“لَا أَعْرِفُ”

صورة الكاتب
بقلم: مجیدة محمدي
التاريخ: 27 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 3658
“لَا أَعْرِفُ”

لَا أَعْرِفُ مَتَى يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إِلَى كَبِيرٍ.

رُبَّمَا حِينَ يَتَوَقَّفُ عَنْ تَصْدِيقِ أَنَّ الْغُيُومَ تَنْتَظِرُ مَنْ يُلَوِّحُ لَهَا.

أَوْ حِينَ يَمُرُّ بِجَانِبِ بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ دُونَ أَنْ يُجَرِّبَ الْقَفْزَ فِيهَا، خَوْفًا عَلَى حِذَائِهِ.

أَوْ حِينَ يُصْبِحُ الْحُزْنُ عِنْدَهُ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا مِنْ أَلْعَابِهِ الْقَدِيمَةِ.

أُفَضِّلُ أَنْ أُجَالِسَ النَّاسَ الَّذِينَ مَا زَالَتْ رُكَبُهُمْ مُغَبَّرَةً مِنْ لَعِبِ الطُّفُولَةِ.

الَّذِينَ يَضْحَكُونَ بِكُلِّ أَسْنَانِهِمْ، لَا بِنِصْفِ ٱبْتِسَامَةٍ بَاهِتَةٍ.

الَّذِينَ يُرَاوِغُونَ فِي نُطْقِ كَلِمَةِ «أُحِبُّكَ»، لَكِنَّهُمْ يُتْقِنُونَ مَعْنَاهَا جَيِّدًا.

*

أَخَافُ مِنَ الْكِبَارِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَطْفَالَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ،

ثُمَّ عَلَّقُوا صُوَرَ الْبَرَاءَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ كَذِكْرَى.

يَمْشُونَ مُسْتَقِيمِينَ جِدًّا،

حَتَّى إِنَّ أَحْلَامَهُمْ تُصَابُ بِانْحِنَاءِ الْعِظَامِ.

*

أَمَّا أَنْتَ…

فَفِي جَيْبِكَ دَائِمًا حَجَرٌ أَمْلَسُ،

وَتَذْكِرَةٌ قَدِيمَةٌ لِمَدِينَةِ الْأَلْعَابِ،

وَنُكْتَةٌ تُنْقِذُ الْعَالَمَ مِنْ وَقَارِهِ الزَّائِدِ.

كُلَّمَا ضَحِكْتَ،

سَقَطَتْ سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ عُمْرِي،

وَعَادَتْ إِلَيَّ رُكْبَتَايَ الصَّغِيرَتَانِ تَتَرَاقَصَانِ.

*

أَظُنُّ أَنَّ الْأُمَّهَاتِ لَا يُرَبِّينَ أَبْنَاءَهُنَّ فَقَطْ،

بَلْ يُخَبِّئْنَ فِي صُدُورِهِنَّ طِفْلًا ٱحْتِيَاطِيًّا،

لِيُعِدْنَهُ إِلَيْهِنَّ يَوْمَ تُتْعِبُهُنَّ الْحَيَاةُ.

فَكُلَّمَا قَالُوا لِي:

«كَبِرْتِ..»

أَبْحَثُ عَنِ الطِّفْلِ الَّذِي يَخْتَبِئُ فِي أَعْمَاقِي،

أَنْفُضُ عَنْ وَجْهِهِ غُبَارَ الْأَيَّامِ،

وَأُعْطِيهِ حَبَّةَ الْحَلْوَى الْأُولَى.

فَيَبْتَسِمُ…

عن الکاتب / الکاتبة

مجیدة محمدي
مجیدة محمدي
شاعرة وکاتبة / تونس

مقالات أخرى للكاتب

“نجوم محترقة”

“نجوم محترقة”

نجوم محترقة…في الطريق إلى الأفول… أولئكَ الذين لا يُسمحُ لهم بالسقوط… يمشون على حافّةِ أنفسهم…

صورة الكاتب مجیدة محمدي
29 مارس 2026
اقرأ المزيد
قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر لـ كامل الدلفي

قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر لـ كامل الدلفي

قلقُ الإسناد: جدليّةُ الذاتِ وسُلطةِ الخبر في أقاليم المبتدأ والخبر لـ كامل الدلفي | مجيدة…

صورة الكاتب مجیدة محمدي
27 فبراير 2026
اقرأ المزيد
” درجة اولى “

” درجة اولى “

” درجة اولى “ يا أبي، كنتُ تلكَ التي تُصافحُ الغيمَ من فوقِ أسوارِ الدار،…

صورة الكاتب مجیدة محمدي
26 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“لَا أَعْرِفُ”

بقلم: مجیدة محمدي | التاريخ: 27 يوليو 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

لَا أَعْرِفُ مَتَى يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ إِلَى كَبِيرٍ.

رُبَّمَا حِينَ يَتَوَقَّفُ عَنْ تَصْدِيقِ أَنَّ الْغُيُومَ تَنْتَظِرُ مَنْ يُلَوِّحُ لَهَا.

أَوْ حِينَ يَمُرُّ بِجَانِبِ بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ دُونَ أَنْ يُجَرِّبَ الْقَفْزَ فِيهَا، خَوْفًا عَلَى حِذَائِهِ.

أَوْ حِينَ يُصْبِحُ الْحُزْنُ عِنْدَهُ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا مِنْ أَلْعَابِهِ الْقَدِيمَةِ.

أُفَضِّلُ أَنْ أُجَالِسَ النَّاسَ الَّذِينَ مَا زَالَتْ رُكَبُهُمْ مُغَبَّرَةً مِنْ لَعِبِ الطُّفُولَةِ.

الَّذِينَ يَضْحَكُونَ بِكُلِّ أَسْنَانِهِمْ، لَا بِنِصْفِ ٱبْتِسَامَةٍ بَاهِتَةٍ.

الَّذِينَ يُرَاوِغُونَ فِي نُطْقِ كَلِمَةِ «أُحِبُّكَ»، لَكِنَّهُمْ يُتْقِنُونَ مَعْنَاهَا جَيِّدًا.

*

أَخَافُ مِنَ الْكِبَارِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَطْفَالَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ،

ثُمَّ عَلَّقُوا صُوَرَ الْبَرَاءَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ كَذِكْرَى.

يَمْشُونَ مُسْتَقِيمِينَ جِدًّا،

حَتَّى إِنَّ أَحْلَامَهُمْ تُصَابُ بِانْحِنَاءِ الْعِظَامِ.

*

أَمَّا أَنْتَ…

فَفِي جَيْبِكَ دَائِمًا حَجَرٌ أَمْلَسُ،

وَتَذْكِرَةٌ قَدِيمَةٌ لِمَدِينَةِ الْأَلْعَابِ،

وَنُكْتَةٌ تُنْقِذُ الْعَالَمَ مِنْ وَقَارِهِ الزَّائِدِ.

كُلَّمَا ضَحِكْتَ،

سَقَطَتْ سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ عُمْرِي،

وَعَادَتْ إِلَيَّ رُكْبَتَايَ الصَّغِيرَتَانِ تَتَرَاقَصَانِ.

*

أَظُنُّ أَنَّ الْأُمَّهَاتِ لَا يُرَبِّينَ أَبْنَاءَهُنَّ فَقَطْ،

بَلْ يُخَبِّئْنَ فِي صُدُورِهِنَّ طِفْلًا ٱحْتِيَاطِيًّا،

لِيُعِدْنَهُ إِلَيْهِنَّ يَوْمَ تُتْعِبُهُنَّ الْحَيَاةُ.

فَكُلَّمَا قَالُوا لِي:

«كَبِرْتِ..»

أَبْحَثُ عَنِ الطِّفْلِ الَّذِي يَخْتَبِئُ فِي أَعْمَاقِي،

أَنْفُضُ عَنْ وَجْهِهِ غُبَارَ الْأَيَّامِ،

وَأُعْطِيهِ حَبَّةَ الْحَلْوَى الْأُولَى.

فَيَبْتَسِمُ…