“جَبَلُ عَامِلَةَ”

صورة الكاتب
بقلم: حسن عليّ شرارة
التاريخ: 27 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2568
“جَبَلُ عَامِلَةَ”

جَبَلُ عَامِلَةَ

بَكَتِ العُيونُ دَمًا، وطالَ بُكاؤُها
لَمّا رَأَتْ هذا الرُّكامَ إزاءَها
بَلْداتُ عامِلةَ الأبيّةُ قد بَدَتْ
ثَكْلَى تُواري بِالثَّرى أَبناءَها
وغَدَتْ دِيارُ العِزِّ قاعًا صَفْصَفًا
البُومُ يَنْعَى كَرْبَها وَبَلاءَها
حُيِّيتِ مِنْ دُورٍ عَشِقْنا أُنْسَها
كَمْ قَدْ أَقَمْنا نَسْتَظِلُّ فِناءَها
فيها دَرَجْنا هانِئينَ كَأَنَّنا
سِربُ الحَمائِمِ نَسْتَطيبُ فَضاءَها
كَمْ خَبَّأَتْ جُدْرانُها أَصْواتَنا
وغَدَتْ تُرَدِّدُ بِالفَضا أَصداءَها
فيها تَخَمَّرَ خُبْزُ أُمّي طَيِّبًا
تَشْدو تُرْندِحُ لِلصِّغارِ حِداءَها
واليَوْمَ أَبحثُ في الْخَرائِبِ واجِمًا
أُصْغي لَعَلّي أَسْتَعيدُ نِداءَها
أَينَ الطّفولةُ؟ أَينَ ضُحكاتُ الصِّبا؟
كَم ذا تُعانِقُ في الرُّبى أفياءَها
أينَ المجالسُ والرّفاقُ تَؤُمُّها؟
أينَ السّوالفُ لَوّنَتْ أجواءَها؟
غابَتْ نوافذُها، وغابَتْ شُرفَةٌ
تُذكي حَنينًا يَستعيدُ صفاءَها
أَحْجارُها الصَّمّاءُ لَوْ نَطَقَتْ حَكَتْ
أَلَمًا تَمادى حارِقًا أَحْشاءَها
تَشْكو غِيابَ الأَهْلِ عَنْ أرجائها
يا مَنْ يُواسِي في الخُطوبِ عَزاءَها
شَرُّ البَرايا دَمَّروا عُمْرانَنا
هَدَمُوا البُيوتَ، وجَرَّفُوا أَحْياءَها
لَكِنَّنا -مَهْما تَمادى بَطْشُهُمْ-
أممٌ سَمَتْ أَعيا الزَّمانُ فَناءَها
وَلَنا بِها بَيْنِ الدَّمارِ عَزيمَةٌ
تَأْبَى الخُضوعَ، وَتَسْتَثيرُ إِباءَها
عَمّا قَريبٍ سَوْفَ نَطْرُدُهُمْ كَما
سَنُزيلُ عَنْ أَرْجائِها أَعْداءَها
نَبني وَنَزرَعُ في الرُّبوعِ بِعَزْمِنا
وَنَشيدُ رَغْمَ المُرْجِفينَ بِناءَها
وضِياعُنا تَزْهو بِعَوْدَةِ أَهْلِها
وَتَعُودُ تَنشرُ في الرُّبى أَنداءَها
بِنْتُ الْجُبَيلِ إِذا خَبَتْ أَنوارُها
فَارجِع لِتَشهَدَ في الْمَدَى أَضواءَها
هَذي البلادُ عَزيزةٌ مَحفوظةٌ
سُرعانَ ما يُبري المُهيمنُ داءَها

عن الکاتب / الکاتبة

حسن عليّ شرارة
حسن عليّ شرارة
کاتب وشاعر/ لبنان

مقالات أخرى للكاتب

“الأَصابِعُ”

“الأَصابِعُ”

الأَصابِعُ خَمسٌ عَلَى كَفٍّ تَبَايَنَ شَكلُهَا لَكِنَّ فِي هَذَا الخِلَافِ ثَرَاءُ مُتَبَايِنَاتٌ فِي المَقَايِيسِ الّتِي…

صورة الكاتب حسن عليّ شرارة
17 يونيو 2026
اقرأ المزيد
“سرُّ السّعادةِ”

“سرُّ السّعادةِ”

سرُّ السّعادةِ لَوْ مُدَّ لِي فِي العُمْرِ فُسْحَةُ مُكْتَفِ لَجَعَلْتُهَا لِلْحُبِّ حُبِّ المُدْنَفِ فَالْحُبُّ أَسْمَى…

صورة الكاتب حسن عليّ شرارة
13 يونيو 2026
اقرأ المزيد
“الغُربةُ”

“الغُربةُ”

الغُربةُ وتبقى غُربةُ الإنسانِ دربًا بِنا امتدّتْ قديمًا مُنذُ آدمْ تَنزّلَ مِن جِنانِ الخُلدِ يومًا…

صورة الكاتب حسن عليّ شرارة
7 يونيو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“جَبَلُ عَامِلَةَ”

بقلم: حسن عليّ شرارة | التاريخ: 27 يوليو 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

جَبَلُ عَامِلَةَ

بَكَتِ العُيونُ دَمًا، وطالَ بُكاؤُها
لَمّا رَأَتْ هذا الرُّكامَ إزاءَها
بَلْداتُ عامِلةَ الأبيّةُ قد بَدَتْ
ثَكْلَى تُواري بِالثَّرى أَبناءَها
وغَدَتْ دِيارُ العِزِّ قاعًا صَفْصَفًا
البُومُ يَنْعَى كَرْبَها وَبَلاءَها
حُيِّيتِ مِنْ دُورٍ عَشِقْنا أُنْسَها
كَمْ قَدْ أَقَمْنا نَسْتَظِلُّ فِناءَها
فيها دَرَجْنا هانِئينَ كَأَنَّنا
سِربُ الحَمائِمِ نَسْتَطيبُ فَضاءَها
كَمْ خَبَّأَتْ جُدْرانُها أَصْواتَنا
وغَدَتْ تُرَدِّدُ بِالفَضا أَصداءَها
فيها تَخَمَّرَ خُبْزُ أُمّي طَيِّبًا
تَشْدو تُرْندِحُ لِلصِّغارِ حِداءَها
واليَوْمَ أَبحثُ في الْخَرائِبِ واجِمًا
أُصْغي لَعَلّي أَسْتَعيدُ نِداءَها
أَينَ الطّفولةُ؟ أَينَ ضُحكاتُ الصِّبا؟
كَم ذا تُعانِقُ في الرُّبى أفياءَها
أينَ المجالسُ والرّفاقُ تَؤُمُّها؟
أينَ السّوالفُ لَوّنَتْ أجواءَها؟
غابَتْ نوافذُها، وغابَتْ شُرفَةٌ
تُذكي حَنينًا يَستعيدُ صفاءَها
أَحْجارُها الصَّمّاءُ لَوْ نَطَقَتْ حَكَتْ
أَلَمًا تَمادى حارِقًا أَحْشاءَها
تَشْكو غِيابَ الأَهْلِ عَنْ أرجائها
يا مَنْ يُواسِي في الخُطوبِ عَزاءَها
شَرُّ البَرايا دَمَّروا عُمْرانَنا
هَدَمُوا البُيوتَ، وجَرَّفُوا أَحْياءَها
لَكِنَّنا -مَهْما تَمادى بَطْشُهُمْ-
أممٌ سَمَتْ أَعيا الزَّمانُ فَناءَها
وَلَنا بِها بَيْنِ الدَّمارِ عَزيمَةٌ
تَأْبَى الخُضوعَ، وَتَسْتَثيرُ إِباءَها
عَمّا قَريبٍ سَوْفَ نَطْرُدُهُمْ كَما
سَنُزيلُ عَنْ أَرْجائِها أَعْداءَها
نَبني وَنَزرَعُ في الرُّبوعِ بِعَزْمِنا
وَنَشيدُ رَغْمَ المُرْجِفينَ بِناءَها
وضِياعُنا تَزْهو بِعَوْدَةِ أَهْلِها
وَتَعُودُ تَنشرُ في الرُّبى أَنداءَها
بِنْتُ الْجُبَيلِ إِذا خَبَتْ أَنوارُها
فَارجِع لِتَشهَدَ في الْمَدَى أَضواءَها
هَذي البلادُ عَزيزةٌ مَحفوظةٌ
سُرعانَ ما يُبري المُهيمنُ داءَها