وهمُ الأمان في قصيدة “كان فخاً” للشاعر الفرطوسي

صورة الكاتب
بقلم: أحمد الكناني
التاريخ: 25 مايو 2026 عدد المشاهدات: 2557
وهمُ الأمان في قصيدة “كان فخاً” للشاعر الفرطوسي

وهمُ الأمان في قصيدة (كان فخاً)

نجح الشاعر الفرطوسي في قصيدة (كان فخاً) حيث صور تجربة الوقوع في الحب بوصفها فخاً جميلاً لا يدخل إليه العاشق مكرهاً، بل يندفع إليه مدفوعاً ببراءة ظنه وحسن نيته. والجميل فيها أن الخداع لم يُنسب إلى المحبوبة وحدها، بل إلى رؤية العاشق نفسه، وهذا ما منح النص عمقاً نفسياً أكبر
ومن أجمل الصور فيها:
(وأن ماءكِ جمرٌ باتَ يسقيني)
فقد جمع بين المتناقضين فالماء موضع ارتواء، والجمر موضع احتراق، وكأن ما كان ينتظره سبباً للحياة صار سبباً للعذاب.

وكذلك قوله:
(ما كان وجهكِ قبل اليوم يخدعنا
بل كان طهرُ ظنوني الرحب يعميني)
وهذا البيت من أنضج أبيات القصيدة، لأن الشاعر ينقل سبب السقوط من الآخر إلى نفسه. لم يكن الوجه مخادعاً بقدر ما كانت الثقة العمياء تحجب الرؤية.

أما الصورة الأبرز فنياً والتي جعلت القصيدة تحلق عاليا فهي:
(أدنو إليكِ كأني طائرٌ ثملٌ
يرى الشِّباكَ رياضاً من بساتينِ)
هنا بلغت الصورة ذروتها العالية حيث أعطى صورة فنية أنيقة جداً إذ صور بأن الطائر لا يرى الفخ حبلاً وشبكة، بل يراه بستاناً. وهذا تصوير دقيق للحب حين يعطل آليات الحذر في النفس، فيتبدل معنى الأشياء كلها. وهذا البيت هو الأبرز والارشق والأجمل في هذا القصيدة الرائعة.
ثم يأتي عنوان القصيدة وبيت الانكشاف:
(فكان فخاً وما للروح من ندمٍ
غير السذاجةَ في نُبلِ المضامينِ)
وهو بيت جميل لأن الندم ليس على الحب نفسه، بل على الثقة التي منحت لمن لا يستحقها.
وأرى أن أجمل ما في النص أنه لا ينتهي بانكسار تقليدي، بل بخروج يشبه النضج كما ذكر في البيت التالي:
(اليوم أخرج من دنياكِ منتصراً
بعقلي الحر، لا بالوهم يشقيني)
فالبطل هنا لا ينتصر على المرأة، بل ينتصر على الوهم.
فالقصيدة من منطلقها إلى وقوفها تصوّر الحب لا بوصفه خيانةً للآخر، بل بوصفه لحظةً يرى فيها العاشقُ الشِّباكَ بساتينَ، حتى إذا انكشف له الفخّ أدرك أن أكثر ما خانه لم يكن القلبُ الآخر، بل حسنُ ظنه.

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

أحمد الكناني
أحمد الكناني
الكاتب و والشاعر والحقوقي/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

أين سيهبط بنا هذا الدخان؟ قراءة جدلية في ديوان ماجد الحسن

أين سيهبط بنا هذا الدخان؟ قراءة جدلية في ديوان ماجد الحسن

أين سيهبط بنا هذا الدخان؟ قراءة جدلية في ديوان ماجد الحسن ……………….. ليس من السهل…

صورة الكاتب أحمد الكناني
23 أبريل 2026
اقرأ المزيد
الحرية بين الضياع والمعنى قراءة فلسفية مقارنة بين كافكا والإمام الحسين (عليه السلام) في ضوء الفلسفة التجريبية

الحرية بين الضياع والمعنى قراءة فلسفية مقارنة بين كافكا والإمام الحسين (عليه السلام) في ضوء الفلسفة التجريبية

  الحرية بين الضياع والمعنى قراءة فلسفية مقارنة بين كافكا والإمام الحسين (عليه السلام) في…

صورة الكاتب أحمد الكناني
14 مارس 2026
اقرأ المزيد
مقامة عكاظ الميسانية

مقامة عكاظ الميسانية

حُدثتُ (ولا أزعم أن الراوي مبالغ) أن اتحاد أدباء ميسان عقد جلسة شعرية أولى بعد…

صورة الكاتب أحمد الكناني
30 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


وهمُ الأمان في قصيدة “كان فخاً” للشاعر الفرطوسي

بقلم: أحمد الكناني | التاريخ: 25 مايو 2026

التصنيف: الأدب


وهمُ الأمان في قصيدة (كان فخاً)

نجح الشاعر الفرطوسي في قصيدة (كان فخاً) حيث صور تجربة الوقوع في الحب بوصفها فخاً جميلاً لا يدخل إليه العاشق مكرهاً، بل يندفع إليه مدفوعاً ببراءة ظنه وحسن نيته. والجميل فيها أن الخداع لم يُنسب إلى المحبوبة وحدها، بل إلى رؤية العاشق نفسه، وهذا ما منح النص عمقاً نفسياً أكبر
ومن أجمل الصور فيها:
(وأن ماءكِ جمرٌ باتَ يسقيني)
فقد جمع بين المتناقضين فالماء موضع ارتواء، والجمر موضع احتراق، وكأن ما كان ينتظره سبباً للحياة صار سبباً للعذاب.

وكذلك قوله:
(ما كان وجهكِ قبل اليوم يخدعنا
بل كان طهرُ ظنوني الرحب يعميني)
وهذا البيت من أنضج أبيات القصيدة، لأن الشاعر ينقل سبب السقوط من الآخر إلى نفسه. لم يكن الوجه مخادعاً بقدر ما كانت الثقة العمياء تحجب الرؤية.

أما الصورة الأبرز فنياً والتي جعلت القصيدة تحلق عاليا فهي:
(أدنو إليكِ كأني طائرٌ ثملٌ
يرى الشِّباكَ رياضاً من بساتينِ)
هنا بلغت الصورة ذروتها العالية حيث أعطى صورة فنية أنيقة جداً إذ صور بأن الطائر لا يرى الفخ حبلاً وشبكة، بل يراه بستاناً. وهذا تصوير دقيق للحب حين يعطل آليات الحذر في النفس، فيتبدل معنى الأشياء كلها. وهذا البيت هو الأبرز والارشق والأجمل في هذا القصيدة الرائعة.
ثم يأتي عنوان القصيدة وبيت الانكشاف:
(فكان فخاً وما للروح من ندمٍ
غير السذاجةَ في نُبلِ المضامينِ)
وهو بيت جميل لأن الندم ليس على الحب نفسه، بل على الثقة التي منحت لمن لا يستحقها.
وأرى أن أجمل ما في النص أنه لا ينتهي بانكسار تقليدي، بل بخروج يشبه النضج كما ذكر في البيت التالي:
(اليوم أخرج من دنياكِ منتصراً
بعقلي الحر، لا بالوهم يشقيني)
فالبطل هنا لا ينتصر على المرأة، بل ينتصر على الوهم.
فالقصيدة من منطلقها إلى وقوفها تصوّر الحب لا بوصفه خيانةً للآخر، بل بوصفه لحظةً يرى فيها العاشقُ الشِّباكَ بساتينَ، حتى إذا انكشف له الفخّ أدرك أن أكثر ما خانه لم يكن القلبُ الآخر، بل حسنُ ظنه.