عطر..ثلاث روائح تتجول في الهواء العربي…. ثلاث مسرحيات قصيرة جداً

صورة الكاتب
بقلم: ضرغام عبدالرحمن الجابري 
التاريخ: 2 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2571
عطر..ثلاث روائح تتجول في الهواء العربي….  ثلاث مسرحيات قصيرة جداً

عطر..ثلاث روائح تتجول في الهواء العربي

ثلاث مسرحيات قصيرة جداً

 

أولاً: عدم

 

الشخصيات:

الرجل: يقف أمام نافذة مغلقة بإحكام.

المرأة: تجلس على حافة السرير.

 

الخطاب المسرحي:

غرفة ضيقة وخافتة الإضاءة، يُسمع من الخارج صخب مبهم ومقلق.

 

الرجل: (مراقباً الخارج) هل من الحكمة أن ننتزع روحاً مطمئنة من سباتها المطلق، لنجرها إلى هذا الخراب؟

المرأة: الأرحام لم تعد ملاذات آمنة، بل أصبحت زنازين انتظار لموت مؤجل.

الرجل: إنجاب طفل الآن يبدو كأبشع خطيئة نقترفها. بأي ذنب نجلبه ليقاتل في حروب لم يخترها، أو ليختنق في هواء لم يلوثه؟ كيف سأبرر له أني منحته الحياة فقط ليتذوق الخوف؟

المرأة: إن كنا نحبه حقاً، دعه هناك.. في الفراغ الدافئ. الوجود هنا أصبح عقوبة قاسية، والعدم هو الرحمة الوحيدة التي نمتلك شجاعة أن نقدمها له.

 

إظلام

 

ثانياً: طاعة

 

الشخصيات:

الصوت قادم من بعيد: ناعم، مُغري، وممتلئ بالوعود.

ابن الأرض: رجل يقف حافي القدمين على تراب شديد الجفاف.

 

الخطاب المسرحي:

خط حدودي وهمي يفصل بين أرض قاحلة وضوء قوي يلفت الناظر.

 

الصوت: تعال إلينا. لدينا ذهب، ومناصب، وبلاد لا تجوع.

لدينا كل شيء.. فقط، اخلع قميص هويتك المهترئ، وارتدِ رايتنا.

كن يدنا هنا.

ابن الأرض: (ينظر إلى قدميه المغروستين في التراب) العري في وطني كسوة، وحريركم قيد.

الصوت: أرضك قاحلة، لا تمنحك سوى التعب والجراح والتهميش. نحن نمنحك الخلاص.

ابن الأرض: الجرح هنا هو شقيقي، والتعب هو اسمي الأول.

من يرهن صوته لغريب، يصبح صدىً لا يملك من أمره شيئاً.

أفضل أن أكون حجراً منسياً في زقاق طفولتي، أرتوي بالمرارة، على أن أكون سيفاً لامعاً في غمد عدوّي، يُذبح به أهلي.

 

إظلام

 

ثالثاً: رماد

 

الشخصيات:

الأم: امرأة يكسو الغبار ملامحها وثيابها.

الأنقاض: صوت ينبعث من كومة حجارة احد الغرف المهدمة.

 

الخطاب المسرحي:

بقايا منزل مهدم بعد غارة.

 

الأم: (تنبش الحجارة بيديها) أين ذهبت ضحكته؟ كانت تملأ الفناء قبل أن تسقط السماء علينا.

الأنقاض: لا تبحثي هنا. أنا لا أحتفظ سوى بالرماد والعدم.

الأم: هل الفناء جائع إلى هذا الحد؟ ليأكل أطفالاً لم يتعلموا بعد كيف ينطقون اسمه؟

الأنقاض: الحروب لا تملك عيوناً لترى من تسحق. هي فكرة عمياء أطلقها الأحياء، وأنا لست سوى شاهد حجري على هزيمة الإنسان أمام نفسه. الضحكات لا تُدفن، بل تصعد إلى الأعلى لتشنق من أشعلوا النار.

 

إظلام

عن الکاتب / الکاتبة

ضرغام عبدالرحمن الجابري 
ضرغام عبدالرحمن الجابري 
كاتب مسرحي/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عطر..ثلاث روائح تتجول في الهواء العربي…. ثلاث مسرحيات قصيرة جداً

بقلم: ضرغام عبدالرحمن الجابري  | التاريخ: 2 مايو 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

عطر..ثلاث روائح تتجول في الهواء العربي

ثلاث مسرحيات قصيرة جداً

 

أولاً: عدم

 

الشخصيات:

الرجل: يقف أمام نافذة مغلقة بإحكام.

المرأة: تجلس على حافة السرير.

 

الخطاب المسرحي:

غرفة ضيقة وخافتة الإضاءة، يُسمع من الخارج صخب مبهم ومقلق.

 

الرجل: (مراقباً الخارج) هل من الحكمة أن ننتزع روحاً مطمئنة من سباتها المطلق، لنجرها إلى هذا الخراب؟

المرأة: الأرحام لم تعد ملاذات آمنة، بل أصبحت زنازين انتظار لموت مؤجل.

الرجل: إنجاب طفل الآن يبدو كأبشع خطيئة نقترفها. بأي ذنب نجلبه ليقاتل في حروب لم يخترها، أو ليختنق في هواء لم يلوثه؟ كيف سأبرر له أني منحته الحياة فقط ليتذوق الخوف؟

المرأة: إن كنا نحبه حقاً، دعه هناك.. في الفراغ الدافئ. الوجود هنا أصبح عقوبة قاسية، والعدم هو الرحمة الوحيدة التي نمتلك شجاعة أن نقدمها له.

 

إظلام

 

ثانياً: طاعة

 

الشخصيات:

الصوت قادم من بعيد: ناعم، مُغري، وممتلئ بالوعود.

ابن الأرض: رجل يقف حافي القدمين على تراب شديد الجفاف.

 

الخطاب المسرحي:

خط حدودي وهمي يفصل بين أرض قاحلة وضوء قوي يلفت الناظر.

 

الصوت: تعال إلينا. لدينا ذهب، ومناصب، وبلاد لا تجوع.

لدينا كل شيء.. فقط، اخلع قميص هويتك المهترئ، وارتدِ رايتنا.

كن يدنا هنا.

ابن الأرض: (ينظر إلى قدميه المغروستين في التراب) العري في وطني كسوة، وحريركم قيد.

الصوت: أرضك قاحلة، لا تمنحك سوى التعب والجراح والتهميش. نحن نمنحك الخلاص.

ابن الأرض: الجرح هنا هو شقيقي، والتعب هو اسمي الأول.

من يرهن صوته لغريب، يصبح صدىً لا يملك من أمره شيئاً.

أفضل أن أكون حجراً منسياً في زقاق طفولتي، أرتوي بالمرارة، على أن أكون سيفاً لامعاً في غمد عدوّي، يُذبح به أهلي.

 

إظلام

 

ثالثاً: رماد

 

الشخصيات:

الأم: امرأة يكسو الغبار ملامحها وثيابها.

الأنقاض: صوت ينبعث من كومة حجارة احد الغرف المهدمة.

 

الخطاب المسرحي:

بقايا منزل مهدم بعد غارة.

 

الأم: (تنبش الحجارة بيديها) أين ذهبت ضحكته؟ كانت تملأ الفناء قبل أن تسقط السماء علينا.

الأنقاض: لا تبحثي هنا. أنا لا أحتفظ سوى بالرماد والعدم.

الأم: هل الفناء جائع إلى هذا الحد؟ ليأكل أطفالاً لم يتعلموا بعد كيف ينطقون اسمه؟

الأنقاض: الحروب لا تملك عيوناً لترى من تسحق. هي فكرة عمياء أطلقها الأحياء، وأنا لست سوى شاهد حجري على هزيمة الإنسان أمام نفسه. الضحكات لا تُدفن، بل تصعد إلى الأعلى لتشنق من أشعلوا النار.

 

إظلام