“الشعر فائض الحاجةِ عن الكلام”

صورة الكاتب
بقلم: ضرغام عباس
التاريخ: 22 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3257
“الشعر فائض الحاجةِ عن الكلام”

“الشعر فائض الحاجةِ عن الكلام”

لم أكن أعلم حتى الآن أن الشعر هو فائض الحاجة عن الكلام، فائض استخدام اللغة اليومية الذي لا يكتفي بالتعبير العملي، فيفيض على هيئة كلمات مزينة بالفلسفة أو الإيقاع، لتلبي ما فاتنا قوله عما أردنا قوله. الشعر بهذا المعنى ليس ترفا، بل محاولة إنسانية خالصة لالتقاط ما لا يلتقط، لما لا تستطيع اللغة العادية أن تحمله.
وإذا تأملنا في طريقة استخدام الكائنات الأخرى للغة، نجد أن الحيوانات – على خلاف الإنسان – لا تقول إلا ما ينبغي قوله. لا تثرثر، لا تتخيّل، لا تكتب الشعر. لغتها لغة الضرورة. ما يشير إلى الجوع هو ذاته ما يشير إلى الحياة. ما يدل على الخطر هو ذاته ما يعلن الوجود. في المقابل، نحن نثرثر. نتكلّم عمّا لا يُقال. نتخيّل ما وراء الصورة، كما لو أننا نحدّق في نجمةٍ بعيدة لنقول، (على حد قول) فُروغ فرخزاد: “أيّتها النجوم، هل تعرفن ظلم البشر، حتى تلتصقن بصدر السماء؟ هكذا”.
هذا التكلّم عن ما وراء الظواهر، عن خيالٍ يتجاوز الحاجة، هو ما لا تفعله الحيوانات. لأنها ببساطة تكتفي بالضروري فقط: في القول، في النظرة، في العيش.
في منتصف القرن الثامن عشر، كان شابٌ طموح يُدعى جان جاك روسو يحاول أن يفهم العالم الكبير من بوّابة ما هو أكبر: عالم الحيوان. وفي أحد أيام مراهقته، لفت نظره إعلانٌ في جريدة عن مسابقة ثقافية، وكان السؤال المطروح فيها: ما أصل التفاوت بين البشر؟
أجاب روسو بأنّ التفاوت بدأ منذ أن استخدم الإنسان عقله. قال، بشكلٍ صادم: الحيوانات أكثر حكمة لأنها لم تستخدم عقولها، والبشر أقل حكمة لأنهم استخدموها.
فاز بالمركز الأول، وكان ذلك الفوز بداية تحوّل في حياته. قرّر أن يوسّع فكرته، ويكتبها على شكل كتاب أسماه: “خطاب في أصل التفاوت بين الناس”. وكان شابًا في مقتبل العُمر حين قرّر أن يُهدي الكتاب إلى أحد كبار مفكّري عصره: الفيلسوف فولتير.
أخذ روسو كتابه، المليء بالحماسة والرؤية الجديدة، وتوجّه إلى منزل فولتير، شيخ العقلانيين في زمنه، آمِلًا في مدح أو تبنٍّ فكري لما كتبه.
لكن بعد أسابيع من الانتظار، وصل ردّ فولتير في قصاصة صغيرة لا تحمل أي مجاملة، بل كانت أشبه بصفعة: “يشتهي المرء بعد قراءة كتابك أن يمشي على أربع. لم يستعمل أحدٌ عقله كما استعملته أنت، كي يُقنعنا بأن نكون كالبهائم”.
كانت الجملة كافية لتقلب حياة روسو. فالشاب الذي أعتقد أن علينا أن نترك الإنسان ينمو في طبيعته الجسدية والنفسية بلا تدخل، قوبل بالرفض والاستهزاء من رموز العقلانية ذاتها.
لكن السؤال الذي ظل يلاحق فكر روسو – وعلينا أن نعيد طرحه هنا: ما الذكاء؟ وما الغباء؟
هل المسألة متعلقة باستخدام العقل أم بطريقة استخدامه؟
وهل تكمن اللغة في الاكتفاء أم في التجاوز؟
يقول سقراط: “تكلّم حتى أراك”.
ليست اللغة مجرد أداة تواصل، بل هي مرآة الرؤية. فكما يرى الإنسان العالم، يتكلّم عنه. وكما يتكلّم، يتكوّن.
لهذا، كانت اللغة أعمق من كونها أصواتًا تُنطق؛ إنّها نمطٌ في التفكير، في الشعور، في الوجود.
وهذا ما فهمه الروائي إرنست همنغواي في لحظة انهياره الأخيرة. قبل انتحاره، كتب على ورقة صغيرة: “الكلمات لم تعد تأتي”.
كأن الكلمات كانت نبض قلبه، ومتى ما توقّفت، توقّف معها نبض الحياة. انقطع التيار. سكتت اللغة. فعمّ العدم.
وهنا، يصبح فقدان اللغة، أو تكلّسها، عودة إلى الصفر. إلى لحظةٍ ما قبل الحياة. إلى ما قبل الكلمة الأولى التي نطقها الأبوان للطفل الوليد.
فهل يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد؟
هل له بذرة عودة؟
أم أن العود الأبدي يتحول هنا إلى مجرد مفهوم، غير فعّال خارج اللغة.

عن الکاتب / الکاتبة

ضرغام عباس
ضرغام عباس
شاعر وکاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“الشعر فائض الحاجةِ عن الكلام”

بقلم: ضرغام عباس | التاريخ: 22 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

“الشعر فائض الحاجةِ عن الكلام”

لم أكن أعلم حتى الآن أن الشعر هو فائض الحاجة عن الكلام، فائض استخدام اللغة اليومية الذي لا يكتفي بالتعبير العملي، فيفيض على هيئة كلمات مزينة بالفلسفة أو الإيقاع، لتلبي ما فاتنا قوله عما أردنا قوله. الشعر بهذا المعنى ليس ترفا، بل محاولة إنسانية خالصة لالتقاط ما لا يلتقط، لما لا تستطيع اللغة العادية أن تحمله.
وإذا تأملنا في طريقة استخدام الكائنات الأخرى للغة، نجد أن الحيوانات – على خلاف الإنسان – لا تقول إلا ما ينبغي قوله. لا تثرثر، لا تتخيّل، لا تكتب الشعر. لغتها لغة الضرورة. ما يشير إلى الجوع هو ذاته ما يشير إلى الحياة. ما يدل على الخطر هو ذاته ما يعلن الوجود. في المقابل، نحن نثرثر. نتكلّم عمّا لا يُقال. نتخيّل ما وراء الصورة، كما لو أننا نحدّق في نجمةٍ بعيدة لنقول، (على حد قول) فُروغ فرخزاد: “أيّتها النجوم، هل تعرفن ظلم البشر، حتى تلتصقن بصدر السماء؟ هكذا”.
هذا التكلّم عن ما وراء الظواهر، عن خيالٍ يتجاوز الحاجة، هو ما لا تفعله الحيوانات. لأنها ببساطة تكتفي بالضروري فقط: في القول، في النظرة، في العيش.
في منتصف القرن الثامن عشر، كان شابٌ طموح يُدعى جان جاك روسو يحاول أن يفهم العالم الكبير من بوّابة ما هو أكبر: عالم الحيوان. وفي أحد أيام مراهقته، لفت نظره إعلانٌ في جريدة عن مسابقة ثقافية، وكان السؤال المطروح فيها: ما أصل التفاوت بين البشر؟
أجاب روسو بأنّ التفاوت بدأ منذ أن استخدم الإنسان عقله. قال، بشكلٍ صادم: الحيوانات أكثر حكمة لأنها لم تستخدم عقولها، والبشر أقل حكمة لأنهم استخدموها.
فاز بالمركز الأول، وكان ذلك الفوز بداية تحوّل في حياته. قرّر أن يوسّع فكرته، ويكتبها على شكل كتاب أسماه: “خطاب في أصل التفاوت بين الناس”. وكان شابًا في مقتبل العُمر حين قرّر أن يُهدي الكتاب إلى أحد كبار مفكّري عصره: الفيلسوف فولتير.
أخذ روسو كتابه، المليء بالحماسة والرؤية الجديدة، وتوجّه إلى منزل فولتير، شيخ العقلانيين في زمنه، آمِلًا في مدح أو تبنٍّ فكري لما كتبه.
لكن بعد أسابيع من الانتظار، وصل ردّ فولتير في قصاصة صغيرة لا تحمل أي مجاملة، بل كانت أشبه بصفعة: “يشتهي المرء بعد قراءة كتابك أن يمشي على أربع. لم يستعمل أحدٌ عقله كما استعملته أنت، كي يُقنعنا بأن نكون كالبهائم”.
كانت الجملة كافية لتقلب حياة روسو. فالشاب الذي أعتقد أن علينا أن نترك الإنسان ينمو في طبيعته الجسدية والنفسية بلا تدخل، قوبل بالرفض والاستهزاء من رموز العقلانية ذاتها.
لكن السؤال الذي ظل يلاحق فكر روسو – وعلينا أن نعيد طرحه هنا: ما الذكاء؟ وما الغباء؟
هل المسألة متعلقة باستخدام العقل أم بطريقة استخدامه؟
وهل تكمن اللغة في الاكتفاء أم في التجاوز؟
يقول سقراط: “تكلّم حتى أراك”.
ليست اللغة مجرد أداة تواصل، بل هي مرآة الرؤية. فكما يرى الإنسان العالم، يتكلّم عنه. وكما يتكلّم، يتكوّن.
لهذا، كانت اللغة أعمق من كونها أصواتًا تُنطق؛ إنّها نمطٌ في التفكير، في الشعور، في الوجود.
وهذا ما فهمه الروائي إرنست همنغواي في لحظة انهياره الأخيرة. قبل انتحاره، كتب على ورقة صغيرة: “الكلمات لم تعد تأتي”.
كأن الكلمات كانت نبض قلبه، ومتى ما توقّفت، توقّف معها نبض الحياة. انقطع التيار. سكتت اللغة. فعمّ العدم.
وهنا، يصبح فقدان اللغة، أو تكلّسها، عودة إلى الصفر. إلى لحظةٍ ما قبل الحياة. إلى ما قبل الكلمة الأولى التي نطقها الأبوان للطفل الوليد.
فهل يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد؟
هل له بذرة عودة؟
أم أن العود الأبدي يتحول هنا إلى مجرد مفهوم، غير فعّال خارج اللغة.