قراءة في قصیدة “الإمتلاء فراغا” للشاعر یحیی السماوي

صورة الكاتب
بقلم: د. جبَّار ماجد البهادليّ
التاريخ: 14 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 8
قراءة في قصیدة “الإمتلاء فراغا” للشاعر یحیی السماوي

القصيدة :

الإمتلاء فراغا

________________

لـسـتُ بـالـكـافـرِ

لـكـنْ

كَـثُـرَ الأربـابُ فـي أوروكَ ..

كـلٌّ ولـهُ فـي سُـورةِ ” الـكـرسـيِّ ” تـفـسـيـرٌ وزعـمٌ

ولـهُ مـالٌ وجـنـدٌ ..

لـسـتُ أدري أيَّ ربٍّ أتَّـقـيـهْ

*

كـاهـنُ الـمـعـبـدِ لـصٌّ ..

وولـيٌّ الأمـرِ دجّـالٌ ..

وكـلٌّ يـطـلـبُ الـبَـيـعـةَ فـي أوروكَ ..

كـلـكـامِـشُ بـاعَ الـسـورَ واسْــتـوزرَ أصْـهـارَاً

وأضـحـى قـارئُ الـفـنـجـانِ والـكـفِّ فـقـيـهْ

*

فـإذا الـسـارقُ قـاضٍ

وإذا الـنُّـكْـرُ وجـيـهْ

*

وإذا بـالـشـمـسِ تـسـتـجـدي مـن الـفـانـوسِ ضـوءاً

لـيـسَ مـا يـمـلـؤنـي إلآ فـراغُ الـقـلـبِ مـمـنْ يـســتـبـيـهْ

*

هـا أنـا أُفـرِغُ مـن يـومـيَ أمـسـي

نـافِـضـاً عـنـي رمـاداً

كـان يـومـاً شَـجَـراً مُـخـضَـوْضِـرَ الأفـيـاءِ

يُـشـجـي بـحـفـيـفٍ وهـديـلٍ سـامِـعـيـهْ

*

أفـرغـي قـلـبَـكِ مـنـي ..

أفـرغـيـهْ

*

واطـعِـمـي لـلـنـارِ قـيـثـاري وشِـعـراً كـنـتِ فـيـهْ :

*

لـلـهـوى الأرضـيِّ فـي أوروكَ رَبَّـاً ..

وأنـا كـنـتُ نَـبـيـهْ

*

ورسـولَ الـعـشـقِ فـي وادي زهـور الـلـوزِ

أتـلـو فـي الـبـسـاتـيـنِ وصـايـاكِ عـلـى الأنـهـارِ

والأشـجـارِ والأطـيـارِ ..

فـرداً كـنـتِ فـي أوروكَ لا تُـشـبِـهُـهـا آلِـهَـةٌ أخـرى ..

وقـلـبـي كـانَ مـبـعـوثَـكِ فـي الـعـشـقِ

ولـيْ ألـفُ شَـبـيـهْ

*

كـلُّـهُـمْ حَـجُّـوا الـى قـلـبِـكِ

يـرجـونَ دخـولاً لـفـراديـسِـكِ ..

كـلٌّ ولـهُ مـا يـبـتـغـيـهْ

*

طـرقـوا بـابَـكِ

لـكـنـكِ أغـمَـضْـتِ جـفـونـاً

وأبَـتْ عـيـنـاكِ إلآيَ سـمـيـراً

فـاصـطـفـانـي قـلـبُـكِ الـطـفـلُ خـلـيـلاً ..

كـنـتِ مـنـي الـنـهـرَ والـنـاعـورَ والـحـقـلَ

ومـا أمـضـيـتُ عـمـري أشــتـهـيـهْ

*

وأنـا مـنـكِ :

كـمـا طـفـلٌ وحـيـدٌ مـن أبـيـهْ

*

نـتـسـاقـى الـلـذةَ الـبـيـضـاءَ :

تـنـوراً ومـحـراثـاً ..

صـهـيـلاً وهـديـلاً ..

وتـسـابـيـحَ ومِـحـرابـاً ..

وحـانـوتـاً وصـهـبـاءً ..

وأحـلامـاً وتِـيـهْ

*

مُـسـتـغـيـثـاً جـئـتُ

أسـتـفـهـمُ مـن آلـهـة الـحـكـمـةِ

عـمّـا لا أعِـيْـهْ

*

يـشـتـكـيـنـي قـلـقـي مـنـكِ

ومـنـي أشــتـكـيـهْ

*

كـانـتِ الـجـنَّـةَ أوروكُ

وكـلُّ الـنـاسِ :

أنـكـيـدو و” شـامـاتُ ” و” سـيـدوري ”

فـمَـنْ صَـيَّـرَهـا الـنـارَ ؟

ومَـنْ صَـيَّـرَ خـمـبـابـا إلـهـاً (*)

يـقـتـديـهْ :

*

سـاسـةُ الـصـدفـةِ

والـعُـبّـادُ مـن لـصٍّ ودجّـالٍ ووغـدٍ وسَــفـيـهْ

*

أفـرغـي قـلـبَـكِ مـنـي ..

أفـرِغـيـهْ

*

فـأنـا زرعٌ وقـد حـانَ حـصـادي ..

نَـعِـسَ الـقـلـبُ ..

وجَـفَّ الـطـيـنُ ـ أو كـادَ ـ

ومـا مـن سُـحُـبٍ

تُـنـبِـئُ عـن غَـيـثٍ مُـغـيـثٍ يُـعـشِـبُ الأرضَ

ويـسـتـرجِـعُ ـ قـسـراً ـ وطـنـاً مـن ســارقـيـهْ

*

نَـعِـسَ الـقـلـبُ

وجَـفَّ الـطـيـنُ أو كـادَ ..

ولا ثـوبُ تـقـىً ـ إلآكِ ـ مـا يـسـتـرُ عُـريَ الـروحِ مـنـي

فـابـعـثـيـنـي مـرّةً أخـرى

إذا لـم تـجـديْ لـيْ فـي الـهـوى

صَـبَّـاً شــبـيـهْ

***

(*) شامات : الحسناء التي أنسنت الوحش أنكيدو حين مكّنته من نفسها .. سيدوري : صاحبة الحانة المعروفة بالحكمة . .. خمبابا : الوحش الخرافي الذي أرعب شعب أوروك .

_______________________

القراءة

في كل فترةٍ زمنيةٍعصيبةٍ يتحفنا السَّماوي ، الشاعر الصبور الثائر بجديد إبداعه الشعري استكمالاً لمسيرة مشروعه الفكري الثقافي الجمالي الحداثوي الذي بدأهُ في آخريات رحلته الشعرية المعراجبة إلى مدينة الشعر الفاضلة، والذي اِنكبَّ فيه على توظيف جماليات الرمز الأسطوري السومري العراقي في شعره التفعيلي. والذي مازج وحدته الموضوعية بجماليات العشق الحسيِّ الرُّوحي الذي كان نافذة بوابته الشعرية الكبرى التي أطلَّ منها على المسكوت عنه في فنارات الوطن الكبير المنطفئة (المؤودة) قتلاً، والتي يُحاول الشاعر فيها ومن خلالها أنْ يُبعث حياً من حطام رمادها الناري في هذه الصرخة الشعورية المدويَّة الآفاق في صحراء قصيدته المترامية الأطراف :

ها أنا أُفرغُ من يوميَ أمسي

نافضاً عني رماداً

كان يوماً شجراً مخضوصرَ الأفياءِ

يُشجي بحفيفٍ وهديلٍ سامعيهْ

فهذا الجيشان الشعوري المتصاعد غضباً، والملتهب احتراقاً وتوجُّعاً وألماً، والمائر حزناً وانتكاساً واستغراباً وتساؤلاً ومفارقةً واندهاشاً نطقت به صارخةً عتبة النصِّ العنوانية المتضادة في مفارقتها الشعرية التي تضمّنت النقيضين معا، والموسومة بعنونتها (الامتلاءُ فراغاً). هذه القصيدة الهائية السكونية المملوءة بهاءات السكت الشعورية الفياضة المسبوقة بروي يائي ممدود ألماً وتنغيماً وقعياً متساوقا مع سياقات الحدث التاريخي، والتي صدَّرها الشاعر قصدياً بمفردة لغوية ساخنة (مُستغيثاً) دالة في اسمها المشتق من الفاعلية على الصرخة التي تضمنها تركيبها النحوي الجُمَلي الشعري الدال على واقع الحال الراهن المعاش، كونها حالاً مفردةً دالة ومُبيِّنَةً على مجيء صاحب الحال الشاعر الذي يستفهم فيه من آلهة الحكمة – بعد أنْ انقطعت به أسباب الرجاء – عن الذي لا يُعرفه أو يعيه واقعاٌ مجهولاً غامضاً:

مُستغيثاً جئتُ أستفهمُ من آلهة الحكمةِ

عمّا لا أعيهْ

نافياً عن نفسه في الوقت ذاته صفة الكفر وتهمة الإلحاد، ومعلِّلاً في وقته أسباب تلك الاستغاثة بكثرة أصحاب السوابق والأرباب في (أُروك) العراق الجديدْ ، عراق الحاضر القاهر، كلٌّ له في سورة (الكرسي) رأيٌ وتفسير، وتحليل، وتعليل، ومآرب عديدة شتّى، وله مال وجند يحرسون ما ظهر وبطن من الفساد.

الأمر الذي اختلط عليه (حابله بنابله)، نتيجة احتدام الفوضى العارمة، فباتً لا يعرف أيّ ربٍّ منهم يتقيه ، فالوجوه المعبودة زيفاً تعددت ولكن عباءة الفضيلة واحدة لم تتغير مظلتها:

لستُ بالكافرِ

لكنْ

كَثُرَ الأربابُ في “أُروكَ” ..

كلٌّ وَلهُ في سورة “الكرسي”

تفسيرٌ وزعمٌ

ولَهُ مالٌ وَجُنْدٌ ..

لستُ أدري أيُّ ربٍّ أتقيهْ

أيُعقلُ هذا الذي يجري في بلد الحضارات ؟! أيُعقلُ ما يحدث لأوروكَ الجديدة أنْ تأكل الثورة أبناءها الحقيقيين، وتُدنس تاريخ حضارتها الطويل الضارب في أطناب جذورها؟! أيُعقلُ الحاضر متهالك ساخر أنْ يقتل ماضياً زاهراً خالداً خيرَ باهر؟!

ما الذي يجري ؟ إلى أين أنتَ ماضٍ ياعراقَ التاريخ والأمجاد ، السؤدد والحضارة ؟! ياله من واقع وقح مدمٍرٍ آسر. والأنكى أسفاً حاضر لا يٌشرِّفُ فخراً بأبجدياته ذلك التاريخ المائز الزاخر. يا لها من معادلة متماهية مقلوبة الحاضر فكانت أوروكُ هي الجنة:

كانتِ الجنةَ أوروكُ

وكلُّ النّاسِ:

أنكيدو و”شامات” و”سيدوري”

فَمًنْ صيَّرهَا النَّارَ؟

وَمنْ صيَّرَ خمبابا إلهاً

يَقتدٍيهْ؟

والسَّماوي في هذه القصيدة التي جمعت بين النسق الآيديولوجي السياسي(الوطني)، والنسق الأسطوري الحضاري (المثيولوجي) ، والنسق العشقي الحسّي الروحي (الجمالي)، لا يستغيث مستنجداً من واقع ساقط محتضرٍ هالك ضائع فحسب، وإنّما يصرخ ثائراً كيف احتفت أوروك المجد والحضارة الجديدة بهذا المصاب الجلل، بهذا الداء السياسي اللعين الفاتك القاتل الذي يمخر عُباب الروح قبل أن يطال شعب أرض السواد. إنّها محنة التاريخ السياسي الحديث، ولعنة السماء على الأرض على ظلال شعبٍ مُتحضرٍ لم يَذُقْ طعم السلم في تاريخه الحافل العريق، ولم يعرفْ مكاناً تحطُّ به حمامة الأمن والسلام في تاريخ حكم العراق العصي، ولنتأمل ما يقوله في هذه الجملة الشعرية المكثفة التي نصبَ فيها كلمةَ(ربَّا) على تقدير محذوف كأن يكون فعلاً وفاعلاً نحو(…خبرتُ او علٍمتُ ربَّاً) :

للهوى الأرضي في أوروكَ رًبَّاُ ..

وأنَا كنتُ نبيهْ

والأغرب في هذه المفارقة الشعرية أن السَّماوي الشاعر المفكِّر الواعي يقلبُ في أسلوبيته الحداثوية المعادلة الموضوعية الإبداعية، فلا يُسقطُ الواقع المزري المعيش الراهن على عتبات التاريخ الماضي السائر، بل يستحضر التاريخ السومري المشع الزاهر في هذه المقاطع التدفقية المؤسطَرة، ويُسقطُ رموزه الأسطورية البارزة الفذة وتناصات واقعه التاريخي على نزيف عتبات واقعه اليومي الحاضر . هذا الواقع المريض الذي تفنَّنَ مبدعوه المتنطعون، وصانعو مجده المزيفون البرغماتيون النفعيون. وتأثيثه بوسائل جديدة فاقت حدود المكر والخديعة وتجاوزت فيه خطوط الرياء والدهاء،. وسائل وألاعيب فيها من حبائل الصنعة والشيطنة ما يفوق حدود العقل والوعي، بل إنّ الشيطان نفسه لم يخطر على باله مثل هذا النوع من الخراب ودمار الحال والمحال:

كاهنُ المعبدِ لصّْ ..

ووليُّ الأمرِ دجالٌ..

وكلٌّ يطلب البيعةَ في أوروكَ ..

كلكامشُ باعَ السورَ واستوزر أصهاراً

وأضحى قارئُ الفنجانِ والكفِّ

فَقِيهْ

أيُّ حقيقةٍ مُرّةٍ يواجهها الإنسان العراقي على مدى تاريخه الأصيل :((إنّهم يُخرِبُونَ بُيوتَهم بِأيدِيهم ))، بقصد أو من غير قصد . إنهم مشركو الوطن الحقيقيون الجُدد ، وكُفّارهُ المعادون لحضارته ودينه القيّم الحقيقي..

فهذه الصدمة التي يعيشها الشاعر ويحملها حقيبة وطنٍ على عاتقه إنها جرح لم يندمل، ولم يلتئم ضماده الروحي .فما زالت طعانته متواليةً تقضُّ مضاجع صميم قلبه النازف. جرح ينتظره غداً أصماً أبكماً أبهماً غيرَ واضح معلن.. إنّه الغد المستقبلي الآتي الذي لم يحن قطوف أوانه الداني بعد، وتلك والله مصيبة كبرى:

فإذا السارقُ قاضٍ

وإذا النُّكُرُ وجيهْ

كل هذا الوجع الوطني الكبير الذي تستشعره صيحات الشاعر وتنفث به شعريته الحقّة لم تمنعه من أنْ يُرتِّلَ للمعشوقة السومرية آيات العشق وأخبار الغرام، ما كان مسكوتا عنه من أنساق الحبّ في الخفاء التي تهافت عليها العشاق المغرضون ممن يرومون عشق قلبها محجّةً ومزاراً، لكنَّها تمنّعت وغضّت طرفيَ عينيها عنهم وفاءً وإخلاصاً وتبتلاً وطهراً عمن لا يشتهيه أو يستهويه قلبها الطري النابض :

كُلُّهم حجّوا إلى قلبكِ

يرجونَ دخولاً لفراديسكِ ..

كلٌّ

ولهُ ما يبتغيهْ

وأنا منكِ :

كما طفلٌ وحيدٌ من أبيهْ

وقد دفعه شعوره العالي وإحساسه العاطفي الذاتي بواقعة الألم أن يركن في مخياله الشعري الواثب إلى جملةٍ من المفارقات الشعورية والمقاربات اللفظية الثنائية المتواشجة في احتشادها الجمالي النسقي الإنزياحي، وفي موحياتها العشقية التي أرادها الشاعر أن تكون تراتيل حبٍّ روحية مضيئة تسمو بها وقائع قصيدته ذات الطابع الأسطوري الملحمي، والتركيب النسغي الروحي العشقي، والإنزياحي ذي الانتماء الوطني الآيديولوجي الموقفي الرؤيوي لمعجميته الشعرية:

نتساقى اللَّذة البيضاء :

تنُّوراً ومٍحراثاً..

صَهيلاً وهَديلاً ..

وتًسابيحَ ومٍحراباً ..

وحَانوتاً وصًهباءَ

وأحلاماً وًتِيهْ

يا لها من ثنائيات جمعت بعناية شاعر واعٍ ممن يوفق بين الممكنات والمستحيلات إبداعا وجمالاً وتناسبا صوتياً وحركياً.

 

عن الکاتب / الکاتبة

د. جبَّار ماجد البهادليّ
د. جبَّار ماجد البهادليّ
نَاقدٌ وكَاتبٌ عراقيّ

مقالات أخرى للكاتب

منافِي الاِغتِرابِ  وَهُويَّةُ الاِنتماءِ الإنسانِيّ المَفقُودةُ دِراسةٌ نَقديَّةٌ لِمَجموعةِ ذِكرى لعَيبي القَصصيَّةِ(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ)

منافِي الاِغتِرابِ وَهُويَّةُ الاِنتماءِ الإنسانِيّ المَفقُودةُ دِراسةٌ نَقديَّةٌ لِمَجموعةِ ذِكرى لعَيبي القَصصيَّةِ(عَواطفٌ عَلَى لَائحةِ الاِغترابِ)

تقديـمٌ: لمَ يَعُدْ الخوض في مسار رحلة البحث الشَّاقَّة عن تجلِّيات هُويَّة صراع الذات والانتماء…

صورة الكاتب د. جبَّار ماجد البهادليّ
13 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد
شَواخصٌ سَرديَّةٌ مِن رِحْلَةِ البَحثِ عَنِ المَجهُولِ دِراسةٌ نَقديةٌ فِي رِوايَةِ الحُبِّ والحَربِ,(ِطِفلٌ ودَفترُ ذِكريَاتٍ)

شَواخصٌ سَرديَّةٌ مِن رِحْلَةِ البَحثِ عَنِ المَجهُولِ دِراسةٌ نَقديةٌ فِي رِوايَةِ الحُبِّ والحَربِ,(ِطِفلٌ ودَفترُ ذِكريَاتٍ)

تقديم: (الحبُّ والحربُ), دَالَتَانِ مُتضادتانِ, ونقيضانٍ لَدودانِ لا يلتقيانِ على هوى المَحجَّةِ أبداً وعلى الدوام…

صورة الكاتب د. جبَّار ماجد البهادليّ
19 نوفمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة في قصیدة “الإمتلاء فراغا” للشاعر یحیی السماوي

بقلم: د. جبَّار ماجد البهادليّ | التاريخ: 14 يوليو 2026

التصنيف: النقد الأدبي

القصيدة :

الإمتلاء فراغا

________________

لـسـتُ بـالـكـافـرِ

لـكـنْ

كَـثُـرَ الأربـابُ فـي أوروكَ ..

كـلٌّ ولـهُ فـي سُـورةِ ” الـكـرسـيِّ ” تـفـسـيـرٌ وزعـمٌ

ولـهُ مـالٌ وجـنـدٌ ..

لـسـتُ أدري أيَّ ربٍّ أتَّـقـيـهْ

*

كـاهـنُ الـمـعـبـدِ لـصٌّ ..

وولـيٌّ الأمـرِ دجّـالٌ ..

وكـلٌّ يـطـلـبُ الـبَـيـعـةَ فـي أوروكَ ..

كـلـكـامِـشُ بـاعَ الـسـورَ واسْــتـوزرَ أصْـهـارَاً

وأضـحـى قـارئُ الـفـنـجـانِ والـكـفِّ فـقـيـهْ

*

فـإذا الـسـارقُ قـاضٍ

وإذا الـنُّـكْـرُ وجـيـهْ

*

وإذا بـالـشـمـسِ تـسـتـجـدي مـن الـفـانـوسِ ضـوءاً

لـيـسَ مـا يـمـلـؤنـي إلآ فـراغُ الـقـلـبِ مـمـنْ يـســتـبـيـهْ

*

هـا أنـا أُفـرِغُ مـن يـومـيَ أمـسـي

نـافِـضـاً عـنـي رمـاداً

كـان يـومـاً شَـجَـراً مُـخـضَـوْضِـرَ الأفـيـاءِ

يُـشـجـي بـحـفـيـفٍ وهـديـلٍ سـامِـعـيـهْ

*

أفـرغـي قـلـبَـكِ مـنـي ..

أفـرغـيـهْ

*

واطـعِـمـي لـلـنـارِ قـيـثـاري وشِـعـراً كـنـتِ فـيـهْ :

*

لـلـهـوى الأرضـيِّ فـي أوروكَ رَبَّـاً ..

وأنـا كـنـتُ نَـبـيـهْ

*

ورسـولَ الـعـشـقِ فـي وادي زهـور الـلـوزِ

أتـلـو فـي الـبـسـاتـيـنِ وصـايـاكِ عـلـى الأنـهـارِ

والأشـجـارِ والأطـيـارِ ..

فـرداً كـنـتِ فـي أوروكَ لا تُـشـبِـهُـهـا آلِـهَـةٌ أخـرى ..

وقـلـبـي كـانَ مـبـعـوثَـكِ فـي الـعـشـقِ

ولـيْ ألـفُ شَـبـيـهْ

*

كـلُّـهُـمْ حَـجُّـوا الـى قـلـبِـكِ

يـرجـونَ دخـولاً لـفـراديـسِـكِ ..

كـلٌّ ولـهُ مـا يـبـتـغـيـهْ

*

طـرقـوا بـابَـكِ

لـكـنـكِ أغـمَـضْـتِ جـفـونـاً

وأبَـتْ عـيـنـاكِ إلآيَ سـمـيـراً

فـاصـطـفـانـي قـلـبُـكِ الـطـفـلُ خـلـيـلاً ..

كـنـتِ مـنـي الـنـهـرَ والـنـاعـورَ والـحـقـلَ

ومـا أمـضـيـتُ عـمـري أشــتـهـيـهْ

*

وأنـا مـنـكِ :

كـمـا طـفـلٌ وحـيـدٌ مـن أبـيـهْ

*

نـتـسـاقـى الـلـذةَ الـبـيـضـاءَ :

تـنـوراً ومـحـراثـاً ..

صـهـيـلاً وهـديـلاً ..

وتـسـابـيـحَ ومِـحـرابـاً ..

وحـانـوتـاً وصـهـبـاءً ..

وأحـلامـاً وتِـيـهْ

*

مُـسـتـغـيـثـاً جـئـتُ

أسـتـفـهـمُ مـن آلـهـة الـحـكـمـةِ

عـمّـا لا أعِـيْـهْ

*

يـشـتـكـيـنـي قـلـقـي مـنـكِ

ومـنـي أشــتـكـيـهْ

*

كـانـتِ الـجـنَّـةَ أوروكُ

وكـلُّ الـنـاسِ :

أنـكـيـدو و” شـامـاتُ ” و” سـيـدوري ”

فـمَـنْ صَـيَّـرَهـا الـنـارَ ؟

ومَـنْ صَـيَّـرَ خـمـبـابـا إلـهـاً (*)

يـقـتـديـهْ :

*

سـاسـةُ الـصـدفـةِ

والـعُـبّـادُ مـن لـصٍّ ودجّـالٍ ووغـدٍ وسَــفـيـهْ

*

أفـرغـي قـلـبَـكِ مـنـي ..

أفـرِغـيـهْ

*

فـأنـا زرعٌ وقـد حـانَ حـصـادي ..

نَـعِـسَ الـقـلـبُ ..

وجَـفَّ الـطـيـنُ ـ أو كـادَ ـ

ومـا مـن سُـحُـبٍ

تُـنـبِـئُ عـن غَـيـثٍ مُـغـيـثٍ يُـعـشِـبُ الأرضَ

ويـسـتـرجِـعُ ـ قـسـراً ـ وطـنـاً مـن ســارقـيـهْ

*

نَـعِـسَ الـقـلـبُ

وجَـفَّ الـطـيـنُ أو كـادَ ..

ولا ثـوبُ تـقـىً ـ إلآكِ ـ مـا يـسـتـرُ عُـريَ الـروحِ مـنـي

فـابـعـثـيـنـي مـرّةً أخـرى

إذا لـم تـجـديْ لـيْ فـي الـهـوى

صَـبَّـاً شــبـيـهْ

***

(*) شامات : الحسناء التي أنسنت الوحش أنكيدو حين مكّنته من نفسها .. سيدوري : صاحبة الحانة المعروفة بالحكمة . .. خمبابا : الوحش الخرافي الذي أرعب شعب أوروك .

_______________________

القراءة

في كل فترةٍ زمنيةٍعصيبةٍ يتحفنا السَّماوي ، الشاعر الصبور الثائر بجديد إبداعه الشعري استكمالاً لمسيرة مشروعه الفكري الثقافي الجمالي الحداثوي الذي بدأهُ في آخريات رحلته الشعرية المعراجبة إلى مدينة الشعر الفاضلة، والذي اِنكبَّ فيه على توظيف جماليات الرمز الأسطوري السومري العراقي في شعره التفعيلي. والذي مازج وحدته الموضوعية بجماليات العشق الحسيِّ الرُّوحي الذي كان نافذة بوابته الشعرية الكبرى التي أطلَّ منها على المسكوت عنه في فنارات الوطن الكبير المنطفئة (المؤودة) قتلاً، والتي يُحاول الشاعر فيها ومن خلالها أنْ يُبعث حياً من حطام رمادها الناري في هذه الصرخة الشعورية المدويَّة الآفاق في صحراء قصيدته المترامية الأطراف :

ها أنا أُفرغُ من يوميَ أمسي

نافضاً عني رماداً

كان يوماً شجراً مخضوصرَ الأفياءِ

يُشجي بحفيفٍ وهديلٍ سامعيهْ

فهذا الجيشان الشعوري المتصاعد غضباً، والملتهب احتراقاً وتوجُّعاً وألماً، والمائر حزناً وانتكاساً واستغراباً وتساؤلاً ومفارقةً واندهاشاً نطقت به صارخةً عتبة النصِّ العنوانية المتضادة في مفارقتها الشعرية التي تضمّنت النقيضين معا، والموسومة بعنونتها (الامتلاءُ فراغاً). هذه القصيدة الهائية السكونية المملوءة بهاءات السكت الشعورية الفياضة المسبوقة بروي يائي ممدود ألماً وتنغيماً وقعياً متساوقا مع سياقات الحدث التاريخي، والتي صدَّرها الشاعر قصدياً بمفردة لغوية ساخنة (مُستغيثاً) دالة في اسمها المشتق من الفاعلية على الصرخة التي تضمنها تركيبها النحوي الجُمَلي الشعري الدال على واقع الحال الراهن المعاش، كونها حالاً مفردةً دالة ومُبيِّنَةً على مجيء صاحب الحال الشاعر الذي يستفهم فيه من آلهة الحكمة – بعد أنْ انقطعت به أسباب الرجاء – عن الذي لا يُعرفه أو يعيه واقعاٌ مجهولاً غامضاً:

مُستغيثاً جئتُ أستفهمُ من آلهة الحكمةِ

عمّا لا أعيهْ

نافياً عن نفسه في الوقت ذاته صفة الكفر وتهمة الإلحاد، ومعلِّلاً في وقته أسباب تلك الاستغاثة بكثرة أصحاب السوابق والأرباب في (أُروك) العراق الجديدْ ، عراق الحاضر القاهر، كلٌّ له في سورة (الكرسي) رأيٌ وتفسير، وتحليل، وتعليل، ومآرب عديدة شتّى، وله مال وجند يحرسون ما ظهر وبطن من الفساد.

الأمر الذي اختلط عليه (حابله بنابله)، نتيجة احتدام الفوضى العارمة، فباتً لا يعرف أيّ ربٍّ منهم يتقيه ، فالوجوه المعبودة زيفاً تعددت ولكن عباءة الفضيلة واحدة لم تتغير مظلتها:

لستُ بالكافرِ

لكنْ

كَثُرَ الأربابُ في “أُروكَ” ..

كلٌّ وَلهُ في سورة “الكرسي”

تفسيرٌ وزعمٌ

ولَهُ مالٌ وَجُنْدٌ ..

لستُ أدري أيُّ ربٍّ أتقيهْ

أيُعقلُ هذا الذي يجري في بلد الحضارات ؟! أيُعقلُ ما يحدث لأوروكَ الجديدة أنْ تأكل الثورة أبناءها الحقيقيين، وتُدنس تاريخ حضارتها الطويل الضارب في أطناب جذورها؟! أيُعقلُ الحاضر متهالك ساخر أنْ يقتل ماضياً زاهراً خالداً خيرَ باهر؟!

ما الذي يجري ؟ إلى أين أنتَ ماضٍ ياعراقَ التاريخ والأمجاد ، السؤدد والحضارة ؟! ياله من واقع وقح مدمٍرٍ آسر. والأنكى أسفاً حاضر لا يٌشرِّفُ فخراً بأبجدياته ذلك التاريخ المائز الزاخر. يا لها من معادلة متماهية مقلوبة الحاضر فكانت أوروكُ هي الجنة:

كانتِ الجنةَ أوروكُ

وكلُّ النّاسِ:

أنكيدو و”شامات” و”سيدوري”

فَمًنْ صيَّرهَا النَّارَ؟

وَمنْ صيَّرَ خمبابا إلهاً

يَقتدٍيهْ؟

والسَّماوي في هذه القصيدة التي جمعت بين النسق الآيديولوجي السياسي(الوطني)، والنسق الأسطوري الحضاري (المثيولوجي) ، والنسق العشقي الحسّي الروحي (الجمالي)، لا يستغيث مستنجداً من واقع ساقط محتضرٍ هالك ضائع فحسب، وإنّما يصرخ ثائراً كيف احتفت أوروك المجد والحضارة الجديدة بهذا المصاب الجلل، بهذا الداء السياسي اللعين الفاتك القاتل الذي يمخر عُباب الروح قبل أن يطال شعب أرض السواد. إنّها محنة التاريخ السياسي الحديث، ولعنة السماء على الأرض على ظلال شعبٍ مُتحضرٍ لم يَذُقْ طعم السلم في تاريخه الحافل العريق، ولم يعرفْ مكاناً تحطُّ به حمامة الأمن والسلام في تاريخ حكم العراق العصي، ولنتأمل ما يقوله في هذه الجملة الشعرية المكثفة التي نصبَ فيها كلمةَ(ربَّا) على تقدير محذوف كأن يكون فعلاً وفاعلاً نحو(…خبرتُ او علٍمتُ ربَّاً) :

للهوى الأرضي في أوروكَ رًبَّاُ ..

وأنَا كنتُ نبيهْ

والأغرب في هذه المفارقة الشعرية أن السَّماوي الشاعر المفكِّر الواعي يقلبُ في أسلوبيته الحداثوية المعادلة الموضوعية الإبداعية، فلا يُسقطُ الواقع المزري المعيش الراهن على عتبات التاريخ الماضي السائر، بل يستحضر التاريخ السومري المشع الزاهر في هذه المقاطع التدفقية المؤسطَرة، ويُسقطُ رموزه الأسطورية البارزة الفذة وتناصات واقعه التاريخي على نزيف عتبات واقعه اليومي الحاضر . هذا الواقع المريض الذي تفنَّنَ مبدعوه المتنطعون، وصانعو مجده المزيفون البرغماتيون النفعيون. وتأثيثه بوسائل جديدة فاقت حدود المكر والخديعة وتجاوزت فيه خطوط الرياء والدهاء،. وسائل وألاعيب فيها من حبائل الصنعة والشيطنة ما يفوق حدود العقل والوعي، بل إنّ الشيطان نفسه لم يخطر على باله مثل هذا النوع من الخراب ودمار الحال والمحال:

كاهنُ المعبدِ لصّْ ..

ووليُّ الأمرِ دجالٌ..

وكلٌّ يطلب البيعةَ في أوروكَ ..

كلكامشُ باعَ السورَ واستوزر أصهاراً

وأضحى قارئُ الفنجانِ والكفِّ

فَقِيهْ

أيُّ حقيقةٍ مُرّةٍ يواجهها الإنسان العراقي على مدى تاريخه الأصيل :((إنّهم يُخرِبُونَ بُيوتَهم بِأيدِيهم ))، بقصد أو من غير قصد . إنهم مشركو الوطن الحقيقيون الجُدد ، وكُفّارهُ المعادون لحضارته ودينه القيّم الحقيقي..

فهذه الصدمة التي يعيشها الشاعر ويحملها حقيبة وطنٍ على عاتقه إنها جرح لم يندمل، ولم يلتئم ضماده الروحي .فما زالت طعانته متواليةً تقضُّ مضاجع صميم قلبه النازف. جرح ينتظره غداً أصماً أبكماً أبهماً غيرَ واضح معلن.. إنّه الغد المستقبلي الآتي الذي لم يحن قطوف أوانه الداني بعد، وتلك والله مصيبة كبرى:

فإذا السارقُ قاضٍ

وإذا النُّكُرُ وجيهْ

كل هذا الوجع الوطني الكبير الذي تستشعره صيحات الشاعر وتنفث به شعريته الحقّة لم تمنعه من أنْ يُرتِّلَ للمعشوقة السومرية آيات العشق وأخبار الغرام، ما كان مسكوتا عنه من أنساق الحبّ في الخفاء التي تهافت عليها العشاق المغرضون ممن يرومون عشق قلبها محجّةً ومزاراً، لكنَّها تمنّعت وغضّت طرفيَ عينيها عنهم وفاءً وإخلاصاً وتبتلاً وطهراً عمن لا يشتهيه أو يستهويه قلبها الطري النابض :

كُلُّهم حجّوا إلى قلبكِ

يرجونَ دخولاً لفراديسكِ ..

كلٌّ

ولهُ ما يبتغيهْ

وأنا منكِ :

كما طفلٌ وحيدٌ من أبيهْ

وقد دفعه شعوره العالي وإحساسه العاطفي الذاتي بواقعة الألم أن يركن في مخياله الشعري الواثب إلى جملةٍ من المفارقات الشعورية والمقاربات اللفظية الثنائية المتواشجة في احتشادها الجمالي النسقي الإنزياحي، وفي موحياتها العشقية التي أرادها الشاعر أن تكون تراتيل حبٍّ روحية مضيئة تسمو بها وقائع قصيدته ذات الطابع الأسطوري الملحمي، والتركيب النسغي الروحي العشقي، والإنزياحي ذي الانتماء الوطني الآيديولوجي الموقفي الرؤيوي لمعجميته الشعرية:

نتساقى اللَّذة البيضاء :

تنُّوراً ومٍحراثاً..

صَهيلاً وهَديلاً ..

وتًسابيحَ ومٍحراباً ..

وحَانوتاً وصًهباءَ

وأحلاماً وًتِيهْ

يا لها من ثنائيات جمعت بعناية شاعر واعٍ ممن يوفق بين الممكنات والمستحيلات إبداعا وجمالاً وتناسبا صوتياً وحركياً.