الأدب العظيم لايصدر إلا عن واقع عظيم (حوار مع د.اسماعيل مروة)

صورة الكاتب
بقلم: د. لبنى مرتضى
التاريخ: 20 يونيو 2026 عدد المشاهدات: 14
الأدب العظيم لايصدر إلا عن واقع عظيم (حوار مع د.اسماعيل مروة)

الأدب العظيم لايصدر إلا عن واقع عظيم
(حوار مع د.اسماعيل مروة)
حاورته:د.الإعلامية لبنى مرتضى

عندما نطالع روائع الأدب العالمي، من ملاحم هوميروس إلى مسرحيات شكسبير، ومن قصائد المتنبي إلى روايات دوستويفسكي، نتوقف أمام سؤال جوهري: كيف استطاعت هذه النصوص أن تعبر حدود الزمان والمكان، وتظل حيّة في وجدان البشرية قروناً طويلة؟ إنها ليست مجرد حبكات محكمة أو لغة أنيقة، بل هي انعكاس صادق لواقع مبدعها، نبض حيّ لحضارة مزدهرة، ومرآة لمجتمع يموج بالتناقضات والأسئلة الكبرى. فالأدب العظيم، في جوهره، ليس نتاج عبقرية فردية معزولة عن محيطها، بل هو ثمرة بيئة خصبة تزخر بالتجارب الإنسانية الناضجة، والصراعات الفكرية العميقة، والهموم المصيرية التي تمس وجود الإنسان. ومن هنا تبرز المقولة التي تؤكد أن الأدب العظيم لا يصدر إلا عن واقع عظيم، واقع يمنح الكاتب رؤية ثاقبة، وقدرة على التعبير عن جوهر الحياة بصدق لمّاح، ليصبح الأدب تاريخاً روحياً موازياً لتاريخ الشعوب، وشاهداً على عظمة الحضارات في أوج ازدهارها.
لذلك كان لي وقفة حوار فكري ثفافي مع الدكتور إسماعيل مروة ليحدثنا من خلال عوالمه عم أسطر المعنى فكانت البداية معه بسؤالي:
1. هل تعاني الثقافة العربية اليوم من أزمة المعايير أم من فائضٍ في الإنتاج لا يرافقه نقدٌ حقيقي؟
هذا السؤال مركبٌ ويتناول أكثر من معضلة؛ المعضلة الأولى هي: الإنتاج الثقافي العربي اليوم، والمعضلة الثانية هي: معايير تقويم الإنتاج الثقافي العربي، والمعضلة الثالثة: الإنتاج الثقافي العربي ووفرته، والمعضلة الرابعة: النقد.
أما بالنسبة للمنتج الثقافي العربي اليوم، فهو حتمًا منتجٌ ضخمٌ وكبير، لأنه يتناول مجموعة من الناس كبيرة هي كل من يتحدث بالعربية، وهذا يغطي البلدان العربية كلها والمتحدثين باللغة العربية، والمنتوج الثقافي بأي لغة يعبر عن واقع الأمة التي يتحدث باسمها. والمنتوج الثقافي العربي اليوم يقع تحت ضغوط الواقع الحياتي العربي من النواحي كافة، سواء كانت هذه النواحي اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية.
والمنتوج الثقافي العربي الآن في زماننا زادت عليه محددات كثيرة؛ أولاً: المحددات الأيديولوجية، ثانيًا: المحددات الدينية، وربما أكثر من ذلك المحددات التي تنتمي إلى المذاهب والطوائف، ثلاثة: المحددات الإقليمية، أربعة: المحددات الاجتماعية وخضوع المجتمعات لبعض المفاهيم والتقاليد الاجتماعية الكثيرة.
هذا المنتوج الثقافي العربي اليوم يعبّر بطريقة أو بأخرى عن الواقع، لأنه يمثل انعكاسًا وتصويرًا للواقع العربي. وهناك مقولة أرددها دومًا: (الأدب العظيم لا يصدر إلا عن واقعٍ عظيم). من هنا يتلون المنتوج الثقافي العربي اليوم بالواقع السياسي.
ولو أردنا أن نستعرض المراحل الحياتية للثقافة العربية، فإننا سنجد هذه الذبذبات التي تشبه تخطيط القلب في صعودٍ وهبوط، وذلك يخضع بالدرجة الأولى لوجود المؤسسات التي تتبنى هذه الثقافة، ولوجود المحفزات التي تساعد على بلورة هذه الثقافة، هذا على صعيد المنتج، أما على المعايير، فالمعايير اليوم في ثقافتنا العربية تخضع إلى عددٍ من المؤثرات. هناك من ينظر إلى الثقافة العربية من منظورٍ تراثيٍ قديم، وهناك من ينظر إليها من منظورٍ انطباعيٍ محدث، وهناك من ينظر إليها من منظور النظريات الغربية الحديثة القادمة من الغرب؛ ابتداءً من النظريات الأولى الألسنية وانتهاءً بما بعد الكولونيالية.
هذه المعايير التي تخضع لها الثقافة العربية والمنتوج الثقافي العربي، سواء كان فكرًا أو ثقافة أو أدبًا أو شعرًا أو نثرًا، يؤدي إلى وجود هذه الخلافات في المعايير، التي قد تعطي الثقافة حقها وقد تسلبها الكثير من حقها.
أما المعضلة المهمة التي تتمثل في فائض الإنتاج، فكثيرٌ من النقاد والمتابعين يجنحون إلى عملية تقويمية ظالمة، إذ يرون وجود عددٍ كبيرٍ من الكتاب على الساحة ويرون أن هذا العدد لا يناسب الخريطة الثقافية العربية، ويحاولون أن يغربلوا الواقع الثقافي وعدد المثقفين، لأنهم يرون أن الثقافة يجب أن تأخذ منظورًا واحدًا، وهذا أمرٌ فيه الكثير من الظلم، فجميع الأصوات الإبداعية والثقافية من حقها أن تكون موجودة، ومن حقها أن تتحاور، ومن حقها أن تطرح ما لديها، ويترك الحكم عليها للزمن.
ففي بلاط سيف الدولة اجتمع 400 من الشعراء المجيدين، لم يتم اعتبار هذا العدد فائضًا، وإنما كل واحد منهم أعطى نتاجه، والزمن هو الذي أبقى لنا عددًا من هؤلاء الأدباء، فالفائض دليل صحةٍ ودليل وعي.
أما المعضلة الأخيرة هي قضية النقد. النقد موجود ومنذ ستينيات القرن العشرين، ومحمد مندور وطه حسين والعقاد وغير هؤلاء كانوا يتحدثون عن غياب النقد، ويرون أن النص الإبداعي والنص الثقافي يتقدم على النص النقدي.

وهذا الكلام فيه جزءٌ من الحقيقة وكثيرٌ من المغالطة، لأن الثقافة والمبدع بطبيعته لا يرغب بالنقد ولا يحب النقد، فمهما كان الناقد عظيمًا ومثقفًا ومتسلحًا بالنظريات الأدبية، فإننا سنجد اعتراضًا من المبدعين والمثقفين على آرائه لأنها تنال من جانبٍ ما، لأن الغرور لدى المبدع والمثقف يدفعه إلى الميل لرفض فكرة وجود النقد والثغرات النقدية في نصه.
وفي الوقت نفسه يوجد نقصٌ في النقد، ونقص في النقد له أسبابه الكثيرة؛ وجود النظريات الجديدة التي لم يتسلح بها كثيرٌ من النقاد، ووجود الميول لدى كثيرٍ من النقاد إلى الانطباعية وإلى أقوال النقدية صارمة لا تقبل أية تأويل.
خلاصة القول: إن الواقع الثقافي العربي اليوم شأنه شأن أي واقع ثقافي في أي مكان. نحن نتحدث عن الأرض العربية لأننا نعيشها، لكن هذا الواقع الثقافي المأزوم هو موجودٌ بطبيعة العصر لدى كل المجتمعات. فاليوم الأزمات الثقافية والواقع الثقافي وغياب النقد وغيره، يوجد لدى أغلب شعوب العالم.
فالزمن الذي كنا نسمع فيه بـ غوغول وتشيخوفيسكي وغير ذلك، هذا الزمن اليوم لا نسمع بهؤلاء. ولو استعرضنا الكتب التي تصدر في الجهات الأخرى، سنجد أن التسطح الثقافي لدى الشعوب الأخرى وشعوب العالم هو أمرٌ يسير بشكلٍ متوازٍ مع الحياة الجديدة التي يعيشها الناس.
والثقافة العربية ليست بدعاً، وهي تحاول أن توجد نقاط التقاءٍ بين وسائل الثقافة ومضمونها، مع الحفاظ على رؤيةٍ نقديةٍ تسهم في تغيير القضايا.
2. كيف تنعكس التحولات السياسية والاجتماعية على مضامين الأدب العربي المعاصر؟
لو نظرنا إلى مراحل التحول في أي مجتمع عربي، سنجد من خلال التحولات -ابتداءً من وجود الدولة الوطنية بعد الاستقلال في كل دولة عربية على حدة وفي كل المنطقة العربية مجتمعة- سنجد أن التحولات السياسية والاجتماعية هي المؤطِّر الأساسي لقضية الثقافة وتوجهاتها.
ففي البداية كانت الدولة تبحث عن الهوية الوطنية للأدب. ثم جاءت بعد ذلك الأحزاب السياسية التي تم تأسيسها.
التحولات السياسية مؤثرة بشكل كبير جداً؛ إذ تتم ممارسة عملية التعميم الأيديولوجي لثقافة مهيمنة سياسياً، والتعتيم المطلق على أي تيار أيديولوجي آخر لا يتفق مع التيار الأيديولوجي المهيمن. وهذا التنافس يمكن أن يعطي أدباً عظيماً من كلا الجانبين، ويمكن أيضاً أن يُسكت الأصوات الأدبية المهمة في الأدب أو في الشرائح الأدبية المتعددة.
لو نظرنا إلى فترة التحولات مع بداية الألفية الثالثة، سنجد إما أن بعض المفاصل الزمنية قامت بقلب الصفحة كاملة على مرحلة أدبية ما، أو قامت بغربلتها وقامت بطي صفحة عدد كبير من الأدباء بطريقة الإلغاء. يعني، هذا الأديب لا تتم معاملته من الناحية الأدبية، وإنما يتم التعامل معه من منظور التحولات السياسية.
لذلك نجد كثيراً من القامات والتيارات والأفكار والكتب يتم التأثير عليها ويتم تغييبها، أو -بالجانب الآخر- تعميمها وفقاً للتحولات السياسية والاجتماعية؛ لأن الأدب يمثل حاملاً للتحولات السياسية والاجتماعية في المجتمعات. وهذا يعطيه رسالة ويعطيه مهمة خاصة، من خلال تتبع الخريطة السياسية، فلو نظرنا نحن إلى أدبنا العربي روايةً وشعراً وقصةً فإننا سنجد هؤلاء الأدباء يقومون برصد الواقع، وهذا بالضرورة يعني أنهم يتاثرون؛ لأن الأديب ابن واقعه ولا يمكن له أن يستلهم واقعاً آخر.
وفي هذا السياق، أذكر الحكم الذي قاله ذات مرة لي في جلسة خاصة، الأستاذ الناقد الكبير عبد العزيز حمودة -صاحب كتابي “المرايا المقعرة” و”المرايا المحدبة”- قال:
“نحن لدينا أدباء عظماء، ولكن لو افترضنا أن هؤلاء الأدباء عُرِضت أعمالهم في أماكن أخرى من العالم…”
وضرب لذلك مثلاً، قال:
“سعد الله ونوس كاتب كبير جداً، نحن نستمتع به، ولكن إذا عُرِض عمله أو طُبِع في بلد أوروبي، فإنه لن يجد الصدى الذي يجده في بلداننا؛ لأنه يرصد حالة من الاستبداد ومن القهر، هذه الحالة تخلص منها ذاك المجتمع، فهي لا تعنيه بطريقة أو بأخرى”.
يعني هذا الحكم، أن التحولات السياسية لا بد أن تحكم الأدب والأدباء.
3. لماذا يبقى الكاتب العربي محصوراً بين النخبة من الجمهور؟ وأين دور الناقد؟
كثيراً ما نسمع كلمة النص النخبوي، والشعر النخبوي، والقصة النخبوية، والرواية النخبوية.. وهذه المصطلحات عموماً تتعلق بأمرين، الأمر الأول: الأيديولوجيا، والأمر الثاني: يتعلق بعجرفة بعض الأدباء والمبدعين الذين لا يستطيعون التواصل مع جمهورهم بالطريقة اللائقة، فيعيدون ذلك إلى فكرة النخبوية.
الأدب يكتب للجمهور، بغض النظر الجمهور ليس مقسماً إلى جمهور عادي وجمهور نخبوي عندما يكتب النص الأدبي. طبعاً يوجد لدي أنا شريحة من الناس، هذه الشريحة هي مثقفة وقارئة وتعرف بالأدباء وتعرف بالنقد وتعرف.. هذه الشريحة يطلقون عليها اسم النخبة. والشريحة الأخرى هي الشريحة القارئة التي تعتمد التذوق في الفهم والقراءة. وهذه أيضاً لو نظرنا إليها نجدها نخبوية بطريقة أو بأخرى.

لذلك مثلاً عندما نحضر معرضاً للفن التشكيلي، فإننا سنجد بعض اللوحات غير مفهومة، لكن المشاهد -ولو لم يكن نخبوياً- يقف عندها؛ يشده تشكيلها، تشده ألوانها، يشده مفهوم الغرابة فيها.. فإذاً هي استطاعت أن تصل إليه، وإن لم تصل إليه وإن لم تصل إليه بطريقة كاملة أو كما يجب.
فكرة الجمهور والنخبة أيضاً في مجتمعنا العربي تتعلق بمفهوم خطير هو مفهوم القراءة؛ فمجتمعنا العربي عموماً هو مجتمع غير قارئ إلا ضمن توجهات محددة، أو ضمن ظروف محددة تفرض عليه أو تستقطبه مجموعة من القراءات. يوجد لدينا نسبة كبيرة من الأمية القرائية، من الأمية الثقافية، هذه تخفض من نسبة المتابعة، وهذا ما يعاني منه المبدعون وتعاني منه دور النشر التي تقول بأن الكتاب والنص لا يطبع كما يجب ولم يعد هناك من شرائح مستهدفة له. وطبعاً يضربون لذلك أمثلة وكلها أمثلة غير دقيقة وطوباوية، بأن القارئ الغربي يقرأ في المترو ويقرأ في الباص ويقرأ في الطائرة ويقرأ في كل مكان. حتماً هذا الأمر صحيح، لكن في الوقت نفسه عندما يؤمَّن الجو الصحي للقارئ العربي -سواء في مترو، أو في باص، أو في طائرة، أو في كافيهات، أو الأمر الاجتماعي- فإنه سيتحول إلى قارئ. أما الواقع يبعده عن قضية القراءة، وهنا تبدأ فكرة النخبة وفكرة استغراب أن نجد قارئاً في الوقت الذي من الطبيعي أن يكون الناس جميعهم من القراء. فالمشكلة الخطيرة في هذا الموضوع، أن كثيرين يحاولون تعزيز هذه الفكرة؛ فكرة النخبوية، لتبدأ الهوّة تتسع بين المبدع وبين الجمهور. يقتنع بها المبدع، يقتنع بها الجمهور، يقتنع بها الناقد، فتصبح المسافات بعيدة جداً.. جداً.”
السؤال الرابع:
4. ما علاقة الأدباء اليوم باللغة العربية الفصحى؟ وهل نكتب لعيونٍ أجنبية أم لجمهورٍ حقيقي؟
غالباً أو كثيراً ما يطرح الأمر عن اللغة، وهو أمرٌ مستغربٌ جداً! فاللغة وسلامة اللغة هي العنصر الأساس في صناعة النص، في صناعة الثقافة. اللغة هي الوعاء الذي يستوعب الفكر والثقافة، اللغة هي اللباس والمظهر الذي يبرز النص الأدبي والإبداعي. وبغير لغة لا يكون هناك نص.
فمن الطبيعي جداً أن من يتصدى للكتابة الثقافية والإبداعية أن يكون مالكاً للغة وللفصاحة. ليس شرطاً أن يتفاصح في لغته، ولكن أن يمتلك العدة الأساسية للإبداع وهي اللغة. سواء كان لعيونٍ أجنبية أم لجمهورٍ حقيقي، إذا لم يمتلك هذه العدة فهو ليس مثقفاً، وليس أديباً، ولا يحق له أن يصدر نتاجه للآخرين.
لا يمكن أن يكون لدينا كاتب يكتب وفي سطره عددٌ من الأخطاء اللغوية. هناك كاتب يكتب باللغة العربية الفصيحة، هناك كاتب يكتب باللغة الأجنبية وتتم الترجمة حتى لو كان عربياً، وهناك أدب العامية. وطبعاً من خلال الرحلة الأدبية نعلم أن هناك -خاصة في قضية القص والسرد والرواية- هناك مزجٌ ما بين عامية وفصيحة، رفضه الأستاذ الدكتور طه حسين ورأى ضرورة الحفاظ على لغةٍ ثالثة. أقصد هنا أن هناك لغة غير فصيحة يفرضها النص وطبيعته، ومع ذلك الكبار من النقاد رفضوا هذا النوع من الكتابة ورأوا أنه هناك لغة ثالثة ليست اللهجة العامية وليست الفصحى المقعرة، وإنما هي لغة ثالثة تقرب بينهما إذا كان هذا المقصود.
أما إذا كان المقصود عن اللغة الفصيحة وسلامة.. وسلامة اللغة، فطبعاً هناك في كل أنحاء العالم وفي العالم العربي ضمناً، يوجد لدينا أدباء لديهم أفكار، لديهم أشعار، ولكنهم غير متخصصين باللغة، يمكن أن يعود هذا النص لمنقحٍ ومدققٍ وغير ذلك ليظهر بالطريقة اللائقة.
أما لا يمكن للنص أن يظهر بـغير الهندام واللباس الذي يليق به. وكل الذين يرفضون لباس الفصاحة، هؤلاء لو كانوا يكتبون بأي لغةٍ أجنبية فإنه لن يُقبل من أي واحدٍ منهم أن يكون كاتباً وأن يصدر كتابه إلا إذا أعطى حدود السلامة اللغوية على أقل تقدير. فاللغة ضرورة حتمية.
5. هل ما زال الأدب قادراً على تغيير الوعي الجمعي أم تحول إلى ترفٍ فكري؟
الأدب عموماً هو ناقلٌ لصورة وليس مغيراً، وليس مطلوباً من الأدب أن يكون حاملاً للثورة. فـجان جاك روسو عندما اعتمدت الثورة الفرنسية آراءه اعتمدتها بعد مدة، بالخبرة التراكمية، بالتأثير. فالتأثير المعرفي يمكن، لكن يمكن من باب ماذا؟ ممكن أن يشكل الوعي المعرفي والأدبي والثقافي تياراً. هذا التيار يترك آثار الوعي في المجتمع من خلال الأفراد لينتقل إلى المجتمعات، وربما ينتقل إلى الجماعات المتشكلة بيئياً أو سياسياً أو حزبياً ليشكل نوعاً من الوعي المجتمعي.
أما الأدب بحد ذاته حُمِّل أكثر مما يحمل، فهو لا يقدم حلولاً وإنما الأدب يصور، يقدم رؤى، يقدم طروحات. وهذه الرؤى لأنها فردية، ولأن الأديب ليس صاحب قرار وليس مسؤولاً تنفيذياً، لذلك هو يطرح هذه القضايا؛ إن وجدت هذه الآراء من يتبناها فإنها يمكن أن تكون مؤثرة. ويمكن أن يكون التأثير كارثياً، ويمكن أن يكون التأثير إيجابياً.

في تاريخنا نعرف في بعض المراحل عندما تبنى صاحب القرار بعض الآراء الأدبية والفكرية، غير مجرى التاريخ؛ عندما جاءت فكرة المتكلمين وفكرة خلق القرآن، ومن ثم عندما جاءت في المراحل اللاحقة في الأفكار الاشتراكية وأفكار.. عندما تبناها الحاكم صارت مؤثرة، أما إذا نظرنا إلى الأدب على أنه أدب فردي لم يكن ضمن منهج وسياق أيديولوجي موجه، أو قادر على أن يكون موجِهاً -يعني إما موجَه أو موجِه- فإن الآثار تبقى فردية.
أما قضية الترف، فلا يصل الأدب إلى فكرة الترف الفكري؛ لماذا؟ لأن الأدب مهما كان نوعه: غزلاً، ديناً، مجتمعاً، يعالج أمراً ما. وهذه المعالجة وإن كانت فردية فإنها تعبر عن شريحة، فهذا ليس من باب الترف. ونلاحظ مثالاً على ذلك أن بعض الكتب والنصوص التي كتبت من أناس معينين وموجهين، كان ينظر إليها على أنها ليست ذات قيمة وأنها ليست مقننة وبأنها ليست ذات تأثير. ولكن مع الزمن ووجود عدد من الذين تبعوا هذه الموضة، تحول هذا النوع إلى تيار وأصبح تياراً مؤثراً حتى في صنع التفاهة وفي تقزيم الفكر.”

 

6. كيف تنظر إلى جائزة البوكر وتأثيرها هي والجوائز الأخرى في توجيه الذائقة؟ وهل الجوائز تصنع الأدب أم تكتشفه؟
ظاهرة الجوائز هي ظاهرة موجودة في كل مكان، وفي كل زمان أيضاً، وهي ظاهرة ضرورية للأدب، لأنها تقوم بتحقيق نوع من التوازن في حياة الأديب المبدع الذي ينشئ الرواية أو القصة.
ولا شك في أن الجوائز -بغض النظر عن تسمياتها- تخضع لشروط محددة، هذه الشروط يمكن أن توجه الأدب والقص في وجهات مختلفة، قد لا تكون هي الوجهات التي تسعى إلى سمو الأدب، وقد تكون بعض الشروط في الجوائز قادرة على تغيير مسار الأدب الذي تتم كتابته.
المفروض طبعاً في الجوائز أن تكون مكرِّمة، ولكن هناك الجوائز على نوعين؛ جوائز تقوم بالتكريم، وجوائز تقوم بالاكتشاف؛ وهي الجوائز التي تدفع الكتاب للكتابة بشكل خاص لها.
هناك ظاهرة مهمة صارت هي ظاهرة ‘الكتابة للجوائز’، التي تنتظر الجوائز لتكتب وفق توجهاتها ووفق موضوعاتها، لا مشكلة في ذلك، ولا تعد إيجابية بالمطلق ولا تعد سلبية بالمطلق؛ هي ظاهرة تقوم باتباع السنن الموسمية للكتابة.
7. ما تأثير منصات التواصل على القراءة والنشر والتلقي؟
طبعاً هذا الموضوع صار مستهلكاً بشكل كبير جداً، ولكن في الحقيقة طبيعة العصر وطبيعة التطور وطبيعة التكنولوجيا فرضت وجود وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشكل الكبير جداً.
ولا يجوز لأي شخص في العالم أن ينكر تأثير وسائل التواصل في القراءة والكتابة والتلقي والوعي؛ وقد استطاعت وسائل التواصل أن تغير في حياتنا وسلوكنا فكيف في قراءتنا. يمكن أن تستغل وسائل التواصل هذه من أجل إيجاد نوع من القراءة والوعي وغير ذلك، ولكن هذا الأمر فيه الكثير من الصعوبة أمام الكم الهائل الذي تصدّره وسائل التواصل. حتى غدا كل شخص -بسبب وسائل التواصل- كل شخص غدا يملك محطة، وصار وزيراً للإعلام، وصار كاتباً، وصار بإمكانه أن يقدم ما يشاء.
8. كيف يمكن للأدب أن يواجه خطاب التطرف والكراهية المنتشر؟
طبعاً للأدب رسالته، وقد يكون بعض الأدب من خلال التراكم قد أسهم في تعزيز نوع من الخطاب إن كان قائماً على المحبة وإن كان قائماً على الكراهية. لكن السؤال هل هناك -في غمرة وسائل التواصل وغير ذلك، والفن، والإبداع، والسينما- هل هناك من دور مؤثر للأدب على الواقع؟ وهل له من قدرة على محاربة مثل هذا التطرف؟
طبعاً مفترض.. من المفترض ومن المطلوب ومن المؤمّل من الأدب أن يكون قادراً على تخفيف -ولا أقول إنهاء- خطاب الكراهية من خلال طرح النماذج، من خلال بث الوعي وغير ذلك. ولكن كما قلت سابقاً الأدب هو أدب تشريحي وينقل صورة. وإذا أردنا من الأدب أن يفعل كل ذلك فإننا نحمّل الأدب فوق طاقته، ونطلب من الأدب أن يقوم مقام النظريات السياسية والثقافية والأدبية والدينية والتاريخية، وهذا أمر محال. لكن يمكن من خلال النماذج الكبيرة للأدباء أن نصل إلى طريقة ما في السلوك، في الكتابة، في التوجيه، في الوعي.

9. هل نحن أمام أدبٍ عربيٍ متجددٍ يحاكي التحولات الكبرى أم الكتابة أسيرة الكتابة التقليدية؟
طبعاً هذا من الناحية الـ.. يعني يعالج مثل هذا الموضوع أو ينظر إليه من منظورين؛ المنظور القيمي والمحتوى، ومنظور التقني. اليوم الأدب الموجود لدينا هو أدبٌ يحاكي ويتبع و يتأثر بكل الـ.. الـ.. القضايا التقنية الموجودة في نظريات الشعر والرواية وغير ذلك.
لكن هذه التحولات الكبرى من الناحية الـ.. ناحية المحتوى، لا نزال نحن بعيدين بعض الشيء عن الـ.. التأثير وعن التأثر وعن الانخراط في قضية التحولات الكبرى التي تجري، وغالباً ما تأتي الأدب بعد انتهاء مشكلاتٍ كثيرة جداً، كان من الممكن أن يتم التعامل معها بطريقة أخرى.

الأدب العربي طبعاً نحن اليوم مشكلة التواصل بين البلدان العربية وبين المناطق العربية، ومشكلة وصول الكتاب، هي مشكلة عميقة جداً؛ فنحن لا نملك الإحصائيات، لا نملك المعرفة على مدى الإنجاز أو أهمية المنجز في المحاكاة وفي تغطية وفي تتبع التحولات الكبرى، سواء من حيث الفكر أو من حيث التكنيك.

10. ما الموضوع الذي لم تجد فرصة للتحدث.. للتحدث عنه في إبداعك؟
الحقيقة.. لا يوجد. والإجابة عن مثل هذا الموضوع تحمل في طياتها الكثير من الغرور عند من يقوم بالكتابة، غالباً ما يأتي بأننا هناك موضوعات، وهناك منع، وهناك كذا.. لا لا يوجد أي شيء من مثل هذا القبيل. لكن تبقى مقولة: ‘الكتاب الذي لم يكتب هو أجمل الكتب’، فهل يأتي مثل هذا الكتاب أم لا؟
طبعاً كل الموضوعات وكل التوجهات يمكن أن يكتب الإنسان فيها بطرائق معبرة ورمزية شفيفة.. وطبعاً القارئ قادر على تقبل هذه القضايا. لا يوجد وأي ادعاء من الكتاب بأنهم لا يستطيعون كتابة ما يريدون، هو ادعاء محاولة للتبرئة. لكن من الممكن أن أجد نفسي مقصراً من الناحية الفنية وليس في المحتوى. ممكن أن أكون مقصراً في إيصال ما كتبت إلى الناس، طبعاً وهذا الأمر له علاقة بالآخر وبالتسويق وبالانتماء.
أما بشكل عام لا يصح ادعاء الكاتب بأنه أراد أن يكتب في أمرٍ ما ولم يجد فرصة، إلا فرصة الزمن. وأن الكتاب القادم لم يكتب بعد.
إن كان من كلمةٍ يمكن أن تقال هي الأمل بأن يكون الكتاب العرب، والشعراء العرب، والنقاد العرب، والمثقفون العرب أن يكونوا على تواصل وعلى مقدرة في أن يتجاوزوا مرحلة الانغلاق القطري المفروضة على كثير من البلدان.
يمكن أن يتمنى الإنسان ظروفاً حياتية حياتية واجتماعية واقتصادية أفضل ليكون الأديب العربي قادراً على أن يكتب ما يجب أن يكتب، وليس ما يحتاج هو أن يخرج منه ليكتبه.
السيرة الذاتية:
.الدكتور إسماعيل إسماعيل مروة
سورية_معربا_ريف دمشق 1963
إجازة في الآداب من جامعة دمشق 1987
دبلوم لغوي من جامعة دمشق 1989
ماجستير في علوم اللغة العربية من الجامعة اللبنانية1994
دكتوراه في الأدب من جامعة جوميلوف الحكومية كازاخستان 2010
صدر له العديد من المؤلفات الأدبية منها:
الأرض والإنسان _ دراسة مسرحية
البحيري _موقف ورسالة
تداعيات في مقهى الشرق_قصص
وأخرى……

عن الکاتب / الکاتبة

د. لبنى مرتضى
د. لبنى مرتضى
الإعلامية/ سوریة

مقالات أخرى للكاتب

(عندما تنتهي الحكاية يبدأ الوعي) لقاء مع أديب الأطفال جاسم محمد صالح

(عندما تنتهي الحكاية يبدأ الوعي) لقاء مع أديب الأطفال جاسم محمد صالح

(عندما تنتهي الحكاية يبدأ الوعي) لقاء مع أديب الأطفال جاسم محمد صالح على موقع الجُمان…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
7 يوليو 2026
اقرأ المزيد
خريف بلا وقت

خريف بلا وقت

خريف بلا وقت أوراقك على الأرض ألوانك يزهو بها الجدار وحدها الصخور في منحنى الوادي…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
13 يونيو 2026
اقرأ المزيد
فلسفة الإنسان الكامل أمير المؤمنين علي بين العقل والعدل والمطلق

فلسفة الإنسان الكامل أمير المؤمنين علي بين العقل والعدل والمطلق

فلسفة الإنسان الكامل أمير المؤمنين علي بين العقل والعدل والمطلق لا يمكن تناول أمير المؤمنين…

صورة الكاتب د. لبنى مرتضى
3 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الأدب العظيم لايصدر إلا عن واقع عظيم (حوار مع د.اسماعيل مروة)

بقلم: د. لبنى مرتضى | التاريخ: 20 يونيو 2026

التصنيف: الحوارات

الأدب العظيم لايصدر إلا عن واقع عظيم
(حوار مع د.اسماعيل مروة)
حاورته:د.الإعلامية لبنى مرتضى

عندما نطالع روائع الأدب العالمي، من ملاحم هوميروس إلى مسرحيات شكسبير، ومن قصائد المتنبي إلى روايات دوستويفسكي، نتوقف أمام سؤال جوهري: كيف استطاعت هذه النصوص أن تعبر حدود الزمان والمكان، وتظل حيّة في وجدان البشرية قروناً طويلة؟ إنها ليست مجرد حبكات محكمة أو لغة أنيقة، بل هي انعكاس صادق لواقع مبدعها، نبض حيّ لحضارة مزدهرة، ومرآة لمجتمع يموج بالتناقضات والأسئلة الكبرى. فالأدب العظيم، في جوهره، ليس نتاج عبقرية فردية معزولة عن محيطها، بل هو ثمرة بيئة خصبة تزخر بالتجارب الإنسانية الناضجة، والصراعات الفكرية العميقة، والهموم المصيرية التي تمس وجود الإنسان. ومن هنا تبرز المقولة التي تؤكد أن الأدب العظيم لا يصدر إلا عن واقع عظيم، واقع يمنح الكاتب رؤية ثاقبة، وقدرة على التعبير عن جوهر الحياة بصدق لمّاح، ليصبح الأدب تاريخاً روحياً موازياً لتاريخ الشعوب، وشاهداً على عظمة الحضارات في أوج ازدهارها.
لذلك كان لي وقفة حوار فكري ثفافي مع الدكتور إسماعيل مروة ليحدثنا من خلال عوالمه عم أسطر المعنى فكانت البداية معه بسؤالي:
1. هل تعاني الثقافة العربية اليوم من أزمة المعايير أم من فائضٍ في الإنتاج لا يرافقه نقدٌ حقيقي؟
هذا السؤال مركبٌ ويتناول أكثر من معضلة؛ المعضلة الأولى هي: الإنتاج الثقافي العربي اليوم، والمعضلة الثانية هي: معايير تقويم الإنتاج الثقافي العربي، والمعضلة الثالثة: الإنتاج الثقافي العربي ووفرته، والمعضلة الرابعة: النقد.
أما بالنسبة للمنتج الثقافي العربي اليوم، فهو حتمًا منتجٌ ضخمٌ وكبير، لأنه يتناول مجموعة من الناس كبيرة هي كل من يتحدث بالعربية، وهذا يغطي البلدان العربية كلها والمتحدثين باللغة العربية، والمنتوج الثقافي بأي لغة يعبر عن واقع الأمة التي يتحدث باسمها. والمنتوج الثقافي العربي اليوم يقع تحت ضغوط الواقع الحياتي العربي من النواحي كافة، سواء كانت هذه النواحي اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية.
والمنتوج الثقافي العربي الآن في زماننا زادت عليه محددات كثيرة؛ أولاً: المحددات الأيديولوجية، ثانيًا: المحددات الدينية، وربما أكثر من ذلك المحددات التي تنتمي إلى المذاهب والطوائف، ثلاثة: المحددات الإقليمية، أربعة: المحددات الاجتماعية وخضوع المجتمعات لبعض المفاهيم والتقاليد الاجتماعية الكثيرة.
هذا المنتوج الثقافي العربي اليوم يعبّر بطريقة أو بأخرى عن الواقع، لأنه يمثل انعكاسًا وتصويرًا للواقع العربي. وهناك مقولة أرددها دومًا: (الأدب العظيم لا يصدر إلا عن واقعٍ عظيم). من هنا يتلون المنتوج الثقافي العربي اليوم بالواقع السياسي.
ولو أردنا أن نستعرض المراحل الحياتية للثقافة العربية، فإننا سنجد هذه الذبذبات التي تشبه تخطيط القلب في صعودٍ وهبوط، وذلك يخضع بالدرجة الأولى لوجود المؤسسات التي تتبنى هذه الثقافة، ولوجود المحفزات التي تساعد على بلورة هذه الثقافة، هذا على صعيد المنتج، أما على المعايير، فالمعايير اليوم في ثقافتنا العربية تخضع إلى عددٍ من المؤثرات. هناك من ينظر إلى الثقافة العربية من منظورٍ تراثيٍ قديم، وهناك من ينظر إليها من منظورٍ انطباعيٍ محدث، وهناك من ينظر إليها من منظور النظريات الغربية الحديثة القادمة من الغرب؛ ابتداءً من النظريات الأولى الألسنية وانتهاءً بما بعد الكولونيالية.
هذه المعايير التي تخضع لها الثقافة العربية والمنتوج الثقافي العربي، سواء كان فكرًا أو ثقافة أو أدبًا أو شعرًا أو نثرًا، يؤدي إلى وجود هذه الخلافات في المعايير، التي قد تعطي الثقافة حقها وقد تسلبها الكثير من حقها.
أما المعضلة المهمة التي تتمثل في فائض الإنتاج، فكثيرٌ من النقاد والمتابعين يجنحون إلى عملية تقويمية ظالمة، إذ يرون وجود عددٍ كبيرٍ من الكتاب على الساحة ويرون أن هذا العدد لا يناسب الخريطة الثقافية العربية، ويحاولون أن يغربلوا الواقع الثقافي وعدد المثقفين، لأنهم يرون أن الثقافة يجب أن تأخذ منظورًا واحدًا، وهذا أمرٌ فيه الكثير من الظلم، فجميع الأصوات الإبداعية والثقافية من حقها أن تكون موجودة، ومن حقها أن تتحاور، ومن حقها أن تطرح ما لديها، ويترك الحكم عليها للزمن.
ففي بلاط سيف الدولة اجتمع 400 من الشعراء المجيدين، لم يتم اعتبار هذا العدد فائضًا، وإنما كل واحد منهم أعطى نتاجه، والزمن هو الذي أبقى لنا عددًا من هؤلاء الأدباء، فالفائض دليل صحةٍ ودليل وعي.
أما المعضلة الأخيرة هي قضية النقد. النقد موجود ومنذ ستينيات القرن العشرين، ومحمد مندور وطه حسين والعقاد وغير هؤلاء كانوا يتحدثون عن غياب النقد، ويرون أن النص الإبداعي والنص الثقافي يتقدم على النص النقدي.

وهذا الكلام فيه جزءٌ من الحقيقة وكثيرٌ من المغالطة، لأن الثقافة والمبدع بطبيعته لا يرغب بالنقد ولا يحب النقد، فمهما كان الناقد عظيمًا ومثقفًا ومتسلحًا بالنظريات الأدبية، فإننا سنجد اعتراضًا من المبدعين والمثقفين على آرائه لأنها تنال من جانبٍ ما، لأن الغرور لدى المبدع والمثقف يدفعه إلى الميل لرفض فكرة وجود النقد والثغرات النقدية في نصه.
وفي الوقت نفسه يوجد نقصٌ في النقد، ونقص في النقد له أسبابه الكثيرة؛ وجود النظريات الجديدة التي لم يتسلح بها كثيرٌ من النقاد، ووجود الميول لدى كثيرٍ من النقاد إلى الانطباعية وإلى أقوال النقدية صارمة لا تقبل أية تأويل.
خلاصة القول: إن الواقع الثقافي العربي اليوم شأنه شأن أي واقع ثقافي في أي مكان. نحن نتحدث عن الأرض العربية لأننا نعيشها، لكن هذا الواقع الثقافي المأزوم هو موجودٌ بطبيعة العصر لدى كل المجتمعات. فاليوم الأزمات الثقافية والواقع الثقافي وغياب النقد وغيره، يوجد لدى أغلب شعوب العالم.
فالزمن الذي كنا نسمع فيه بـ غوغول وتشيخوفيسكي وغير ذلك، هذا الزمن اليوم لا نسمع بهؤلاء. ولو استعرضنا الكتب التي تصدر في الجهات الأخرى، سنجد أن التسطح الثقافي لدى الشعوب الأخرى وشعوب العالم هو أمرٌ يسير بشكلٍ متوازٍ مع الحياة الجديدة التي يعيشها الناس.
والثقافة العربية ليست بدعاً، وهي تحاول أن توجد نقاط التقاءٍ بين وسائل الثقافة ومضمونها، مع الحفاظ على رؤيةٍ نقديةٍ تسهم في تغيير القضايا.
2. كيف تنعكس التحولات السياسية والاجتماعية على مضامين الأدب العربي المعاصر؟
لو نظرنا إلى مراحل التحول في أي مجتمع عربي، سنجد من خلال التحولات -ابتداءً من وجود الدولة الوطنية بعد الاستقلال في كل دولة عربية على حدة وفي كل المنطقة العربية مجتمعة- سنجد أن التحولات السياسية والاجتماعية هي المؤطِّر الأساسي لقضية الثقافة وتوجهاتها.
ففي البداية كانت الدولة تبحث عن الهوية الوطنية للأدب. ثم جاءت بعد ذلك الأحزاب السياسية التي تم تأسيسها.
التحولات السياسية مؤثرة بشكل كبير جداً؛ إذ تتم ممارسة عملية التعميم الأيديولوجي لثقافة مهيمنة سياسياً، والتعتيم المطلق على أي تيار أيديولوجي آخر لا يتفق مع التيار الأيديولوجي المهيمن. وهذا التنافس يمكن أن يعطي أدباً عظيماً من كلا الجانبين، ويمكن أيضاً أن يُسكت الأصوات الأدبية المهمة في الأدب أو في الشرائح الأدبية المتعددة.
لو نظرنا إلى فترة التحولات مع بداية الألفية الثالثة، سنجد إما أن بعض المفاصل الزمنية قامت بقلب الصفحة كاملة على مرحلة أدبية ما، أو قامت بغربلتها وقامت بطي صفحة عدد كبير من الأدباء بطريقة الإلغاء. يعني، هذا الأديب لا تتم معاملته من الناحية الأدبية، وإنما يتم التعامل معه من منظور التحولات السياسية.
لذلك نجد كثيراً من القامات والتيارات والأفكار والكتب يتم التأثير عليها ويتم تغييبها، أو -بالجانب الآخر- تعميمها وفقاً للتحولات السياسية والاجتماعية؛ لأن الأدب يمثل حاملاً للتحولات السياسية والاجتماعية في المجتمعات. وهذا يعطيه رسالة ويعطيه مهمة خاصة، من خلال تتبع الخريطة السياسية، فلو نظرنا نحن إلى أدبنا العربي روايةً وشعراً وقصةً فإننا سنجد هؤلاء الأدباء يقومون برصد الواقع، وهذا بالضرورة يعني أنهم يتاثرون؛ لأن الأديب ابن واقعه ولا يمكن له أن يستلهم واقعاً آخر.
وفي هذا السياق، أذكر الحكم الذي قاله ذات مرة لي في جلسة خاصة، الأستاذ الناقد الكبير عبد العزيز حمودة -صاحب كتابي “المرايا المقعرة” و”المرايا المحدبة”- قال:
“نحن لدينا أدباء عظماء، ولكن لو افترضنا أن هؤلاء الأدباء عُرِضت أعمالهم في أماكن أخرى من العالم…”
وضرب لذلك مثلاً، قال:
“سعد الله ونوس كاتب كبير جداً، نحن نستمتع به، ولكن إذا عُرِض عمله أو طُبِع في بلد أوروبي، فإنه لن يجد الصدى الذي يجده في بلداننا؛ لأنه يرصد حالة من الاستبداد ومن القهر، هذه الحالة تخلص منها ذاك المجتمع، فهي لا تعنيه بطريقة أو بأخرى”.
يعني هذا الحكم، أن التحولات السياسية لا بد أن تحكم الأدب والأدباء.
3. لماذا يبقى الكاتب العربي محصوراً بين النخبة من الجمهور؟ وأين دور الناقد؟
كثيراً ما نسمع كلمة النص النخبوي، والشعر النخبوي، والقصة النخبوية، والرواية النخبوية.. وهذه المصطلحات عموماً تتعلق بأمرين، الأمر الأول: الأيديولوجيا، والأمر الثاني: يتعلق بعجرفة بعض الأدباء والمبدعين الذين لا يستطيعون التواصل مع جمهورهم بالطريقة اللائقة، فيعيدون ذلك إلى فكرة النخبوية.
الأدب يكتب للجمهور، بغض النظر الجمهور ليس مقسماً إلى جمهور عادي وجمهور نخبوي عندما يكتب النص الأدبي. طبعاً يوجد لدي أنا شريحة من الناس، هذه الشريحة هي مثقفة وقارئة وتعرف بالأدباء وتعرف بالنقد وتعرف.. هذه الشريحة يطلقون عليها اسم النخبة. والشريحة الأخرى هي الشريحة القارئة التي تعتمد التذوق في الفهم والقراءة. وهذه أيضاً لو نظرنا إليها نجدها نخبوية بطريقة أو بأخرى.

لذلك مثلاً عندما نحضر معرضاً للفن التشكيلي، فإننا سنجد بعض اللوحات غير مفهومة، لكن المشاهد -ولو لم يكن نخبوياً- يقف عندها؛ يشده تشكيلها، تشده ألوانها، يشده مفهوم الغرابة فيها.. فإذاً هي استطاعت أن تصل إليه، وإن لم تصل إليه وإن لم تصل إليه بطريقة كاملة أو كما يجب.
فكرة الجمهور والنخبة أيضاً في مجتمعنا العربي تتعلق بمفهوم خطير هو مفهوم القراءة؛ فمجتمعنا العربي عموماً هو مجتمع غير قارئ إلا ضمن توجهات محددة، أو ضمن ظروف محددة تفرض عليه أو تستقطبه مجموعة من القراءات. يوجد لدينا نسبة كبيرة من الأمية القرائية، من الأمية الثقافية، هذه تخفض من نسبة المتابعة، وهذا ما يعاني منه المبدعون وتعاني منه دور النشر التي تقول بأن الكتاب والنص لا يطبع كما يجب ولم يعد هناك من شرائح مستهدفة له. وطبعاً يضربون لذلك أمثلة وكلها أمثلة غير دقيقة وطوباوية، بأن القارئ الغربي يقرأ في المترو ويقرأ في الباص ويقرأ في الطائرة ويقرأ في كل مكان. حتماً هذا الأمر صحيح، لكن في الوقت نفسه عندما يؤمَّن الجو الصحي للقارئ العربي -سواء في مترو، أو في باص، أو في طائرة، أو في كافيهات، أو الأمر الاجتماعي- فإنه سيتحول إلى قارئ. أما الواقع يبعده عن قضية القراءة، وهنا تبدأ فكرة النخبة وفكرة استغراب أن نجد قارئاً في الوقت الذي من الطبيعي أن يكون الناس جميعهم من القراء. فالمشكلة الخطيرة في هذا الموضوع، أن كثيرين يحاولون تعزيز هذه الفكرة؛ فكرة النخبوية، لتبدأ الهوّة تتسع بين المبدع وبين الجمهور. يقتنع بها المبدع، يقتنع بها الجمهور، يقتنع بها الناقد، فتصبح المسافات بعيدة جداً.. جداً.”
السؤال الرابع:
4. ما علاقة الأدباء اليوم باللغة العربية الفصحى؟ وهل نكتب لعيونٍ أجنبية أم لجمهورٍ حقيقي؟
غالباً أو كثيراً ما يطرح الأمر عن اللغة، وهو أمرٌ مستغربٌ جداً! فاللغة وسلامة اللغة هي العنصر الأساس في صناعة النص، في صناعة الثقافة. اللغة هي الوعاء الذي يستوعب الفكر والثقافة، اللغة هي اللباس والمظهر الذي يبرز النص الأدبي والإبداعي. وبغير لغة لا يكون هناك نص.
فمن الطبيعي جداً أن من يتصدى للكتابة الثقافية والإبداعية أن يكون مالكاً للغة وللفصاحة. ليس شرطاً أن يتفاصح في لغته، ولكن أن يمتلك العدة الأساسية للإبداع وهي اللغة. سواء كان لعيونٍ أجنبية أم لجمهورٍ حقيقي، إذا لم يمتلك هذه العدة فهو ليس مثقفاً، وليس أديباً، ولا يحق له أن يصدر نتاجه للآخرين.
لا يمكن أن يكون لدينا كاتب يكتب وفي سطره عددٌ من الأخطاء اللغوية. هناك كاتب يكتب باللغة العربية الفصيحة، هناك كاتب يكتب باللغة الأجنبية وتتم الترجمة حتى لو كان عربياً، وهناك أدب العامية. وطبعاً من خلال الرحلة الأدبية نعلم أن هناك -خاصة في قضية القص والسرد والرواية- هناك مزجٌ ما بين عامية وفصيحة، رفضه الأستاذ الدكتور طه حسين ورأى ضرورة الحفاظ على لغةٍ ثالثة. أقصد هنا أن هناك لغة غير فصيحة يفرضها النص وطبيعته، ومع ذلك الكبار من النقاد رفضوا هذا النوع من الكتابة ورأوا أنه هناك لغة ثالثة ليست اللهجة العامية وليست الفصحى المقعرة، وإنما هي لغة ثالثة تقرب بينهما إذا كان هذا المقصود.
أما إذا كان المقصود عن اللغة الفصيحة وسلامة.. وسلامة اللغة، فطبعاً هناك في كل أنحاء العالم وفي العالم العربي ضمناً، يوجد لدينا أدباء لديهم أفكار، لديهم أشعار، ولكنهم غير متخصصين باللغة، يمكن أن يعود هذا النص لمنقحٍ ومدققٍ وغير ذلك ليظهر بالطريقة اللائقة.
أما لا يمكن للنص أن يظهر بـغير الهندام واللباس الذي يليق به. وكل الذين يرفضون لباس الفصاحة، هؤلاء لو كانوا يكتبون بأي لغةٍ أجنبية فإنه لن يُقبل من أي واحدٍ منهم أن يكون كاتباً وأن يصدر كتابه إلا إذا أعطى حدود السلامة اللغوية على أقل تقدير. فاللغة ضرورة حتمية.
5. هل ما زال الأدب قادراً على تغيير الوعي الجمعي أم تحول إلى ترفٍ فكري؟
الأدب عموماً هو ناقلٌ لصورة وليس مغيراً، وليس مطلوباً من الأدب أن يكون حاملاً للثورة. فـجان جاك روسو عندما اعتمدت الثورة الفرنسية آراءه اعتمدتها بعد مدة، بالخبرة التراكمية، بالتأثير. فالتأثير المعرفي يمكن، لكن يمكن من باب ماذا؟ ممكن أن يشكل الوعي المعرفي والأدبي والثقافي تياراً. هذا التيار يترك آثار الوعي في المجتمع من خلال الأفراد لينتقل إلى المجتمعات، وربما ينتقل إلى الجماعات المتشكلة بيئياً أو سياسياً أو حزبياً ليشكل نوعاً من الوعي المجتمعي.
أما الأدب بحد ذاته حُمِّل أكثر مما يحمل، فهو لا يقدم حلولاً وإنما الأدب يصور، يقدم رؤى، يقدم طروحات. وهذه الرؤى لأنها فردية، ولأن الأديب ليس صاحب قرار وليس مسؤولاً تنفيذياً، لذلك هو يطرح هذه القضايا؛ إن وجدت هذه الآراء من يتبناها فإنها يمكن أن تكون مؤثرة. ويمكن أن يكون التأثير كارثياً، ويمكن أن يكون التأثير إيجابياً.

في تاريخنا نعرف في بعض المراحل عندما تبنى صاحب القرار بعض الآراء الأدبية والفكرية، غير مجرى التاريخ؛ عندما جاءت فكرة المتكلمين وفكرة خلق القرآن، ومن ثم عندما جاءت في المراحل اللاحقة في الأفكار الاشتراكية وأفكار.. عندما تبناها الحاكم صارت مؤثرة، أما إذا نظرنا إلى الأدب على أنه أدب فردي لم يكن ضمن منهج وسياق أيديولوجي موجه، أو قادر على أن يكون موجِهاً -يعني إما موجَه أو موجِه- فإن الآثار تبقى فردية.
أما قضية الترف، فلا يصل الأدب إلى فكرة الترف الفكري؛ لماذا؟ لأن الأدب مهما كان نوعه: غزلاً، ديناً، مجتمعاً، يعالج أمراً ما. وهذه المعالجة وإن كانت فردية فإنها تعبر عن شريحة، فهذا ليس من باب الترف. ونلاحظ مثالاً على ذلك أن بعض الكتب والنصوص التي كتبت من أناس معينين وموجهين، كان ينظر إليها على أنها ليست ذات قيمة وأنها ليست مقننة وبأنها ليست ذات تأثير. ولكن مع الزمن ووجود عدد من الذين تبعوا هذه الموضة، تحول هذا النوع إلى تيار وأصبح تياراً مؤثراً حتى في صنع التفاهة وفي تقزيم الفكر.”

 

6. كيف تنظر إلى جائزة البوكر وتأثيرها هي والجوائز الأخرى في توجيه الذائقة؟ وهل الجوائز تصنع الأدب أم تكتشفه؟
ظاهرة الجوائز هي ظاهرة موجودة في كل مكان، وفي كل زمان أيضاً، وهي ظاهرة ضرورية للأدب، لأنها تقوم بتحقيق نوع من التوازن في حياة الأديب المبدع الذي ينشئ الرواية أو القصة.
ولا شك في أن الجوائز -بغض النظر عن تسمياتها- تخضع لشروط محددة، هذه الشروط يمكن أن توجه الأدب والقص في وجهات مختلفة، قد لا تكون هي الوجهات التي تسعى إلى سمو الأدب، وقد تكون بعض الشروط في الجوائز قادرة على تغيير مسار الأدب الذي تتم كتابته.
المفروض طبعاً في الجوائز أن تكون مكرِّمة، ولكن هناك الجوائز على نوعين؛ جوائز تقوم بالتكريم، وجوائز تقوم بالاكتشاف؛ وهي الجوائز التي تدفع الكتاب للكتابة بشكل خاص لها.
هناك ظاهرة مهمة صارت هي ظاهرة ‘الكتابة للجوائز’، التي تنتظر الجوائز لتكتب وفق توجهاتها ووفق موضوعاتها، لا مشكلة في ذلك، ولا تعد إيجابية بالمطلق ولا تعد سلبية بالمطلق؛ هي ظاهرة تقوم باتباع السنن الموسمية للكتابة.
7. ما تأثير منصات التواصل على القراءة والنشر والتلقي؟
طبعاً هذا الموضوع صار مستهلكاً بشكل كبير جداً، ولكن في الحقيقة طبيعة العصر وطبيعة التطور وطبيعة التكنولوجيا فرضت وجود وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشكل الكبير جداً.
ولا يجوز لأي شخص في العالم أن ينكر تأثير وسائل التواصل في القراءة والكتابة والتلقي والوعي؛ وقد استطاعت وسائل التواصل أن تغير في حياتنا وسلوكنا فكيف في قراءتنا. يمكن أن تستغل وسائل التواصل هذه من أجل إيجاد نوع من القراءة والوعي وغير ذلك، ولكن هذا الأمر فيه الكثير من الصعوبة أمام الكم الهائل الذي تصدّره وسائل التواصل. حتى غدا كل شخص -بسبب وسائل التواصل- كل شخص غدا يملك محطة، وصار وزيراً للإعلام، وصار كاتباً، وصار بإمكانه أن يقدم ما يشاء.
8. كيف يمكن للأدب أن يواجه خطاب التطرف والكراهية المنتشر؟
طبعاً للأدب رسالته، وقد يكون بعض الأدب من خلال التراكم قد أسهم في تعزيز نوع من الخطاب إن كان قائماً على المحبة وإن كان قائماً على الكراهية. لكن السؤال هل هناك -في غمرة وسائل التواصل وغير ذلك، والفن، والإبداع، والسينما- هل هناك من دور مؤثر للأدب على الواقع؟ وهل له من قدرة على محاربة مثل هذا التطرف؟
طبعاً مفترض.. من المفترض ومن المطلوب ومن المؤمّل من الأدب أن يكون قادراً على تخفيف -ولا أقول إنهاء- خطاب الكراهية من خلال طرح النماذج، من خلال بث الوعي وغير ذلك. ولكن كما قلت سابقاً الأدب هو أدب تشريحي وينقل صورة. وإذا أردنا من الأدب أن يفعل كل ذلك فإننا نحمّل الأدب فوق طاقته، ونطلب من الأدب أن يقوم مقام النظريات السياسية والثقافية والأدبية والدينية والتاريخية، وهذا أمر محال. لكن يمكن من خلال النماذج الكبيرة للأدباء أن نصل إلى طريقة ما في السلوك، في الكتابة، في التوجيه، في الوعي.

9. هل نحن أمام أدبٍ عربيٍ متجددٍ يحاكي التحولات الكبرى أم الكتابة أسيرة الكتابة التقليدية؟
طبعاً هذا من الناحية الـ.. يعني يعالج مثل هذا الموضوع أو ينظر إليه من منظورين؛ المنظور القيمي والمحتوى، ومنظور التقني. اليوم الأدب الموجود لدينا هو أدبٌ يحاكي ويتبع و يتأثر بكل الـ.. الـ.. القضايا التقنية الموجودة في نظريات الشعر والرواية وغير ذلك.
لكن هذه التحولات الكبرى من الناحية الـ.. ناحية المحتوى، لا نزال نحن بعيدين بعض الشيء عن الـ.. التأثير وعن التأثر وعن الانخراط في قضية التحولات الكبرى التي تجري، وغالباً ما تأتي الأدب بعد انتهاء مشكلاتٍ كثيرة جداً، كان من الممكن أن يتم التعامل معها بطريقة أخرى.

الأدب العربي طبعاً نحن اليوم مشكلة التواصل بين البلدان العربية وبين المناطق العربية، ومشكلة وصول الكتاب، هي مشكلة عميقة جداً؛ فنحن لا نملك الإحصائيات، لا نملك المعرفة على مدى الإنجاز أو أهمية المنجز في المحاكاة وفي تغطية وفي تتبع التحولات الكبرى، سواء من حيث الفكر أو من حيث التكنيك.

10. ما الموضوع الذي لم تجد فرصة للتحدث.. للتحدث عنه في إبداعك؟
الحقيقة.. لا يوجد. والإجابة عن مثل هذا الموضوع تحمل في طياتها الكثير من الغرور عند من يقوم بالكتابة، غالباً ما يأتي بأننا هناك موضوعات، وهناك منع، وهناك كذا.. لا لا يوجد أي شيء من مثل هذا القبيل. لكن تبقى مقولة: ‘الكتاب الذي لم يكتب هو أجمل الكتب’، فهل يأتي مثل هذا الكتاب أم لا؟
طبعاً كل الموضوعات وكل التوجهات يمكن أن يكتب الإنسان فيها بطرائق معبرة ورمزية شفيفة.. وطبعاً القارئ قادر على تقبل هذه القضايا. لا يوجد وأي ادعاء من الكتاب بأنهم لا يستطيعون كتابة ما يريدون، هو ادعاء محاولة للتبرئة. لكن من الممكن أن أجد نفسي مقصراً من الناحية الفنية وليس في المحتوى. ممكن أن أكون مقصراً في إيصال ما كتبت إلى الناس، طبعاً وهذا الأمر له علاقة بالآخر وبالتسويق وبالانتماء.
أما بشكل عام لا يصح ادعاء الكاتب بأنه أراد أن يكتب في أمرٍ ما ولم يجد فرصة، إلا فرصة الزمن. وأن الكتاب القادم لم يكتب بعد.
إن كان من كلمةٍ يمكن أن تقال هي الأمل بأن يكون الكتاب العرب، والشعراء العرب، والنقاد العرب، والمثقفون العرب أن يكونوا على تواصل وعلى مقدرة في أن يتجاوزوا مرحلة الانغلاق القطري المفروضة على كثير من البلدان.
يمكن أن يتمنى الإنسان ظروفاً حياتية حياتية واجتماعية واقتصادية أفضل ليكون الأديب العربي قادراً على أن يكتب ما يجب أن يكتب، وليس ما يحتاج هو أن يخرج منه ليكتبه.
السيرة الذاتية:
.الدكتور إسماعيل إسماعيل مروة
سورية_معربا_ريف دمشق 1963
إجازة في الآداب من جامعة دمشق 1987
دبلوم لغوي من جامعة دمشق 1989
ماجستير في علوم اللغة العربية من الجامعة اللبنانية1994
دكتوراه في الأدب من جامعة جوميلوف الحكومية كازاخستان 2010
صدر له العديد من المؤلفات الأدبية منها:
الأرض والإنسان _ دراسة مسرحية
البحيري _موقف ورسالة
تداعيات في مقهى الشرق_قصص
وأخرى……