أنوثة الوجود_ بين الجوهر والبناء حوار: مع الأديبة والقاصة ميرفت الخزاعي

صورة الكاتب
بقلم: د. لبنى مرتضى
التاريخ: 24 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 2333
أنوثة الوجود_ بين الجوهر والبناء  حوار: مع الأديبة والقاصة ميرفت الخزاعي

أنوثة الوجود_ بين الجوهر والبناء

حوار: مع الأديبة والقاصة ميرفت الخزاعي

 

حاورتها: د. الإعلامية لبنى مرتضى:

تظل قضية الأنوثة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الإنساني، فهي ليست مجرد سمة بيولوجية، ولا هي دور اجتماعي جامد، بل هي حضور وجودي يتشكل عبر تفاعل معقد بين الجوهر والبناء. فبقدر ما تحمل الأنوثة في طياتها أبعادًا كونية تتصل بجوهر الكينونة الإنسانية، فإنها تنصهر في قوالب ثقافية واجتماعية وتاريخية تعيد تشكيلها باستمرار

هكذا تتردد الأنوثة بين سؤالين متلازمين: هل هي حقيقة ميتافيزيقية متأصلة في الوجود؟ أم أنها بناء لغوي واجتماعي قابل للتغيير والتفكيك؟ وبين هذا وذاك، تظل الأنوثة أرضًا خصبة للتساؤل الفلسفي والأنثروبولوجي، حيث يتقاطع الجوهري مع المكتسب، والثابت مع المتحول، ليرسم كل عصر صورته الخاصة عن “أن تكون امرأة” في عالم يبحث عن معانيه

واليوم ضيفتنا والتي استضافها موقع مجلة الجمان:

الاستاذة القاصة ميرفت خضير مرزوق والتي بدأنا معها بسؤالنا:

لو افترضنا “جوهرًا أنثويًا” ثابتًا، فهل هو مكمل للذكورة أم مستقل بذاته؟ وماذا يعني أن يكون الوجود أنثويًا في جوهره الكوني؟

أنا أرى أن الجوهر الأنثوي يجمع بين الأمرين؛ فهو مستقل بذاته ككيان كامل لا يحتاج لآخر ليعرّفه، لكنه في نفس الوقت مكمل للذكورة في دورة الحياة الإنسانية، تماماً مثل فكرة ‘الين واليانغ’ في الفلسفات القديمة؛ تكامُل لا يلغي استقلالية أي طرف. أما أن يكون الوجود أنثوياً في جوهره الكوني، فهذا يعني ببساطة أن الكون في أصله يقوم على العطاء، والاحتواء، والتجدد، والخصوبة. الطبيعة والأرض دائماً تُربط بالأنثى لأنها تمنح الحياة وتحتوي الصراعات وتحولها إلى نماء، وهذا هو الجوهر الكوني للأنوثة.

 

هل الحرية الأنثوية في الكتابة تكمن في اختيار القناع الاجتماعي المناسب، أم في القدرة على خلعه متى شاءت؟

الحرية الحقيقية في رأيي لا تكمن في اختيار القناع ولا في خلعه فقط، بل في ” ألا تضطر المرأة لارتدائه أصلاً”؛ الحرية هي أن تكتب المرأة دون خوف من أحكام المجتمع، ودون الحاجة للتخفي خلف أقنعة لتمرير أفكارها. لكن إذا نظرنا للواقع، سنجد أن القدرة على خلع القناع وقتما تشاء الكاتبة هي خطوة جبارة نحو التحرر؛ لأنها تعني أنها تملك زمام المبادرة وسلطة القرار في النص، وليست مجرد ضحية لقيود المجتمع. وكما ذكرنا سابقاً عن جورج إليوت التي خلعت قناع الاسم المذكر بعد أن فرضت أدبها على الجميع، الحرية هنا أصبحت في اختيار المواجهة.

هل يمكن لكاتب رجل أن يصنف كأديب نسوي؟ ولماذا؟

نعم، يمكننا ذلك وبكل تأكيد؛ فالنسوية في الأدب هي ‘فكر ورؤية لانحياز إنساني’ وليست حكراً على جنس الكاتبة. الأدب الذي يتبنى قضايا المرأة غالباً ما يُكتب بقلم ‘رجل’، وهو هنا ينظر للموضوع من زاوية خارجيّة؛ قد تكون زاوية محلل أو متأمل إنساني حركت مشاعره ظاهرة معينة فقرر توثيقها والوقوف عندها. إنه يكتب من موقع المتفاعل الذكي، وصحيح أنه يظل خارج التجربة المعيشة، لكن هذا لا يمنعه من أن يكون كاتباً نسوياً بفكره وقلمه. نحن لا يمكننا إنكار عبقرية بعض الكتاب الرجال الذين استطاعوا تقمص موقع المرأة ببراعة شديدة؛ كما فعل تولستوي في ‘آنا كارنينا’، أو نجيب محفوظ في شخصية ‘نفيسة’ في رواية ‘بداية ونهاية’، حيث غاصا في أعماق النفس الأنثوية بصورة مبهرة، وأثبتا أن قلم الرجل يمكنه تفكيك المعاناة بإنصاف نسوي كامل.

كيف تعالج النصوص النسوية قضايا مثل الجسد، الميراث. العنف، الأمومة، والعمل، والفرق بين توظيفها كهموم يومية وبين جعلها اشكاليات إنسانية كونية؟

الهم اليومي هو مجرد وصف سطحي للمعانة مع العنف أو الميراث كحادثة فردية. لكن الإشكالية الكونية هي عندما نربط هذه الأمور بالحرية، والعدالة، والكرامة البشرية؛ هنا يخرج النص من الإطار الضيق ليكون صوتاً لكل إنسان. مثلاً، قضية ‘الأمومة والجسد’ لم تعد مجرد تفاصيل بيولوجية، بل أصبحت صراعاً لإثبات الذات، مثلما ناقشت رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة عن صمود المرأة، أو نوال السعداوي التي هزت المياه الراكدة بطرحها الجريء لقضايا الجسد والعنف. هذا التناول الأدبي يخرج المعاناة للفضاء الأوسع، ويحرك الرأي العام ويجبر المجتمع على التفاعل.

هل هناك لغة نسوية مختلفة؟ وكيف يتم تفكيك الذكورة في اللغة (مثل التأنيث والتعامل مع الضمائر)؟.

نعم هناك لغة نسوية واضحة، لكن الأمر أعمق بكثير من مجرد إضافة تاء التأنيث للكلمات!

الموضوع يتعلق بكيفية التعامل مع مركزية المذكر في اللغة. وهنا نلاحظ ظاهرة ذكية قد تلجأ إليها بعض الكاتبات، وهي استخدام ضمير المذكر بدلاً من المؤنث عند مناقشة قضايا معينة. المرأة تفعل ذلك لسببين: الأول هو تجنب الإحراج المجتمعي، وحتى لا يُفهم نصها على أنه سيرة ذاتية أو اعتراف شخصي يُحاسبها عليه المجتمع. والسبب الثاني هو أن ضمير المذكر يعطيها مساحة أوسع وحرية أكبر في التعبير، ويمنح كلامها طابعاً ‘إنسانياً عاماً’ يهرب من النظرة الضيقة التي تحصر كتابة المرأة في دائرة البكاء أو الشكوى النسائية. ولنا في التاريخ أمثلة شهيرة؛ فالكاتبة البريطانية جورج إليوت واسمها الحقيقي (ماري آن ايفانس) اختارت اسماً مذكراً كاملاً وضعت خلفه ضمير المذكر لتضمن أن تُقرأ رواياتها بجدية ودون أحكام مسبقة، وفي أدبنا العربي نجد هذا التخفي وراء ضمير المذكر واضحاً في البدايات لتمرير الأفكار بحرية أكبر قبل أن تفرض المرأة لغتها الخاصة بجرأة وثقة.”

هناك إشكالية للنظرة الذكورة في النقد، وبروز النقد النسوي كآلية قراءة جديدة هل يقرأ النص النسوي كأدب أم كوثيقة اجتماعية؟

الأزمة الحقيقية هنا لم تكن أبداً في جودة كتابة المرأة، بل في طريقة تفكير ونظرة بعض النقاد! لفترة طويلة جداً، كان النقد يتعامل مع كتابات المرأة وكأنها مجرد ‘فضفضة أو مذكرات شخصية’ تنقل فيها واقعها واجتماعياتها، وكأن المرأة ليس لديها الخيال الكافي لتأليف قصة أو رواية من ابتكارها! كانوا يبحثون عن حياتها الشخصية بين السطور بدلاً من تقييم جمال القصة وأسلوب الكتابة. النقد النسوي جاء كـ ‘نظرة جديدة’ ليرد اعتبار هذه النصوص، ويقول للنقاد: ‘احكموا على هذا النص كأدب وفن خالص، وبحسب جودته وفكرته، وليس بناءً على جنس من كتبه’.

هل الأنوثة سؤال تطرحة الانثى على العالم، أم هو سؤال يطرحه العالم عليها ليختبر قدرته على فهم نفسه؟

الأنوثة ليست مجرد سؤال تطرحه المرأة، بل هي مرآة يختبر العالم من خلالها قدرته على فهم نفسه الإنسانية وتجاوز قسوتها. أما عن فكرة ‘الموضة’ والتحرر، فأنا أرى أن الأدب النسوي تمكن بالفعل، وإلى حد كبير، من عبور ‘نهر الأحكام المسبقة والأنماط الجاهزة’ ليتجاوز فكرة الموضة العابرة ويصبح جزءاً أصيلاً وثابتاً من الذائقة الأدبية العامة. لكن، لنكن واقعيين، فرغم وصوله إلى الضفة الأخرى، إلا أنه ما يزال مكبلاً ببعض القيود والتوقعات المجتمعية التي تشكل عبئاً عليه وتمنعه من الطيران بكامل حريته. المجتمع ما زال أحياناً يفرض على الكاتبة سقفاً معيناً، وهذا يحرم الأدب من الانطلاق الحقيقي نحو آفاق إنسانية أرحب بلا حدود.

لو حشرت بين جملتين: جملة تقول (الكتاية خلاص) واخرى تقول (الكتابة وهم جميل) أيهما ستختارين؟ ولماذا؟

الكتابة …حياة، لما تنضوي عليه من عملية خلق وابداع فهي الداعي والمبشر بالفرح والامل والجمال والسمو وكل الصفات والمعاني الإنسانية والوجودية..

وختامًا، تبقى أنوثة الوجود لغزًا ساحرًا لا يخضع لحسم نهائي، ولا ينحصر في أُحادية الجوهر أو نسبية البناء. إنها رحلة وجودية تتجدد فيها الأسئلة، وتعصف بها التحولات، لكنها في لبّها تظل إنسانيةً خالصةً تتنفس عبر التاريخ والثقافة والجسد والروح.

فلا الجوهر يُلغي حرية التشكل، ولا البناء يمحو أصالة الكينونة. وربما كان التوتر الخلاق بينهما هو سرّ حياتها، ومصدر غناها، ودافعها الدائم لإعادة اختراع نفسها في كل زمن. الأنوثة، إذن، ليست جوابًا جامدًا، بل سؤال مفتوح على احتمالات لا تنتهي — ودعوة دائمة لأن نعيشها، لا لأن نُعرّفها.

نبذة تعريفية:

دبلوم تقنيات الحاسوب_المعهد الفني التقني_ البصرة

من اصداراتها:

حرير فراشة الحكايات (مجموعة قصصية)

العرض الأخير (مجموعة قصصية)

بين السبابة والابهام (مجموعة قصصية)

عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق.

عن الکاتب / الکاتبة

د. لبنى مرتضى
د. لبنى مرتضى
الإعلامية/ سوریة

مقالات أخرى للكاتب

في المظالم حكمة سور الهاشمية ( الحسن المجتبى بن علي (ع)

في المظالم حكمة سور الهاشمية ( الحسن المجتبى بن علي (ع)

في المظالم حكمة سور الهاشمية ( الحسن المجتبى بن علي (ع) في كل خطوة كان…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
13 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
بين يدي البيان (علي زين العابدين)عليه السلام

بين يدي البيان (علي زين العابدين)عليه السلام

بين يدي البيان (علي زين العابدين)عليه السلام إن الرابط الأساسي بالعالم هو الكلمة، تلك الظاهرة…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
1 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
“الحسين ..الجسد الذي صار فكرة”  حوار: مع الدكتور حميد الماجدي

“الحسين ..الجسد الذي صار فكرة” حوار: مع الدكتور حميد الماجدي

الحسين ..الجسد الذي صار فكرة حوار: مع الدكتور حميد الماجدي تحاوره: د.الإعلامية لبنى مرتضى ما…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
28 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أنوثة الوجود_ بين الجوهر والبناء حوار: مع الأديبة والقاصة ميرفت الخزاعي

بقلم: د. لبنى مرتضى | التاريخ: 24 أغسطس 2026

التصنيف: الحوارات

أنوثة الوجود_ بين الجوهر والبناء

حوار: مع الأديبة والقاصة ميرفت الخزاعي

 

حاورتها: د. الإعلامية لبنى مرتضى:

تظل قضية الأنوثة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الإنساني، فهي ليست مجرد سمة بيولوجية، ولا هي دور اجتماعي جامد، بل هي حضور وجودي يتشكل عبر تفاعل معقد بين الجوهر والبناء. فبقدر ما تحمل الأنوثة في طياتها أبعادًا كونية تتصل بجوهر الكينونة الإنسانية، فإنها تنصهر في قوالب ثقافية واجتماعية وتاريخية تعيد تشكيلها باستمرار

هكذا تتردد الأنوثة بين سؤالين متلازمين: هل هي حقيقة ميتافيزيقية متأصلة في الوجود؟ أم أنها بناء لغوي واجتماعي قابل للتغيير والتفكيك؟ وبين هذا وذاك، تظل الأنوثة أرضًا خصبة للتساؤل الفلسفي والأنثروبولوجي، حيث يتقاطع الجوهري مع المكتسب، والثابت مع المتحول، ليرسم كل عصر صورته الخاصة عن “أن تكون امرأة” في عالم يبحث عن معانيه

واليوم ضيفتنا والتي استضافها موقع مجلة الجمان:

الاستاذة القاصة ميرفت خضير مرزوق والتي بدأنا معها بسؤالنا:

لو افترضنا “جوهرًا أنثويًا” ثابتًا، فهل هو مكمل للذكورة أم مستقل بذاته؟ وماذا يعني أن يكون الوجود أنثويًا في جوهره الكوني؟

أنا أرى أن الجوهر الأنثوي يجمع بين الأمرين؛ فهو مستقل بذاته ككيان كامل لا يحتاج لآخر ليعرّفه، لكنه في نفس الوقت مكمل للذكورة في دورة الحياة الإنسانية، تماماً مثل فكرة ‘الين واليانغ’ في الفلسفات القديمة؛ تكامُل لا يلغي استقلالية أي طرف. أما أن يكون الوجود أنثوياً في جوهره الكوني، فهذا يعني ببساطة أن الكون في أصله يقوم على العطاء، والاحتواء، والتجدد، والخصوبة. الطبيعة والأرض دائماً تُربط بالأنثى لأنها تمنح الحياة وتحتوي الصراعات وتحولها إلى نماء، وهذا هو الجوهر الكوني للأنوثة.

 

هل الحرية الأنثوية في الكتابة تكمن في اختيار القناع الاجتماعي المناسب، أم في القدرة على خلعه متى شاءت؟

الحرية الحقيقية في رأيي لا تكمن في اختيار القناع ولا في خلعه فقط، بل في ” ألا تضطر المرأة لارتدائه أصلاً”؛ الحرية هي أن تكتب المرأة دون خوف من أحكام المجتمع، ودون الحاجة للتخفي خلف أقنعة لتمرير أفكارها. لكن إذا نظرنا للواقع، سنجد أن القدرة على خلع القناع وقتما تشاء الكاتبة هي خطوة جبارة نحو التحرر؛ لأنها تعني أنها تملك زمام المبادرة وسلطة القرار في النص، وليست مجرد ضحية لقيود المجتمع. وكما ذكرنا سابقاً عن جورج إليوت التي خلعت قناع الاسم المذكر بعد أن فرضت أدبها على الجميع، الحرية هنا أصبحت في اختيار المواجهة.

هل يمكن لكاتب رجل أن يصنف كأديب نسوي؟ ولماذا؟

نعم، يمكننا ذلك وبكل تأكيد؛ فالنسوية في الأدب هي ‘فكر ورؤية لانحياز إنساني’ وليست حكراً على جنس الكاتبة. الأدب الذي يتبنى قضايا المرأة غالباً ما يُكتب بقلم ‘رجل’، وهو هنا ينظر للموضوع من زاوية خارجيّة؛ قد تكون زاوية محلل أو متأمل إنساني حركت مشاعره ظاهرة معينة فقرر توثيقها والوقوف عندها. إنه يكتب من موقع المتفاعل الذكي، وصحيح أنه يظل خارج التجربة المعيشة، لكن هذا لا يمنعه من أن يكون كاتباً نسوياً بفكره وقلمه. نحن لا يمكننا إنكار عبقرية بعض الكتاب الرجال الذين استطاعوا تقمص موقع المرأة ببراعة شديدة؛ كما فعل تولستوي في ‘آنا كارنينا’، أو نجيب محفوظ في شخصية ‘نفيسة’ في رواية ‘بداية ونهاية’، حيث غاصا في أعماق النفس الأنثوية بصورة مبهرة، وأثبتا أن قلم الرجل يمكنه تفكيك المعاناة بإنصاف نسوي كامل.

كيف تعالج النصوص النسوية قضايا مثل الجسد، الميراث. العنف، الأمومة، والعمل، والفرق بين توظيفها كهموم يومية وبين جعلها اشكاليات إنسانية كونية؟

الهم اليومي هو مجرد وصف سطحي للمعانة مع العنف أو الميراث كحادثة فردية. لكن الإشكالية الكونية هي عندما نربط هذه الأمور بالحرية، والعدالة، والكرامة البشرية؛ هنا يخرج النص من الإطار الضيق ليكون صوتاً لكل إنسان. مثلاً، قضية ‘الأمومة والجسد’ لم تعد مجرد تفاصيل بيولوجية، بل أصبحت صراعاً لإثبات الذات، مثلما ناقشت رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة عن صمود المرأة، أو نوال السعداوي التي هزت المياه الراكدة بطرحها الجريء لقضايا الجسد والعنف. هذا التناول الأدبي يخرج المعاناة للفضاء الأوسع، ويحرك الرأي العام ويجبر المجتمع على التفاعل.

هل هناك لغة نسوية مختلفة؟ وكيف يتم تفكيك الذكورة في اللغة (مثل التأنيث والتعامل مع الضمائر)؟.

نعم هناك لغة نسوية واضحة، لكن الأمر أعمق بكثير من مجرد إضافة تاء التأنيث للكلمات!

الموضوع يتعلق بكيفية التعامل مع مركزية المذكر في اللغة. وهنا نلاحظ ظاهرة ذكية قد تلجأ إليها بعض الكاتبات، وهي استخدام ضمير المذكر بدلاً من المؤنث عند مناقشة قضايا معينة. المرأة تفعل ذلك لسببين: الأول هو تجنب الإحراج المجتمعي، وحتى لا يُفهم نصها على أنه سيرة ذاتية أو اعتراف شخصي يُحاسبها عليه المجتمع. والسبب الثاني هو أن ضمير المذكر يعطيها مساحة أوسع وحرية أكبر في التعبير، ويمنح كلامها طابعاً ‘إنسانياً عاماً’ يهرب من النظرة الضيقة التي تحصر كتابة المرأة في دائرة البكاء أو الشكوى النسائية. ولنا في التاريخ أمثلة شهيرة؛ فالكاتبة البريطانية جورج إليوت واسمها الحقيقي (ماري آن ايفانس) اختارت اسماً مذكراً كاملاً وضعت خلفه ضمير المذكر لتضمن أن تُقرأ رواياتها بجدية ودون أحكام مسبقة، وفي أدبنا العربي نجد هذا التخفي وراء ضمير المذكر واضحاً في البدايات لتمرير الأفكار بحرية أكبر قبل أن تفرض المرأة لغتها الخاصة بجرأة وثقة.”

هناك إشكالية للنظرة الذكورة في النقد، وبروز النقد النسوي كآلية قراءة جديدة هل يقرأ النص النسوي كأدب أم كوثيقة اجتماعية؟

الأزمة الحقيقية هنا لم تكن أبداً في جودة كتابة المرأة، بل في طريقة تفكير ونظرة بعض النقاد! لفترة طويلة جداً، كان النقد يتعامل مع كتابات المرأة وكأنها مجرد ‘فضفضة أو مذكرات شخصية’ تنقل فيها واقعها واجتماعياتها، وكأن المرأة ليس لديها الخيال الكافي لتأليف قصة أو رواية من ابتكارها! كانوا يبحثون عن حياتها الشخصية بين السطور بدلاً من تقييم جمال القصة وأسلوب الكتابة. النقد النسوي جاء كـ ‘نظرة جديدة’ ليرد اعتبار هذه النصوص، ويقول للنقاد: ‘احكموا على هذا النص كأدب وفن خالص، وبحسب جودته وفكرته، وليس بناءً على جنس من كتبه’.

هل الأنوثة سؤال تطرحة الانثى على العالم، أم هو سؤال يطرحه العالم عليها ليختبر قدرته على فهم نفسه؟

الأنوثة ليست مجرد سؤال تطرحه المرأة، بل هي مرآة يختبر العالم من خلالها قدرته على فهم نفسه الإنسانية وتجاوز قسوتها. أما عن فكرة ‘الموضة’ والتحرر، فأنا أرى أن الأدب النسوي تمكن بالفعل، وإلى حد كبير، من عبور ‘نهر الأحكام المسبقة والأنماط الجاهزة’ ليتجاوز فكرة الموضة العابرة ويصبح جزءاً أصيلاً وثابتاً من الذائقة الأدبية العامة. لكن، لنكن واقعيين، فرغم وصوله إلى الضفة الأخرى، إلا أنه ما يزال مكبلاً ببعض القيود والتوقعات المجتمعية التي تشكل عبئاً عليه وتمنعه من الطيران بكامل حريته. المجتمع ما زال أحياناً يفرض على الكاتبة سقفاً معيناً، وهذا يحرم الأدب من الانطلاق الحقيقي نحو آفاق إنسانية أرحب بلا حدود.

لو حشرت بين جملتين: جملة تقول (الكتاية خلاص) واخرى تقول (الكتابة وهم جميل) أيهما ستختارين؟ ولماذا؟

الكتابة …حياة، لما تنضوي عليه من عملية خلق وابداع فهي الداعي والمبشر بالفرح والامل والجمال والسمو وكل الصفات والمعاني الإنسانية والوجودية..

وختامًا، تبقى أنوثة الوجود لغزًا ساحرًا لا يخضع لحسم نهائي، ولا ينحصر في أُحادية الجوهر أو نسبية البناء. إنها رحلة وجودية تتجدد فيها الأسئلة، وتعصف بها التحولات، لكنها في لبّها تظل إنسانيةً خالصةً تتنفس عبر التاريخ والثقافة والجسد والروح.

فلا الجوهر يُلغي حرية التشكل، ولا البناء يمحو أصالة الكينونة. وربما كان التوتر الخلاق بينهما هو سرّ حياتها، ومصدر غناها، ودافعها الدائم لإعادة اختراع نفسها في كل زمن. الأنوثة، إذن، ليست جوابًا جامدًا، بل سؤال مفتوح على احتمالات لا تنتهي — ودعوة دائمة لأن نعيشها، لا لأن نُعرّفها.

نبذة تعريفية:

دبلوم تقنيات الحاسوب_المعهد الفني التقني_ البصرة

من اصداراتها:

حرير فراشة الحكايات (مجموعة قصصية)

العرض الأخير (مجموعة قصصية)

بين السبابة والابهام (مجموعة قصصية)

عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق.