غيمة في حضورها: قراءة عاشقة لقصيدة: “وردة الماء” للشاعرة: شافية حجيري

صورة الكاتب
بقلم: مراد اللحياني
التاريخ: 30 مايو 2026 عدد المشاهدات: 1664
غيمة في حضورها: قراءة عاشقة  لقصيدة: “وردة الماء” للشاعرة: شافية حجيري

غيمة في حضورها: قراءة عاشقة

لقصيدة: “وردة الماء” للشاعرة: شافية حجيري

 

لا تبدأ شافية حجيري قصيدتها باعتراف، بل باستثناء يتحوّل إلى شرط وجود، وشرط يتلبّس برداء الاستثناء. تقول: “إن لم أكن زيتونة”. هنا شرط نفيّ افتراضي، يمنح نفسه هالة الاستثناء. كأنّها تقول: إن خرجتُ من دائرة المقدّس الموروث، من رمز الصمود والجذور الممتدة في الأرض والذاكرة، من تلك الشجرة التي لا تموت ولا تخون، فسيكون بديلي “توليب”. غير أنّ التوليب ذاتها تُعرّف استثنائياً: “لا غربيّة ولا شائكة ولا معلّبة”. فالاستثناء هنا ليس طارئاً، بل هو أصل التوليب، هو هويّتها الأولى قبل أن تولد. توليب لا تشبه حدائق هولندا، ولا تزهو في لوحات فان غوخ، ولا تُهدى في المناسبات. توليب بلا دفاع، بلا حماية، بلا توثيق. مكشوفة لكنّها ليست ضعيفة. ثم تأتي “بل معلّمة”، فينقلب المشهد: ليست “معلّبة” أي محفوظة مصنّعة جاهزة، بل “معلّمة” أي متعلمة متقنة، أخذت الدرس من الحياة، من الماء، من الغرق نفسه. فالاستثناء الأوّل “لست زيتونة” يصير شرط وجود “أنا توليب باستثناءاتها”، ثم يصير غاية “معلّمة”. هكذا، الاستثناء في النص هو القاعدة، والقاعدة هي الاستثناء. شرطها أن تكون استثناءً، واستثناؤها أن تكون شرطاً على نفسها. وكأنّها تقول: وحدها الاستثناءات تصبح قواعد حين تتعلم كيف تبقى استثناءً.

هي أنثى من “ماء معين”. والماء المعين في البلاغة العربية هو الجاري الظاهر، لكنّه هنا أعمق: ماء لا ينضب، يعرف مساره، يخرج من الصخر كعين لا تنقطع. ماؤها ليس ماء البحر المالح الذي يقتل العطشى، ولا ماء السيل الذي يجرف، ولا ماء المستنقع الآسن. ماؤها معين: نقيّ، جارٍ، حيّ، لا يستنزف، لا يتبخّر، لا يلوّث. أنثى تعرف أصلها المعدني، عمقها الجيولوجي، سرّها الذي لا يُرى. هي من هناك، من تحت الأرض، من حيث لا ترى العيون. ثم يحدث انقلاب درامي في منطق الأشياء: السقوط في ثقافتنا عار، والغرق هزيمة. لكنّها تقول: “في سقوط لا حرّ / والغرق نصرٌ”. سقوط بلا نار عقاب، بلا حرق ذنب، بلا جحيم. سقوط بارد كالندى على وردة الصباح، ناعم كالحرير، لا يترك أثراً سوى البلل الخفيف. والغرق نصر، لأنّ الغرق في مائها المعين ليس موتاً، بل امتلاء. ليس فناءً، بل عودة إلى الأصل. ليس انهزاماً، بل سباحة نهائية في الجوهر الذي صنعها. سباحة في العنصر الأم، في الرحم الأوّل، في سرّها الجيولوجي. بهذه المفارقة الجميلة، تخرج الشاعرة من منطق الصعود والنجاة الذكوري. تؤمن بأنّ التعالي قد يكون هبوطاً، وأنّ الانتصار قد يكون استسلاماً كاملاً للماء الذي يعرفها. هي لا تريد أن تطفو على السطح، تريد أن تغوص إلى القاع حيث تكمن الجذور المعدنية، حيث لا يصل أحد.

لكن ثمن هذا النصر باهظ: “وفي عيونهم خطيئة / أواريها صمتا”. هي تغرق طواعية لتنتصر، تغرق باختيارها، تغرق كي تعود إلى مائها المعين، وفي عيون الآخرين ترتكب خطيئة. والخطيئة هنا ليست الفعل، بل الجرأة على اختياره، بل الشجاعة على خرق القوانين، بل الإعلان الصامت أنّ الغرق قد يكون أجمل من السباحة. والآخرون: من هم؟ هم كل من يملك عينين حاكمتين، كل من يجلس على كرسي القضاء، كل من يعرف كيف يجب أن تكون الأنثى: طافية، لا غارقة. وهي لا تبرّر، لا تعتذر، لا تصرخ، لا تناقش. فقط تُخفي هذه الخطيئة وتدفنها في صدرها كسرّ مقدّس. “أواريها صمتا”: الصمت هنا فعل، ليس سلباً. توارى الخطيئة كما يُوارى الجسد الميت في التراب، كما تُوارى الأسرار في أعماق الروح. هذا الصمت سلاحها الأقوى. صمت لا يعني خضوعاً، بل يعني احتقاراً للتفسير، وازدراءً للمحاكمة. لا تشرح نفسها لأنّ من يشرح يعترف بأنّه متّهم، وهي لم تتّهم نفسها قطّ. هي خارج كلّ تهمة، لأنّها خارج كلّ قانون.

“هكذا أنا / غائمة في الحضور”: تأمّل هذه الصورة الساحرة. حضور غائم: حاضرة لكنّها ليست صافية، ليست شفّافة، ليست تحت المجهر، ليست قابلة للتشريح. حاضرة كغياب، غائبة كحضور. هذا سرّ الوجود الأنثوي في القصيدة: لا يُقبض عليه، لا يُصنّف، لا يُوضع في ملف، لا يُعلن عنه في النشرات. حضورها كالسحابة: تراها من بعيد، تحسبها شيئاً، تقترب فتجدها بخاراً وهواء. هي “رسالة”: معنى مرسل، لكن بلا ورق ولا ظرف ولا توقيع واضح. رسالة بلا مادّة، بلا عنوان، بلا بريد. رسالة تصل أو لا تصل، تُقرأ أو لا تُقرأ، تُفهم أو تبقى لغزاً. ثم تقول: “ليَ الحلم / ولك التشفير”. هذا توزيع عادل ومقلوب في آن: هي تحلم، وهي التي تملك الحلم، وهي التي تمنحه لك. وهو، أنت، العاشق، القارئ، الآخر، يحاول فكّ رموز الحلم. والتشفير هنا ليس فهماً، بل إعادة بناء للمعنى. ليس استقبالاً، بل خلقاً جديداً. أنت مدعو لأن تكون محلّل رموزها، كاهن أحلامها، مترجم صمتها، كاتب تفسيرها. تمنحك مهمّة مستحيلة: أن تفكّ ما لا يُفكّ، أن تقرأ ما كُتب بماء على جليد في غيمة، أن تمسك الحلم بعنق لا عنق له.

“للّيل هذيانه / للصباح انتظاراته”. الليل يهذي: يثرثر كمجنون، يتكلم بلا معنى، يضيع في الطرقات المظلمة، يبوح بأسراره للنجوم التي لا تسمع. الليل عاشق مخمور، لا يعرف ماذا يقول لكنّه يقول. والصباح ينتظر: طفل صغير جالس على كرسي الانتظار في محطة قطار، يحمل تذكرة لا يعرف وجهتها، ينتظر الحلم أن يتحقّق، أو الرسالة أن تأتي، أو العاشق أن ينهي تشفيره. الصباح صبور، مؤدّب، منهك بالانتظار. وأين هي؟ هي في الفجوة بينهما، في الشقّ السريّ بين الليل والصباح، حيث لا ليل ولا صباح. “طالما تجمّلت أطيافه بمعناي”: أطياف الليل والصبح تتجمّل بمعناها. أي أنّها هي من يمنحهما جمالهما، هي من يكسوهما ثوب الرونق، هي من يجعلهما جديرين بالذكر. الليل يهذي لكن هذيانه جميل لأنّها فيه، والصباح ينتظر لكنّ انتظاره جميل لأنّها هي ما ينتظر. هي مركز الكون الشعري: لا الزمن تابع لها، بل هي من يمنح الزمن جماله. تتجمّل أطيافه بها، لا هي به. لو لم تكن هي، لكان الليل ثرثرة فارغة، والصباح انتظاراً سخيفاً.

ثمّ تنتقل إلى فعل داخلي غامض، كمن يدخل غرفة مغلقة بمفتاح من حبر: “ذاك الذي / يرتق حيرة المسافات / يسامر حيّز الحبر / خارج السّرب”. من “ذاك الذي”؟ هو المعنى الذي تلبسه أطياف الليل والصبح، هو الحلم الذي لم تفصح عنه، هو أنت الذي تحاول التشفير، أو هو القصيد نفسه، أو هو الحبّ الذي لا يُسمّى. “يرتق حيرة المسافات”: المسافات حائرة، لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. مسافة بينك وبينها، بين الحلم والتشفير، بين الليل والصباح، بين الغرق والنصر. وهو يرتق هذه الحيرة: يصل ما انقطع، يخيط ما تمزّق، يجمع ما تفرّق، يعيد ما ضاع. “يسامر حيّز الحبر”: الحبر هنا مملكة صغيرة جداً، وكر ضيّق جداً، مساحة لا تتّسع إلا لحرفين أو لجرحين أو لدمعتين. يسامر هذا الحيّز كصديق قديم، كنديم على شراب، كروح توأم لا تحتاج إلى كلام. الحبر عنده ليس أداة كتابة، بل كائن حيّ يسامره، يحدثه، يشكو له، يضحكه. “خارج السرب”: خارج القطيع، خارج الجماعة، خارج القواعد، خارج كل الانتماءات السهلة. لا في سرب الحمام، ولا في سرب النحل، ولا في سرب البشر. خارج كلّ ما يجمع ويصنّف. هذا هو موقع الشاعرة الحقيقي: لا في السماء ولا على الأرض، لا في الليل ولا في الصباح، لا في المعلّب ولا في المقدّس. بل في حيّز الحبر، وحدها، مع خطيئتها الصامتة، ونصرها المغمور، وصبرها الطويل. وحيدة لكنّها ليست وحيدة لأنّ حيّز الحبر يملاها، لأنّ المسافات الحائرة تحتاج إلى من يرتقها.

ثم تأتي الخاتمة كوخزة إبرة ناعمة، كقبلة على جبين نائم، كهمس في آخر الليل: “وحدك أنتَ / غرّة رسالتي / وفحواها”. “وحدك أنت”: ليس اثنان، ليس جمع، ليس سرب، ليس جماعة. أنت فقط. أنت وحدك في هذا العالم، أنت وحدك من يستحقّ أن يُذكر في آخر القصيدة، أنت وحدك من يمحو كلّ التوزيعات والتفاصيل والاستثناءات. “غرّة الرسالة”: الغرّة في اللغة بياض الصفحة الأولى، أو العلامة البيضاء في جبهة الحصان، أو الوجه الأبهى، أو ما يُرى أوّلاً فيُذهل. أنت صفحتها البيضاء التي تسبق كلّ الكلمات، التي تحتمل كلّ المعاني لأنّها فارغة. أنت وجهها الجميل الذي يُرى قبل أن تُقرأ القصيدة، الذي يبقى في العين بعد أن تتوارى الحروف. “وفحواها”: لست فقط الوجه، بل الجوهر. لست فقط الصفحة الأولى، بل كلّ الكتاب. لست فقط الغرّة التي تُرى، بل الفحوى الذي لا يُرى. أنت معناها الأعمق، جوهرها الصامت، ما بعد التشفير، الحلم الذي حلمته وظنّته بعيداً فإذا به أنت. في هذين السطرين، تنقلب القصيدة رأساً على عقب، تنهار كلّ المسافات، يسقط كلّ الحجب، ينكشف السرّ الأكبر: كل ما سبق كان تمهيداً للطريق إليك. كلّ الاستثناءات، وكلّ الشروط، وكلّ الغرق، وكلّ الصمت، وكلّ التشفير، كان من أجلك أنت. أنت الوجه، والعمق، والبداية، والنهاية، والطريق، والغاية.

“وردة الماء” لشافية حجيري ليست قصيدة تُقرأ، بل ماء يُغتسل به. ليست شرحاً يُكتب، بل سرّ يُكتشف. هي قصيدة التوازن المقلوب: استثناء صار شرطاً، وشرط تلبّس برداء الاستثناء. غرق بلا موت، صمت بلا ضعف، حضور بلا جسد، غيوم بلا مطر، حلم بلا رؤيا، رسالة بلا عنوان. إنها رسالة حبّ ليس إلى شخص معيّن، بل إلى قدرة الحبّ نفسه على أن يكون لغزاً يستحقّ التشفير، وماءً يستحقّ الغرق، وصمتاً يستحقّ التأويل. تقرأها مرّة فتشعر أنّك دخلت نبعاً بارداً في قلب الصيف، وتقرأها مرّتين فترى وجهك يرتجف في قاعه، وتقرأها ثلاث مرّات فتعرف أنّك لم تغرق بعد بما يكفي، وأنّ الغرق الحقيقي لم يبدأ بعد. والسؤال الذي تتركه القصيدة في الروح، يتسلّل كندى الصباح إلى شقوق القلب: هل أنت حقّاً وحدك من يستطيع أن يكون فحواها؟ أم أنّ الفحوى الحقيقي هو أن تصبح أنت نفسك وردة ماء، أن تصبح أنت أيضاً استثناءً يتحوّل إلى شرط، وشرطاً ينسى أنّه كان استثناءً؟ هل ستجرؤ، في لحظة من الجنون الجميل، على أن تغرق وتنتصر، وتصمت ولا تفسّر شيئاً لأحد، وتجلس وحدك في حيّز الحبر، خارج كلّ سرب، وتنتظر من يفكّ تشفيرك؟

……..

وردة الماء

إن لم أكن زيتونة

فأنا “توليب “

وردة استثناء

لا غربيّة ولا شائكة

ولا معلّبة ،

بل معلّمة

أنثى من ماء معين

في سقوط لا حرّ

والغرق نصرٌ

وفي عيونهم خطيئة

أواريها صمتا

هكذا أنا

غائمة في الحضور

رسالة

ليَ الحلم

ولك التشفير

للّيل هذيانه

للصباح انتظاراته

طالما تجمّلت أطيافه

بمعناي ،

ذاك الذي

يرتق حيرة المسافات

يسامر حيّز الحبر

خارج السّرب

وحدك أنتَ

غرّة رسالتي

وفحواها.

“شافية حجيري”

عن الکاتب / الکاتبة

مراد اللحياني
مراد اللحياني
شاعر وناقد / تونس

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


غيمة في حضورها: قراءة عاشقة لقصيدة: “وردة الماء” للشاعرة: شافية حجيري

بقلم: مراد اللحياني | التاريخ: 30 مايو 2026

التصنيف: الأدب

غيمة في حضورها: قراءة عاشقة

لقصيدة: “وردة الماء” للشاعرة: شافية حجيري

 

لا تبدأ شافية حجيري قصيدتها باعتراف، بل باستثناء يتحوّل إلى شرط وجود، وشرط يتلبّس برداء الاستثناء. تقول: “إن لم أكن زيتونة”. هنا شرط نفيّ افتراضي، يمنح نفسه هالة الاستثناء. كأنّها تقول: إن خرجتُ من دائرة المقدّس الموروث، من رمز الصمود والجذور الممتدة في الأرض والذاكرة، من تلك الشجرة التي لا تموت ولا تخون، فسيكون بديلي “توليب”. غير أنّ التوليب ذاتها تُعرّف استثنائياً: “لا غربيّة ولا شائكة ولا معلّبة”. فالاستثناء هنا ليس طارئاً، بل هو أصل التوليب، هو هويّتها الأولى قبل أن تولد. توليب لا تشبه حدائق هولندا، ولا تزهو في لوحات فان غوخ، ولا تُهدى في المناسبات. توليب بلا دفاع، بلا حماية، بلا توثيق. مكشوفة لكنّها ليست ضعيفة. ثم تأتي “بل معلّمة”، فينقلب المشهد: ليست “معلّبة” أي محفوظة مصنّعة جاهزة، بل “معلّمة” أي متعلمة متقنة، أخذت الدرس من الحياة، من الماء، من الغرق نفسه. فالاستثناء الأوّل “لست زيتونة” يصير شرط وجود “أنا توليب باستثناءاتها”، ثم يصير غاية “معلّمة”. هكذا، الاستثناء في النص هو القاعدة، والقاعدة هي الاستثناء. شرطها أن تكون استثناءً، واستثناؤها أن تكون شرطاً على نفسها. وكأنّها تقول: وحدها الاستثناءات تصبح قواعد حين تتعلم كيف تبقى استثناءً.

هي أنثى من “ماء معين”. والماء المعين في البلاغة العربية هو الجاري الظاهر، لكنّه هنا أعمق: ماء لا ينضب، يعرف مساره، يخرج من الصخر كعين لا تنقطع. ماؤها ليس ماء البحر المالح الذي يقتل العطشى، ولا ماء السيل الذي يجرف، ولا ماء المستنقع الآسن. ماؤها معين: نقيّ، جارٍ، حيّ، لا يستنزف، لا يتبخّر، لا يلوّث. أنثى تعرف أصلها المعدني، عمقها الجيولوجي، سرّها الذي لا يُرى. هي من هناك، من تحت الأرض، من حيث لا ترى العيون. ثم يحدث انقلاب درامي في منطق الأشياء: السقوط في ثقافتنا عار، والغرق هزيمة. لكنّها تقول: “في سقوط لا حرّ / والغرق نصرٌ”. سقوط بلا نار عقاب، بلا حرق ذنب، بلا جحيم. سقوط بارد كالندى على وردة الصباح، ناعم كالحرير، لا يترك أثراً سوى البلل الخفيف. والغرق نصر، لأنّ الغرق في مائها المعين ليس موتاً، بل امتلاء. ليس فناءً، بل عودة إلى الأصل. ليس انهزاماً، بل سباحة نهائية في الجوهر الذي صنعها. سباحة في العنصر الأم، في الرحم الأوّل، في سرّها الجيولوجي. بهذه المفارقة الجميلة، تخرج الشاعرة من منطق الصعود والنجاة الذكوري. تؤمن بأنّ التعالي قد يكون هبوطاً، وأنّ الانتصار قد يكون استسلاماً كاملاً للماء الذي يعرفها. هي لا تريد أن تطفو على السطح، تريد أن تغوص إلى القاع حيث تكمن الجذور المعدنية، حيث لا يصل أحد.

لكن ثمن هذا النصر باهظ: “وفي عيونهم خطيئة / أواريها صمتا”. هي تغرق طواعية لتنتصر، تغرق باختيارها، تغرق كي تعود إلى مائها المعين، وفي عيون الآخرين ترتكب خطيئة. والخطيئة هنا ليست الفعل، بل الجرأة على اختياره، بل الشجاعة على خرق القوانين، بل الإعلان الصامت أنّ الغرق قد يكون أجمل من السباحة. والآخرون: من هم؟ هم كل من يملك عينين حاكمتين، كل من يجلس على كرسي القضاء، كل من يعرف كيف يجب أن تكون الأنثى: طافية، لا غارقة. وهي لا تبرّر، لا تعتذر، لا تصرخ، لا تناقش. فقط تُخفي هذه الخطيئة وتدفنها في صدرها كسرّ مقدّس. “أواريها صمتا”: الصمت هنا فعل، ليس سلباً. توارى الخطيئة كما يُوارى الجسد الميت في التراب، كما تُوارى الأسرار في أعماق الروح. هذا الصمت سلاحها الأقوى. صمت لا يعني خضوعاً، بل يعني احتقاراً للتفسير، وازدراءً للمحاكمة. لا تشرح نفسها لأنّ من يشرح يعترف بأنّه متّهم، وهي لم تتّهم نفسها قطّ. هي خارج كلّ تهمة، لأنّها خارج كلّ قانون.

“هكذا أنا / غائمة في الحضور”: تأمّل هذه الصورة الساحرة. حضور غائم: حاضرة لكنّها ليست صافية، ليست شفّافة، ليست تحت المجهر، ليست قابلة للتشريح. حاضرة كغياب، غائبة كحضور. هذا سرّ الوجود الأنثوي في القصيدة: لا يُقبض عليه، لا يُصنّف، لا يُوضع في ملف، لا يُعلن عنه في النشرات. حضورها كالسحابة: تراها من بعيد، تحسبها شيئاً، تقترب فتجدها بخاراً وهواء. هي “رسالة”: معنى مرسل، لكن بلا ورق ولا ظرف ولا توقيع واضح. رسالة بلا مادّة، بلا عنوان، بلا بريد. رسالة تصل أو لا تصل، تُقرأ أو لا تُقرأ، تُفهم أو تبقى لغزاً. ثم تقول: “ليَ الحلم / ولك التشفير”. هذا توزيع عادل ومقلوب في آن: هي تحلم، وهي التي تملك الحلم، وهي التي تمنحه لك. وهو، أنت، العاشق، القارئ، الآخر، يحاول فكّ رموز الحلم. والتشفير هنا ليس فهماً، بل إعادة بناء للمعنى. ليس استقبالاً، بل خلقاً جديداً. أنت مدعو لأن تكون محلّل رموزها، كاهن أحلامها، مترجم صمتها، كاتب تفسيرها. تمنحك مهمّة مستحيلة: أن تفكّ ما لا يُفكّ، أن تقرأ ما كُتب بماء على جليد في غيمة، أن تمسك الحلم بعنق لا عنق له.

“للّيل هذيانه / للصباح انتظاراته”. الليل يهذي: يثرثر كمجنون، يتكلم بلا معنى، يضيع في الطرقات المظلمة، يبوح بأسراره للنجوم التي لا تسمع. الليل عاشق مخمور، لا يعرف ماذا يقول لكنّه يقول. والصباح ينتظر: طفل صغير جالس على كرسي الانتظار في محطة قطار، يحمل تذكرة لا يعرف وجهتها، ينتظر الحلم أن يتحقّق، أو الرسالة أن تأتي، أو العاشق أن ينهي تشفيره. الصباح صبور، مؤدّب، منهك بالانتظار. وأين هي؟ هي في الفجوة بينهما، في الشقّ السريّ بين الليل والصباح، حيث لا ليل ولا صباح. “طالما تجمّلت أطيافه بمعناي”: أطياف الليل والصبح تتجمّل بمعناها. أي أنّها هي من يمنحهما جمالهما، هي من يكسوهما ثوب الرونق، هي من يجعلهما جديرين بالذكر. الليل يهذي لكن هذيانه جميل لأنّها فيه، والصباح ينتظر لكنّ انتظاره جميل لأنّها هي ما ينتظر. هي مركز الكون الشعري: لا الزمن تابع لها، بل هي من يمنح الزمن جماله. تتجمّل أطيافه بها، لا هي به. لو لم تكن هي، لكان الليل ثرثرة فارغة، والصباح انتظاراً سخيفاً.

ثمّ تنتقل إلى فعل داخلي غامض، كمن يدخل غرفة مغلقة بمفتاح من حبر: “ذاك الذي / يرتق حيرة المسافات / يسامر حيّز الحبر / خارج السّرب”. من “ذاك الذي”؟ هو المعنى الذي تلبسه أطياف الليل والصبح، هو الحلم الذي لم تفصح عنه، هو أنت الذي تحاول التشفير، أو هو القصيد نفسه، أو هو الحبّ الذي لا يُسمّى. “يرتق حيرة المسافات”: المسافات حائرة، لا تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. مسافة بينك وبينها، بين الحلم والتشفير، بين الليل والصباح، بين الغرق والنصر. وهو يرتق هذه الحيرة: يصل ما انقطع، يخيط ما تمزّق، يجمع ما تفرّق، يعيد ما ضاع. “يسامر حيّز الحبر”: الحبر هنا مملكة صغيرة جداً، وكر ضيّق جداً، مساحة لا تتّسع إلا لحرفين أو لجرحين أو لدمعتين. يسامر هذا الحيّز كصديق قديم، كنديم على شراب، كروح توأم لا تحتاج إلى كلام. الحبر عنده ليس أداة كتابة، بل كائن حيّ يسامره، يحدثه، يشكو له، يضحكه. “خارج السرب”: خارج القطيع، خارج الجماعة، خارج القواعد، خارج كل الانتماءات السهلة. لا في سرب الحمام، ولا في سرب النحل، ولا في سرب البشر. خارج كلّ ما يجمع ويصنّف. هذا هو موقع الشاعرة الحقيقي: لا في السماء ولا على الأرض، لا في الليل ولا في الصباح، لا في المعلّب ولا في المقدّس. بل في حيّز الحبر، وحدها، مع خطيئتها الصامتة، ونصرها المغمور، وصبرها الطويل. وحيدة لكنّها ليست وحيدة لأنّ حيّز الحبر يملاها، لأنّ المسافات الحائرة تحتاج إلى من يرتقها.

ثم تأتي الخاتمة كوخزة إبرة ناعمة، كقبلة على جبين نائم، كهمس في آخر الليل: “وحدك أنتَ / غرّة رسالتي / وفحواها”. “وحدك أنت”: ليس اثنان، ليس جمع، ليس سرب، ليس جماعة. أنت فقط. أنت وحدك في هذا العالم، أنت وحدك من يستحقّ أن يُذكر في آخر القصيدة، أنت وحدك من يمحو كلّ التوزيعات والتفاصيل والاستثناءات. “غرّة الرسالة”: الغرّة في اللغة بياض الصفحة الأولى، أو العلامة البيضاء في جبهة الحصان، أو الوجه الأبهى، أو ما يُرى أوّلاً فيُذهل. أنت صفحتها البيضاء التي تسبق كلّ الكلمات، التي تحتمل كلّ المعاني لأنّها فارغة. أنت وجهها الجميل الذي يُرى قبل أن تُقرأ القصيدة، الذي يبقى في العين بعد أن تتوارى الحروف. “وفحواها”: لست فقط الوجه، بل الجوهر. لست فقط الصفحة الأولى، بل كلّ الكتاب. لست فقط الغرّة التي تُرى، بل الفحوى الذي لا يُرى. أنت معناها الأعمق، جوهرها الصامت، ما بعد التشفير، الحلم الذي حلمته وظنّته بعيداً فإذا به أنت. في هذين السطرين، تنقلب القصيدة رأساً على عقب، تنهار كلّ المسافات، يسقط كلّ الحجب، ينكشف السرّ الأكبر: كل ما سبق كان تمهيداً للطريق إليك. كلّ الاستثناءات، وكلّ الشروط، وكلّ الغرق، وكلّ الصمت، وكلّ التشفير، كان من أجلك أنت. أنت الوجه، والعمق، والبداية، والنهاية، والطريق، والغاية.

“وردة الماء” لشافية حجيري ليست قصيدة تُقرأ، بل ماء يُغتسل به. ليست شرحاً يُكتب، بل سرّ يُكتشف. هي قصيدة التوازن المقلوب: استثناء صار شرطاً، وشرط تلبّس برداء الاستثناء. غرق بلا موت، صمت بلا ضعف، حضور بلا جسد، غيوم بلا مطر، حلم بلا رؤيا، رسالة بلا عنوان. إنها رسالة حبّ ليس إلى شخص معيّن، بل إلى قدرة الحبّ نفسه على أن يكون لغزاً يستحقّ التشفير، وماءً يستحقّ الغرق، وصمتاً يستحقّ التأويل. تقرأها مرّة فتشعر أنّك دخلت نبعاً بارداً في قلب الصيف، وتقرأها مرّتين فترى وجهك يرتجف في قاعه، وتقرأها ثلاث مرّات فتعرف أنّك لم تغرق بعد بما يكفي، وأنّ الغرق الحقيقي لم يبدأ بعد. والسؤال الذي تتركه القصيدة في الروح، يتسلّل كندى الصباح إلى شقوق القلب: هل أنت حقّاً وحدك من يستطيع أن يكون فحواها؟ أم أنّ الفحوى الحقيقي هو أن تصبح أنت نفسك وردة ماء، أن تصبح أنت أيضاً استثناءً يتحوّل إلى شرط، وشرطاً ينسى أنّه كان استثناءً؟ هل ستجرؤ، في لحظة من الجنون الجميل، على أن تغرق وتنتصر، وتصمت ولا تفسّر شيئاً لأحد، وتجلس وحدك في حيّز الحبر، خارج كلّ سرب، وتنتظر من يفكّ تشفيرك؟

……..

وردة الماء

إن لم أكن زيتونة

فأنا “توليب “

وردة استثناء

لا غربيّة ولا شائكة

ولا معلّبة ،

بل معلّمة

أنثى من ماء معين

في سقوط لا حرّ

والغرق نصرٌ

وفي عيونهم خطيئة

أواريها صمتا

هكذا أنا

غائمة في الحضور

رسالة

ليَ الحلم

ولك التشفير

للّيل هذيانه

للصباح انتظاراته

طالما تجمّلت أطيافه

بمعناي ،

ذاك الذي

يرتق حيرة المسافات

يسامر حيّز الحبر

خارج السّرب

وحدك أنتَ

غرّة رسالتي

وفحواها.

“شافية حجيري”