جَبَلُ عَامِلَةَ
بَكَتِ العُيونُ دَمًا، وطالَ بُكاؤُها
لَمّا رَأَتْ هذا الرُّكامَ إزاءَها
بَلْداتُ عامِلةَ الأبيّةُ قد بَدَتْ
ثَكْلَى تُواري بِالثَّرى أَبناءَها
وغَدَتْ دِيارُ العِزِّ قاعًا صَفْصَفًا
البُومُ يَنْعَى كَرْبَها وَبَلاءَها
حُيِّيتِ مِنْ دُورٍ عَشِقْنا أُنْسَها
كَمْ قَدْ أَقَمْنا نَسْتَظِلُّ فِناءَها
فيها دَرَجْنا هانِئينَ كَأَنَّنا
سِربُ الحَمائِمِ نَسْتَطيبُ فَضاءَها
كَمْ خَبَّأَتْ جُدْرانُها أَصْواتَنا
وغَدَتْ تُرَدِّدُ بِالفَضا أَصداءَها
فيها تَخَمَّرَ خُبْزُ أُمّي طَيِّبًا
تَشْدو تُرْندِحُ لِلصِّغارِ حِداءَها
واليَوْمَ أَبحثُ في الْخَرائِبِ واجِمًا
أُصْغي لَعَلّي أَسْتَعيدُ نِداءَها
أَينَ الطّفولةُ؟ أَينَ ضُحكاتُ الصِّبا؟
كَم ذا تُعانِقُ في الرُّبى أفياءَها
أينَ المجالسُ والرّفاقُ تَؤُمُّها؟
أينَ السّوالفُ لَوّنَتْ أجواءَها؟
غابَتْ نوافذُها، وغابَتْ شُرفَةٌ
تُذكي حَنينًا يَستعيدُ صفاءَها
أَحْجارُها الصَّمّاءُ لَوْ نَطَقَتْ حَكَتْ
أَلَمًا تَمادى حارِقًا أَحْشاءَها
تَشْكو غِيابَ الأَهْلِ عَنْ أرجائها
يا مَنْ يُواسِي في الخُطوبِ عَزاءَها
شَرُّ البَرايا دَمَّروا عُمْرانَنا
هَدَمُوا البُيوتَ، وجَرَّفُوا أَحْياءَها
لَكِنَّنا -مَهْما تَمادى بَطْشُهُمْ-
أممٌ سَمَتْ أَعيا الزَّمانُ فَناءَها
وَلَنا بِها بَيْنِ الدَّمارِ عَزيمَةٌ
تَأْبَى الخُضوعَ، وَتَسْتَثيرُ إِباءَها
عَمّا قَريبٍ سَوْفَ نَطْرُدُهُمْ كَما
سَنُزيلُ عَنْ أَرْجائِها أَعْداءَها
نَبني وَنَزرَعُ في الرُّبوعِ بِعَزْمِنا
وَنَشيدُ رَغْمَ المُرْجِفينَ بِناءَها
وضِياعُنا تَزْهو بِعَوْدَةِ أَهْلِها
وَتَعُودُ تَنشرُ في الرُّبى أَنداءَها
بِنْتُ الْجُبَيلِ إِذا خَبَتْ أَنوارُها
فَارجِع لِتَشهَدَ في الْمَدَى أَضواءَها
هَذي البلادُ عَزيزةٌ مَحفوظةٌ
سُرعانَ ما يُبري المُهيمنُ داءَها
أبو الحسنين الدعساوي
مهند آل لطيف
مجیدة محمدي
التعليقات