حنا الرسام: رائد المسرح الموصلي وصوت النهضة الثقافية في العراق

صورة الكاتب
بقلم: محمد علي محيي الدين
التاريخ: 31 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 32431
حنا الرسام: رائد المسرح الموصلي وصوت النهضة الثقافية في العراق

حنا الرسام: رائد المسرح الموصلي وصوت النهضة الثقافية في العراق

يُعدّ حنا الرسام واحداً من الأسماء البارزة التي أسهمت في تأسيس الحركة المسرحية العراقية في بداياتها الأولى، حين كان المسرح لا يزال فناً ناشئاً يتلمس طريقه بين الترجمة والتجريب والتأليف المحلي. وقد ارتبط اسمه بمدينة الموصل التي كانت آنذاك مركزاً ثقافياً مزدهراً، تتقاطع فيه اللغات والأفكار والتقاليد، فكان ابن بيئتها وأحد أبرز معبّريها الفنيين.
وُلد حنا الرسام في الموصل عام 1890، في مرحلة كانت المدينة فيها تعيش حراكاً تعليمياً وثقافياً واضحاً. التحق بمدرسة القديس عبد الأحد الدومنيكية، وهي من المدارس التي لعبت دوراً مهماً في نشر التعليم الحديث واللغات الأجنبية في العراق. هناك تلقى تعليمه الأولي، وتفتح وعيه على الأدب واللغة والمسرح، ما شكّل لاحقاً أساس مشروعه الثقافي والفني.
بعد تخرجه، لم يكتفِ الرسام بالابتعاد عن الوسط التعليمي الذي نشأ فيه، بل عاد إليه مدرّساً في المدرسة ذاتها حتى عام 1911، في دلالة على ارتباطه المبكر بالتعليم والثقافة. ثم انتقل إلى بغداد، حيث انخرط في العمل الوظيفي في دوائر الدولة، متنقلاً بين مهام إدارية مختلفة، قبل أن يحال إلى التقاعد عام 1936، بعد مسيرة طويلة بين التعليم والعمل الرسمي والنشاط الثقافي.
امتاز حنا الرسام بثقافة واسعة وقدرة لغوية لافتة، إذ كان يتقن الإنجليزية والفرنسية والتركية والسريانية، وهو ما مكّنه من الاطلاع على الآداب العالمية والمسرح الأوروبي، فانعكس ذلك بوضوح على أعماله المسرحية، التي تنوعت بين التأليف والترجمة والاقتباس، وجاءت محمّلة بروح الإصلاح الاجتماعي والنقد الأخلاقي.
ويُعدّ من أوائل المسرحيين الذين أسهموا في بناء تقاليد المسرح في الموصل والعراق عموماً، إذ كتب وترجم عدداً كبيراً من المسرحيات، من بينها: “ما وراء الستار” (1925) وهي ترجمة أدبية، و“مثال الوفاء ومثال الوطنية” (1926)، و“العواطف” (1929)، و“القرط الذهبي” (1929)، و“المدّعي بالشرف” (1930)، و“ثمن الكلمة” (1936)، و“رسول الأكواخ” (1952)، إضافة إلى عمله المعروف “أحدوثة الباميا”، وغيرها من النصوص التي عكست تنوع اهتماماته بين الاجتماعي والأخلاقي والإنساني.
وقد امتازت هذه المسرحيات بقدرتها على مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة أحياناً، وبأسلوب رمزي في أحيان أخرى، كما عالجت قضايا الشرف والصدق والوطنية والعاطفة الإنسانية، في وقت كانت فيه المسرحية وسيلة للتثقيف والتنوير أكثر من كونها فناً ترفيهياً صرفاً. وقد عُرضت معظم أعماله على مسارح الموصل والحلة، لتسهم في ترسيخ الوعي المسرحي في العراق خلال تلك المرحلة المبكرة.
إن أهمية حنا الرسام لا تكمن فقط في عدد أعماله، بل في كونه أحد الرواد الذين أسهموا في نقل المسرح من دائرة الترجمة المحدودة إلى فضاء الإبداع المحلي، حيث بدأت تتشكل ملامح مسرح عراقي يعكس هموم المجتمع وتطلعاته.
توفي حنا الرسام عام 1958، بعد حياة طويلة أمضاها بين التعليم والكتابة والعمل الوظيفي والإبداع المسرحي، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً مهماً، ظلّ جزءاً من ذاكرة المسرح العراقي، وركيزة من ركائز نشأته الأولى في الموصل التي أنجبت العديد من رواده الأوائل.

عن الکاتب / الکاتبة

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين
باحث. كاتب / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


حنا الرسام: رائد المسرح الموصلي وصوت النهضة الثقافية في العراق

بقلم: محمد علي محيي الدين | التاريخ: 31 أغسطس 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

حنا الرسام: رائد المسرح الموصلي وصوت النهضة الثقافية في العراق

يُعدّ حنا الرسام واحداً من الأسماء البارزة التي أسهمت في تأسيس الحركة المسرحية العراقية في بداياتها الأولى، حين كان المسرح لا يزال فناً ناشئاً يتلمس طريقه بين الترجمة والتجريب والتأليف المحلي. وقد ارتبط اسمه بمدينة الموصل التي كانت آنذاك مركزاً ثقافياً مزدهراً، تتقاطع فيه اللغات والأفكار والتقاليد، فكان ابن بيئتها وأحد أبرز معبّريها الفنيين.
وُلد حنا الرسام في الموصل عام 1890، في مرحلة كانت المدينة فيها تعيش حراكاً تعليمياً وثقافياً واضحاً. التحق بمدرسة القديس عبد الأحد الدومنيكية، وهي من المدارس التي لعبت دوراً مهماً في نشر التعليم الحديث واللغات الأجنبية في العراق. هناك تلقى تعليمه الأولي، وتفتح وعيه على الأدب واللغة والمسرح، ما شكّل لاحقاً أساس مشروعه الثقافي والفني.
بعد تخرجه، لم يكتفِ الرسام بالابتعاد عن الوسط التعليمي الذي نشأ فيه، بل عاد إليه مدرّساً في المدرسة ذاتها حتى عام 1911، في دلالة على ارتباطه المبكر بالتعليم والثقافة. ثم انتقل إلى بغداد، حيث انخرط في العمل الوظيفي في دوائر الدولة، متنقلاً بين مهام إدارية مختلفة، قبل أن يحال إلى التقاعد عام 1936، بعد مسيرة طويلة بين التعليم والعمل الرسمي والنشاط الثقافي.
امتاز حنا الرسام بثقافة واسعة وقدرة لغوية لافتة، إذ كان يتقن الإنجليزية والفرنسية والتركية والسريانية، وهو ما مكّنه من الاطلاع على الآداب العالمية والمسرح الأوروبي، فانعكس ذلك بوضوح على أعماله المسرحية، التي تنوعت بين التأليف والترجمة والاقتباس، وجاءت محمّلة بروح الإصلاح الاجتماعي والنقد الأخلاقي.
ويُعدّ من أوائل المسرحيين الذين أسهموا في بناء تقاليد المسرح في الموصل والعراق عموماً، إذ كتب وترجم عدداً كبيراً من المسرحيات، من بينها: “ما وراء الستار” (1925) وهي ترجمة أدبية، و“مثال الوفاء ومثال الوطنية” (1926)، و“العواطف” (1929)، و“القرط الذهبي” (1929)، و“المدّعي بالشرف” (1930)، و“ثمن الكلمة” (1936)، و“رسول الأكواخ” (1952)، إضافة إلى عمله المعروف “أحدوثة الباميا”، وغيرها من النصوص التي عكست تنوع اهتماماته بين الاجتماعي والأخلاقي والإنساني.
وقد امتازت هذه المسرحيات بقدرتها على مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة أحياناً، وبأسلوب رمزي في أحيان أخرى، كما عالجت قضايا الشرف والصدق والوطنية والعاطفة الإنسانية، في وقت كانت فيه المسرحية وسيلة للتثقيف والتنوير أكثر من كونها فناً ترفيهياً صرفاً. وقد عُرضت معظم أعماله على مسارح الموصل والحلة، لتسهم في ترسيخ الوعي المسرحي في العراق خلال تلك المرحلة المبكرة.
إن أهمية حنا الرسام لا تكمن فقط في عدد أعماله، بل في كونه أحد الرواد الذين أسهموا في نقل المسرح من دائرة الترجمة المحدودة إلى فضاء الإبداع المحلي، حيث بدأت تتشكل ملامح مسرح عراقي يعكس هموم المجتمع وتطلعاته.
توفي حنا الرسام عام 1958، بعد حياة طويلة أمضاها بين التعليم والكتابة والعمل الوظيفي والإبداع المسرحي، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً مهماً، ظلّ جزءاً من ذاكرة المسرح العراقي، وركيزة من ركائز نشأته الأولى في الموصل التي أنجبت العديد من رواده الأوائل.