الثقافةُ والهويّةُ والانتماءُ في الوعي العراقيِّ المعاصرِ

صورة الكاتب
بقلم: بشار ساجت
التاريخ: 1 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3548
الثقافةُ والهويّةُ والانتماءُ في الوعي العراقيِّ المعاصرِ

خضعت المجتمعات في مسيرتها عبر التأريخ لمنظومةٍ متداخلةٍ من القيم والرؤى والانعطافات التي ساهمت في صناعة وعي الإنسان بكينونته ومحيطه، وتُعرف هذه المنظومة في الدراسات الإنسانيّة بمفهوم (الثقافة)؛ فالثقافة لا تُختزل في الفنون والآداب أو الموروث الشعبيّ كما يعتقد الأغلب، وإنّما تمثّل الوعاء الذي تنتظم داخله أنماط التفكير وطرائق تفسير الواقع وآليات إنتاج المعنى داخل المجتمع، كما تشارك الثقافة في صناعة وإعادة تشكيل هذا الواقع. ويُعَدُّ عالم الأنثروبولوجيا إدوارد تايلور أوّل من صاغ تعريفا شاملا للثقافة بمعناها الأنثروبولوجيّ؛ إذ عرّفها بأنّها “ذلك الكلّ المركّب الذي يشتمل على المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليد وسائر القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع”، ويُقارب هذا المفهوم مفهومٌ آخر لا يقلّ تعقيدا عنه وهو (الهويّة).
ولم يتّفق الباحثون على تعريفٍ واحد للهوية وذلك لاختلاف المقاربات الفلسفيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، فقد نظر إليها مانويل كاستلز بوصفها “عملية لبناء المعنى اعتمادا على مجموعة من السمات الثقافية التي تمنح الفرد أو الجماعة خصوصيتها” في حين يرى ستيوارت هول “أنّ الهويّة ليست كيانا ثابتا، بل بناءٌ متجدد يتشكل عبر التاريخ والخطاب والثقافة، الأمر الذي يجعلها مشروعا مستمرا أكثر من كونها حقيقةً مكتملة”. أمّا (الانتماء) فهو رابطةٌ نفسية واجتماعية تُترجم إدراك الإنسان لعضويته في جماعةٍ ما وما يرافق ذلك من شعورٍ بالولاء والمسؤولية. ويُعرفه هنري تاجفيل “بأنّه إدراك الفرد لعضويته في جماعةٍ معينة، وما يصاحب هذا الإدراك من قيمةٍ وجدانيّة ومعنويّة”، في حين يرى أبراهام ماسلو أنّ الانتماء يمثل “إحدى الحاجات الإنسانيّة الأساسيّة التي لا يستقيم التوازن النفسيّ للفرد من دون إشباعها”.
وعلى وفق ذلك فإنّ الانتماء لا يُقاس بكثرة الشعارات، وإنّما بعمق المشاركة في حماية الجماعة وصيانة قيمها والإسهام في تحقيق مصالحها. وعلى ما يبدو فإن العلاقة بين الثقافة والهوية والانتماء هي علاقة تبادلية فالثقافة تُنتج الهوية والهوية تُرسخ الانتماء والانتماء بدوره يحافظ على الثقافة ويعيد إنتاجها عبر الأجيال. ولذلك فإن أي اضطراب يصيب أحد هذه المفاهيم سرعان ما ينعكس على المفاهيم الأخرى، فتدخل المنظومة الثقافية بأسرها في حالةٍ من التذبذب والتشوه. ولعلّ هذه الحقيقة تبدو واضحة في المجتمع العراقي اليوم؛ إذ تعرّض العراق في السنوات الأخيرة إلى تحولاتٍ سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة عنيفة رافقتها حروبٌ وصراعاتٌ وأزماتٌ متلاحقة، ساهمت جميعها في إعادة تشكيل الذهن العراقي، وفي إنتاج أنماط جديدة من الوعي والانتماء. فالفرد العراقي لم يعد يتحرّك داخل فضاءٍ ثقافي واحد بل أصبح يترنح بين تيارات متعددة من الانتماءات الدينيّة والمذهبيّة و(المرجعياتيّة) والقوميّة والعشائريّة والمناطقيّة والحزبيّة، يضاف إليها التأثير المتزايد للقيم الرقميّة والثقافات الدخيلة.
وهنا يبرز سؤالٌ معرفيّ دقيق يسأل عن تعدّد الانتماءات: أهو دليلٌ على ثراء الهويّة أم إنّه يمثّل بداية اضطرابها وتأكّلها؟
والمدار هنا هو طبيعة انتظام هذه الانتماءات فيما بينها وليس بتعدّدها، فإذا اندرجت هذه الانتماءات تحت مظلّة هويّةٍ وطنيّةٍ جامعة أصبحت مصدرا للتنوع والإثراء الحضاري، أما إذا تحولت إلى هوياتٍ متنافسة تتقدم على المفهوم ( الجامع) الوطن فإنّها تُنتج انقساما في الوعي قبل أن تُنتج انقساما في المجتمع. ولعل هذا ما يؤكده أمين معلوف حين يرى أنّ الإنسان لا يُختزل في انتماءٍ واحد، وإنما تتشكل هويته من مجموع انتماءاته، وأنّ تحويل أحد هذه الانتماءات إلى هويّةٍ مطلقة هو الذي يُفضي إلى الصدام، كما يذهب مانويل كاستلز إلى أن الهويات تفقد وظيفتها الثقافيّة حين تتحول إلى أدواتٍ للتنازع والاستقطاب بدل أن تكون أطارا لإنتاج المعنى المشترك.
إن الهويّة الوطنيّة لا تنفي الخصوصيات، وإنّما تنظمها داخل مشروعٍ حضاريّ جامع يجعل الاختلاف وسيلةً للتكامل لا سببا للتفكك، على أنّ الخطاب العام في العراق كثيرا ما يخلط بين مفهومي (الهويّة والولاء) مع أنّ بينهما فرقا دقيقا، فالهويّة وصفٌ للذات، أمّا الولاء فهو سلوكٌ تجاه تلك الذات، فقد يحمل الإنسان هويّةً عراقيّة، لكنّ ولاءه قد يتوزع بين مصالح ضيقة أو انتماءاتٍ فرعيّة الأمر الذي يخلق حالةً من الازدواج في الوعي؛ فيصبح الانتماء شعارا يُرفع في المناسبات أكثر من كونه ممارسةً يوميّةً تتجلى في احترام القانون والمحافظة على المال العام والإيمان بالمصلحة والحقوق المشتركة، ويزداد هذا المشهد تعقيدا مع الثورة الرقميّة؛ إذ لم يعد إنتاج الثقافة محصورا داخل المؤسّسات التعليميّة والإعلاميّة وحدها، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعيّ فاعلا ثقافيّا مؤثرا يعيد تشكيل المفاهيم والقيم بوتيرةٍ غير مسبوقة، فالكثير من الأفكار والاتجاهات والرموز التي يتبناها الشباب اليوم لم تنشأ داخل البيئة العراقية وإنما جاءت عبر فضاءٍ إلكتروني عابرٍ للحدود الأمر الذي جعل الهويّة الوطنيّة تواجه تحديا جديدا يتمثل في قدرتها على استيعاب هذه المؤثرات دون أن تفقد خصوصيتها. ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانكفاء الثقافيّ؛ فالثقافات عبر التاريخ لم تكن كياناتٍ جامدة، وإنّما كانت تتفاعل وتتبادل الخبرات باستمرار إلا أنّ هذا التفاعل كان ينجح حين تمتلك الأمة مرجعيةً ثقافيةً راسخة فاعلة مؤثرة تستطيع أن تُميز بين التفاعل الواعي والتشتّت الثقافيّ. أمّا حين تضعف المرجعية الثقافية فإنّ المجتمع يتحول إلى سوق للثقافات أكثر من كونه مصدرا لها.
إنّ إعادة بناء الهويّة العراقيّة لا تبدأ بإنتاج الشعارات، ولا بإحياء الخطابات العاطفيّة وإنما تبدأ بإعادة بناء الثقافة نفسها؛ لأنّ الثقافة هي المصنع الحقيقيّ للهوية وهي التي تُنتج المواطن قبل أن تُنتج الدولة. ويتطلب ذلك تطوير المناهج الدراسية وتعزيز التفكير النقديّ وإحياء القراءة ودعم المؤسسات الثقافية وتقديم خطابٍ إعلاميّ يرسخ مفهوم المواطنة بوصفه الإطار الجامع لجميع الانتماءات.
إنّ الثقافة والهوية والانتماء حلقاتٌ في منظومةٍ واحدة، فإذا حسنت الثقافة استقام بناء الهويّة، وإذا استقامت الهويّة ترسخ الانتماء، وإذا ترسخ الانتماء أصبح الوطن كيانا راسخا في الوعي. ولعلّ التحدّي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم يتمثّل في إعادة تعمير العقل الثقافيّ الذي يصنع الإنسان القادر على حماية وطنه، وصيانة هويّته، وتحويل التنوّع إلى مصدر قوّة لا إلى سببٍ للانقسام.

 

عن الکاتب / الکاتبة

بشار ساجت
بشار ساجت
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“مهلاً”

“مهلاً”

مهلاً أيّتها الأيامُ أمهلينا نَهرَمُ على مهلٍ أمهلينا نُبدّدُ العمرَ كما نشتهي، أن نصنعَ سعاداتنا…

صورة الكاتب بشار ساجت
18 أغسطس 2026
اقرأ المزيد
“إلى حيث الحسين”

“إلى حيث الحسين”

إلى حيث الحسين يسيرون، تركوا وراءهم كلّ شيء، لأنّ أمامهم كلّ الاشياء، يمشون حفاةَ القلوب،…

صورة الكاتب بشار ساجت
29 يوليو 2026
اقرأ المزيد
“طريق”

“طريق”

طريق يمشون نحو الحسين، كأن الطریقَ صلاةٌ تطهر ارواحهم, يحملون قلوبهم زادا، ودموعهم رايات بيضاء…

صورة الكاتب بشار ساجت
27 يوليو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الثقافةُ والهويّةُ والانتماءُ في الوعي العراقيِّ المعاصرِ

بقلم: بشار ساجت | التاريخ: 1 سبتمبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

خضعت المجتمعات في مسيرتها عبر التأريخ لمنظومةٍ متداخلةٍ من القيم والرؤى والانعطافات التي ساهمت في صناعة وعي الإنسان بكينونته ومحيطه، وتُعرف هذه المنظومة في الدراسات الإنسانيّة بمفهوم (الثقافة)؛ فالثقافة لا تُختزل في الفنون والآداب أو الموروث الشعبيّ كما يعتقد الأغلب، وإنّما تمثّل الوعاء الذي تنتظم داخله أنماط التفكير وطرائق تفسير الواقع وآليات إنتاج المعنى داخل المجتمع، كما تشارك الثقافة في صناعة وإعادة تشكيل هذا الواقع. ويُعَدُّ عالم الأنثروبولوجيا إدوارد تايلور أوّل من صاغ تعريفا شاملا للثقافة بمعناها الأنثروبولوجيّ؛ إذ عرّفها بأنّها “ذلك الكلّ المركّب الذي يشتمل على المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليد وسائر القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع”، ويُقارب هذا المفهوم مفهومٌ آخر لا يقلّ تعقيدا عنه وهو (الهويّة).
ولم يتّفق الباحثون على تعريفٍ واحد للهوية وذلك لاختلاف المقاربات الفلسفيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، فقد نظر إليها مانويل كاستلز بوصفها “عملية لبناء المعنى اعتمادا على مجموعة من السمات الثقافية التي تمنح الفرد أو الجماعة خصوصيتها” في حين يرى ستيوارت هول “أنّ الهويّة ليست كيانا ثابتا، بل بناءٌ متجدد يتشكل عبر التاريخ والخطاب والثقافة، الأمر الذي يجعلها مشروعا مستمرا أكثر من كونها حقيقةً مكتملة”. أمّا (الانتماء) فهو رابطةٌ نفسية واجتماعية تُترجم إدراك الإنسان لعضويته في جماعةٍ ما وما يرافق ذلك من شعورٍ بالولاء والمسؤولية. ويُعرفه هنري تاجفيل “بأنّه إدراك الفرد لعضويته في جماعةٍ معينة، وما يصاحب هذا الإدراك من قيمةٍ وجدانيّة ومعنويّة”، في حين يرى أبراهام ماسلو أنّ الانتماء يمثل “إحدى الحاجات الإنسانيّة الأساسيّة التي لا يستقيم التوازن النفسيّ للفرد من دون إشباعها”.
وعلى وفق ذلك فإنّ الانتماء لا يُقاس بكثرة الشعارات، وإنّما بعمق المشاركة في حماية الجماعة وصيانة قيمها والإسهام في تحقيق مصالحها. وعلى ما يبدو فإن العلاقة بين الثقافة والهوية والانتماء هي علاقة تبادلية فالثقافة تُنتج الهوية والهوية تُرسخ الانتماء والانتماء بدوره يحافظ على الثقافة ويعيد إنتاجها عبر الأجيال. ولذلك فإن أي اضطراب يصيب أحد هذه المفاهيم سرعان ما ينعكس على المفاهيم الأخرى، فتدخل المنظومة الثقافية بأسرها في حالةٍ من التذبذب والتشوه. ولعلّ هذه الحقيقة تبدو واضحة في المجتمع العراقي اليوم؛ إذ تعرّض العراق في السنوات الأخيرة إلى تحولاتٍ سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة عنيفة رافقتها حروبٌ وصراعاتٌ وأزماتٌ متلاحقة، ساهمت جميعها في إعادة تشكيل الذهن العراقي، وفي إنتاج أنماط جديدة من الوعي والانتماء. فالفرد العراقي لم يعد يتحرّك داخل فضاءٍ ثقافي واحد بل أصبح يترنح بين تيارات متعددة من الانتماءات الدينيّة والمذهبيّة و(المرجعياتيّة) والقوميّة والعشائريّة والمناطقيّة والحزبيّة، يضاف إليها التأثير المتزايد للقيم الرقميّة والثقافات الدخيلة.
وهنا يبرز سؤالٌ معرفيّ دقيق يسأل عن تعدّد الانتماءات: أهو دليلٌ على ثراء الهويّة أم إنّه يمثّل بداية اضطرابها وتأكّلها؟
والمدار هنا هو طبيعة انتظام هذه الانتماءات فيما بينها وليس بتعدّدها، فإذا اندرجت هذه الانتماءات تحت مظلّة هويّةٍ وطنيّةٍ جامعة أصبحت مصدرا للتنوع والإثراء الحضاري، أما إذا تحولت إلى هوياتٍ متنافسة تتقدم على المفهوم ( الجامع) الوطن فإنّها تُنتج انقساما في الوعي قبل أن تُنتج انقساما في المجتمع. ولعل هذا ما يؤكده أمين معلوف حين يرى أنّ الإنسان لا يُختزل في انتماءٍ واحد، وإنما تتشكل هويته من مجموع انتماءاته، وأنّ تحويل أحد هذه الانتماءات إلى هويّةٍ مطلقة هو الذي يُفضي إلى الصدام، كما يذهب مانويل كاستلز إلى أن الهويات تفقد وظيفتها الثقافيّة حين تتحول إلى أدواتٍ للتنازع والاستقطاب بدل أن تكون أطارا لإنتاج المعنى المشترك.
إن الهويّة الوطنيّة لا تنفي الخصوصيات، وإنّما تنظمها داخل مشروعٍ حضاريّ جامع يجعل الاختلاف وسيلةً للتكامل لا سببا للتفكك، على أنّ الخطاب العام في العراق كثيرا ما يخلط بين مفهومي (الهويّة والولاء) مع أنّ بينهما فرقا دقيقا، فالهويّة وصفٌ للذات، أمّا الولاء فهو سلوكٌ تجاه تلك الذات، فقد يحمل الإنسان هويّةً عراقيّة، لكنّ ولاءه قد يتوزع بين مصالح ضيقة أو انتماءاتٍ فرعيّة الأمر الذي يخلق حالةً من الازدواج في الوعي؛ فيصبح الانتماء شعارا يُرفع في المناسبات أكثر من كونه ممارسةً يوميّةً تتجلى في احترام القانون والمحافظة على المال العام والإيمان بالمصلحة والحقوق المشتركة، ويزداد هذا المشهد تعقيدا مع الثورة الرقميّة؛ إذ لم يعد إنتاج الثقافة محصورا داخل المؤسّسات التعليميّة والإعلاميّة وحدها، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعيّ فاعلا ثقافيّا مؤثرا يعيد تشكيل المفاهيم والقيم بوتيرةٍ غير مسبوقة، فالكثير من الأفكار والاتجاهات والرموز التي يتبناها الشباب اليوم لم تنشأ داخل البيئة العراقية وإنما جاءت عبر فضاءٍ إلكتروني عابرٍ للحدود الأمر الذي جعل الهويّة الوطنيّة تواجه تحديا جديدا يتمثل في قدرتها على استيعاب هذه المؤثرات دون أن تفقد خصوصيتها. ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانكفاء الثقافيّ؛ فالثقافات عبر التاريخ لم تكن كياناتٍ جامدة، وإنّما كانت تتفاعل وتتبادل الخبرات باستمرار إلا أنّ هذا التفاعل كان ينجح حين تمتلك الأمة مرجعيةً ثقافيةً راسخة فاعلة مؤثرة تستطيع أن تُميز بين التفاعل الواعي والتشتّت الثقافيّ. أمّا حين تضعف المرجعية الثقافية فإنّ المجتمع يتحول إلى سوق للثقافات أكثر من كونه مصدرا لها.
إنّ إعادة بناء الهويّة العراقيّة لا تبدأ بإنتاج الشعارات، ولا بإحياء الخطابات العاطفيّة وإنما تبدأ بإعادة بناء الثقافة نفسها؛ لأنّ الثقافة هي المصنع الحقيقيّ للهوية وهي التي تُنتج المواطن قبل أن تُنتج الدولة. ويتطلب ذلك تطوير المناهج الدراسية وتعزيز التفكير النقديّ وإحياء القراءة ودعم المؤسسات الثقافية وتقديم خطابٍ إعلاميّ يرسخ مفهوم المواطنة بوصفه الإطار الجامع لجميع الانتماءات.
إنّ الثقافة والهوية والانتماء حلقاتٌ في منظومةٍ واحدة، فإذا حسنت الثقافة استقام بناء الهويّة، وإذا استقامت الهويّة ترسخ الانتماء، وإذا ترسخ الانتماء أصبح الوطن كيانا راسخا في الوعي. ولعلّ التحدّي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم يتمثّل في إعادة تعمير العقل الثقافيّ الذي يصنع الإنسان القادر على حماية وطنه، وصيانة هويّته، وتحويل التنوّع إلى مصدر قوّة لا إلى سببٍ للانقسام.