“أيقَنْتُ أَنَّنِي شَاعِرٌ مَصْلُوب”
أيقَنْتُ أَنَّنِي شَاعِرٌ مَصْلُوبٌ،
وَعَاشِقٌ بَصَرِيٌّ كَأُفُقِ الشُّهُبِ،
فِي زَمَنٍ هَمَجِيٍّ
تَكْثُرُ فِيهِ الْوَيْلَاتُ وَالْعِلَلُ.
مَنْ يُغَنِّي لِلنَّوَارِسِ الْبَيْضَاءِ،
تُحَلِّقُ عَلَى شَطْآنِ الْعَرَبِ؟
رُغْمَ أَنَّ الْكَثِيرِينَ لَمْ يَفْهَمُوا
لُغَةَ الرِّيَاحِ، وَصَرَخَاتِ الظِّلَالِ،
وَصَوْتَ الْغَمَامِ عَلَى حَجَارَةِ الزَّمَانِ.
أَنَا الْغَرِيدُ بِحُرُوفِ
الْخَوْفِ وَالْحُبِّ،
الْمُتَكَسِّرُ عَلَى يَدِ الْقَدَرِ،
وَالْمُلْتَاعُ فِي صَمْتِ اللَّيَالِي وَالظُّلاَمِ،
أَحْمِلُ رِيحَ الْوَجَعِ فِي نَفَسِي.
أُغَنِّي لِوَطَنِي الْغَرِيبِ،
وَلِقَصَصِ الْهَوَى،
وَلِنِسَاءِ بَارِزَاتِ الزُّنُودِ،
يَتَسَكَّعْنَ فِي طُرُقَاتِ الرَّشِيدِ،
وَأُرَدِّدُ خَمْرِيَّاتِ أَبِي نُوَاسٍ
لِصَبِيَّاتٍ كَأَشْكَالِ الْوُرُودِ وَالضَّوْءِ،
وَأَرْسُمُ عَلَى وَرَقِ الْهَوَى طُرُقًا لِلْخَلَاءِ.
أَيُّهَا الشَّاعِرُ الَّذِي يَقْطُنُ كِيَانِي،
أَنْشِدْ أَغَانِيكَ الْمُتَنَاثِرَةَ
رَغْمَ الْقَلَقِ وَالْهَوَاجِسِ،
أَنْشِدْهَا مِنْ مَآسِي الْفُقَرَاءِ،
وَاتْرُكْهَا تَنَامُ رَغَدًا
فِي مَآذِنِ النَّاسِ وَظِلَالِ الْمَسَاءِ.
فَإِنْ سَأَلُوا: مَا الَّذِي أَبْقَاكَ حَيًّا؟
قُلْتُ: أَنَا الشِّعْرُ… وَفِي الشِّعْرِ نَجَاتِي،
أَنَا الْمَصْلُوبُ عَلَى نَبْرَةِ الْحَقِّ،
وَلَنْ أَنْحَنِي،
وَلَوْ تَفَتَّتَتْ أَحْرُفِي عَلَى صَخْرِ الزَّمَانِ،
وَلَوْ غَطَّتِ الظُّلُمَاتُ أَفُقِي،
سَأَسْطَرُ أَسْمَاءَ الْمَسَاكِينِ
وَالْوُرُودِ عَلَى الْحُطَامِ.
سَأَغْنِي “مَا دَامَ فِيَّ نَفَسٌ”
لِلْحُبِّ، لِلْفُقَرَاءِ، لِلْقَمَرِ،
وَأَكْتُبُ وَصِيَّتِي عَلَى وَرَقِ الْعُمْرِ:
لَا تَكْتُمُوا صَوْتَ الشُّعَرَاءِ،
فَهُمْ أَخِرُ الشُّهَدَاءِ،
يَنْتَصِرُونَ بِكَلِمَاتٍ،
فِي زَمَنٍ أَعْمَى، وَعَالَمٍ مُتَفَتِّتٍ،
حَتَّى يَعُودَ الضَّوْءُ لِلْوُجُوهِ الْمُضَاءِ
-باقر طه الموسوي
باقر الموسوي في قصيدته «أيقنتُ أنني شاعرٌ مصلوب» لا يشتغل على القصيدة بوصفها بنية جمالية مغلقة فحسب، بل بوصفها إعلان هوية تتشكل عند تخوم زمنين متصادمين: تراثٍ لا يزال فاعلاً في الوعي واللغة، وواقعٍ يوميّ مثقل بالقسوة والخراب. النص منذ عتبته الأولى يقترح ذاتاً شعرية واعية بموقعها داخل هذا الصراع، لا بوصفها ضحية، بل شاهداً يختار الوقوف في منطقة الألم بوصفها موقفاً أخلاقياً وجمالياً في آن.
وصف الشاعر لنفسه بـ«المصلوب» لا يُقرأ على مستوى الشكوى أو المظلومية، بل بوصفه استعارة وجودية تُحدّد طبيعة العلاقة بين الشاعر والعالم. الصلب هنا ليس موتاً، بل تعليـقٌ دائم بين الأرض والسماء، بين الانتماء والرفض. هذه الاستعارة تتعزز لغوياً عبر شبكة من الصور القائمة على المفارقة: «لغة الرياح»، «صرخات الظلال»، وهي تعبيرات تُحوِّل ما هو عابر أو هامشي إلى حاملٍ للمعنى، في مقابل عالمٍ أصيب بالبلادة وفقدان الحساسية.
استحضار شخصيات مثل الرشيد وأبي نواس لا يأتي بوصفه نوستالجيا زخرفية، بل باعتباره تقنية تناصّية تُدخل الماضي في حوار مباشر مع الحاضر. الموسوي لا يستدعي الخمرية والجمال الأنثوي هروباً من الواقع، بل يعيد توظيفهما كآليتين للمقاومة النفسية والجمالية. في قلب «العلل والويلات» يصبح الغناء للصبايا والورود فعلاً مضاداً للخراب، وإصراراً على أن الجمال لا يزال قادراً على إنتاج معنى، حتى في أكثر اللحظات انكساراً.
من أكثر الصور كثافة في النص تركُ «مآسي الفقراء» لتنام «رغداً في مآذن الناس». هنا تنقلب الوظيفة التقليدية للمئذنة من أداة للنداء إلى فضاء للاحتواء. الوجع لا يُصرَخ به، بل يُؤوَى، وكأن الشعر يمنحه طقساً تطهيرياً يخرجه من دائرة الاستهلاك الخطابي إلى فضاء التأمل. بهذه الصورة، ينجح الموسوي في تحويل المعاناة من مادة للشفقة إلى قيمة رمزية ذات بعد روحي.
اللغة في القصيدة تتسم بالاقتصاد والتركيز، وتبلغ ذروتها في الجمل القصيرة الحاسمة مثل: «أنا الشعر.. وفي الشعر نجاتي». هذا التركيب لا يعمل على مستوى الشعار، بل بوصفه خلاصة مسار داخلي طويل من الشك واليقين. فالدعوة إلى عدم كتم أصوات الشعراء تكشف وعياً هشّاً بمصير الكلمة في عالم متشظٍ، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الشعر، وإن كان عاجزاً عن تغيير الواقع مادياً، يظل آخر خطوط الدفاع عن المعنى والكرامة الإنسانية.
لا تقدّم القصيدة حلولاً مباشرة، ولا تدّعي امتلاك مفاتيح الخلاص الجماعي، لكنها تعيد الاعتبار لفعل الإضاءة وسط الركام. الشاعر هنا يختار أن يكون صوتاً للمساكين وللنوارس والورود التي تنمو فوق الحطام، مدركاً أن الصمت هو الهزيمة الحقيقية. ومن هذا الوعي تنبثق قوة النص: قصيدة تعرف حدودها، لكنها لا تتنازل عن حقها في الشهادة.
بهذا المعنى، يكتب باقر الموسوي قصيدته لا بوصفها غناءً مترفاً، بل بوصفها اعترافاً أخيراً قبل العتمة. هو «مصلوب» لأنه يرى أكثر مما ينبغي، ويكتب لأن البوح، في زمن كهذا، ليس ترفاً جمالياً بل ضرورة وجودية.
شوقي كريم حسن
د. عبدالله ابراهيم
يحيى السماوي
التعليقات