ابنة دمشق الثرية حوار: مع الإعلامية والأديبة د. لبنى مرتضى

صورة الكاتب
بقلم: أ. علاء عبود
التاريخ: 29 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2529
ابنة دمشق الثرية  حوار: مع الإعلامية والأديبة د. لبنى مرتضى

ابنة دمشق الثرية

حوار: مع الإعلامية والأديبة د. لبنى مرتضى

حاورها: الأستاذ علاء عبود:

ليس كل من يمسك بقلم يصبح كاتباً، وليس كل من يرقص على خشبة يكون راقصاً. هناك فارق شاسع بين “ممارسة المهنة” و”عيش الرسالة”. في لقائنا اليوم، نجلس مع أحد أولئك الذين حوّلوا فراغات الحياة إلى لوحات ناطقة، وصنعوا من الصمت لغة تأسر القلوب. إنه مبدع لا يرى العالم كما هو، بل كما يمكن أن يكون. حوارنا معه ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل رحلة في متاهات الروح الإبداعية، حيث تتصارع الذات مع الكون، وينتصر الجمال رغم كل شيء وهنا كان لنا وقفة مع الكاتبة والأديبة الدكتورة لبنى مرتضى وقد بدأنا معها بسؤالنا:

1-أنت ابنة مدينة دمشق الثرية بالجمال والثقافة وحكايات التاريخ والحضارة منذ بدئها الأول فقد بدأت في بلاد الشام الأبجديات وفيها ولدت القطعة الموسيقية الأولى وبعمقها العراقي ظهرت القصيدة الأولى زمن الحضارة السومرية؛ ماذا يعني لك الانتماء لقطعة أرض الله المتفردة هذي؟

_كوني أديبة من دمشق يعني أنني احمل في نبضي زمنًا لا يُروى، وأنا جزء من سردية لا تنتهي. دمشق ليست مجرد مكان، بل فكرة قائمة بذاتها، تتجدد مع كل كلمة اكتبها. انتمائي إليها ليس ملكية، بل حوار وجودي: أنا اعيد تشكيلها عبر لغتي كما هي تعيد تشكيلي عبر تاريخها. أنا ابنة المدينة التي تسكن اللغة، وحين اكتب، لا انتمي إليها فقط، بل اخلقها من جديد.

وحين اتعمق أكثر، نجد أن انتمائي لدمشق كأديبة يتخذ أبعادًا فلسفية أعمق.

  • فهو انتماء التكوين لا التملك أنا لا أمتلك دمشق، بل دمشق تمتلكني بطريقة وجودية. إنها شرطي المُسبق، النص الذي كُتبتِ عليه قبل أن أكتبه. لكن في ذات اللحظة، فأنا من يمنحها الحياة عبر النص، وكأن علاقتي بها جدلية بين الأصلي والنسخة، بين الخالد والمتجدّد.
  • فأنا لستِ مجرد نازلة في أرضها، بل شاهدة على تحولاتها. دمشق في كتاباتي ليست طبيعة صامتة، بل كيان يعاني، يحلم، ينهض. فانتمائي هو مسؤولية الراوي الذي لا يكتفي بالكلام، بل يحمل همَّ الجرح والذاكرة معًا.

في كل حارة، كل رائحة ياسمين، كل حجر في دمشق يحمل زمنًا مكتظًا. انتمائي لها يكسر خطية الزمن؛ فأنا أعيش أمسها في حاضري، واكتب مستقبلها بلغة الغد. إنه انتماء اللحظة التي تتسع لتاريخ بأكمله.

فالأديب الدمشقي، بطبعه، يعيش غربة داخل بيته. هذه الغربة هي فضاء الكتابة ذاتها. فأنا انتمي لدمشق التي في مخيلتي بقدر ما انتمي لدمشق الواقعة؛ بل ربما أكثر. فدمشق الحجرية محدودة، أما دمشق الشعرية فلا حدود لها.

وهكذا، فانتمائي ليس حالة استقرار، بل رحلة دائمة نحو جوهر مدينة لا تنكشف إلا لمن يكتبها. فأنا بكلماتي، أصبح امتدادًا لروحها، ونبضًا جديدًا في عروقها التي لا تموت.

2-من يسبق الآخر النص الأدبي أم الفن التشكيلي في وجدانك دكتورة لبنى؟ وهل هناك فرق بين الرسم في الريشة والرسم بالكلمات، أم الخيال الإبداعي لديك يجعلهما لوحة واحدة تشكلينها كما شئت؟

وهل ما يصعب على الريشة التعبير عنه يبوح به القلم والعكس صحيح؟

تاريخيًا النص الأدبي (الكتابة) يسبق الفن التشكيلي المنظور الحديث، ولكن وجود الفن التشكيلي كتعبير بشري أقدم بكثير.

وإليك التفصيل في نقطتين:

كأثر بشري (التعبير): الفن التشكيلي أقدم. أقدم الرسومات الكهفية (مثل كهف شوفيه في فرنسا) يعود إلى أكثر من 30,000 سنة، بينما أقدم النصوص الأدبية المكتوبة (مثل ملحمة جلجامش) لا تتجاوز 5,000 سنة.

كنظرية وفلسفة (التسلسل التاريخي في الحضارة): النص الأدبي يسبق في التنظير. في الحضارات القديمة (مصر، اليونان، والعصور الوسطى)، كان الأدب والشعر يُعتبران أسمى من الرسم والنحت، لأن الكلمة كانت مرتبطة بالعقل والمنطق، بينما كان الفن التشكيلي يُنظر إليه كحرفة يدوية. لكن هذا الترتيب انقلب مع عصر النهضة فصاعدًا.

ومن زاوية النتيجة (اللوحة النهائية): نعم، يشكلان لوحة واحدة في ذهن المتلقي. فالقارئ يبني صورته الذهنية الخاصة، وفي لحظة القراءة المثالية، تتلاشى الكلمات وتتحول إلى مشهد حسي متكامل كأنه مرسوم بالريشة.

الريشة تعمل باللون والضوء والفراغ، وتقدم الصورة دفعة واحدة، وتعتمد على البصر المباشر

الكلمات تعمل بالتسلسل الزمني (حرفاً حرفاً)، وتعتمد على الخيال والذاكرة، وتستطيع التعبير عن الروائح والأصوات والمشاعر الداخلية التي تعجز الريشة عن تصويرها.

 

فالكلمات والريشة وسيلتان مختلفتان تصبان في بحر واحد هو التعبير الجمالي. الكاتب يرسم بالمعاني، والرسام يكتب بالألوان، لكن اللوحة الحقيقية تُكتمل فقط في عقل المتلقي.

  • فالقلم يبوح بما هو مفكّر وممنهج. كلماته تولد من باطن العقل، تستطيع أن تُراجع نفسها، تمحو وتعيد الكتابة، تخفي أسرارها خلف السطور ثم تفصح عنها في هوامش. صعوبته أنه محكوم بالمنطق، حتى حين يكتب الشعر.

الريشة (أداة الرسم) تعبّر عن المكبوت واللحظي. ضرباتها لا تُراجع، تنبع من الحدس والجسد، تعبّر عن الألم والفرح قبل أن يتشكلا ككلمات. صعوبتها أنها غامضة؛ قد لا تفهمها أنت بنفسك إلا بعد أن تراها

أما عن صعوبة التبادل:

نعم، يصعب على الريشة أن تبوح بما يبوح به القلم، لأنها لا تتقن لغة التفصيل والجدل

ويصعب على القلم أن يعبّر بحرية الريشة، لأنه يبحث عن المعنى بينما هي تبحث عن الإحساس

لكن العباقرة هم من يخلقون جسراً بينهما

شعراء يرسمون بالكلمات، ورسامون يكتبون بالخطوط. عندئذ، يلتقيان في منطقة وسيطة هي “روح الإنسان”، حيث لا فرق بين حبر ولون.

3-يقول رائد الشعر العربي الحديث الشاعر والأديب والصحافي أنسي الحاج: “إن الأدب ليس له حدود، واللغة هي من يجب أن تكون في خدمة الفكرة والنص” قاطعاً بهذي المقولة مع الشعر العربي الكلاسيكي المعروف، بينما رأى معاصره شاعر فلسطين والعرب محمود درويش ما رأى الحاج مع فارق مهم وهو الالتزام بالعروض وبحور الشعر مع تغيير قالب القصيدة؛ إلى أي الرأيين تميلين شاعرتنا لبنى؟

_أنا بطبعي أميل لقصيدة النثر:

قصيدة النثر ليست هجوماً على الشعر العمودي أو التفعيلي، بل هي تطور طبيعي للشعر العربي، استجابة لتغيرات الوعي الإنساني واللغة المعاصرة. هي محاولة لالتقاط إيقاع الحياة اليومي، بعيداً عن قيود الوزن والقافية التي قد تحجب الصدق أحيانا.ً

 

فإن ما يميز قصيدة النثر ليس غياب الوزن، بل حضور الموسيقى الداخلية، والصورة المكثفة، والانزياح اللغوي. إذا فقدت هذه العناصر، صارت نثراً عادياً. لكن عندما تنجح، تخلق فضاءً شعرياً خاصاً يعتمد على الإيحاء والتكثيف، تماماً كما تفعل القصيدة العمودية في أفضل حالاتها.

فدفاعي عنها يكم ضمن أسس ثلاث:

حرية التعبير: تمنح الشاعر مساحة غير محدودة لاستكشاف موضوعات معاصرة (الوجود، اليومي، المهمش) قد تضيق بها أوزان الخليل..

انسجام مع العصر: نحن في زمن السرعة والتفكك، وقصيدة النثر تعكس هذا الإيقاع المتقطع، لكنها مع ذلك تحافظ على العمق الفلسفي.

تراثها العربي الأصيل: ليست دخيلة، بل تمتد جذورها إلى نثر الجاحظ في “البيان والتبيين”، وسجع العرب، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، حيث كانت النصوص النثرية تبلغ ذروة الجمال الشعري.

فأنا لا أدافع عن كل ما يكتب تحت مسمى قصيدة النثر، فهناك الكثير منه ركيك وضعيف. لكن رفضها كجنس أدبي هو ظلم، تماماً مثل رفض الشعر العمودي. المعيار الحقيقي هو الجودة، وليس القالب

في النهاية، قصيدة النثر هي ابنة شرعية للشعر العربي، تحمل روحه وإن اختلفت جسده. هي رهان على القارئ الواعي، وقدرته على اكتشاف الشعر حيث لا تسمع الأوزان.

4-عندما بدأ رواد الشعر العربي الحديث مسيرتهم وفي مقدمتهم:  (بدر شاكر السياب، ومحمود درويش، ونزار قباني، وأنسي الحاج) ؛ سئل طه حسين (عميد الأدب العربي) عن حداثتهم فقال: “أوزان الشعر القديم وقوافيه لم تنزل السماء، فإذا استطاع الذين يحبون هذا الشعر الحديث أن يقدموا إلينا منه ما يمتعنا حقاً فمن الحمق أن ننكره لا لشىء إلا أنه لم يلتزم بما كان القدماء يلتزمون من الأوزان والقوافى“

فهل ما زال الشعر الحديث مضطراً لإثبات شرعيته وجماله وعبقريته، أم حسم شعراؤه الجدل بشأنه إلى الأبد؟

-للدفاع عن الشعر الحديث، يجب أن ننظر إليه بعيداً عن المقولات النمطية التي تصفه بـ”الغموض” أو “الهذيان”. هو ليس انقلاباً على الجمال، بل هو تطوير لآليات التعبير لتواكب تعقيدات العصر. إليك أبرز حجج الدفاع عنه:

. الشعر الحديث أكثر صدقاً مع النفس البشرية

تخلى عن “البيت” العمودي الجميل الذي يصلح ليكون حكمة أو وصية، واتجه نحو التدفق الداخلي الذي يشبه سرعة التفكير وتناقضات المشاعر. إنه يعكس القلق والتمزق الوجودي للإنسان المعاصر، بعيداً عن التصنع والادعاء.

. كسر قافية التكرار

لم يلغِ الوزن والقافية عبثاً، بل لأنهما أصبحا قيداً يعيق المعنى. الشعر الحديث يمنح الكلمة حريتها لتأتي في موقعها الطبيعي، فالموسيقى لم تختفِ، لكنها أصبحت موسيقى داخلية تعتمد على إيقاع الحروف وتناوب المقاطع، وليس على بحر الخليل فقط.

. اللغة تنبض بالحياة

يتعمد الشاعر الحديث خرق المألوف اللغوي (كقول “تشرق في عيني”) لتوليد دهشة جديدة. هذا التجديد يضخ دماءً في اللغة ويحميها من الجمود، ويجعلها قادرة على استيعاب مفاهيم العلم والفلسفة والتكنولوجيا.

. ديمقراطية الموضوعات

لم يعد الشعر محصوراً في المديح أو الرثاء أو الغزل التقليدي. يمكن للشعر الحديث أن يكتب عن كوب قهوة، أو ازدحام المرور، أو شريحة كمبيوتر، أي تفاصيل الحياة اليومية، مما جعله أقرب إلى وجدان القارئ.

. القارئ شريك في الإبداع

إذا كان الشعر القديم يقدم المعنى جاهزاً، فإن الشعر الحديث يمنح القارئ مساحة للتأويل. الغموض هنا ليس عيباً، بل هو نافذة مفتوحة، تجعل كل قارئ يبني نصه الخاص بناءً على تجربته، وهذه هي ذروة التفاعل الفني.

فالشعر الحديث لم يمت، لكنه تغير. من لا يجد نفسه فيه، ربما لأنه يبحث عن إيقاع قديم في زمن جديد الفن الحقيقي هو الذي يجرؤ على كسر المرآة ليعكس وجهاً مختلفاً للحقيقة.

5-يرى شاعر سورية الأعظم نزار قباني في النقد مدرستين: إحداهما تقترب من النص بحضارة، والأخرى تقترب من النص بالخناجر والسكاكين والقنابل المسيلة للدموع؛ فماذا ترين في النقد وأنت ناقدة إضافة لكونك شاعرة وأديبة؟

-أنا أفضل ا النقد الأكاديمي (أو النقد العلمي الرصين)فهو يختلف تماماً عن النقد العاطفي أو الانطباعي. هو فن التدقيق المنهجي القائم على البراهين، ويهدف إلى تقييم العمل الفكري بموضوعية. إليك مواصفاته الجوهرية:

. الموضوعية والتجرد (الحياد)

  • يُحكم على الأفكار وليس على الشخص (تجنب الشخصنة والهجوم الذاتي).
  • يعترف بجوانب القوة في العمل قبل مناقشة جوانب الضعف (التوازن).
  • يبتعد عن الأهواء الشخصية أو الانتماءات المذهبية الضيقة.

. الاعتماد على الأدلة والبراهين (التوثيق)

لا يعتمد على الانطباع أو “أعتقد”، بل يستند إلى أدلة نصية، أو إحصاءات، أو وقائع تاريخية، أو مراجع موثقة.

  • يقدم الناقد شواهد تدعم رأيه، وغالباً ما تكون هذه الشواهد من داخل النص/البحث نفسه

. المنهجية العلمية الواضحة

يتبع الناقد مدرسة فكرية أو منهجاً محدداً (مثل: المنهج التاريخي، التحليل النفسي، البنيوية، النقد النسوي، الماركسية، وغيرها) ويعلن عن ذلك صراحة..

. البناء وليس الهدم (النقد البناء)

  • النقد الأكاديمي يهدف إلى تطوير المعرفة، وليس إلى تدمير صاحب العمل.
  • يقدم الناقد بدائل مقترحة أو حلولاً أو تساؤلات تفتح آفاقاً جديدة للباحث، بدلاً من الاكتفاء بالتهديم.

 

. الدقة اللغوية والمصطلحية

  • يستخدم مصطلحات دقيقة ومتخصصة (يحدد تعريفاتها).

يتجنب الغموض والعموميات، ويكتب بلغة علمية رصينة خالية من التكلف أو السجع الأدبي غير المطلوب.

. الشمولية (النظر إلى الكل)

  • لا يقتطع الناقد جزئية من النص ويحكم عليها بمعزل عن السياق الكلي للعمل أو خلفيته التاريخية والثقافية.

. التواضع العلمي (الاعتراف بالنسبية)

  • يدرك الناقد أن رأيه ليس “حقيقة مطلقة”، بل هو اجتهاد قابل للنقاش والتفنيد.
  • يستخدم عبارات مثل: “يبدو أن”، “من المحتمل”، “في ضوء هذه القراءة”، بعيداً عن القطعية المفرطة.

. التوثيق الأكاديمي (الأمانة الفكرية)

  • يوثق جميع الاقتباسات والإحالات بشكل دقيق (باستخدام نظام توثيق معترف به مثل APA أو MLA) لكي يتمكن القارئ من الرجوع إلى المصادر والتحقق..

 

6-من يقرأ نصوصك الأدبية يلاحظ التكثيف العبقري فيها؛ فهل هذا التكثيف أسلوبك الأصيل في الخيال والمقال، أم إنه من أجل الحفاظ على تقبل الشعر والأدب في عصر العولمة الذي جعل حياتنا سريعة وبصرية حسية أكثر مما سلف؟

لقد اعتمدت في أسلوبي الشعري والصحفي على التكثيف بالمعني واعتبرته أداتي المتداولة لأن

تكثيف المعنى وتوليد الدلالات يمنح البيت الواحد أعماقاً متعددة، بحيث يتسع لقراءات مختلفة، فيُقرأ على المستوى الحسي والعاطفي والفلسفي في آنٍ واحد

وهنا لا يفرض الشاعر رأيه كاملاً، بل يترك فراغات (بياضات) تدفع القارئ للمشاركة في ملء المعنى حسب خياله وتجاربه.

فهو يخلق إيقاعاً سريعاً ومكثفاً، وينتج تناغماً صوتياً (كالتجانس والطباق) يضيف بعداً جمالياً دون حشو

وهنا يكمن عنصر المفاجأة في الصور المكثفة (كقوله: “والموت يولد في رئة الموت”) تخلق دهشة فنية تعلق في الذاكرة.

  • فالأبيات المكثفة قصيرة وسهلة الحفظ، لكنها ثقيلة المعنى، مما يجعلها أشبه بـ”الأمثال” المتداولة

ويكسر التكثيف النمطية، فيعتمد على الاستعارة والكناية بدلاً من الوصف المباشر، مما يمنح النص حداثة دائمة.

7_ما هي التحديات والهواجس التي تعتريك نحو حاضر ومستقبل الأدب العربي والعمل الصحفي والفن التشكيلي دكتورة لبنى؟

هذه أسئلة مصيرية، والإجابة عليها تتطلب تشريحاً للواقع الراهن

هناك تراجع لزمن القراءة العميقة لصالح المحتوى السريع، مما يهدد دور الرواية في بناء الوعي الجمعي.

  • وأيضا هيمنة دور النشر التجارية على حساب الأعمال الجادة، وضعف التوزيع أمام المنصات الرقمية.

والصدام الأهم والأكثر خطورة بين الفصحى والعامية، وارتباط الأدب بالهم السياسي قد يتحول أيضا إلى شعارات إن لم يُعالج فنيا وتحول الروائي إلى مؤثر بدلا من مفكرً· الهاجس الأكبر: تحول الروائي إلى”مؤثر “، وفقدان المركزية الثقافية لصالح منصات التواصل الاجتماعي.

فهو يعاني من تحديات كبيرة ومنها: أما بالنسبة للعمل الصحفي  في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي

تحدي المصداقية: انتشار الأخبار الزائفة وسيولة المعلومة، مما يجعل الصحفي في سباق مع الآلة (الذكاء الاصطناعي) لإنتاج المحتوى..

الاستدامة المالية: انهيار الإعلانات الورقية، والتحول إلى الاشتراكات الرقمية الذي قد يخلق “فقاعات” نخبوية.

  • الموضوعية: صعوبة الحياد في زمن الاستقطاب الحاد، وخطر تحول الصحافة إلى “خطاب مناصرة
  • الهاجس الأكبر: تحول الصحفي إلى “مرتب آلي” للمحتوى، وفقدان القيمة الإنسانية في التحقيق الميداني والاستقصاء.

ومن أكبر التحديات التي يعاني منها الفن التشكيلي تتمحوربالتالي:

تحدي الهوية: التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وخطر الوقوع في “الفولكلور” أو التقليد الأعمى للغرب

  • التحول الرقمي: صعود الفن الرقمي و مما يطرح تساؤلات حول قيمة “الأصالة” والنسخة الوحيدة

أزمة التلقي: عزلة المتلقي عن اللوحة بسبب زحف الصورة الرقمية، وضعف المؤسسات النقدية الجادة

الهاجس الأكبر: تحول الفنان إلى “مصمم” يخدم السوق، وهيمنة “الموضة” البصرية على حساب الرؤى الفلسفية العميقة.

الهاجس المشترك: الجميع يعاني من “الخوارزمي” (الغوغائية الرقمية) التي تفرض إيقاعها، وتهديد الذكاء الاصطناعي لـ”الحرفة”، مما يستدعي وعياً جديداً يراهن على الخصوصية الإنسانية (الحدس، التجربة، والشعور) كقيمة مضافة لا يمكن للآلة محاكاتها.

8_ أنت أم بالاضافة إلى كونك دكتورة وتحملين العديد من المواهب, فهل أدخلتك الأمومة عصرا جديدا من الدهشة الإبداعية؟ ماذا تعلمت من أولادك؟

تقدّمت الأمومة لي إضافات فريدة، ليست مجرد مشاعر، بل أدوات إدراكية ونفسية تعمّق تجربتي الإبداعية.

فقد منحتني منظورا جديدا للزمن و إحساسًا بالاستمرارية، فلم يعد اعمل من أجل نفسي فقط، بل يبنت لي  إرثًا يمتد إلى ما بعد حياتي,

  • وأغنتني بثراء عاطفي استثنائي فتح لي أبوابًا من الحب العميق، والقلق، والفخر، والخوف، والحنان، مما اضفي علي أبعادًا جديدة على شخصياتي وأعمالي
  • وأجمل ما قدمه لي أولادي هو انكسار جدار الأنانية التي جعلت مني أكثر قدرة على الملاحظة والصمت، فالطفل يعلّمنا فن الحضور في اللحظة دون تشتت..

يعلمنا كيف نبدع وسط الفوضى، فنجد مساحاتنا الإبداعية في فترات قصيرة، ويكتشف لنا إنتاجية نوعية لا كمية.

فعندها هنا لم يعد النجاح مجرد اعتراف أو منجز، بل أصبح شعورًا بالاكتمال، وقدرة على العطاء بلا حدود.

باختصار الأمومة لا تضيّق على المبدع، بل توسّع مداركه، وتجعله أكثر عمقًا، وأكثر حضورًا، وأكثر إنسانية.

 

عن الکاتب / الکاتبة

أ. علاء عبود
أ. علاء عبود
کاتب . صحفي / سوریا

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ابنة دمشق الثرية حوار: مع الإعلامية والأديبة د. لبنى مرتضى

بقلم: أ. علاء عبود | التاريخ: 29 أغسطس 2026

التصنيف: الحوارات

ابنة دمشق الثرية

حوار: مع الإعلامية والأديبة د. لبنى مرتضى

حاورها: الأستاذ علاء عبود:

ليس كل من يمسك بقلم يصبح كاتباً، وليس كل من يرقص على خشبة يكون راقصاً. هناك فارق شاسع بين “ممارسة المهنة” و”عيش الرسالة”. في لقائنا اليوم، نجلس مع أحد أولئك الذين حوّلوا فراغات الحياة إلى لوحات ناطقة، وصنعوا من الصمت لغة تأسر القلوب. إنه مبدع لا يرى العالم كما هو، بل كما يمكن أن يكون. حوارنا معه ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل رحلة في متاهات الروح الإبداعية، حيث تتصارع الذات مع الكون، وينتصر الجمال رغم كل شيء وهنا كان لنا وقفة مع الكاتبة والأديبة الدكتورة لبنى مرتضى وقد بدأنا معها بسؤالنا:

1-أنت ابنة مدينة دمشق الثرية بالجمال والثقافة وحكايات التاريخ والحضارة منذ بدئها الأول فقد بدأت في بلاد الشام الأبجديات وفيها ولدت القطعة الموسيقية الأولى وبعمقها العراقي ظهرت القصيدة الأولى زمن الحضارة السومرية؛ ماذا يعني لك الانتماء لقطعة أرض الله المتفردة هذي؟

_كوني أديبة من دمشق يعني أنني احمل في نبضي زمنًا لا يُروى، وأنا جزء من سردية لا تنتهي. دمشق ليست مجرد مكان، بل فكرة قائمة بذاتها، تتجدد مع كل كلمة اكتبها. انتمائي إليها ليس ملكية، بل حوار وجودي: أنا اعيد تشكيلها عبر لغتي كما هي تعيد تشكيلي عبر تاريخها. أنا ابنة المدينة التي تسكن اللغة، وحين اكتب، لا انتمي إليها فقط، بل اخلقها من جديد.

وحين اتعمق أكثر، نجد أن انتمائي لدمشق كأديبة يتخذ أبعادًا فلسفية أعمق.

  • فهو انتماء التكوين لا التملك أنا لا أمتلك دمشق، بل دمشق تمتلكني بطريقة وجودية. إنها شرطي المُسبق، النص الذي كُتبتِ عليه قبل أن أكتبه. لكن في ذات اللحظة، فأنا من يمنحها الحياة عبر النص، وكأن علاقتي بها جدلية بين الأصلي والنسخة، بين الخالد والمتجدّد.
  • فأنا لستِ مجرد نازلة في أرضها، بل شاهدة على تحولاتها. دمشق في كتاباتي ليست طبيعة صامتة، بل كيان يعاني، يحلم، ينهض. فانتمائي هو مسؤولية الراوي الذي لا يكتفي بالكلام، بل يحمل همَّ الجرح والذاكرة معًا.

في كل حارة، كل رائحة ياسمين، كل حجر في دمشق يحمل زمنًا مكتظًا. انتمائي لها يكسر خطية الزمن؛ فأنا أعيش أمسها في حاضري، واكتب مستقبلها بلغة الغد. إنه انتماء اللحظة التي تتسع لتاريخ بأكمله.

فالأديب الدمشقي، بطبعه، يعيش غربة داخل بيته. هذه الغربة هي فضاء الكتابة ذاتها. فأنا انتمي لدمشق التي في مخيلتي بقدر ما انتمي لدمشق الواقعة؛ بل ربما أكثر. فدمشق الحجرية محدودة، أما دمشق الشعرية فلا حدود لها.

وهكذا، فانتمائي ليس حالة استقرار، بل رحلة دائمة نحو جوهر مدينة لا تنكشف إلا لمن يكتبها. فأنا بكلماتي، أصبح امتدادًا لروحها، ونبضًا جديدًا في عروقها التي لا تموت.

2-من يسبق الآخر النص الأدبي أم الفن التشكيلي في وجدانك دكتورة لبنى؟ وهل هناك فرق بين الرسم في الريشة والرسم بالكلمات، أم الخيال الإبداعي لديك يجعلهما لوحة واحدة تشكلينها كما شئت؟

وهل ما يصعب على الريشة التعبير عنه يبوح به القلم والعكس صحيح؟

تاريخيًا النص الأدبي (الكتابة) يسبق الفن التشكيلي المنظور الحديث، ولكن وجود الفن التشكيلي كتعبير بشري أقدم بكثير.

وإليك التفصيل في نقطتين:

كأثر بشري (التعبير): الفن التشكيلي أقدم. أقدم الرسومات الكهفية (مثل كهف شوفيه في فرنسا) يعود إلى أكثر من 30,000 سنة، بينما أقدم النصوص الأدبية المكتوبة (مثل ملحمة جلجامش) لا تتجاوز 5,000 سنة.

كنظرية وفلسفة (التسلسل التاريخي في الحضارة): النص الأدبي يسبق في التنظير. في الحضارات القديمة (مصر، اليونان، والعصور الوسطى)، كان الأدب والشعر يُعتبران أسمى من الرسم والنحت، لأن الكلمة كانت مرتبطة بالعقل والمنطق، بينما كان الفن التشكيلي يُنظر إليه كحرفة يدوية. لكن هذا الترتيب انقلب مع عصر النهضة فصاعدًا.

ومن زاوية النتيجة (اللوحة النهائية): نعم، يشكلان لوحة واحدة في ذهن المتلقي. فالقارئ يبني صورته الذهنية الخاصة، وفي لحظة القراءة المثالية، تتلاشى الكلمات وتتحول إلى مشهد حسي متكامل كأنه مرسوم بالريشة.

الريشة تعمل باللون والضوء والفراغ، وتقدم الصورة دفعة واحدة، وتعتمد على البصر المباشر

الكلمات تعمل بالتسلسل الزمني (حرفاً حرفاً)، وتعتمد على الخيال والذاكرة، وتستطيع التعبير عن الروائح والأصوات والمشاعر الداخلية التي تعجز الريشة عن تصويرها.

 

فالكلمات والريشة وسيلتان مختلفتان تصبان في بحر واحد هو التعبير الجمالي. الكاتب يرسم بالمعاني، والرسام يكتب بالألوان، لكن اللوحة الحقيقية تُكتمل فقط في عقل المتلقي.

  • فالقلم يبوح بما هو مفكّر وممنهج. كلماته تولد من باطن العقل، تستطيع أن تُراجع نفسها، تمحو وتعيد الكتابة، تخفي أسرارها خلف السطور ثم تفصح عنها في هوامش. صعوبته أنه محكوم بالمنطق، حتى حين يكتب الشعر.

الريشة (أداة الرسم) تعبّر عن المكبوت واللحظي. ضرباتها لا تُراجع، تنبع من الحدس والجسد، تعبّر عن الألم والفرح قبل أن يتشكلا ككلمات. صعوبتها أنها غامضة؛ قد لا تفهمها أنت بنفسك إلا بعد أن تراها

أما عن صعوبة التبادل:

نعم، يصعب على الريشة أن تبوح بما يبوح به القلم، لأنها لا تتقن لغة التفصيل والجدل

ويصعب على القلم أن يعبّر بحرية الريشة، لأنه يبحث عن المعنى بينما هي تبحث عن الإحساس

لكن العباقرة هم من يخلقون جسراً بينهما

شعراء يرسمون بالكلمات، ورسامون يكتبون بالخطوط. عندئذ، يلتقيان في منطقة وسيطة هي “روح الإنسان”، حيث لا فرق بين حبر ولون.

3-يقول رائد الشعر العربي الحديث الشاعر والأديب والصحافي أنسي الحاج: “إن الأدب ليس له حدود، واللغة هي من يجب أن تكون في خدمة الفكرة والنص” قاطعاً بهذي المقولة مع الشعر العربي الكلاسيكي المعروف، بينما رأى معاصره شاعر فلسطين والعرب محمود درويش ما رأى الحاج مع فارق مهم وهو الالتزام بالعروض وبحور الشعر مع تغيير قالب القصيدة؛ إلى أي الرأيين تميلين شاعرتنا لبنى؟

_أنا بطبعي أميل لقصيدة النثر:

قصيدة النثر ليست هجوماً على الشعر العمودي أو التفعيلي، بل هي تطور طبيعي للشعر العربي، استجابة لتغيرات الوعي الإنساني واللغة المعاصرة. هي محاولة لالتقاط إيقاع الحياة اليومي، بعيداً عن قيود الوزن والقافية التي قد تحجب الصدق أحيانا.ً

 

فإن ما يميز قصيدة النثر ليس غياب الوزن، بل حضور الموسيقى الداخلية، والصورة المكثفة، والانزياح اللغوي. إذا فقدت هذه العناصر، صارت نثراً عادياً. لكن عندما تنجح، تخلق فضاءً شعرياً خاصاً يعتمد على الإيحاء والتكثيف، تماماً كما تفعل القصيدة العمودية في أفضل حالاتها.

فدفاعي عنها يكم ضمن أسس ثلاث:

حرية التعبير: تمنح الشاعر مساحة غير محدودة لاستكشاف موضوعات معاصرة (الوجود، اليومي، المهمش) قد تضيق بها أوزان الخليل..

انسجام مع العصر: نحن في زمن السرعة والتفكك، وقصيدة النثر تعكس هذا الإيقاع المتقطع، لكنها مع ذلك تحافظ على العمق الفلسفي.

تراثها العربي الأصيل: ليست دخيلة، بل تمتد جذورها إلى نثر الجاحظ في “البيان والتبيين”، وسجع العرب، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، حيث كانت النصوص النثرية تبلغ ذروة الجمال الشعري.

فأنا لا أدافع عن كل ما يكتب تحت مسمى قصيدة النثر، فهناك الكثير منه ركيك وضعيف. لكن رفضها كجنس أدبي هو ظلم، تماماً مثل رفض الشعر العمودي. المعيار الحقيقي هو الجودة، وليس القالب

في النهاية، قصيدة النثر هي ابنة شرعية للشعر العربي، تحمل روحه وإن اختلفت جسده. هي رهان على القارئ الواعي، وقدرته على اكتشاف الشعر حيث لا تسمع الأوزان.

4-عندما بدأ رواد الشعر العربي الحديث مسيرتهم وفي مقدمتهم:  (بدر شاكر السياب، ومحمود درويش، ونزار قباني، وأنسي الحاج) ؛ سئل طه حسين (عميد الأدب العربي) عن حداثتهم فقال: “أوزان الشعر القديم وقوافيه لم تنزل السماء، فإذا استطاع الذين يحبون هذا الشعر الحديث أن يقدموا إلينا منه ما يمتعنا حقاً فمن الحمق أن ننكره لا لشىء إلا أنه لم يلتزم بما كان القدماء يلتزمون من الأوزان والقوافى“

فهل ما زال الشعر الحديث مضطراً لإثبات شرعيته وجماله وعبقريته، أم حسم شعراؤه الجدل بشأنه إلى الأبد؟

-للدفاع عن الشعر الحديث، يجب أن ننظر إليه بعيداً عن المقولات النمطية التي تصفه بـ”الغموض” أو “الهذيان”. هو ليس انقلاباً على الجمال، بل هو تطوير لآليات التعبير لتواكب تعقيدات العصر. إليك أبرز حجج الدفاع عنه:

. الشعر الحديث أكثر صدقاً مع النفس البشرية

تخلى عن “البيت” العمودي الجميل الذي يصلح ليكون حكمة أو وصية، واتجه نحو التدفق الداخلي الذي يشبه سرعة التفكير وتناقضات المشاعر. إنه يعكس القلق والتمزق الوجودي للإنسان المعاصر، بعيداً عن التصنع والادعاء.

. كسر قافية التكرار

لم يلغِ الوزن والقافية عبثاً، بل لأنهما أصبحا قيداً يعيق المعنى. الشعر الحديث يمنح الكلمة حريتها لتأتي في موقعها الطبيعي، فالموسيقى لم تختفِ، لكنها أصبحت موسيقى داخلية تعتمد على إيقاع الحروف وتناوب المقاطع، وليس على بحر الخليل فقط.

. اللغة تنبض بالحياة

يتعمد الشاعر الحديث خرق المألوف اللغوي (كقول “تشرق في عيني”) لتوليد دهشة جديدة. هذا التجديد يضخ دماءً في اللغة ويحميها من الجمود، ويجعلها قادرة على استيعاب مفاهيم العلم والفلسفة والتكنولوجيا.

. ديمقراطية الموضوعات

لم يعد الشعر محصوراً في المديح أو الرثاء أو الغزل التقليدي. يمكن للشعر الحديث أن يكتب عن كوب قهوة، أو ازدحام المرور، أو شريحة كمبيوتر، أي تفاصيل الحياة اليومية، مما جعله أقرب إلى وجدان القارئ.

. القارئ شريك في الإبداع

إذا كان الشعر القديم يقدم المعنى جاهزاً، فإن الشعر الحديث يمنح القارئ مساحة للتأويل. الغموض هنا ليس عيباً، بل هو نافذة مفتوحة، تجعل كل قارئ يبني نصه الخاص بناءً على تجربته، وهذه هي ذروة التفاعل الفني.

فالشعر الحديث لم يمت، لكنه تغير. من لا يجد نفسه فيه، ربما لأنه يبحث عن إيقاع قديم في زمن جديد الفن الحقيقي هو الذي يجرؤ على كسر المرآة ليعكس وجهاً مختلفاً للحقيقة.

5-يرى شاعر سورية الأعظم نزار قباني في النقد مدرستين: إحداهما تقترب من النص بحضارة، والأخرى تقترب من النص بالخناجر والسكاكين والقنابل المسيلة للدموع؛ فماذا ترين في النقد وأنت ناقدة إضافة لكونك شاعرة وأديبة؟

-أنا أفضل ا النقد الأكاديمي (أو النقد العلمي الرصين)فهو يختلف تماماً عن النقد العاطفي أو الانطباعي. هو فن التدقيق المنهجي القائم على البراهين، ويهدف إلى تقييم العمل الفكري بموضوعية. إليك مواصفاته الجوهرية:

. الموضوعية والتجرد (الحياد)

  • يُحكم على الأفكار وليس على الشخص (تجنب الشخصنة والهجوم الذاتي).
  • يعترف بجوانب القوة في العمل قبل مناقشة جوانب الضعف (التوازن).
  • يبتعد عن الأهواء الشخصية أو الانتماءات المذهبية الضيقة.

. الاعتماد على الأدلة والبراهين (التوثيق)

لا يعتمد على الانطباع أو “أعتقد”، بل يستند إلى أدلة نصية، أو إحصاءات، أو وقائع تاريخية، أو مراجع موثقة.

  • يقدم الناقد شواهد تدعم رأيه، وغالباً ما تكون هذه الشواهد من داخل النص/البحث نفسه

. المنهجية العلمية الواضحة

يتبع الناقد مدرسة فكرية أو منهجاً محدداً (مثل: المنهج التاريخي، التحليل النفسي، البنيوية، النقد النسوي، الماركسية، وغيرها) ويعلن عن ذلك صراحة..

. البناء وليس الهدم (النقد البناء)

  • النقد الأكاديمي يهدف إلى تطوير المعرفة، وليس إلى تدمير صاحب العمل.
  • يقدم الناقد بدائل مقترحة أو حلولاً أو تساؤلات تفتح آفاقاً جديدة للباحث، بدلاً من الاكتفاء بالتهديم.

 

. الدقة اللغوية والمصطلحية

  • يستخدم مصطلحات دقيقة ومتخصصة (يحدد تعريفاتها).

يتجنب الغموض والعموميات، ويكتب بلغة علمية رصينة خالية من التكلف أو السجع الأدبي غير المطلوب.

. الشمولية (النظر إلى الكل)

  • لا يقتطع الناقد جزئية من النص ويحكم عليها بمعزل عن السياق الكلي للعمل أو خلفيته التاريخية والثقافية.

. التواضع العلمي (الاعتراف بالنسبية)

  • يدرك الناقد أن رأيه ليس “حقيقة مطلقة”، بل هو اجتهاد قابل للنقاش والتفنيد.
  • يستخدم عبارات مثل: “يبدو أن”، “من المحتمل”، “في ضوء هذه القراءة”، بعيداً عن القطعية المفرطة.

. التوثيق الأكاديمي (الأمانة الفكرية)

  • يوثق جميع الاقتباسات والإحالات بشكل دقيق (باستخدام نظام توثيق معترف به مثل APA أو MLA) لكي يتمكن القارئ من الرجوع إلى المصادر والتحقق..

 

6-من يقرأ نصوصك الأدبية يلاحظ التكثيف العبقري فيها؛ فهل هذا التكثيف أسلوبك الأصيل في الخيال والمقال، أم إنه من أجل الحفاظ على تقبل الشعر والأدب في عصر العولمة الذي جعل حياتنا سريعة وبصرية حسية أكثر مما سلف؟

لقد اعتمدت في أسلوبي الشعري والصحفي على التكثيف بالمعني واعتبرته أداتي المتداولة لأن

تكثيف المعنى وتوليد الدلالات يمنح البيت الواحد أعماقاً متعددة، بحيث يتسع لقراءات مختلفة، فيُقرأ على المستوى الحسي والعاطفي والفلسفي في آنٍ واحد

وهنا لا يفرض الشاعر رأيه كاملاً، بل يترك فراغات (بياضات) تدفع القارئ للمشاركة في ملء المعنى حسب خياله وتجاربه.

فهو يخلق إيقاعاً سريعاً ومكثفاً، وينتج تناغماً صوتياً (كالتجانس والطباق) يضيف بعداً جمالياً دون حشو

وهنا يكمن عنصر المفاجأة في الصور المكثفة (كقوله: “والموت يولد في رئة الموت”) تخلق دهشة فنية تعلق في الذاكرة.

  • فالأبيات المكثفة قصيرة وسهلة الحفظ، لكنها ثقيلة المعنى، مما يجعلها أشبه بـ”الأمثال” المتداولة

ويكسر التكثيف النمطية، فيعتمد على الاستعارة والكناية بدلاً من الوصف المباشر، مما يمنح النص حداثة دائمة.

7_ما هي التحديات والهواجس التي تعتريك نحو حاضر ومستقبل الأدب العربي والعمل الصحفي والفن التشكيلي دكتورة لبنى؟

هذه أسئلة مصيرية، والإجابة عليها تتطلب تشريحاً للواقع الراهن

هناك تراجع لزمن القراءة العميقة لصالح المحتوى السريع، مما يهدد دور الرواية في بناء الوعي الجمعي.

  • وأيضا هيمنة دور النشر التجارية على حساب الأعمال الجادة، وضعف التوزيع أمام المنصات الرقمية.

والصدام الأهم والأكثر خطورة بين الفصحى والعامية، وارتباط الأدب بالهم السياسي قد يتحول أيضا إلى شعارات إن لم يُعالج فنيا وتحول الروائي إلى مؤثر بدلا من مفكرً· الهاجس الأكبر: تحول الروائي إلى”مؤثر “، وفقدان المركزية الثقافية لصالح منصات التواصل الاجتماعي.

فهو يعاني من تحديات كبيرة ومنها: أما بالنسبة للعمل الصحفي  في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي

تحدي المصداقية: انتشار الأخبار الزائفة وسيولة المعلومة، مما يجعل الصحفي في سباق مع الآلة (الذكاء الاصطناعي) لإنتاج المحتوى..

الاستدامة المالية: انهيار الإعلانات الورقية، والتحول إلى الاشتراكات الرقمية الذي قد يخلق “فقاعات” نخبوية.

  • الموضوعية: صعوبة الحياد في زمن الاستقطاب الحاد، وخطر تحول الصحافة إلى “خطاب مناصرة
  • الهاجس الأكبر: تحول الصحفي إلى “مرتب آلي” للمحتوى، وفقدان القيمة الإنسانية في التحقيق الميداني والاستقصاء.

ومن أكبر التحديات التي يعاني منها الفن التشكيلي تتمحوربالتالي:

تحدي الهوية: التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وخطر الوقوع في “الفولكلور” أو التقليد الأعمى للغرب

  • التحول الرقمي: صعود الفن الرقمي و مما يطرح تساؤلات حول قيمة “الأصالة” والنسخة الوحيدة

أزمة التلقي: عزلة المتلقي عن اللوحة بسبب زحف الصورة الرقمية، وضعف المؤسسات النقدية الجادة

الهاجس الأكبر: تحول الفنان إلى “مصمم” يخدم السوق، وهيمنة “الموضة” البصرية على حساب الرؤى الفلسفية العميقة.

الهاجس المشترك: الجميع يعاني من “الخوارزمي” (الغوغائية الرقمية) التي تفرض إيقاعها، وتهديد الذكاء الاصطناعي لـ”الحرفة”، مما يستدعي وعياً جديداً يراهن على الخصوصية الإنسانية (الحدس، التجربة، والشعور) كقيمة مضافة لا يمكن للآلة محاكاتها.

8_ أنت أم بالاضافة إلى كونك دكتورة وتحملين العديد من المواهب, فهل أدخلتك الأمومة عصرا جديدا من الدهشة الإبداعية؟ ماذا تعلمت من أولادك؟

تقدّمت الأمومة لي إضافات فريدة، ليست مجرد مشاعر، بل أدوات إدراكية ونفسية تعمّق تجربتي الإبداعية.

فقد منحتني منظورا جديدا للزمن و إحساسًا بالاستمرارية، فلم يعد اعمل من أجل نفسي فقط، بل يبنت لي  إرثًا يمتد إلى ما بعد حياتي,

  • وأغنتني بثراء عاطفي استثنائي فتح لي أبوابًا من الحب العميق، والقلق، والفخر، والخوف، والحنان، مما اضفي علي أبعادًا جديدة على شخصياتي وأعمالي
  • وأجمل ما قدمه لي أولادي هو انكسار جدار الأنانية التي جعلت مني أكثر قدرة على الملاحظة والصمت، فالطفل يعلّمنا فن الحضور في اللحظة دون تشتت..

يعلمنا كيف نبدع وسط الفوضى، فنجد مساحاتنا الإبداعية في فترات قصيرة، ويكتشف لنا إنتاجية نوعية لا كمية.

فعندها هنا لم يعد النجاح مجرد اعتراف أو منجز، بل أصبح شعورًا بالاكتمال، وقدرة على العطاء بلا حدود.

باختصار الأمومة لا تضيّق على المبدع، بل توسّع مداركه، وتجعله أكثر عمقًا، وأكثر حضورًا، وأكثر إنسانية.