قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ ” الأثرُ الأخيرُ” للقاص عدنان لفتة السماوي

صورة الكاتب
بقلم: لیلی صلیبي
التاريخ: 2 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2494
قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ ” الأثرُ الأخيرُ” للقاص عدنان لفتة السماوي

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ ” الأثرُ الأخيرُ” للقاص عدنان لفتة السماوي

 

يسعدُني أن أقرأَ هذا النصَّ بوصفِه واحدًا من النصوصِ السرديةِ التي تمزجُ بين الخيالِ الفلسفي وأدبِ التشويقِ النفسي، إذ لا يكتفي ببناءِ حبكةٍ قائمةٍ على اضطرابِ الذاكرةِ، بل يذهبُ إلى مساءلةِ مفهومِ الحقيقةِ ذاتهِ، وما إذا كانتِ الحقيقةُ كيانًا مستقلًا عن الإدراكِ الجمعي، أم أنّها وليدةُ اتفاقٍ ضمني بين البشرِ.

القراءةُ النقديةُ:

تأتي قصةُ «الأثر الأخير»كونُها نصًّا ينتمي إلى أدبِ الخيالِ الفلسفيِّ المتكئِ على عناصرَ من الواقعيةِ الغرائبيةِ والتشويقِ النفسي، حيثُ ينجحُ الكاتبُ في تشييدِ عالمٍ سرديٍّ تتآكلُ فيه الحدودُ الفاصلةُ بين الذاكرةِ والواقعِ، وبين اليقينِ الفردي والحقيقةِ الجمعيةِ.

منذُ العتبةِ الأولى، يضعُنا العنوانُ «الأثرُ الأخيرُ» أمام َثنائيةٍ دلاليّةٍ شديدةِ الثراءِ؛ فالأثر ُ يُحيلُ إلى ما يتبقى بعدَ الغيابِ، وإلى الشاهدِ الأخيرِ على وجودٍ سابقٍ، بينما تفتحُ صفةُ «الأخير» أفقًا وجوديًّا موحشًا، يوحي بأنَّ  النصَّ  يسيرُ نحو لحظةٍ ينطفئُ فيها آخرُ دليلٍ يمكنُ الاتكاءُ عليه. وهكذا يتحوّلُ العنوانُ إلى مفتاحٍ تأويلي للنصِّ بأكملِه، إذ يغدو السؤالُ المركزيُّ: ماذا يحدثُ عندما يصبحُ الأثرُ نفسُه قابلاً للتبدّلِ؟

يؤسّسُ الكاتبُ شخصيةَ طارق بوصفِه الحارسَ الأمينَ للذاكرةِ الماديةِ. فهو مرمّمٌ  للأشرطةِ السينمائيةِ، يثقُ بالشريطِ أكثرَ مّا  يثقُ بالبشرِ، ويؤمنُ بأنَّ المادةَ تحفظُ الحقيقةَ من عبثِ التأويلِ. غيرَ أنَّ المفارقةَ السرديةَ تتجلّى في أولِّ خيانةٍ يتعرّضُ لها تأتي من «النسخةِ الأصليةِ» ذاتِها. وهنا يبلغُ النصُّ إحدى أهمِّ لحظاتِه الفلسفيةِ؛ إذ ينتقلُ الصراعُ من فقدانِ الذاكرةِ إلى انهيارِ المرجعِ، فلا يعودُ السؤالُ: «هل أخطأتِ الذاكرةُ؟» بل يصبحُ: «ماذا لو كانَ الواقعُ نفسُه يعيدُ كتابةَ تاريخِه؟».

ويتّسمُ البناءُ السرديُّ بتصاعدٍ مدروسٍ يعتمدُ على تقنيةِ الانزياحِ التدريجي. فالتغييراتُ تبدأُ بجملةٍ مفقودةٍ في فيلمٍ، ثمَّ تمتدُّ  إلى لونِ ربطةِ عنقٍ، فإلى الصورِ العائليةِ والوثائقِ الأكاديميةِ، لتصلَ في النهايةِ إلى المعاهداتِ والخرائطِ والتاريخِ الإنساني بأكملِه. هذا التدرّجُ يمنحُ النصَّ قدرتَه على خلقِ التوترِ؛ إذ ينتقلُ القارئُ من الشكِّ إلى الارتيابِ، ثمَّ إلى القلقِ الوجودي، دونَ أن يشعرَ بالقطيعةِ مع منطقِ الحكايةِ الداخلي.

ومن أبرزِ جمالياتِ النصِّ  اعتمادُه على ما يمكنُ تسميتُه «رعب اليقين»، وهو رعبٌ لا ينبعُ من حضورِ الأشباحِ أو الكائناتِ الغامضةِ، بل من انهيارِ أكثرِ المسلماتِ رسوخًا: الذاكرة، الوثيقة، الصورة، والتاريخ. فالكاتبُ يطرحُ تصورًا مرعبًا مفادُه أنَّ الحقيقةَ ليستْ ثابتةٌ وإنّما تتشكّلُ  وفقَ ما تؤمنُ به الأغلبيةُ، وهو ما يتجلّى في العبارةِ المحوريةِ:

«كل تغيير يبدأ عندما تصبح النسخة الخاطئة هي الأكثر تصديقًا بين الناس.»

إن هذه الفكرةَ تمنحُ النصَّ  بعدًا معاصرًا واضحًا، وتجعلُه أقربَ إلى تأمّلٍ عميقٍ في عصرِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، حيثُ يمكنُ للمعلومةِ المتكررةِ أن تكتسبَ شرعيةً تفوقُ الحقيقةَ نفسَها، وحيثُ يتحوّلُ  الإجماعُ إلى سلطةٍ قادرةٍ على إعادةِ تشكيلِ الوعي الجمعي.

أمّا شخصيةُ الدكتورة ليلى، فلا تؤدّي دورَ الشخصيةِ المساندةِ فحسب، بل تمثّلُ العقلَ العلميَّ الذي يحاولُ تفسيرَ ما يحدثُ وفقَ أدواتِ الإدراكِ والذاكرةِ. غيرَ أنَّ سقوطَها التدريجي في الفخِّ  نفسِه يمنحُ النصَّ توازنَه الدرامي، ويؤكّدُ أَّنَّ الظاهرةَ تتجاوزُ حدودَ التفسيرِ النفسي، لتدخلَ منطقةً أكثرَ غموضًا وإرباكًا.

ويُحسبُ للكاتبِ نجاحُه في توظيفِ «المتذكرين» باعتبارِهم استعارةً إنسانيةً مؤثرةً؛ فهم ليسوا جماعةً تمتلكُ الحقيقةَ، بل شهودٌ يخشون فقدانَها. ولعلَّ أكثرَ ما يميّزُ  هذه الجماعةُ أنّها تعيشُ على هامشِ العالمِ، لا لتغييرِه، وإنّما لتوثيقِ ما يتبدّلُ فيه، وكأنّها آخرُ حصونِ الذاكرةِ في مواجهةِ النسيانِ الكوني.

وعلى المستوى الفنّي، اعتمدَ النصُّ  على جملٍ قصيرةٍ متتابعةٍ في لحظاتِ التوترِ، الأمرُ الذي أسهمَ في تسريعِ الإيقاعِ السردي وتعزيزِ الشعورِ بالملاحقةِ والاختناقِ، في حين جاءتِ المقاطعُ التأمليةُ أكثرَ هدوءًا واتساعًا، ممّا أوجدَ توازنًا بينَ البعدِ الحكائي والبعدِ الفكري.

أمّا النهايةُ، فتُعدُّ  من أنجحِ محطاتِ النصِّ وأكثرِها تأثيرًا. إذ يعيدُ الكاتبُ كلَّ شيءٍ إلى نقطةٍ أكثرَ رعبًا من البدايةِ: هل كانتِ الأشهرُ الماضيةُ محاولةً من عقلِ طارق لترميمِ صدمةِ فقدانِ زوجتِه؟ أم أنَّ العالمَ قد استعادَ اتزانَه بالفعلِ، تاركًا له وحدَه عبءَ التذكّرِ؟ إنَّ تركَ هذا السؤالِ معلقًا بينَ نافذةِ المطبخِ والسيارةِ المحطمةِ يمنحُ الخاتمةَ قوةً استثنائيةً، ويجعلُها تنتمي إلى النهاياتِ المفتوحةِ التي تستمرُّ في ملاحقةِ القارئِ حتى بعدَ انتهاءِ القراءةِ.

إنَّ ” الأثر الأخير” ليس نصًًّا عن الذاكرةِ فحسب، بل عن ضعفِ  الحقيقةِ الإنسانيةِ ذاتِها وعن الخوفِ العميقِ من أن نستيقظَ يومًا لنكتشفَ أنَّ ما دافعَنا عنه طوالَ حياتِنا لم يكنْ سوى نسخةٍ مؤقتةٍ من العالمِ. ومن هنا تتجاوزُ القصةُ حدودَ المتعةِ السرديةِ لتغدوَ تأمّلًا فلسفيًّا في العلاقةِ المعقدةِ بين الإنسانِ والواقعِ، وبين ما نتذكّرُه وما يصرُّ  العالمُ على أنْ ينفيَه.

وفي المحصلةِ، ينجحُ الكاتبُ في تقديمِ نصٍّ مشغولٍ بعنايةٍ، يجمعُ بين التشويقِ والبعدِ الوجودي، ويطرحُ سؤالًا سيظلُّ معلقًا في ذهنِ القارئِ طويلًا: هل نحفظُ التاريخَ… أم أنَّ التاريخَ هو الذي يقرّرُ في النهايةِ ما ينبغي لنا أن نتذكرَه.

عن الکاتب / الکاتبة

لیلی صلیبي
لیلی صلیبي
ناقدة / لبنان

مقالات أخرى للكاتب

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ “حقولُ العناقِ” للشاعر ” قصي الفضلي”

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ “حقولُ العناقِ” للشاعر ” قصي الفضلي”

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصيدةِ “حقولُ العناقِ” للشاعر ” قصي الفضلي” تنهضُ قصيدةُ “حقول العناق” على…

صورة الكاتب لیلی صلیبي
20 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ ” الأثرُ الأخيرُ” للقاص عدنان لفتة السماوي

بقلم: لیلی صلیبي | التاريخ: 2 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

قراءةٌ نقديّةٌ تحليليةٌ لقصةِ ” الأثرُ الأخيرُ” للقاص عدنان لفتة السماوي

 

يسعدُني أن أقرأَ هذا النصَّ بوصفِه واحدًا من النصوصِ السرديةِ التي تمزجُ بين الخيالِ الفلسفي وأدبِ التشويقِ النفسي، إذ لا يكتفي ببناءِ حبكةٍ قائمةٍ على اضطرابِ الذاكرةِ، بل يذهبُ إلى مساءلةِ مفهومِ الحقيقةِ ذاتهِ، وما إذا كانتِ الحقيقةُ كيانًا مستقلًا عن الإدراكِ الجمعي، أم أنّها وليدةُ اتفاقٍ ضمني بين البشرِ.

القراءةُ النقديةُ:

تأتي قصةُ «الأثر الأخير»كونُها نصًّا ينتمي إلى أدبِ الخيالِ الفلسفيِّ المتكئِ على عناصرَ من الواقعيةِ الغرائبيةِ والتشويقِ النفسي، حيثُ ينجحُ الكاتبُ في تشييدِ عالمٍ سرديٍّ تتآكلُ فيه الحدودُ الفاصلةُ بين الذاكرةِ والواقعِ، وبين اليقينِ الفردي والحقيقةِ الجمعيةِ.

منذُ العتبةِ الأولى، يضعُنا العنوانُ «الأثرُ الأخيرُ» أمام َثنائيةٍ دلاليّةٍ شديدةِ الثراءِ؛ فالأثر ُ يُحيلُ إلى ما يتبقى بعدَ الغيابِ، وإلى الشاهدِ الأخيرِ على وجودٍ سابقٍ، بينما تفتحُ صفةُ «الأخير» أفقًا وجوديًّا موحشًا، يوحي بأنَّ  النصَّ  يسيرُ نحو لحظةٍ ينطفئُ فيها آخرُ دليلٍ يمكنُ الاتكاءُ عليه. وهكذا يتحوّلُ العنوانُ إلى مفتاحٍ تأويلي للنصِّ بأكملِه، إذ يغدو السؤالُ المركزيُّ: ماذا يحدثُ عندما يصبحُ الأثرُ نفسُه قابلاً للتبدّلِ؟

يؤسّسُ الكاتبُ شخصيةَ طارق بوصفِه الحارسَ الأمينَ للذاكرةِ الماديةِ. فهو مرمّمٌ  للأشرطةِ السينمائيةِ، يثقُ بالشريطِ أكثرَ مّا  يثقُ بالبشرِ، ويؤمنُ بأنَّ المادةَ تحفظُ الحقيقةَ من عبثِ التأويلِ. غيرَ أنَّ المفارقةَ السرديةَ تتجلّى في أولِّ خيانةٍ يتعرّضُ لها تأتي من «النسخةِ الأصليةِ» ذاتِها. وهنا يبلغُ النصُّ إحدى أهمِّ لحظاتِه الفلسفيةِ؛ إذ ينتقلُ الصراعُ من فقدانِ الذاكرةِ إلى انهيارِ المرجعِ، فلا يعودُ السؤالُ: «هل أخطأتِ الذاكرةُ؟» بل يصبحُ: «ماذا لو كانَ الواقعُ نفسُه يعيدُ كتابةَ تاريخِه؟».

ويتّسمُ البناءُ السرديُّ بتصاعدٍ مدروسٍ يعتمدُ على تقنيةِ الانزياحِ التدريجي. فالتغييراتُ تبدأُ بجملةٍ مفقودةٍ في فيلمٍ، ثمَّ تمتدُّ  إلى لونِ ربطةِ عنقٍ، فإلى الصورِ العائليةِ والوثائقِ الأكاديميةِ، لتصلَ في النهايةِ إلى المعاهداتِ والخرائطِ والتاريخِ الإنساني بأكملِه. هذا التدرّجُ يمنحُ النصَّ قدرتَه على خلقِ التوترِ؛ إذ ينتقلُ القارئُ من الشكِّ إلى الارتيابِ، ثمَّ إلى القلقِ الوجودي، دونَ أن يشعرَ بالقطيعةِ مع منطقِ الحكايةِ الداخلي.

ومن أبرزِ جمالياتِ النصِّ  اعتمادُه على ما يمكنُ تسميتُه «رعب اليقين»، وهو رعبٌ لا ينبعُ من حضورِ الأشباحِ أو الكائناتِ الغامضةِ، بل من انهيارِ أكثرِ المسلماتِ رسوخًا: الذاكرة، الوثيقة، الصورة، والتاريخ. فالكاتبُ يطرحُ تصورًا مرعبًا مفادُه أنَّ الحقيقةَ ليستْ ثابتةٌ وإنّما تتشكّلُ  وفقَ ما تؤمنُ به الأغلبيةُ، وهو ما يتجلّى في العبارةِ المحوريةِ:

«كل تغيير يبدأ عندما تصبح النسخة الخاطئة هي الأكثر تصديقًا بين الناس.»

إن هذه الفكرةَ تمنحُ النصَّ  بعدًا معاصرًا واضحًا، وتجعلُه أقربَ إلى تأمّلٍ عميقٍ في عصرِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، حيثُ يمكنُ للمعلومةِ المتكررةِ أن تكتسبَ شرعيةً تفوقُ الحقيقةَ نفسَها، وحيثُ يتحوّلُ  الإجماعُ إلى سلطةٍ قادرةٍ على إعادةِ تشكيلِ الوعي الجمعي.

أمّا شخصيةُ الدكتورة ليلى، فلا تؤدّي دورَ الشخصيةِ المساندةِ فحسب، بل تمثّلُ العقلَ العلميَّ الذي يحاولُ تفسيرَ ما يحدثُ وفقَ أدواتِ الإدراكِ والذاكرةِ. غيرَ أنَّ سقوطَها التدريجي في الفخِّ  نفسِه يمنحُ النصَّ توازنَه الدرامي، ويؤكّدُ أَّنَّ الظاهرةَ تتجاوزُ حدودَ التفسيرِ النفسي، لتدخلَ منطقةً أكثرَ غموضًا وإرباكًا.

ويُحسبُ للكاتبِ نجاحُه في توظيفِ «المتذكرين» باعتبارِهم استعارةً إنسانيةً مؤثرةً؛ فهم ليسوا جماعةً تمتلكُ الحقيقةَ، بل شهودٌ يخشون فقدانَها. ولعلَّ أكثرَ ما يميّزُ  هذه الجماعةُ أنّها تعيشُ على هامشِ العالمِ، لا لتغييرِه، وإنّما لتوثيقِ ما يتبدّلُ فيه، وكأنّها آخرُ حصونِ الذاكرةِ في مواجهةِ النسيانِ الكوني.

وعلى المستوى الفنّي، اعتمدَ النصُّ  على جملٍ قصيرةٍ متتابعةٍ في لحظاتِ التوترِ، الأمرُ الذي أسهمَ في تسريعِ الإيقاعِ السردي وتعزيزِ الشعورِ بالملاحقةِ والاختناقِ، في حين جاءتِ المقاطعُ التأمليةُ أكثرَ هدوءًا واتساعًا، ممّا أوجدَ توازنًا بينَ البعدِ الحكائي والبعدِ الفكري.

أمّا النهايةُ، فتُعدُّ  من أنجحِ محطاتِ النصِّ وأكثرِها تأثيرًا. إذ يعيدُ الكاتبُ كلَّ شيءٍ إلى نقطةٍ أكثرَ رعبًا من البدايةِ: هل كانتِ الأشهرُ الماضيةُ محاولةً من عقلِ طارق لترميمِ صدمةِ فقدانِ زوجتِه؟ أم أنَّ العالمَ قد استعادَ اتزانَه بالفعلِ، تاركًا له وحدَه عبءَ التذكّرِ؟ إنَّ تركَ هذا السؤالِ معلقًا بينَ نافذةِ المطبخِ والسيارةِ المحطمةِ يمنحُ الخاتمةَ قوةً استثنائيةً، ويجعلُها تنتمي إلى النهاياتِ المفتوحةِ التي تستمرُّ في ملاحقةِ القارئِ حتى بعدَ انتهاءِ القراءةِ.

إنَّ ” الأثر الأخير” ليس نصًًّا عن الذاكرةِ فحسب، بل عن ضعفِ  الحقيقةِ الإنسانيةِ ذاتِها وعن الخوفِ العميقِ من أن نستيقظَ يومًا لنكتشفَ أنَّ ما دافعَنا عنه طوالَ حياتِنا لم يكنْ سوى نسخةٍ مؤقتةٍ من العالمِ. ومن هنا تتجاوزُ القصةُ حدودَ المتعةِ السرديةِ لتغدوَ تأمّلًا فلسفيًّا في العلاقةِ المعقدةِ بين الإنسانِ والواقعِ، وبين ما نتذكّرُه وما يصرُّ  العالمُ على أنْ ينفيَه.

وفي المحصلةِ، ينجحُ الكاتبُ في تقديمِ نصٍّ مشغولٍ بعنايةٍ، يجمعُ بين التشويقِ والبعدِ الوجودي، ويطرحُ سؤالًا سيظلُّ معلقًا في ذهنِ القارئِ طويلًا: هل نحفظُ التاريخَ… أم أنَّ التاريخَ هو الذي يقرّرُ في النهايةِ ما ينبغي لنا أن نتذكرَه.