“كربلاء الحدث الذي لم يسقط بالتقادم”
حوار مع أ.د.محمد كريم الساعدي
تحاوره: د.الإعلامية لبنى مرتضى
لك أن تتصور أن حدثاً وقع قبل نحو 14 قرناً، لا يزال يُبكى عليه سنوياً بملايين الدموع، وتُروى تفاصيله كأنها وقعت بالأمس. هذا هو سر كربلاء، أنها ليست مجرد مأساة وقعت وانتهت، بل هي حدث متجدد، يعيد في كل عام تشكيل الوعي الإنساني بمعانيه العميقة.
في كربلاء، لم يعد المشهد مجرد معركة بين جيش قليل وجيش كثير، بل تحول إلى ملحمة خالدة تتجلى فيها أسمى معاني التضحية والفداء، حيث وقف الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته الأطهار في مواجهة الطغيان، ليقدموا أروع دروس الثورة على الظلم، والرفض للذل، والصبر في سبيل المبدأ.
لك أن تتأمل في كربلاء، فتجدها ليست مجرد معركة، بل مختبر إنساني متكامل، جسّد أعلى معاني العلاقات الاجتماعية والأخلاقية. واليوم تستضيف مجلة الجمان ضيفا عزيزا ثريا الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي والذي بدأنا معه بسؤالنا:
1-هل يمكن للزمن أن يتوقف عند لحظة معينة، بحيث تصبح تلك اللحظة حاضرة في كل عصر، وكأنها لم تنقضِ؟
-الحياة تُعرَّف بأنها متحركة وليست ساكنة، ويأتي السكون عادةً عندما يكون هناك جمود في حركة الأشياء، وبالأخص الأشياء التي تؤثر على مجمل ما حولها فيتشكل معها الزمن. والزمن هو نقطة انطلاقة الأشياء بمختلف وجوداتها نحو مقصد ما.
فالإنسان لا يمكن أن يكون خارج هذا المعطى التصوري للزمن، فزمن الإنسان لا يقتصر على سيره نحو الأشياء، بل على سيره نحو القيم التي تحدد سلوكيات الأشياء من حوله، وبذلك يتحدد زمنها وزمانية وجودها من خلاله. ومن المستحيل أن يتوقف زمن ما إذا بدأت الحركة بكل أصنافها وأشكالها ومسمياتها.
2-إذا كانت القيم الأخلاقية كالعدالة والحرية لا تسقط بالتقادم، فهل يعني ذلك أن أي حدث جسّد هذه القيم يصبح خالداً بحضورها، بغض النظر عن زمن وقوعه؟
-القيم وُجدت عن طريق الأَحْسَنِ الذي تشكل من حركة الإنسان على هذه الأرض، وبالتالي فإن أي قيمة تشكل جوهراً حقيقياً ومعياراً واضحاً يُقاس عليه سلوك البشر الذي يتشكل عادةً من تصرفاتهم وحضورهم في مجتمع ما، تصبح هذه القيمة هي المنطلق الحقيقي للسعي الإنساني من أجل الوصول إليها.
وهذا السعي الذي يريد أن يصل إلى أعلى القمة القيمية سيكون خالداً حتماً وبنسبة عالية جداً إذا استطاع أن يجد ذاته قد مُلِئت بها، فيصبح سلوكه وحركاته ووجدانه وكل شيء منه وإليه تجسيداً فعلياً لهذه القيم. فالخلود هو نسبة تحقق المعطى الكلي للقيمة التي تأخذ شكل الإطلاق على مر السنين.
3-هل تخلد المآسي العظيمة لأنها تعبر عن صراعات أبدية في النفس البشرية كالخوف والموت والاختيار؟ أم لأنها ترتبط بلحظة تاريخية بعينها؟
كل مأساة في الحياة لها مسبباتها وظروفها التي في الأغلب تتشابه من حيث المعطى الكلي، لكن الاختلاف بين هذه المآسي يتأتى من صاحبها الذي وقع عليه فعل المأساة ليتشكل الحدث من خلالها، وليصبح مؤثراً عن طريق وجودها الفعلي.
فالمأساة ليست هي من تكون عظيمة، بل من يقع عليه فعل المأساة سيكون هو العظيم ومأساته ستتشكل من خلال عظمته هو؛ لأن الإنسان هو صانع الحدث المأساوي وليس العكس. أي إن وجوده هو من يجعل للمأساة طبيعة معينة، وكلما زادت عظمته، زادته مأساته عظمةً عن طريقه.
4-لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) وحده، بل خرج بكل أسرته: أخيه العباس، وأبنائه، وأخواته، وأهل بيته. هذا المشهد قدّم أسمى نموذج للتماسك الأسري. فهل يمكن لوحدة الأسرة أن تتحول إلى قوة تغير مجرى التاريخ؟ وما هو الدور الذي يلعبه البيت الواحد في مواجهة طوفان الانحراف الأخلاقي؟
-في بداية الجواب عن هذا السؤال يجب أن نضع كربلاء الحسين كحدث مأساوي في سياق ما تكلمنا عنه قبل قليل: فهل واقعة كربلاء هي من صُنْعِ الحسين (عليه السلام)؟ أم الحسين (عليه السلام) هو من صنع كربلاء؟
فالحسين هو من يمثل الإنسانية في جانبها السليم خَلْقاً وخُلُقاً. والحسين هو من حرّك ما كان قد ركد وأصبح ثابتاً ومن الصعب تغييره من خلال سيطرة البغي على الحكم، وخضوع الكثيرين من خلال خداعهم وتضليلهم، أو من خلال إجبارهم بالقوة على الخضوع لهذه الطبيعة من الحكم السائد؛ فأصبح الناس في زمانه أكثر ميلاً للسكوت أمام الحكم القائم آنذاك.
فكان لا بد من حركة تحرك ما حولها من ركود، فجاء رجل لم يقبل بالظلم، ولا الخضوع، ولا المساومة، وعلى إثره تعرض لكل أنواع الابتزاز والحيلة والغدر ليتشكل الحدث الأكبر. وهذا الحدث المأساوي الذي كونه الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه بأجسادهم، وكأننا أمام مذبح عظيم فيه الدماء تحرك الساكن من الخوف في داخل الدولة الظالمة؛ فأصبحت كربلاء ساحة عظيمة ومذبحاً يقوم على نحر الأرض وكل القيم التي تشكلت فيها، واستُبيح على هذا الأساس ما كان مقدساً بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). فخروج الحسين هو من شكّل الحدث وهو من أحدث مأساة عظمى، ومن قَدّم إلى مذبحها العظيم أعز ما يملك؛ حتى لا يُقال إن الأرض خلت من شرفها وناموسها وعطائها. فكان الحسين هو شرفها وناموسها وعطاءها الذي لا يمكن أن ينتهي.
فالأسرة المحمدية العلوية الفاطمية الحسنية الحسينية كلها شكّلت الحدث المأساوي في كربلاء، وأصبح الطغاة والقتلة الذين يدّعون الإسلام هم من قاموا بهذه المذبحة العظيمة، لكن صعود الحسين (عليه السلام) وأهل بيته كان لأجل العطاء والقيم والإنسانية التي أوجدهم الله لأجلها في هذه الأرض، بينما كان فعل أعدائه لأجل الدنيا وملذاتها.
فالحسين (عليه السلام) واحد لا يتكرر في مأساته وصعوده إلى قمة التضحية، بينما أعداؤه لا يتكررون في فعلتهم الدنيئة من أجل أخس ما في هذه الدنيا وملذاتها.
5-في اللحظة التي اعتبر فيها الآخرون البيعة ليزيد حماية للمجتمع قال الإمام الحسين (عليه السلام) لا، لقد أرسى مبدأ أن الصمت على الظلم خيانة اجتماعية.
-كلمة (لا) الشريفة التي تُقال بوجه الظالم تختلف عن كلمة (لا) التي تُقال بوجه المظلوم؛ فـ (لا) الحسين هي الحد الفاصل بين السلّة والذلة، هي الفاصل بين الإيمان والكفر، هي الفاصل بين الحق والباطل، هي الفاصل بين الارتقاء إلى مذبح كربلاء بالصبر والفداء للقيم العليا للوجود وبين الانحطاط والتسافل نحو الهاوية.
6-في واقعة الطف، لم تكن المواجهة جسدية فحسب، بل نفسية. مشهد النساء والأطفال بعد المأساة، وصبر السيدة زينب في مجلس الشام. كيف يمكن للروح البشرية أن تحول أعتى الكوارث إلى أدوات للنهضة؟ وهل هناك حدود لقدرة الإنسان على استيعاب الألم وتحويله إلى رسالة؟
-في كربلاء تجسد كل شيء:
1. في المجال الديني: الحسين (عليه السلام) خرج لأجل الإصلاح في أمة جده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. في المجال الاجتماعي: الحسين (عليه السلام) خرج من أجل مواجهة الظلم الاجتماعي الذي مارسه الحكم الأموي الظالم.
3. في المجال الأخلاقي: الحسين (عليه السلام) خرج من أجل رفعة القيم والأخلاق حتى لا تضيع بين يدي الظلمة والفجرة.
4. في المجال النفسي: الحسين قاد ثورة نفسية وإصلاحية من أجل النهوض ومواجهة الخوف الذي غزا النفوس من الحكم الأموي.
5. في المجال الروحي: ارتقى الحسين (عليه السلام) سُلَّم العروج الروحي للخالق لكي يحقق المبتغى الأسمى من وجود الإنسان.
الحسين (عليه السلام) كان عارفاً بما يصنع ويريد من هذه المسيرة الكبرى؛ فالنهضة لا يمكن أن تتكون من دون أدوات باعثة لها، وأدواتُها أتى بها الحسين (عليه السلام) من أجداده العظام، أتى بها الحسين (عليه السلام) من آبائه الكرام، أتى بها الحسين (عليه السلام) من الكتب المقدسة وفي مقدمتها القرآن الكريم، أتى بها الحسين (عليه السلام) من تاريخ المقاومة التي رسمت طريق العزة والكرامة لمن مضى عليها.
ولكنه جمع كل هذه الأدوات الكبيرة التي لا يمكن أن تغطيها عبثية الطغاة، وجعلها تتشكل فيه هو؛ فهو من غيّر الاعوجاج وجعله مستقيماً، وهو من حوّل ظلمة النفاق ببياض صدقه الناصع، فهو الحسين (عليه السلام) الذي تشكّلت فيه صور جميع الأنبياء وأصبح مرآة الحق التي لا تظهر الباطل أبداً، بل تعكس الحقيقة المطلقة لهذه التضحية الكبرى.
7-لم تنتهِ الرسالة باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، بل انتقلت عبر السيدة زينب والإمام السجاد (عليهما السلام).
-الحسين (عليه السلام) فعلٌ تحرَّك إلى الأمام، ورايةٌ تكوّنت في ذات النفس الإنسانية وحُملت من بعد مصرعه وشهادته على يد من كانت جزءاً مهماً من هذا الحدث العظيم.
فزينب (عليها السلام) لم تكن خائفة من القدر كما يصورها البعض، بل كانت هي الكلمة التي أرادها الله أن تحمل صورة الشهادة للحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه الكرام. فهي الكتاب الذي لا يخفي صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عن كربلاء.
المؤرخون لم يكتبوا كربلاء ولا عن كربلاء، بل هم وسطاء لنقل الحدث بين زينب الحسين وبين الأجيال. فمبدعة تاريخ كربلاء هي زينب، من وضعت ورسمت ملامح الحدث هي زينب رغم محاولة الأعداء محوه. فهي (زينب) فعل البقاء لكربلاء، والحسين هو الحدث المُشكِّل لها.
8-هل يصبح الحدث أبدياً عندما يتوقف عن كونه مجرد خبر في الماضي، ليصبح سؤالاً مفتوحاً يُوجه إلى كل إنسان في كل زمن: ماذا كنتَ ستفعل لو كنتَ مكان الحسين؟
-كربلاء ليست حدثاً أبدياً، بل الأبدية هي كربلاء، والحسين (عليه السلام) ليس حدثاً يُنسى أو يتكرر؛ فالحسين (عليه السلام) لا يكفيه تصوّر بشري عادي ليستوعبه، بل هذا الأبدي بحاجة إلى سلسلة ذهبية من الفلاسفة ورجال العرفان ورجال علم وفن وذوق ليجتمعوا جميعهم وينسجوا لنا تصوراً عما كان يدور بين الحسين (عليه السلام) ومبدعه وخالقه، حتى يضعوا لنا تجليات هذا الحدث الكوني.
فالكون بقيمه وأخلاقه ومبادئه اختصرته تلك اللحظة الأبدية التي لا تتكرر، لذلك أقول إن الحسين (عليه السلام) واحد لا يتكرر في فعله، ومأساة كربلاء مستمرة ما دامت الحياة ماضية في صراعها بين الخير (الحسين) وبين الشر (يزيد).
الخاتمة:
بهذا الحوارتتحول كربلاء من حدث نقرؤه إلى مرآة نواجه بها واقعنا، حيث يجد كل إنسان ومجتمع إجاباته الخاصة من خلال تأمله في هذه المحاور الخالدة.
وختاماً، تبقى كربلاء شاهداً حياً على أن القيم الإنسانية لا تموت، وأن المبادئ إذا احتضنتها النفوس، فإنها تتحول إلى طاقة تغيير تتجدد مع كل فجر، وتبقى في الضمير الإنساني نبراساً لا ينطفئ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وما الحسين إلا رمز للعزة الإنسانية، وقنديل للحرية، يضيء دروب كل من يبحث عن معنى للوجود في زمن طغت فيه الماديات. رحم الله سيد الشهداء، وألهمنا الصبر والصمود على طريق الحق..
د.عصام المعمورية
التعليقات