم جوّ المنطقة الباردة التي يعمل فيها . وليس ادلّ على برودة هذه المنطقة من مقطع الفديو الذي ظهر فيه رئيس الوزراء جالساً في مكتبه ، ثم يدخل عليه شاعر العرب الاكبر الجواهري ليقدّم له الشاي ، في وضع كشف بشكل جلي عن حالة الزكام الحادة المصابة بها ثقاقة الرئيس ، فبرغم إعلانه رفض المحتوى بعد موجة استياء كبيرة جداً ابداها الشارع العراقي ، اكدّت الفتاة التي قدّمت الفديو ان كل شيء تم بموافقة سيادته ، وان التصوير تم في مكتبه ، خلا تلك اللقطة التي يدخل فيها الجواهري على سيادته حاملاً (استكان الشاي) التي تم انتاجها بمساعدة الذكاء الاصطناعي . في مثل هكذا اجواء باردة ، لن يشعر المثقف الرسمي بغياب غاز الطبخ او ارتقاع سعر الطماطم في السوق ، او ارتفاع سقف الضرائب والكمارك واسعار الادوية وأجور الأطباء في العيادات الخاصة .

■ اما المثقف الذي يعمل في منطقة قلقلة فهو مواطن مهموم ، يعاني ويتألم ، يكتب ويتكلم ، لكنه لا يجد سبيلاً لرفع هذه ( الغمة عن هذه الأمة) ، بسبب انتشار القلق في كل جسم المجتمع الى الحدّ الذي لم يعد ممكناً السيطرة عليه ، وهو ما يعني حالة الإدمان . أصابت هذه الحالة جزء المثقف المسؤول عن انتاج الهمّة بالضرر ، فأصيب جزء مهم من خلاياه الحية بالتلف ، فلم تعد نفسه لتجد أملاً حقيقياً قي التغيير ، فراح يكتب لأجل الكتابة ، أو يكتب كي لا يفارقه الشعور بأنه لا زال يؤدي ما عليه من مسؤولية ثقافية بحق المجتمع . بعضهم أصيبت ثقافته بنوبة حادّة افقدته الشهية للكتابة والنقد ، حتى ان نفراً منهم اعتبر الكتابة والنشر والطبع هدراً مالياً لا يعود بالنفع في بلاد اصابت التفاهة مفاصل الحياة فيها ، وظهر وباء الفشل والفساد بين المسؤولين السياسيين ، ثم انتقلت العدوى الى الشارع .