رحلة في تحولات الذات وشعرية الوجود في المجموعة الشعرية ” أجنحة العزلة ” للشاعرة شافية حجيري

صورة الكاتب
بقلم: فردوس مزروق
التاريخ: 13 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 23
رحلة في تحولات الذات وشعرية الوجود في المجموعة الشعرية ” أجنحة العزلة ” للشاعرة شافية حجيري

رحلة في تحولات الذات وشعرية الوجود في المجموعة الشعرية ” أجنحة العزلة ” للشاعرة شافية حجيري

الجزء الأول
جماليات الرؤيا والتشكيل الشعري:
عندما تنبت للعزلة الثقيلة أجنحة خفيفة، وحين يٌمزق البوح رحم الحروف يصبح المعنى طيرانا باطنيا وينتفي مفهوم السقوط ويتحول الألم نفسه إلى وسيلة تحليق وإرتفاع لملامسة جوهر النور الكامن في أعماق الذات.
حين تملك العزلة أجنحة من نور تسافر الذات الشاعرة في فضاء الإنعتاق، تتهاوى صخور العزلة الثقيلة عبر مسالك الوجع اللذيذ الذي يٌنبت سبائك الشعر في مصاغات اللغة. فيأتي الإبداع مثقلا بهمومه فاتحا ذراعيه للإنسانية وللكونية.
“أجنحة العزلة “،أجنحة ثابتة مشدودة إلى مفاصل الذات جاءت لتٌحلق خارج القيود النفسية والإجتماعية والفكرية ووو … في منجز شعري وارف الظلال.
هذا الإصدار الحديث ممزوج بطعم العشق وفيه من أثر الفراشة التي لا يٌرى و الذي لا يزول تضيئه الروائح المعطرة و يعطره الضوء المتدفق من قناديل الروح “كوهج سراج السمر/يوقظ العطرٌ فراشتي…” ص 131 . و فيه من لوعات الماضي وخزات من أ طياف الحنين ” كالحرباء /شغاف الحنين…” ص12
نصوص شعرية هبات من اختلاجات الروح وتحليق في المدى البعيد حيث تتسلل الحروف إلى شرايين الناي علها ترتق الألم بأوتار النغم فتنعتق عصفورة الحرية والجمال لتحلق بين أحضان الخلود “طارت عصفورة في خيالها/تزفه نغما/لحن عاصفة بناي الخلود” ص91
على ربوة الشعر،شاعرة تغرّد في صمتٍ وتحلّق بأجنحة العزلة المقدسة،تٌحيك من صرخاتها ضفائر نور وتعجن شروخها سنفونيات تطرب لسماعها “أصفاد الماء”،وتلتقي بأنفاس الريح على رصيف الحدس في “مواعيد بلا أزمنة”. قزحيات من حروف الروح ورفرفات من جفون المعاني تسللت من أنفاس الطبيعة و من إمدادات الذات ومن بوح الوجود للكونية المقدسة.
“الأكسير الشافي أنا” ص 37 هكذا اعترفت الشاعرة .هي كوردة الماء تنثر عطر الفصول على جبين ذاك القمر اليتيم دون خجل. وعلى نخب الجنون و بلا أختام ، توقّــّع مواعيد الدهشة مع الحدس. ترسم على مرايا الغياب وحي الذكرى فتاتيها كليوباترا برسالة مغموسة في أنين المنافي . تَبّعثٌرٌ في مهب الكلام وسكن فوق صمت الجسور ورؤى في منعطف الجرح وتٌمازج البدايات النورانية وتجليات منتصف المصير و حروف ملتهبة تغرس المعنى في لغة عاشقة .فتيلة بلا دموع تهاتف الندى من فوق صهوة الريح و شاعرة تزف المعنى لحروفها على وقع طبول التأمل و الحيرة والذكرى وغليان الذاكرة بما يكفي من الأمنيات . لا متسع للانهيار لديها فزغب الورق تسلل على وقع شطحات القوافي . لقد شبّ عشق قلمها وأصبح شِعرٌها قسمٌا .أنفاسها مجاعة من الشوق مسكوبة على رصيف أمنية والقصائد تسلٌلٌ من بيادر الروح وقرقرة قطة حين يغازلها حديث الجسد . يا لبهجة الروح حين يدغدغها الحرف ويشقها المعنى فتحتضن مولودها البكر” أجنحة العزلة” …!.
“أجنحة العزلة”عنوان تغترب فيه الأجساد وتسكن فيه العقول. كلمتان جمعتا بين التناقض الظاهري والتماسك الباطني العميق. فالعزلة بمفهومها المتداول انسحاب من ضجيج التجمهر وابتعاد عن صخب الحياة وفي عمقها انغماس في بحور الذات وآلام التأمل ولذة الكشف والتعري.قد يتعرى المرء من رداء الآخرين ليتلحف “العزلة المقدسة” فيمتلأ بذاته حتى تتحول عزلته إلى تجربة وجودية عميقة مكتظة معنى روحي فلسفي تلامس الطقوس المهيبة .
تٌجسد صورة الغلاف ظل إنسان مطموس الملامح،منكمشا في هيئة جلوس،مطأطئ الرأس مما يشير إلى القلق وإلى الإنكسار وإلى الإنغلاق على الذات.تتخلل الصورة خربشات بالحبر الأسود وأخرى باللون الأخضرعلى شاكلة شعر منسدل يحجب الخيال بأكمله مما يوحي بالغموض.لونان متضادان )الأخضروالأسود ( تتسرب عبرهما رائحة التبعثر الباطني والإرتباكات الذهنية و النفسية و شيء من عطر الحياة تتسلل من عنق الفوضى الداخلية .
صورة في بنيانها المشهدي ذات رمزية عالية تقدم للقارئ إشارة ضوئية عن جوهر المجموعة الشعرية إذ يتحول معها الإنسان إلى حالة شعورية صلب تجربة إنسانية كونية.
مجموعة شعرية ممتدة على مساحة ورقية في حدود مائة وثلاثون صفحة احتضنت سبع وأربعون قصيدة مجزئة إلى جزئـين .جزء موسوم بــ :”أصفاد الماء” معطر بفيح ثـمان وخمسون ومضة شعرية شعورية تترقرق كقطرات ماء تداعب ثغر رضيع . وجزء ثاني تحت عنوان”مواعيد بلا أزمنة” يظم جملة القصائد . والمتمعن في خفايا الومضات والقصائد يتبين أن قرار التجزئة على هذا النحو ليس قرارا شكليا جماليا فحسب بل هو خيارٌ له دلالات رمزية تتعلق بالتجربة الشعرية باعتبارها جزء م ن مرايا الذات حيث تجمع بين كثافة التعبير وعمق الرؤى. لتأتي الومضات الخاطفة كوميض برق يعلن عن بوادر ليلة شعرية عاصفة وسيل جارف من القصائد النازفة .تلك الومضات حدسية قصيرة الكلمات كثيفة الشعور عميقة الدلالة تعكس حالة نفسية أنية قد تتلاطم فيها الدهشة مع القلق .وتلك القصائد رحلة طويلة تتطور فيها الفكرة وتصبح تجربة مستقلة بذاتها. وإن جمعت الشاعرة بين الشكلين فلتبين أن التجربة الشعرية تمازج بين اللحظات الخاطفة والسير الطويل في أغوار الذات الإنسانية. فالتجربة الشعرية مرآة للتجربة الإنسانية الممتدة بين الكشف والبناء والتشكل.ومضات من الإشراق ومسارات من التأمل والحيرة والدهشة والفهم.
و قد سمي الجزء الخاص بالومضات بـ “أصفاد الماء” .عنوان فيه من التضاد الظاهر ما يٌشعل فتيل التساءل وفيه من التضاد العميق ما يلهب جمر المعنى لتتجلى المفارقة الشعرية في أجمل حللها بين أنفاس التوتر.
فذاك الماء مكبل رغم تدفقه و محتجز بين ضفتي مجراه رغم حرية سيلانه. ماء الوعي والذاكرة الحرة حبيس اللحظات والومضات وحبيس العجز الإنساني وحبيس مشاعرها الكثيفة المتوهجة وكأنها تدور في دائرة مغلقة. فتلك الومضات تتشكل وتتبلور ويعصف بها العجز ويلفها الزمن. أفكار تنبثق من وحي اللحظة الحرة تتسلل إلى محك الذاكرة وسرعان ما تخرس و كأن اللغة شٌلت في مخارج حروفها و الفكرة اعتلت مآقيها. .لحظة من التدفق الحر يهزمها الكبت المتسلط .هل الحرية تولد عارية من حريتها؟ أم الحرية محرابها مسكون بالـأصفاد ؟
والجزء الثاني من هذه المجموعة الشعرية اختارت له من الأسماء”مواعيد بلا أزمنة”.عنوان تواصل معه الشاعرة السفر على جسر التضاد والمفارقة الزمنية.فالمواعيد تضبط بجدول زمني دقيق إلا أن مواعيد هذه القصائد فككت مفهوم الزمن العادي وهربت من مواقيت الساعة والزمن الخارجي لتحتمي بالزمن الداخلي )زمن الإحساس( وبأزمنة الوعي والذاكرة والحلم وخلجات الوجدان أين يتشظى الوقت وتقاس الأزمان بالحنين والشوق وزفرات الانتظار .مواعيد تحررت من الزمن المألوف وجاءت لترسم تجربة شعرية وجودية يتحول فيها الزمن إلى إحساس.وتصبح فيها القصائد لقاءات شعورية في فضاء ذهني ووجداني لا يعترف بالوقت ،ومواعيد شعرية مع الذات ومع الآخر ومع الماضي تظل تتأرجح بين الواقع والخيال .زمن عسير من الأحلام المستلقية على قارعة الانتظار ومن الحنين والفقد ومن خفايا الأقدار .
ديوان شعري أنيق الحضور لافت الظهور يطل على القارئ بمجموعة من القصائد تجملت بكل علامات التشكيل فأضاءت الشغف وأثارت الحدس وتغزلت بها الشفاه بين شدو وهمس و بوح وعزف و أَحْيتْ الصوت داخل النص لتجعل من القارئ طائرا من طيور الكروان العاشقة للأوزان .
هذا التشكيل الجميل ليس مجرد حيلة فنية ، بل يعكس رؤية الشاعرة لفنون اللغة و الشعر حيث يهدي الكلمات صوتا طروبا حتى في قمة الوجع . وتلك الكلمات حين تتجمل بحركات التشكيل تتحول إلى عزف للحن المعنى تصبح على إثرها الكتابة صوتا نابضا توجه القارئ إلى ترنيمة أو نبرة مميزة وبالتالي ينقلب النص الشعري إلى موسيقى مكتوبة تجعل المتمعن في النصوص الشعرية يستنبط صفاء اللغة وعودتها إلى شاكلتها البيداغوجية التعليمية متى كانت مكتوبة مع التشكيل التام .
والجدير بالاهتمام أن هذا الديوان الشعري لا يحتوي على تقديم . نصوص في مهب اللغة تحدثك عن نفسها مباشرة ليجد القارئ نفسه في عمق التجربة الشعرية دون مقدمات ودون تأويلات مسبقة .فلكل قارئ فنون فهمه و معول كشفه ولا وصاية على النصوص من أي طرف و إنما الوصاية الحقيقية تتمثل في معانيها و تكمن في شغف القارئ بها. ففي بعض الأحيان القراءة الموجهة مسبقا تضع للقارئ حدودا للفهم بطريقة غير مباشرة . وحين نستحضر ان المجموعة الشعرية تحمل من الأسماء “أجنحة ا لعزلة” ندرك أن هذا الشكل ، أي عدم تقديم الديوان، يتناغم مع البنية الرمزية للنصوص التي اقتضت العزلة عن العالم الخارجي والعزلة عن التقديم النمطي للإصدارات .
بعض الهدايا عطاء من القلب و بعض المٌٌهدََى إليهم مقدسون ….
«إلى لغتي .. » هكذا تهدي الشاعرة لغتها شذرات من خفقان ذاتها و كوكتال من عصائر الذكرى و ا لذاكرة .
حين تتحول اللغة إلى كائن حي و تتحول الهدية إلى زهرات من جنان اللغة تتجمل الطبيعة بروح المعنى. ومن اللغة وإلى اللغة رحلة عبور لا يمشيها إلاّ من سكن الحرف و سكنته شغاف المعاني .و حين تتحول اللغة إلى عنوان الهوية والإنتماء تصبح منبع الوجود الشعري ومأوى الذات الشاعرة .
ذوبان اللغة في الذات الشاعرة وانصهار الذات الشاعرة في مفاتن اللغة “اختارت روحي سكناً” يقر بأن العلاقة القائمة بينهما هي علاقة وجدانية قديمة اعتادت الولوج إلى القلب باعتباره جهاز لتقبل المعنى و فضاء للتحاور المتواصل مع الكون والوجود حيث أن كل الرسائل الكونية و الوجودية موجهة إلى الذات الإنسانية .علاقة سحرية ساحرة لا يدركها القارئ إلا عند الغوص في التجربة الشعرية التي حولت الصلة بين الإنسان )الذات الشاعرة( والكون إلى تآلف باطني يتواصل عبر الأنفاس الوجدانية والذبذبات الذهنية و الإلهام و رسائل الأقدار ومشاجرات الطبيعة وسباقات الكواكب ،و حديث الريح لبكاء الأغصان في الليالي العاصفة ، ورقص المساءات الغارقة في الحنين لأطياف الذكريات ،و شجن الموج مع الأصداف ،وبوح النوارس للسماء . ” إلى رسائل الكون” .
أسلوب ممتع يتدرج فيه المعنى على سلم الوصف الأنيق بخطوات الإبداع” هناك قبلة مكتومة/في مخمل شامتي/ ربما تنط للقائك/على دانتيل كلماتي/تطرب لوقع رماحك…” ص105.
زاد لغوي وفير وغزير عزز أناقة الأسلوب الشعري الذي يمازج الواقعي بالخيالي تتخلله نفحات من الرومانسية الناضجة “وجهي بحر/عيناك قرصان/ يقنص انتظاري” ص22.
تقنيات أسلوبية متعددة اعتمدتها الشاعرة في العديد من مقاطع القصائد كتقنية الاستعارة “جدائل حرية” ص09 “أعناب اليل” ص11″الوقت كافر” ص19 “بكاء الكؤوس”ص89 “عند شهقة اللحظة” 34 وكذلك ألية الوصف والتوصيف الجميل” أطراف المعراج” ص103 “الجوع سحاب شريد”99″ .كما اعتمدت الشاعرة بناءا سجعيا أضاف للنصوص إيقاعا موسيقيا عذبا ” ما قيل في طلي // ما رسم على ظلي ” ص 15 .”خلعت البرد/لبست الورد/ربحت النرد”ص23.
والمتأمل في البنيان القصائدي و في التقنيات الأسلوبية المعتمدة يلاحظ تكرار عبارة “يحدث أن” خاصة في قصيد “رؤى”83 ص .وهذا التكرار ليس من باب الجمالية اللغوية أو التعزيز الأسلوبي الشكلي وإنما يحمل في طياته أبعادا رمزية حيث يضفى على النص الشعري مسحة تأملية تبين أن الأحداث أو الوقائع متحولة وعرضية وليست ثابتة وكذلك بالنسبة للمشاعر فهي متقلبة محدودة في الزمن مما يخلق مسافة من الاحتمال بين الذات والتجربة و يشير إلى أن التجربة الوجودية التي خاضتها الذات الشاعرة ليست حقيقية تامة وإنما في جزء منها تنطوي تحت ما يسمى بالفرضية والاحتمال ” ويحدث أن أرى حلما طازجا” ص83.
هذا التكرار يجعل القصيدة تماوج بين الاحتمال و التجربة على وقع إيقاع ذهني تأملي ينبش في بواطن الذات الشاعرة التي تظهر كجملة من الأحداث و القصص. فهي ليست سردا واحدا وإنما مجموعة سرديات متعددة الاختلاجات الوجدانية والذهنية تجعل من العالم فراشة لا يمكن الامساك به.
وظفت الشاعرة تقنيات أسلوبية غير متداولة كثيرا مثل تفكيك بعض الكلمات حرفا حرفا لتصبح الحروف أجنحة تحلق بالمعنى في رحلة لغوية غير مكتملة ) نصف دائرة (ككلمة”فراشة” في عبارة “صباحك في هيئة فراشة ” ص35 .و هذه الآلية ليست من باب المتعة البصرية وإنما هي ذات مدلول عميق حيث أ ن تجزئة الكلمة قد يعكس مبدأ تفكيك المعنى في اللغة الشعرية. و مع تواتر أجزاء القصيدة ينساب المعنى تباعا مكتملا بصفة نسبية قابلة للتأويل والتطور وبالتالي تصبح اللغة متحركة حيث تتحول اللغة إلى حالة من حالات العبور و الطيران لا تكتمل إلا في الملكة الإدراكية للقارئ.
كما تكررت هذه التقنية مع كلمة “أسئلتي” في المقطع الشعري:” تفيض بي أ س ئ ل ت ي ” حيث تمت كتابتها على شاكلة حروف متفرقة في مشهد دلالي عميق .مشهد بصري فني يأتي بثقله على الحالة النفسية للذات الشاعرة ويجبر القارئ على التأمل. لوحة من الحروف المفككة تعكس اضطراب داخلي أو حالة من الصمت المتكلم والغليان الذهني المتأتي من القلق . قلق وحيرة بعثرت الذات الشاعرة وفككت بواطنها وجزأت أسئلتها الكبرى وشتتها في عمق الوجدان . فهل الانشطار الذاتي و الحيرة الوجودية و الهشاشة النفسية للذات الإنسانية تٌلقي بثقلها على اللغة فيتشتت كيانها وتصبح غير قادرة على احتواء القلق الوجودي الإنساني بما يترتب عنه من أسئلة عميقة.? وهل الحقيقة أصبحت من الصعب القبض عليها وافتكاكها من براثن الحيرة والشك ?. وهل مع تراكمات الحيرة الوجودية وتضخم الهشاشة الإنسانية تصبح اللغة ذاك المنبر العظيم للتواصل الفصيح قابلة للكسر و التفتت لاحتواء القلق والهواجس الإنسانية والتساؤلات المصيرية.؟
و من الآليات التعبيرية اللافتة التي اعتمدتها الشاعرة في هذه المجموعة الشعرية آلية “ ثلاث نقاط متتالية ونقطة تعجب … !” التي اعتمدتها الشاعرة كعنوان قصيدة” ليجسد مسارا نفسيا متكاملا ولتفتح عبرها مجالا ذهنيا ومساحة شعورية عنوانها “ما لم يكتمل قوله”ّ مما يحيلنا على ذروة القلق للذات الشاعرة الذي جعلها في موقع تردد أو في حالة انتظار إلى حد بلورة و اكتمال الشعور.فتأتي لحظة اكتمال الانفعال لتظهره الشاعرة وتفجره عبر نقطة التعجب ” !|”
هذا العنوان المرسوم بالنقاط مشهد من مشاهد الكتابة الأدبية المحنكة التي تٌحول اللغة إلى حدث شعوري
ممزوج بحركة ذهنية تأملية حيث يطبق الصمت على عنق المحتوى الدلالي للقصيدة ويظل معلقا على جسر النقاط المتتالية لينبثق و ينفجر من شرنقة الوعي بالألم عبر نقطة التعجب” هكذا فإن الصمت القابع في جرح الذات كلام آخر لا تكفيه المفردات اللغوية بكل ثقلها لتفجيره و إنما يتفجر وينفجر وينهمل صراخا لغويا عبر الرموز الشعورية.
تتعدد الخطابات في هذه النصوص الشعرية إذ نجد الشاعرة تخاطب الآخر وتستدعي الماضي منه وتخاطب الهوية وتحدث الذات العميقة المفتوحة على عدة مستويات من الوعي . ويرمز هذا التعدد في الخطاب إلى تشظي الذات الشاعرة والرغبة في اكتشاف هويتها من خلال الحوارات الظاهرة والباطنة ” أتدري أنني القاك /كلما ألقاني”ص67 حتى يتحول الديوان الشعري إلى مساحة تأملية وحلبة صراع بين الذات وذاتها العميقة و بين الذات وبقية العالم الخارجي في رحلتها الاستكشافية للوجود ولذاتها .
النزعة الصوفية جلية في هذه النصوص فالذات نجدها تتحول عبر الوعي و عبر التجلي النوراني. “تجلوني عروسا من سناها /كأن أتقلد أزاهير التجلي/ وأفشيني بسمة/ في ثغر الحقيقة” ص 82
شاعرة تعبر من دروب المجانين إلى خزامى الرسامين لتشيد مدينة للعشق وللحرية الروحية وللفن وتبني عبرها هوية جمالية من فيح الخيال. مدينة من ضوء و فن تليق بالذات الإنسانية ” سلكت ما طاب/ من دروب المجانين / وسكبت ما نالني ونلته /من خزامى الرسامين/ تلك مدينتي/واجهات فراشية/ حلة ضوئية/ تتخللني هوسا / كنديمة بثوب خمري” ص86
ذات شاعرة ممتلئة بمايختلج في ذاتها العميقة من مشاعر وأحاسيس إلى حد اللهفة لتكسير حدود الصمت و الانفجار في وجه كل الرغبات المكبوتة و الأحلام المنسية “محتشدة أنا بها/كاللهفة التي ترغو…” ص97
شاعرة في حالة سأم متواصل ،تخوض معاناة عميقة تبحث عن الاكتمال و الكمال في زمن أنصاف المصائر حتى لا تبقى الأحاسيس و العواطف و الأحلام والأفكار معلقة رهينة الخيالات .” البحر يراقبنا وجلا//بنصف نظرة/ ونصف بسمة/كم سئمت أنصاف المصائر” ص89
شاعرة مشبعة بالحس العاطفي “وجهي بحر/عيناك /قرصان/يقنص إنتظاري” الومضة 27 /ص22 تحن إلى الامجاد “حنبعل و الرومان” ص56 / .وهي شقية بنزف العروبة مرهقة بهموم الوطن “إلى أين؟” ص56
الصدق محراب القصيدة والإبداع لحظة خشوع :
في موكب شعري رهيب تٌشعّ فيه الحروف في عيون الكلام تحتضن الشاعرة كأس المعنى بيد الصدق والصفاء. دهشة راقية تولدت من الصدق الأسر ،فلا معنى لخمرة الشعر حين يهجر الصدق القصيدة . هذه الخمرة الشعرية تفيض من الذات الشاعرة” الكأس” لتمنح نشوة الرؤية لكل ذات إنسانية تبحث عن ذاتها. الشعر و الصدق ومنافذ الإبداع تلك هي مسيرة الشاعرة التي تؤمن بأن القصيدة عندما يكتمل نضجها في الذات الشاعرة و تشرق في عيون الذهن والوجدان تتحول إلى قوة خلاقة تترك أثرها على جدار التاريخ وفي ذاكرة الإنسانية .ذاك الشعر المصفى يكتسب قداسته من خمر القصيدة فيتحول إلى عمل إبداعي يتجاوز المشهد الحسي ويتخطى حدود المكان والزمان ويخترق أعماق الخلود متحديا عواصف الطبيعة و عصف الذاكرة و حتى سكرات الموت فيعتلي مرتبة الأسطورة الكونية الخالدة التي تنصهر في كل عناصر الوجود “ما أصدق خمر قصيدتي //حين يتلألأ في كأسي //يخط أسطورة //على جداريات العابرين ” ومضة 01 /ص09
صدق الذات الشاعرة مع ذاتها العميقة سيف يذبح آهاتها من الوريد إلى الوريد حين تٌجسد حروفها حالة من التشتت الداخلي والصراع الباطني بين حقيقتها و جوهرها و بين ما يحيط بها من زيف و أوهام مجتمعية وفكرية و شعورية وتجعلها في بحث متواصل عن التوازن وعن التماسك تحت ظلال المعنى .”قصيدة مبعثرة أنا/بين ميزاني / وميزان الظلال” ص53
و بين نور وعتمة ، وبين أمل وألم ، وبين قلق وإشراقة روحية جاء هذا الديوان الشعري كاشفا أدغال الذات ببعدها النفسي و التأملي العميق” يتبعني طيف النهار/يعقبه ظل الغمام/و بعض زخات قدر” ص93
اللغة كائن حي والتجربة الذاتية حياة و القصيدة مرآة التلاقي:
علاقة الشاعرة باللغة علاقة تواصل عبر جسر الحروف النابضة .رحلة متوهجة تمشيها بنعال الشعر .وحين تلمس أرض الفهم تنشق الكلمات لتعلن ميلاد ذات صاخبة في سكينتها ومتمردة في هدوءها تعيد تشكيل العالم على وقع عزفها الباطني. و عندما تتجمل اللغة بشرايين الحياة تصبح وطنا تسكنه الذات الشاعرة ويقيم فيه المعنى و تتدلى من خلف أسواره عناقيد ا لإنتماء و الآمان ” ألفتٌ عناقيد الكلام وطنا ” ص55 .
و يحدث أن تصاب اللغة بالدهشة والعجز أمام صرخات الذات الإنسانية فتؤرقها وتعرّقها أثناء رحلتها الوجودية المضنية فيلهث المعنى في غيمات اللافهم وتصبح اللغة ذاتها عاجزة “تجمد الدم في شرايين الكلمات/لأجل غير مجمد ” ص86 .أنذاك تحدث المفارقة بين عجز اللغة وبين الشعور الذي جاءت لترسمه بحروفها النابضة .
مراوحة بلاغية بين التجمد و اللاتجمد ،فإن تجمدت حروف اللغة وعجزت عن توصيف خلجات الذات يظل الشعور حيا إلى أجل غير مٌجمّد مما يٌولّّدٌ يقينا نسبيا بأن الرحلة والتجربة الوجودية الذاتية منها أو الموضوعية بأحلامها و خيالاتها و واقعيتها أثقل من فخامة اللغة التي تعجز عن احتوائها وبالتالي تظل الشاعرة شاخصة تبحث عن رموز أو حركات صوتية للتعبير عنها .وإن توقفت القدرة على التعبير فإن الحياة مستمرة بين مسارات الأقدار و بالتالي فإن عجز اللغة ليس إلا دليلا على شساعة المعنى و عمق تواجده وحضوره في التجربة الوجودية التي تخوضها الذات الشاعرة كذات إنسانية تحمل فوق كتفيها القضية الوجودية في صيغتها الإنسانية و الكونية ” تجمد الدم في شرايين الكلمات/لأجل غير مجمد “ص86
تلك اللغة كائن حي يجعل من الإنسان كائنا نورانيا في تجلي صوفي رهيب . فاللغة تنزع عن الإنسان غبار الواقع و قتامات العالم الحسي وتطهره بالكشف والتعري لتصطفيه في أجمل صورة ” تطوف بي وجوهي/تصطفيني /كائنا نورانيا “ص 43.وكأن اللغة تتجاوز مرحلة وصف الحقيقة والجوهر لتساهم في بلورت الذات الإنسانية وتشكيلها روحيا وذهنيا ونفسيا لتصطفيها كائنا نورانيا يمسك النور بين أحضانه و ينثره في رحاب الكون لتبدو اللغة و خاصة اللغة الشعرية التي تحضنها القصيدة والمنظومة الشعرية وسيطا فنيا يصف رحلة تحوّلٍ الذات الإنسانية من هويةٍ متكسّرة إلى حضورٍ أكثر صفاءً وإشراقاً.
تلك الذات التي تتعثر بوجهها و تصطدم بنفسها في كل تجلياتها تحولها اللغة إلى مادة تكتبها في لحظات من القداسة الصوفية “تعثرت يوما بوجهي/قصة محو/تكتبها لغتي /على نحو ما ” ص 43.

یتبع….

عن الکاتب / الکاتبة

فردوس مزروق
فردوس مزروق
ناقدة / تونس

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


رحلة في تحولات الذات وشعرية الوجود في المجموعة الشعرية ” أجنحة العزلة ” للشاعرة شافية حجيري

بقلم: فردوس مزروق | التاريخ: 13 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

رحلة في تحولات الذات وشعرية الوجود في المجموعة الشعرية ” أجنحة العزلة ” للشاعرة شافية حجيري

الجزء الأول
جماليات الرؤيا والتشكيل الشعري:
عندما تنبت للعزلة الثقيلة أجنحة خفيفة، وحين يٌمزق البوح رحم الحروف يصبح المعنى طيرانا باطنيا وينتفي مفهوم السقوط ويتحول الألم نفسه إلى وسيلة تحليق وإرتفاع لملامسة جوهر النور الكامن في أعماق الذات.
حين تملك العزلة أجنحة من نور تسافر الذات الشاعرة في فضاء الإنعتاق، تتهاوى صخور العزلة الثقيلة عبر مسالك الوجع اللذيذ الذي يٌنبت سبائك الشعر في مصاغات اللغة. فيأتي الإبداع مثقلا بهمومه فاتحا ذراعيه للإنسانية وللكونية.
“أجنحة العزلة “،أجنحة ثابتة مشدودة إلى مفاصل الذات جاءت لتٌحلق خارج القيود النفسية والإجتماعية والفكرية ووو … في منجز شعري وارف الظلال.
هذا الإصدار الحديث ممزوج بطعم العشق وفيه من أثر الفراشة التي لا يٌرى و الذي لا يزول تضيئه الروائح المعطرة و يعطره الضوء المتدفق من قناديل الروح “كوهج سراج السمر/يوقظ العطرٌ فراشتي…” ص 131 . و فيه من لوعات الماضي وخزات من أ طياف الحنين ” كالحرباء /شغاف الحنين…” ص12
نصوص شعرية هبات من اختلاجات الروح وتحليق في المدى البعيد حيث تتسلل الحروف إلى شرايين الناي علها ترتق الألم بأوتار النغم فتنعتق عصفورة الحرية والجمال لتحلق بين أحضان الخلود “طارت عصفورة في خيالها/تزفه نغما/لحن عاصفة بناي الخلود” ص91
على ربوة الشعر،شاعرة تغرّد في صمتٍ وتحلّق بأجنحة العزلة المقدسة،تٌحيك من صرخاتها ضفائر نور وتعجن شروخها سنفونيات تطرب لسماعها “أصفاد الماء”،وتلتقي بأنفاس الريح على رصيف الحدس في “مواعيد بلا أزمنة”. قزحيات من حروف الروح ورفرفات من جفون المعاني تسللت من أنفاس الطبيعة و من إمدادات الذات ومن بوح الوجود للكونية المقدسة.
“الأكسير الشافي أنا” ص 37 هكذا اعترفت الشاعرة .هي كوردة الماء تنثر عطر الفصول على جبين ذاك القمر اليتيم دون خجل. وعلى نخب الجنون و بلا أختام ، توقّــّع مواعيد الدهشة مع الحدس. ترسم على مرايا الغياب وحي الذكرى فتاتيها كليوباترا برسالة مغموسة في أنين المنافي . تَبّعثٌرٌ في مهب الكلام وسكن فوق صمت الجسور ورؤى في منعطف الجرح وتٌمازج البدايات النورانية وتجليات منتصف المصير و حروف ملتهبة تغرس المعنى في لغة عاشقة .فتيلة بلا دموع تهاتف الندى من فوق صهوة الريح و شاعرة تزف المعنى لحروفها على وقع طبول التأمل و الحيرة والذكرى وغليان الذاكرة بما يكفي من الأمنيات . لا متسع للانهيار لديها فزغب الورق تسلل على وقع شطحات القوافي . لقد شبّ عشق قلمها وأصبح شِعرٌها قسمٌا .أنفاسها مجاعة من الشوق مسكوبة على رصيف أمنية والقصائد تسلٌلٌ من بيادر الروح وقرقرة قطة حين يغازلها حديث الجسد . يا لبهجة الروح حين يدغدغها الحرف ويشقها المعنى فتحتضن مولودها البكر” أجنحة العزلة” …!.
“أجنحة العزلة”عنوان تغترب فيه الأجساد وتسكن فيه العقول. كلمتان جمعتا بين التناقض الظاهري والتماسك الباطني العميق. فالعزلة بمفهومها المتداول انسحاب من ضجيج التجمهر وابتعاد عن صخب الحياة وفي عمقها انغماس في بحور الذات وآلام التأمل ولذة الكشف والتعري.قد يتعرى المرء من رداء الآخرين ليتلحف “العزلة المقدسة” فيمتلأ بذاته حتى تتحول عزلته إلى تجربة وجودية عميقة مكتظة معنى روحي فلسفي تلامس الطقوس المهيبة .
تٌجسد صورة الغلاف ظل إنسان مطموس الملامح،منكمشا في هيئة جلوس،مطأطئ الرأس مما يشير إلى القلق وإلى الإنكسار وإلى الإنغلاق على الذات.تتخلل الصورة خربشات بالحبر الأسود وأخرى باللون الأخضرعلى شاكلة شعر منسدل يحجب الخيال بأكمله مما يوحي بالغموض.لونان متضادان )الأخضروالأسود ( تتسرب عبرهما رائحة التبعثر الباطني والإرتباكات الذهنية و النفسية و شيء من عطر الحياة تتسلل من عنق الفوضى الداخلية .
صورة في بنيانها المشهدي ذات رمزية عالية تقدم للقارئ إشارة ضوئية عن جوهر المجموعة الشعرية إذ يتحول معها الإنسان إلى حالة شعورية صلب تجربة إنسانية كونية.
مجموعة شعرية ممتدة على مساحة ورقية في حدود مائة وثلاثون صفحة احتضنت سبع وأربعون قصيدة مجزئة إلى جزئـين .جزء موسوم بــ :”أصفاد الماء” معطر بفيح ثـمان وخمسون ومضة شعرية شعورية تترقرق كقطرات ماء تداعب ثغر رضيع . وجزء ثاني تحت عنوان”مواعيد بلا أزمنة” يظم جملة القصائد . والمتمعن في خفايا الومضات والقصائد يتبين أن قرار التجزئة على هذا النحو ليس قرارا شكليا جماليا فحسب بل هو خيارٌ له دلالات رمزية تتعلق بالتجربة الشعرية باعتبارها جزء م ن مرايا الذات حيث تجمع بين كثافة التعبير وعمق الرؤى. لتأتي الومضات الخاطفة كوميض برق يعلن عن بوادر ليلة شعرية عاصفة وسيل جارف من القصائد النازفة .تلك الومضات حدسية قصيرة الكلمات كثيفة الشعور عميقة الدلالة تعكس حالة نفسية أنية قد تتلاطم فيها الدهشة مع القلق .وتلك القصائد رحلة طويلة تتطور فيها الفكرة وتصبح تجربة مستقلة بذاتها. وإن جمعت الشاعرة بين الشكلين فلتبين أن التجربة الشعرية تمازج بين اللحظات الخاطفة والسير الطويل في أغوار الذات الإنسانية. فالتجربة الشعرية مرآة للتجربة الإنسانية الممتدة بين الكشف والبناء والتشكل.ومضات من الإشراق ومسارات من التأمل والحيرة والدهشة والفهم.
و قد سمي الجزء الخاص بالومضات بـ “أصفاد الماء” .عنوان فيه من التضاد الظاهر ما يٌشعل فتيل التساءل وفيه من التضاد العميق ما يلهب جمر المعنى لتتجلى المفارقة الشعرية في أجمل حللها بين أنفاس التوتر.
فذاك الماء مكبل رغم تدفقه و محتجز بين ضفتي مجراه رغم حرية سيلانه. ماء الوعي والذاكرة الحرة حبيس اللحظات والومضات وحبيس العجز الإنساني وحبيس مشاعرها الكثيفة المتوهجة وكأنها تدور في دائرة مغلقة. فتلك الومضات تتشكل وتتبلور ويعصف بها العجز ويلفها الزمن. أفكار تنبثق من وحي اللحظة الحرة تتسلل إلى محك الذاكرة وسرعان ما تخرس و كأن اللغة شٌلت في مخارج حروفها و الفكرة اعتلت مآقيها. .لحظة من التدفق الحر يهزمها الكبت المتسلط .هل الحرية تولد عارية من حريتها؟ أم الحرية محرابها مسكون بالـأصفاد ؟
والجزء الثاني من هذه المجموعة الشعرية اختارت له من الأسماء”مواعيد بلا أزمنة”.عنوان تواصل معه الشاعرة السفر على جسر التضاد والمفارقة الزمنية.فالمواعيد تضبط بجدول زمني دقيق إلا أن مواعيد هذه القصائد فككت مفهوم الزمن العادي وهربت من مواقيت الساعة والزمن الخارجي لتحتمي بالزمن الداخلي )زمن الإحساس( وبأزمنة الوعي والذاكرة والحلم وخلجات الوجدان أين يتشظى الوقت وتقاس الأزمان بالحنين والشوق وزفرات الانتظار .مواعيد تحررت من الزمن المألوف وجاءت لترسم تجربة شعرية وجودية يتحول فيها الزمن إلى إحساس.وتصبح فيها القصائد لقاءات شعورية في فضاء ذهني ووجداني لا يعترف بالوقت ،ومواعيد شعرية مع الذات ومع الآخر ومع الماضي تظل تتأرجح بين الواقع والخيال .زمن عسير من الأحلام المستلقية على قارعة الانتظار ومن الحنين والفقد ومن خفايا الأقدار .
ديوان شعري أنيق الحضور لافت الظهور يطل على القارئ بمجموعة من القصائد تجملت بكل علامات التشكيل فأضاءت الشغف وأثارت الحدس وتغزلت بها الشفاه بين شدو وهمس و بوح وعزف و أَحْيتْ الصوت داخل النص لتجعل من القارئ طائرا من طيور الكروان العاشقة للأوزان .
هذا التشكيل الجميل ليس مجرد حيلة فنية ، بل يعكس رؤية الشاعرة لفنون اللغة و الشعر حيث يهدي الكلمات صوتا طروبا حتى في قمة الوجع . وتلك الكلمات حين تتجمل بحركات التشكيل تتحول إلى عزف للحن المعنى تصبح على إثرها الكتابة صوتا نابضا توجه القارئ إلى ترنيمة أو نبرة مميزة وبالتالي ينقلب النص الشعري إلى موسيقى مكتوبة تجعل المتمعن في النصوص الشعرية يستنبط صفاء اللغة وعودتها إلى شاكلتها البيداغوجية التعليمية متى كانت مكتوبة مع التشكيل التام .
والجدير بالاهتمام أن هذا الديوان الشعري لا يحتوي على تقديم . نصوص في مهب اللغة تحدثك عن نفسها مباشرة ليجد القارئ نفسه في عمق التجربة الشعرية دون مقدمات ودون تأويلات مسبقة .فلكل قارئ فنون فهمه و معول كشفه ولا وصاية على النصوص من أي طرف و إنما الوصاية الحقيقية تتمثل في معانيها و تكمن في شغف القارئ بها. ففي بعض الأحيان القراءة الموجهة مسبقا تضع للقارئ حدودا للفهم بطريقة غير مباشرة . وحين نستحضر ان المجموعة الشعرية تحمل من الأسماء “أجنحة ا لعزلة” ندرك أن هذا الشكل ، أي عدم تقديم الديوان، يتناغم مع البنية الرمزية للنصوص التي اقتضت العزلة عن العالم الخارجي والعزلة عن التقديم النمطي للإصدارات .
بعض الهدايا عطاء من القلب و بعض المٌٌهدََى إليهم مقدسون ….
«إلى لغتي .. » هكذا تهدي الشاعرة لغتها شذرات من خفقان ذاتها و كوكتال من عصائر الذكرى و ا لذاكرة .
حين تتحول اللغة إلى كائن حي و تتحول الهدية إلى زهرات من جنان اللغة تتجمل الطبيعة بروح المعنى. ومن اللغة وإلى اللغة رحلة عبور لا يمشيها إلاّ من سكن الحرف و سكنته شغاف المعاني .و حين تتحول اللغة إلى عنوان الهوية والإنتماء تصبح منبع الوجود الشعري ومأوى الذات الشاعرة .
ذوبان اللغة في الذات الشاعرة وانصهار الذات الشاعرة في مفاتن اللغة “اختارت روحي سكناً” يقر بأن العلاقة القائمة بينهما هي علاقة وجدانية قديمة اعتادت الولوج إلى القلب باعتباره جهاز لتقبل المعنى و فضاء للتحاور المتواصل مع الكون والوجود حيث أن كل الرسائل الكونية و الوجودية موجهة إلى الذات الإنسانية .علاقة سحرية ساحرة لا يدركها القارئ إلا عند الغوص في التجربة الشعرية التي حولت الصلة بين الإنسان )الذات الشاعرة( والكون إلى تآلف باطني يتواصل عبر الأنفاس الوجدانية والذبذبات الذهنية و الإلهام و رسائل الأقدار ومشاجرات الطبيعة وسباقات الكواكب ،و حديث الريح لبكاء الأغصان في الليالي العاصفة ، ورقص المساءات الغارقة في الحنين لأطياف الذكريات ،و شجن الموج مع الأصداف ،وبوح النوارس للسماء . ” إلى رسائل الكون” .
أسلوب ممتع يتدرج فيه المعنى على سلم الوصف الأنيق بخطوات الإبداع” هناك قبلة مكتومة/في مخمل شامتي/ ربما تنط للقائك/على دانتيل كلماتي/تطرب لوقع رماحك…” ص105.
زاد لغوي وفير وغزير عزز أناقة الأسلوب الشعري الذي يمازج الواقعي بالخيالي تتخلله نفحات من الرومانسية الناضجة “وجهي بحر/عيناك قرصان/ يقنص انتظاري” ص22.
تقنيات أسلوبية متعددة اعتمدتها الشاعرة في العديد من مقاطع القصائد كتقنية الاستعارة “جدائل حرية” ص09 “أعناب اليل” ص11″الوقت كافر” ص19 “بكاء الكؤوس”ص89 “عند شهقة اللحظة” 34 وكذلك ألية الوصف والتوصيف الجميل” أطراف المعراج” ص103 “الجوع سحاب شريد”99″ .كما اعتمدت الشاعرة بناءا سجعيا أضاف للنصوص إيقاعا موسيقيا عذبا ” ما قيل في طلي // ما رسم على ظلي ” ص 15 .”خلعت البرد/لبست الورد/ربحت النرد”ص23.
والمتأمل في البنيان القصائدي و في التقنيات الأسلوبية المعتمدة يلاحظ تكرار عبارة “يحدث أن” خاصة في قصيد “رؤى”83 ص .وهذا التكرار ليس من باب الجمالية اللغوية أو التعزيز الأسلوبي الشكلي وإنما يحمل في طياته أبعادا رمزية حيث يضفى على النص الشعري مسحة تأملية تبين أن الأحداث أو الوقائع متحولة وعرضية وليست ثابتة وكذلك بالنسبة للمشاعر فهي متقلبة محدودة في الزمن مما يخلق مسافة من الاحتمال بين الذات والتجربة و يشير إلى أن التجربة الوجودية التي خاضتها الذات الشاعرة ليست حقيقية تامة وإنما في جزء منها تنطوي تحت ما يسمى بالفرضية والاحتمال ” ويحدث أن أرى حلما طازجا” ص83.
هذا التكرار يجعل القصيدة تماوج بين الاحتمال و التجربة على وقع إيقاع ذهني تأملي ينبش في بواطن الذات الشاعرة التي تظهر كجملة من الأحداث و القصص. فهي ليست سردا واحدا وإنما مجموعة سرديات متعددة الاختلاجات الوجدانية والذهنية تجعل من العالم فراشة لا يمكن الامساك به.
وظفت الشاعرة تقنيات أسلوبية غير متداولة كثيرا مثل تفكيك بعض الكلمات حرفا حرفا لتصبح الحروف أجنحة تحلق بالمعنى في رحلة لغوية غير مكتملة ) نصف دائرة (ككلمة”فراشة” في عبارة “صباحك في هيئة فراشة ” ص35 .و هذه الآلية ليست من باب المتعة البصرية وإنما هي ذات مدلول عميق حيث أ ن تجزئة الكلمة قد يعكس مبدأ تفكيك المعنى في اللغة الشعرية. و مع تواتر أجزاء القصيدة ينساب المعنى تباعا مكتملا بصفة نسبية قابلة للتأويل والتطور وبالتالي تصبح اللغة متحركة حيث تتحول اللغة إلى حالة من حالات العبور و الطيران لا تكتمل إلا في الملكة الإدراكية للقارئ.
كما تكررت هذه التقنية مع كلمة “أسئلتي” في المقطع الشعري:” تفيض بي أ س ئ ل ت ي ” حيث تمت كتابتها على شاكلة حروف متفرقة في مشهد دلالي عميق .مشهد بصري فني يأتي بثقله على الحالة النفسية للذات الشاعرة ويجبر القارئ على التأمل. لوحة من الحروف المفككة تعكس اضطراب داخلي أو حالة من الصمت المتكلم والغليان الذهني المتأتي من القلق . قلق وحيرة بعثرت الذات الشاعرة وفككت بواطنها وجزأت أسئلتها الكبرى وشتتها في عمق الوجدان . فهل الانشطار الذاتي و الحيرة الوجودية و الهشاشة النفسية للذات الإنسانية تٌلقي بثقلها على اللغة فيتشتت كيانها وتصبح غير قادرة على احتواء القلق الوجودي الإنساني بما يترتب عنه من أسئلة عميقة.? وهل الحقيقة أصبحت من الصعب القبض عليها وافتكاكها من براثن الحيرة والشك ?. وهل مع تراكمات الحيرة الوجودية وتضخم الهشاشة الإنسانية تصبح اللغة ذاك المنبر العظيم للتواصل الفصيح قابلة للكسر و التفتت لاحتواء القلق والهواجس الإنسانية والتساؤلات المصيرية.؟
و من الآليات التعبيرية اللافتة التي اعتمدتها الشاعرة في هذه المجموعة الشعرية آلية “ ثلاث نقاط متتالية ونقطة تعجب … !” التي اعتمدتها الشاعرة كعنوان قصيدة” ليجسد مسارا نفسيا متكاملا ولتفتح عبرها مجالا ذهنيا ومساحة شعورية عنوانها “ما لم يكتمل قوله”ّ مما يحيلنا على ذروة القلق للذات الشاعرة الذي جعلها في موقع تردد أو في حالة انتظار إلى حد بلورة و اكتمال الشعور.فتأتي لحظة اكتمال الانفعال لتظهره الشاعرة وتفجره عبر نقطة التعجب ” !|”
هذا العنوان المرسوم بالنقاط مشهد من مشاهد الكتابة الأدبية المحنكة التي تٌحول اللغة إلى حدث شعوري
ممزوج بحركة ذهنية تأملية حيث يطبق الصمت على عنق المحتوى الدلالي للقصيدة ويظل معلقا على جسر النقاط المتتالية لينبثق و ينفجر من شرنقة الوعي بالألم عبر نقطة التعجب” هكذا فإن الصمت القابع في جرح الذات كلام آخر لا تكفيه المفردات اللغوية بكل ثقلها لتفجيره و إنما يتفجر وينفجر وينهمل صراخا لغويا عبر الرموز الشعورية.
تتعدد الخطابات في هذه النصوص الشعرية إذ نجد الشاعرة تخاطب الآخر وتستدعي الماضي منه وتخاطب الهوية وتحدث الذات العميقة المفتوحة على عدة مستويات من الوعي . ويرمز هذا التعدد في الخطاب إلى تشظي الذات الشاعرة والرغبة في اكتشاف هويتها من خلال الحوارات الظاهرة والباطنة ” أتدري أنني القاك /كلما ألقاني”ص67 حتى يتحول الديوان الشعري إلى مساحة تأملية وحلبة صراع بين الذات وذاتها العميقة و بين الذات وبقية العالم الخارجي في رحلتها الاستكشافية للوجود ولذاتها .
النزعة الصوفية جلية في هذه النصوص فالذات نجدها تتحول عبر الوعي و عبر التجلي النوراني. “تجلوني عروسا من سناها /كأن أتقلد أزاهير التجلي/ وأفشيني بسمة/ في ثغر الحقيقة” ص 82
شاعرة تعبر من دروب المجانين إلى خزامى الرسامين لتشيد مدينة للعشق وللحرية الروحية وللفن وتبني عبرها هوية جمالية من فيح الخيال. مدينة من ضوء و فن تليق بالذات الإنسانية ” سلكت ما طاب/ من دروب المجانين / وسكبت ما نالني ونلته /من خزامى الرسامين/ تلك مدينتي/واجهات فراشية/ حلة ضوئية/ تتخللني هوسا / كنديمة بثوب خمري” ص86
ذات شاعرة ممتلئة بمايختلج في ذاتها العميقة من مشاعر وأحاسيس إلى حد اللهفة لتكسير حدود الصمت و الانفجار في وجه كل الرغبات المكبوتة و الأحلام المنسية “محتشدة أنا بها/كاللهفة التي ترغو…” ص97
شاعرة في حالة سأم متواصل ،تخوض معاناة عميقة تبحث عن الاكتمال و الكمال في زمن أنصاف المصائر حتى لا تبقى الأحاسيس و العواطف و الأحلام والأفكار معلقة رهينة الخيالات .” البحر يراقبنا وجلا//بنصف نظرة/ ونصف بسمة/كم سئمت أنصاف المصائر” ص89
شاعرة مشبعة بالحس العاطفي “وجهي بحر/عيناك /قرصان/يقنص إنتظاري” الومضة 27 /ص22 تحن إلى الامجاد “حنبعل و الرومان” ص56 / .وهي شقية بنزف العروبة مرهقة بهموم الوطن “إلى أين؟” ص56
الصدق محراب القصيدة والإبداع لحظة خشوع :
في موكب شعري رهيب تٌشعّ فيه الحروف في عيون الكلام تحتضن الشاعرة كأس المعنى بيد الصدق والصفاء. دهشة راقية تولدت من الصدق الأسر ،فلا معنى لخمرة الشعر حين يهجر الصدق القصيدة . هذه الخمرة الشعرية تفيض من الذات الشاعرة” الكأس” لتمنح نشوة الرؤية لكل ذات إنسانية تبحث عن ذاتها. الشعر و الصدق ومنافذ الإبداع تلك هي مسيرة الشاعرة التي تؤمن بأن القصيدة عندما يكتمل نضجها في الذات الشاعرة و تشرق في عيون الذهن والوجدان تتحول إلى قوة خلاقة تترك أثرها على جدار التاريخ وفي ذاكرة الإنسانية .ذاك الشعر المصفى يكتسب قداسته من خمر القصيدة فيتحول إلى عمل إبداعي يتجاوز المشهد الحسي ويتخطى حدود المكان والزمان ويخترق أعماق الخلود متحديا عواصف الطبيعة و عصف الذاكرة و حتى سكرات الموت فيعتلي مرتبة الأسطورة الكونية الخالدة التي تنصهر في كل عناصر الوجود “ما أصدق خمر قصيدتي //حين يتلألأ في كأسي //يخط أسطورة //على جداريات العابرين ” ومضة 01 /ص09
صدق الذات الشاعرة مع ذاتها العميقة سيف يذبح آهاتها من الوريد إلى الوريد حين تٌجسد حروفها حالة من التشتت الداخلي والصراع الباطني بين حقيقتها و جوهرها و بين ما يحيط بها من زيف و أوهام مجتمعية وفكرية و شعورية وتجعلها في بحث متواصل عن التوازن وعن التماسك تحت ظلال المعنى .”قصيدة مبعثرة أنا/بين ميزاني / وميزان الظلال” ص53
و بين نور وعتمة ، وبين أمل وألم ، وبين قلق وإشراقة روحية جاء هذا الديوان الشعري كاشفا أدغال الذات ببعدها النفسي و التأملي العميق” يتبعني طيف النهار/يعقبه ظل الغمام/و بعض زخات قدر” ص93
اللغة كائن حي والتجربة الذاتية حياة و القصيدة مرآة التلاقي:
علاقة الشاعرة باللغة علاقة تواصل عبر جسر الحروف النابضة .رحلة متوهجة تمشيها بنعال الشعر .وحين تلمس أرض الفهم تنشق الكلمات لتعلن ميلاد ذات صاخبة في سكينتها ومتمردة في هدوءها تعيد تشكيل العالم على وقع عزفها الباطني. و عندما تتجمل اللغة بشرايين الحياة تصبح وطنا تسكنه الذات الشاعرة ويقيم فيه المعنى و تتدلى من خلف أسواره عناقيد ا لإنتماء و الآمان ” ألفتٌ عناقيد الكلام وطنا ” ص55 .
و يحدث أن تصاب اللغة بالدهشة والعجز أمام صرخات الذات الإنسانية فتؤرقها وتعرّقها أثناء رحلتها الوجودية المضنية فيلهث المعنى في غيمات اللافهم وتصبح اللغة ذاتها عاجزة “تجمد الدم في شرايين الكلمات/لأجل غير مجمد ” ص86 .أنذاك تحدث المفارقة بين عجز اللغة وبين الشعور الذي جاءت لترسمه بحروفها النابضة .
مراوحة بلاغية بين التجمد و اللاتجمد ،فإن تجمدت حروف اللغة وعجزت عن توصيف خلجات الذات يظل الشعور حيا إلى أجل غير مٌجمّد مما يٌولّّدٌ يقينا نسبيا بأن الرحلة والتجربة الوجودية الذاتية منها أو الموضوعية بأحلامها و خيالاتها و واقعيتها أثقل من فخامة اللغة التي تعجز عن احتوائها وبالتالي تظل الشاعرة شاخصة تبحث عن رموز أو حركات صوتية للتعبير عنها .وإن توقفت القدرة على التعبير فإن الحياة مستمرة بين مسارات الأقدار و بالتالي فإن عجز اللغة ليس إلا دليلا على شساعة المعنى و عمق تواجده وحضوره في التجربة الوجودية التي تخوضها الذات الشاعرة كذات إنسانية تحمل فوق كتفيها القضية الوجودية في صيغتها الإنسانية و الكونية ” تجمد الدم في شرايين الكلمات/لأجل غير مجمد “ص86
تلك اللغة كائن حي يجعل من الإنسان كائنا نورانيا في تجلي صوفي رهيب . فاللغة تنزع عن الإنسان غبار الواقع و قتامات العالم الحسي وتطهره بالكشف والتعري لتصطفيه في أجمل صورة ” تطوف بي وجوهي/تصطفيني /كائنا نورانيا “ص 43.وكأن اللغة تتجاوز مرحلة وصف الحقيقة والجوهر لتساهم في بلورت الذات الإنسانية وتشكيلها روحيا وذهنيا ونفسيا لتصطفيها كائنا نورانيا يمسك النور بين أحضانه و ينثره في رحاب الكون لتبدو اللغة و خاصة اللغة الشعرية التي تحضنها القصيدة والمنظومة الشعرية وسيطا فنيا يصف رحلة تحوّلٍ الذات الإنسانية من هويةٍ متكسّرة إلى حضورٍ أكثر صفاءً وإشراقاً.
تلك الذات التي تتعثر بوجهها و تصطدم بنفسها في كل تجلياتها تحولها اللغة إلى مادة تكتبها في لحظات من القداسة الصوفية “تعثرت يوما بوجهي/قصة محو/تكتبها لغتي /على نحو ما ” ص 43.

یتبع….