حوار مع مخرج مسرحي ” کاظم نصار “

صورة الكاتب
بقلم: د.عصام المعمورية
التاريخ: 1 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2574
حوار مع مخرج مسرحي ” کاظم نصار “

 

( الحياة أكبر من المسرح وان المسرح وسيلة وليست غاية وكان علي أن ابحث عن مسارب اخرى للعيش لأن الخبز أهم من عرض مسرحي بالنسبة لشعب يفرش أغراضه في الباب الشرقي ليبيعها ويحولها الى طحين )

مقدمة

اذا كان الابداع يتضمن شقين أولهما أن تحوّل ما هو مألوف الى ما هو غير مألوف وثانيهما عكس ذلك بأن تحوّل ما هو غير مألوف الى ما هو مألوف فان ضيفنا الذي نتشرف بمحاورته اليوم يمتلك كلا الشقين ، فهو مخرج عراقي متألق يرى تنظيراً وممارسةً أن المسرح هو أسرع الخطابات استجابةً للمتغيرات ويؤمن بأن المسرح الشعري غاب عراقياً وعربياً وقدّم في مناسبات عديدة طروحات فكرية عن الركائز المؤسساتية التي تجعل المسرح واقفاً على قدميه ويرى المسرح العراقي بأنه اول مسرح في العالم العربي كان متنوعاً وتجريبياً عبر مضامينه وأشكاله فهو نتاج مدارس أمريكا ولندن وايطاليا وألمانيا واوروبا الشرقية وروسيا ، والمدرسة العراقية حسب تصوره انبثقت من هذه الثقافات العرضية وحققت خطاباً نصياً وعرضياً مهماً ونادراً ظل ميزة رئيسة لم تنطفئ شعلتها عبر الأزمان . شخّص ضيفنا عبر رؤية نقدية دقيقة وجود اربعة تحولات جوهرية في مسيرة المسرح العراقي أولها في أوائل الستينات على يد جاسم العبودي من الأداء التقليدي الخطابي الى الأسلوب النفسي في التقمص والمعايشة وتدريس التمثيل على وفق نظرية ستانسلافسكي ، وثانيهما عام 1969 على يد قاسم محمد من خلال تحويله لرواية مهمة هي النخلة والجيران الى المسرح حيث رسخت هوية المسرح العراقي من خلال اللهجة المحلية والأجواء البغدادية بعيداً عن النموذج الغربي حيث صار المتلقي يسمع أسماء أبو قنبورة والحفافة والبايسكلجي بدلاً غن ( فاريا ) و ( جايبف ) ، كما شكل العرض بداية للمسرح الحديث الممزوج بين الواقعية النفسية والرمزية والاستفادة من مسرح بريخت في التقديم . وثالثهما تغيير نمط العروض العراقية على يد ابراهيم جلال من خلال رؤية مفادها ان المسرح اداة تفكير وتوعية وليس مجرد تقمص نفسي عاطفي من خلال اهتمامه بتقنيات مسرح بريشت في التغريب والتقديم وكان ذلك واضحاً في عروض فرقة المسرح الحديث ونتاجاته المهمة والتي أشاعت التفكير والجدل . أما التحول الرابع فانه حدث بعد عودة خريجي اوروبا الشرقية والمانيا ورومانيا وبلغاريا وجيكوسلوفاكيا حيث تغير مزاج العرض العراقي وثقافته من خلال المنظومة البصرية والسمعية وابرزهم عوني كرومي وفاضل خليل وصلاح القصب وعقيل مهدي وآخرين ، حدث ذلك في منتصف الثمانينيات . هذه بعض من الطروحات الفكرية لضيفنا وهي كما يراها قناعات شخصية قابلة للتفنيد والجدل والمناقشة تفيد في معرفة اين نقف الآن بعد عقود من المسرح وهي أفكار يمكن تطويرها والبحث فيها بشكل اعمق. عن المسرح العراقي وكل ما تم ذكره آنفاً من طروحات فكرية كان لنا هذا الحوار الذي يتطلب من المحاور الالمام بكل الجهود الابداعية التي أثرت المسرح العراقي والتي اضافها ضيفنا وهذا أكبر من طاقة المحاور لأن ضيفنا قامة فنية لها نشاطات مسرحية كثيرة من الصعب الاحاطة بها عبر هذا الحوار السريع والعفوي وغير المخطط له . انه المخرج العراقي الذي ترك بصمة في المشهد الفني الابداعي العراقي وربما العربي المخرج ( كاظم نصار ) من خلال أعماله التي جمعت بين الرؤية الاخراجية والاهتمام بالتفاصيل الانسانية والجمالية و كان لنا معه حوار سلطنا فيه على عجالة الضوء على تجربته في المسرح عامة والاخراج ثانياً وطلبنا منه شاكرين الاجابة عن الأسئلة الآتية

** في السيرة الذاتية ومقارباتها وتحت عنوان ( مزيل بقع الحرب ) قلت بأن قصتك مع معهد الفنون الجميلة اولاً واكاديمية الفنون الجميلة ثانياً تختلف عن قصة زملائك الآخرين من الطلبة فما هو وجه الاختلاف في ذلك وماذا أكسبك من تجربة هذا الاختلاف ؟

نعم ..جئت من معهد الفنون الجميلة الى الصف الثاني في كلية الفنون باعتباري الاول على دفعتي اولا وثانيا جئت الى المعهد باعتباري شاعرا وكاتبا وشغوف بالمسرح في حين كان زملائي في الدفعة يعملون موظفين او لديهم اعمال حرة . . وثالثا عملت في اعمال مسرحية محترفة وانا ما زلت طالبا وقدمت اعمالا حازت على جوائز ورابعا بيني وبين طلاب الكلية مسافة عمرية لا تقل عن عشرة، سنوات زائدا الضغط الاجتماعي والاقتصادي جعلني مختلفا بالمظهر والزي والوعي والعمل ايام الدراسة ولذلك صار اصحابي القريبين من اصحاب المواهب والوعي المختلف وصار الاساتذة اصدقاء لي وبشروا بموهبتي وعملي ودعموا توجهي وافردوا لي مكانا مختلفا وخاصة استاذي الراحل بدري حسون فريد الذي طلب مني سرا ان اترك البلاد حفاظا على حياتي وموهبتي … وهكذا تفتقت مواهبي وصرت ما انا عليه الان كاتبا ومخرجا خرج من اتون هذا الفرن العراقي الساخن.

** لك مع الشاعر حكمت الحلاج قصة يصح أن نسميها قصة المعطف فما هي حكايتك مع المعطف ؟

كنت ارتدي معطفا قديما وشعري طويل وسلوكي مختلف والبس قمصان ملونة واتحرك بشكل مسرحي وحين ادخل الكلية تفز بعض الطالبات ويعتقدن انني مجنون فتقول احداهن يمة اسم الله شنو هذا ..وهكذا عشت ثلاثة سنوات في الكلية كغريب لديه اصدقاء واتباع ومعجبين …. فجاءني الشاعر حكمت الحاج وكان يتردد على الكلية قائلا لي يمعود انت شنو لازم تخلع المعطف وتحلق لحيتك وتكون طبيعيا حتى لاتفر الطالبات منك وتهرب … ومع ذلك كنت متفوقا وقدمت اعمالا حازت على جواىز نادرة حتى ان الراحل سامي عبد الحميد قال لي انت منو ..واين تعلمت كل ذلك …ومنحني جائزة افضل مخرج وافضل ممثل في مهرجان منتدى المسرح عام 93.

** درست في معهد الفنون الجميلة وفي الأكاديمية فيما بعد على يد أساتذة أجلاء مثل عزيز جبر ويوسف رشيد وعماد الصافي وأسعد عبد الرزاق وبدري حسون فريد وسامي عبدالحميد وصلاح القصب وفي النقد والأدب على يد د. مالك المطلبي رحمه الله فماذا ترك كل منهم من بصمة لديك ؟

الاساتذة الاجلاء هؤلاء بتراكم خبراتهم والتقاطهم للموهبة النادرة علموني تقاليد المسرح واسرار المسرح واسرار العرض المسرحي ومنهم من علمنا اصول النقد والتيارات الحديثة مثل الراحل د. مالك المطلبي. وكانوا يراهنون علينا في حمل راية المسرح في مستقبله جعفر السعدي وبدري حسون فريد وصلاح القصب وعقيل مهدي وفاضل خليل وسامي عبد الحميد حضر بعضهم عروضنا وازدادوا يقينا بمراهنتهم علينا وظلوا يتابعون ما نعمل وننجز حتى اليوم بمن تبقى منهم.

** في أول اطلالة لك مع محور عروض حياة ما بعد الحرب حصلت على أفضل ممثل وأفضل مخرج في عرض ( حياة مدجنة ) ماذا مهد لك هذا الانجاز من انجازات لاحقة على صعيد المسرح ؟

هذا العرض كان فاتحة لعروضي القادمة وهو اعداد عن رواية ولم يقل كلمة للألماني هاينرش بل وهي رواية في الحرب تماما … اخرجت العرض ومثلت فيه وحصلنا على اربع جوائز ومنها تم الالتفات لي كواحد من جيل جديد قادم بقوة الى الساحة المسرحية وظل الاستاذ سامي عبد الحميد يراهن علي في عروضي القادمة ولم اخذله فحصلت في العام التالي على سبعة جوائز بعرض اسمه امام الباب لكاتب الماني ايضا اسمه بورشرت كان الفوهرر هتلر قد نفاه الى سيبيريا فقطعت اطراف قدميه فكتب هذه المسرحية للأمهات وعن قسوة الحرب ودمارها ..واتعجب الان من انني من اين لي هذا الوعي للذهاب الى مثل هذه النصوص الصعبة والصادمة وصار هنا عندي بصمة في عروض الحرب ومابعدها وصار النقاد بعد ذلك يشيرون لي بمحور حياة ما بعد الحرب .

** قدّمك الكثيرون الى الجمهور باعتبارك شاعراً لكنك كنت تهرب باتجاه أسرار العرض وثقافته فكيف تبرر ذلك ؟

كنت شاعرا واصدرت مجموعة شعرية بعنوان قبعات الارامل ترفرف عاليا من دار الواح في اسبانيا بمبادرة من الصديق الروائي محسن الرملي المقيم هناك وبعدها انصرفت للمسرح دراسة وعملا ووعيا وعندها طلقت الشعر بالثلاثة وانصرفت عنه وانشغلت بأسرار العرض المسرحي ورجالاته ومبدعيه محليا وعربيا وعالميا ….. وظلت الصحافة تلاحقني وتقدمني كشاعر فرفعت البطاقة الحمراء امامهم وقلت لهم قدموني كمخرج وكاتب وليس شاعرا لان وصف الشاعر يحتاج الى تواكب وعمل وبحث ومتابعة ومعرفة دقيقة بالتراث والحاضر وتقنية الكتابة وانواع الشعر وانا انصرفت عن ذلك.

** هنالك حديث قديم نجدده اليوم يتمثل بالبحث عن اجابة عن التساؤل الآتي في فلسفة المسرح : هل يقاس نجاح العرض بعدد الجمهور أم بعمق الأثر الذي يتركه ؟

الجمهور ركن اساسي للعرض المسرحي واحيانا يقاس به نجاح العرض لكن هذا ليس كل الحقيقة فالأصح ان يقاس بالأثر الاجتماعي والسياسي الذي يتركه من حيث اختيار الموضوعة ومن حيث المعالجة ومن حيث الرؤية التي يقدمها المخرج، النص مهم والرؤية مهمة والاتساق الادائية مهمة وحضور الجمهور الكثيف يعتمد على سمعة المخرج وانجازاته السابقة ووعيه والتصاقه بهموم مجتمعه والتعبير عنها. اذن الجمهور مهم دون ان يضغط على اصابع صانعي العرض وفهمهم .

**ماذا تقول حين يقال لك بأن المسرح فن الصبر فهو يحتاج الى فكرة تنضج وممثل يقرأ ويتأمل ومخرج يرى ما وراء الكلمات وجمهور يمنح وقته بإرادة ، ولذلك يمكن القول بأن اعادة الاعتبار للمسرح تبدأ بإعادة الاعتبار للثقافة بوصفها ضرورة لا ترفاً .. أين نحن من هذا الكل المعقد الذي من الصعوبة توفير أجوائه ؟ هل أنت متفائل بمستقبل واعد للمسرح العراقي وسط هذا الاحباط المطبق ؟

نعم اتفق مع هذه الاطروحة ….والتقلبات السياسية والصراعات تؤثر بشكل مباشر على ديمومة المسرح وعلى الثقافة، المسرح ابن الثقافة في حين الدراما التلفزيونية ابنة الاعلام ويحتاج المسرح فعلا الى صبر وبناء وبنى تحتية وتمويل منظم وادارات ثقافية والى رؤية استراتيجية مستدامة والحرب الاخيرة وماقبلها اثرت على حركة المسرح وسكنته وتوقف حراكه محليا وحتى عربيا …. لست متفائلا ولست متشائما افكر بواقعية وانتظر ما ستسفر عنه الاحداث والتقلبات في بلادنا.

** لو عادت بك الحياة من جديد هل تختار المسرح اختصاصاً لك ومصدراً للقمة العيش ؟

ماذا اعطاك المسرح وماذا أخذ منك ؟

لوعاد بي الزمن لا اظن انني سأكون مسرحيا ..ربما الجأ للتوازن بين العيش والفن وربما الجأ للكتابة ..المسرح فن صعب لأنه فن جماعي ولاينجز الا عبر مؤسسات لكن الكتابة يمكن ان تنجزها في البيت .. ومع ذلك افادني المسرح في البحث والدراسة والمشاركة في مهرجانات عربية ودولية وعرفني على مدن عديدة وحزت على شهرة لابأس بها في الاوساط العربية من خلال اعمالي …. لكن مثاليتي وانتمائي الكلي للمسرح اخذ مني الكثير من حياتي وصحتي وسبب لي صراعات ونزاعات تركت تأثيرها علي حتى اليوم عموما لقد فات الاوان على التراجع واعيش الان مستفيدا من خبرتي وتجاربي التي تعلمت منها الكثير.

** عن الرؤية الاخراجية : كيف تصف بصمتك الاخراجية التي تميزك عن غيرك ؟

وما هي العناصر التي تركز عليها أكثر ( اللقطة ، الاضاءة ، أداء الممثل ، النص ) ؟

اظن أن ميزتي انني اختار نصوصا ساخنة لها صلة بالمجتمع العراقي وتاثيرات الوضع السياسي عليها كما اعمل على موازنة بين الشكل والمضمون واقرأ في الاتجاهات المسرحية جميعها والمتتبع لعروضي يلمس التجريب والحداثة والنصوص المؤثرة والممثلين المحترفين القادرين على التأثير والمعالجة السينوغرافية المتقدمة وكل ذلك يشكل بصمة واضحة في مسيرة عروضي كما انني اتمتع برؤية نقدية للعروض وتشخيص دقيق للواقع وتقلباته ولا اتوقف عن ذلك … كما ان خبرتي في الكتابة مكنتني من اختيار نصوصا بعينها تغري القارئ على متابعتها …

عن الکاتب / الکاتبة

د.عصام المعمورية
د.عصام المعمورية
باحث . کاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حوار مع مخرج مسرحي ” کاظم نصار “

بقلم: د.عصام المعمورية | التاريخ: 1 يوليو 2026

التصنيف: الحوارات

 

( الحياة أكبر من المسرح وان المسرح وسيلة وليست غاية وكان علي أن ابحث عن مسارب اخرى للعيش لأن الخبز أهم من عرض مسرحي بالنسبة لشعب يفرش أغراضه في الباب الشرقي ليبيعها ويحولها الى طحين )

مقدمة

اذا كان الابداع يتضمن شقين أولهما أن تحوّل ما هو مألوف الى ما هو غير مألوف وثانيهما عكس ذلك بأن تحوّل ما هو غير مألوف الى ما هو مألوف فان ضيفنا الذي نتشرف بمحاورته اليوم يمتلك كلا الشقين ، فهو مخرج عراقي متألق يرى تنظيراً وممارسةً أن المسرح هو أسرع الخطابات استجابةً للمتغيرات ويؤمن بأن المسرح الشعري غاب عراقياً وعربياً وقدّم في مناسبات عديدة طروحات فكرية عن الركائز المؤسساتية التي تجعل المسرح واقفاً على قدميه ويرى المسرح العراقي بأنه اول مسرح في العالم العربي كان متنوعاً وتجريبياً عبر مضامينه وأشكاله فهو نتاج مدارس أمريكا ولندن وايطاليا وألمانيا واوروبا الشرقية وروسيا ، والمدرسة العراقية حسب تصوره انبثقت من هذه الثقافات العرضية وحققت خطاباً نصياً وعرضياً مهماً ونادراً ظل ميزة رئيسة لم تنطفئ شعلتها عبر الأزمان . شخّص ضيفنا عبر رؤية نقدية دقيقة وجود اربعة تحولات جوهرية في مسيرة المسرح العراقي أولها في أوائل الستينات على يد جاسم العبودي من الأداء التقليدي الخطابي الى الأسلوب النفسي في التقمص والمعايشة وتدريس التمثيل على وفق نظرية ستانسلافسكي ، وثانيهما عام 1969 على يد قاسم محمد من خلال تحويله لرواية مهمة هي النخلة والجيران الى المسرح حيث رسخت هوية المسرح العراقي من خلال اللهجة المحلية والأجواء البغدادية بعيداً عن النموذج الغربي حيث صار المتلقي يسمع أسماء أبو قنبورة والحفافة والبايسكلجي بدلاً غن ( فاريا ) و ( جايبف ) ، كما شكل العرض بداية للمسرح الحديث الممزوج بين الواقعية النفسية والرمزية والاستفادة من مسرح بريخت في التقديم . وثالثهما تغيير نمط العروض العراقية على يد ابراهيم جلال من خلال رؤية مفادها ان المسرح اداة تفكير وتوعية وليس مجرد تقمص نفسي عاطفي من خلال اهتمامه بتقنيات مسرح بريشت في التغريب والتقديم وكان ذلك واضحاً في عروض فرقة المسرح الحديث ونتاجاته المهمة والتي أشاعت التفكير والجدل . أما التحول الرابع فانه حدث بعد عودة خريجي اوروبا الشرقية والمانيا ورومانيا وبلغاريا وجيكوسلوفاكيا حيث تغير مزاج العرض العراقي وثقافته من خلال المنظومة البصرية والسمعية وابرزهم عوني كرومي وفاضل خليل وصلاح القصب وعقيل مهدي وآخرين ، حدث ذلك في منتصف الثمانينيات . هذه بعض من الطروحات الفكرية لضيفنا وهي كما يراها قناعات شخصية قابلة للتفنيد والجدل والمناقشة تفيد في معرفة اين نقف الآن بعد عقود من المسرح وهي أفكار يمكن تطويرها والبحث فيها بشكل اعمق. عن المسرح العراقي وكل ما تم ذكره آنفاً من طروحات فكرية كان لنا هذا الحوار الذي يتطلب من المحاور الالمام بكل الجهود الابداعية التي أثرت المسرح العراقي والتي اضافها ضيفنا وهذا أكبر من طاقة المحاور لأن ضيفنا قامة فنية لها نشاطات مسرحية كثيرة من الصعب الاحاطة بها عبر هذا الحوار السريع والعفوي وغير المخطط له . انه المخرج العراقي الذي ترك بصمة في المشهد الفني الابداعي العراقي وربما العربي المخرج ( كاظم نصار ) من خلال أعماله التي جمعت بين الرؤية الاخراجية والاهتمام بالتفاصيل الانسانية والجمالية و كان لنا معه حوار سلطنا فيه على عجالة الضوء على تجربته في المسرح عامة والاخراج ثانياً وطلبنا منه شاكرين الاجابة عن الأسئلة الآتية

** في السيرة الذاتية ومقارباتها وتحت عنوان ( مزيل بقع الحرب ) قلت بأن قصتك مع معهد الفنون الجميلة اولاً واكاديمية الفنون الجميلة ثانياً تختلف عن قصة زملائك الآخرين من الطلبة فما هو وجه الاختلاف في ذلك وماذا أكسبك من تجربة هذا الاختلاف ؟

نعم ..جئت من معهد الفنون الجميلة الى الصف الثاني في كلية الفنون باعتباري الاول على دفعتي اولا وثانيا جئت الى المعهد باعتباري شاعرا وكاتبا وشغوف بالمسرح في حين كان زملائي في الدفعة يعملون موظفين او لديهم اعمال حرة . . وثالثا عملت في اعمال مسرحية محترفة وانا ما زلت طالبا وقدمت اعمالا حازت على جوائز ورابعا بيني وبين طلاب الكلية مسافة عمرية لا تقل عن عشرة، سنوات زائدا الضغط الاجتماعي والاقتصادي جعلني مختلفا بالمظهر والزي والوعي والعمل ايام الدراسة ولذلك صار اصحابي القريبين من اصحاب المواهب والوعي المختلف وصار الاساتذة اصدقاء لي وبشروا بموهبتي وعملي ودعموا توجهي وافردوا لي مكانا مختلفا وخاصة استاذي الراحل بدري حسون فريد الذي طلب مني سرا ان اترك البلاد حفاظا على حياتي وموهبتي … وهكذا تفتقت مواهبي وصرت ما انا عليه الان كاتبا ومخرجا خرج من اتون هذا الفرن العراقي الساخن.

** لك مع الشاعر حكمت الحلاج قصة يصح أن نسميها قصة المعطف فما هي حكايتك مع المعطف ؟

كنت ارتدي معطفا قديما وشعري طويل وسلوكي مختلف والبس قمصان ملونة واتحرك بشكل مسرحي وحين ادخل الكلية تفز بعض الطالبات ويعتقدن انني مجنون فتقول احداهن يمة اسم الله شنو هذا ..وهكذا عشت ثلاثة سنوات في الكلية كغريب لديه اصدقاء واتباع ومعجبين …. فجاءني الشاعر حكمت الحاج وكان يتردد على الكلية قائلا لي يمعود انت شنو لازم تخلع المعطف وتحلق لحيتك وتكون طبيعيا حتى لاتفر الطالبات منك وتهرب … ومع ذلك كنت متفوقا وقدمت اعمالا حازت على جواىز نادرة حتى ان الراحل سامي عبد الحميد قال لي انت منو ..واين تعلمت كل ذلك …ومنحني جائزة افضل مخرج وافضل ممثل في مهرجان منتدى المسرح عام 93.

** درست في معهد الفنون الجميلة وفي الأكاديمية فيما بعد على يد أساتذة أجلاء مثل عزيز جبر ويوسف رشيد وعماد الصافي وأسعد عبد الرزاق وبدري حسون فريد وسامي عبدالحميد وصلاح القصب وفي النقد والأدب على يد د. مالك المطلبي رحمه الله فماذا ترك كل منهم من بصمة لديك ؟

الاساتذة الاجلاء هؤلاء بتراكم خبراتهم والتقاطهم للموهبة النادرة علموني تقاليد المسرح واسرار المسرح واسرار العرض المسرحي ومنهم من علمنا اصول النقد والتيارات الحديثة مثل الراحل د. مالك المطلبي. وكانوا يراهنون علينا في حمل راية المسرح في مستقبله جعفر السعدي وبدري حسون فريد وصلاح القصب وعقيل مهدي وفاضل خليل وسامي عبد الحميد حضر بعضهم عروضنا وازدادوا يقينا بمراهنتهم علينا وظلوا يتابعون ما نعمل وننجز حتى اليوم بمن تبقى منهم.

** في أول اطلالة لك مع محور عروض حياة ما بعد الحرب حصلت على أفضل ممثل وأفضل مخرج في عرض ( حياة مدجنة ) ماذا مهد لك هذا الانجاز من انجازات لاحقة على صعيد المسرح ؟

هذا العرض كان فاتحة لعروضي القادمة وهو اعداد عن رواية ولم يقل كلمة للألماني هاينرش بل وهي رواية في الحرب تماما … اخرجت العرض ومثلت فيه وحصلنا على اربع جوائز ومنها تم الالتفات لي كواحد من جيل جديد قادم بقوة الى الساحة المسرحية وظل الاستاذ سامي عبد الحميد يراهن علي في عروضي القادمة ولم اخذله فحصلت في العام التالي على سبعة جوائز بعرض اسمه امام الباب لكاتب الماني ايضا اسمه بورشرت كان الفوهرر هتلر قد نفاه الى سيبيريا فقطعت اطراف قدميه فكتب هذه المسرحية للأمهات وعن قسوة الحرب ودمارها ..واتعجب الان من انني من اين لي هذا الوعي للذهاب الى مثل هذه النصوص الصعبة والصادمة وصار هنا عندي بصمة في عروض الحرب ومابعدها وصار النقاد بعد ذلك يشيرون لي بمحور حياة ما بعد الحرب .

** قدّمك الكثيرون الى الجمهور باعتبارك شاعراً لكنك كنت تهرب باتجاه أسرار العرض وثقافته فكيف تبرر ذلك ؟

كنت شاعرا واصدرت مجموعة شعرية بعنوان قبعات الارامل ترفرف عاليا من دار الواح في اسبانيا بمبادرة من الصديق الروائي محسن الرملي المقيم هناك وبعدها انصرفت للمسرح دراسة وعملا ووعيا وعندها طلقت الشعر بالثلاثة وانصرفت عنه وانشغلت بأسرار العرض المسرحي ورجالاته ومبدعيه محليا وعربيا وعالميا ….. وظلت الصحافة تلاحقني وتقدمني كشاعر فرفعت البطاقة الحمراء امامهم وقلت لهم قدموني كمخرج وكاتب وليس شاعرا لان وصف الشاعر يحتاج الى تواكب وعمل وبحث ومتابعة ومعرفة دقيقة بالتراث والحاضر وتقنية الكتابة وانواع الشعر وانا انصرفت عن ذلك.

** هنالك حديث قديم نجدده اليوم يتمثل بالبحث عن اجابة عن التساؤل الآتي في فلسفة المسرح : هل يقاس نجاح العرض بعدد الجمهور أم بعمق الأثر الذي يتركه ؟

الجمهور ركن اساسي للعرض المسرحي واحيانا يقاس به نجاح العرض لكن هذا ليس كل الحقيقة فالأصح ان يقاس بالأثر الاجتماعي والسياسي الذي يتركه من حيث اختيار الموضوعة ومن حيث المعالجة ومن حيث الرؤية التي يقدمها المخرج، النص مهم والرؤية مهمة والاتساق الادائية مهمة وحضور الجمهور الكثيف يعتمد على سمعة المخرج وانجازاته السابقة ووعيه والتصاقه بهموم مجتمعه والتعبير عنها. اذن الجمهور مهم دون ان يضغط على اصابع صانعي العرض وفهمهم .

**ماذا تقول حين يقال لك بأن المسرح فن الصبر فهو يحتاج الى فكرة تنضج وممثل يقرأ ويتأمل ومخرج يرى ما وراء الكلمات وجمهور يمنح وقته بإرادة ، ولذلك يمكن القول بأن اعادة الاعتبار للمسرح تبدأ بإعادة الاعتبار للثقافة بوصفها ضرورة لا ترفاً .. أين نحن من هذا الكل المعقد الذي من الصعوبة توفير أجوائه ؟ هل أنت متفائل بمستقبل واعد للمسرح العراقي وسط هذا الاحباط المطبق ؟

نعم اتفق مع هذه الاطروحة ….والتقلبات السياسية والصراعات تؤثر بشكل مباشر على ديمومة المسرح وعلى الثقافة، المسرح ابن الثقافة في حين الدراما التلفزيونية ابنة الاعلام ويحتاج المسرح فعلا الى صبر وبناء وبنى تحتية وتمويل منظم وادارات ثقافية والى رؤية استراتيجية مستدامة والحرب الاخيرة وماقبلها اثرت على حركة المسرح وسكنته وتوقف حراكه محليا وحتى عربيا …. لست متفائلا ولست متشائما افكر بواقعية وانتظر ما ستسفر عنه الاحداث والتقلبات في بلادنا.

** لو عادت بك الحياة من جديد هل تختار المسرح اختصاصاً لك ومصدراً للقمة العيش ؟

ماذا اعطاك المسرح وماذا أخذ منك ؟

لوعاد بي الزمن لا اظن انني سأكون مسرحيا ..ربما الجأ للتوازن بين العيش والفن وربما الجأ للكتابة ..المسرح فن صعب لأنه فن جماعي ولاينجز الا عبر مؤسسات لكن الكتابة يمكن ان تنجزها في البيت .. ومع ذلك افادني المسرح في البحث والدراسة والمشاركة في مهرجانات عربية ودولية وعرفني على مدن عديدة وحزت على شهرة لابأس بها في الاوساط العربية من خلال اعمالي …. لكن مثاليتي وانتمائي الكلي للمسرح اخذ مني الكثير من حياتي وصحتي وسبب لي صراعات ونزاعات تركت تأثيرها علي حتى اليوم عموما لقد فات الاوان على التراجع واعيش الان مستفيدا من خبرتي وتجاربي التي تعلمت منها الكثير.

** عن الرؤية الاخراجية : كيف تصف بصمتك الاخراجية التي تميزك عن غيرك ؟

وما هي العناصر التي تركز عليها أكثر ( اللقطة ، الاضاءة ، أداء الممثل ، النص ) ؟

اظن أن ميزتي انني اختار نصوصا ساخنة لها صلة بالمجتمع العراقي وتاثيرات الوضع السياسي عليها كما اعمل على موازنة بين الشكل والمضمون واقرأ في الاتجاهات المسرحية جميعها والمتتبع لعروضي يلمس التجريب والحداثة والنصوص المؤثرة والممثلين المحترفين القادرين على التأثير والمعالجة السينوغرافية المتقدمة وكل ذلك يشكل بصمة واضحة في مسيرة عروضي كما انني اتمتع برؤية نقدية للعروض وتشخيص دقيق للواقع وتقلباته ولا اتوقف عن ذلك … كما ان خبرتي في الكتابة مكنتني من اختيار نصوصا بعينها تغري القارئ على متابعتها …