كولونياليَّة الخشبة.. تفكيك الجسد واللغة والتلقي في المسرحِ العراقيَّ

صورة الكاتب
بقلم: د. علاء کریم
التاريخ: 15 سبتمبر 2026 عدد المشاهدات: 3769
كولونياليَّة الخشبة.. تفكيك الجسد واللغة والتلقي في المسرحِ العراقيَّ

 

المسرح بطبيعتهِ فن كولونيالي: الخشبة الإيطاليًّة، النص الأوروبي، الإخراج المنهجيُّ، كلها جاءت مع الاستعمار، السؤال هنا ليس كيفيَّة توظيف الكولونياليَّة؟ بل كيف لنا أن نفككها فوق الخشبة؟ وعليه، لا يُمكن فهم المسرحِ اليوم إلا من خلالها.

لم تكن الكولونياليَّة اختراعًا غربيًا خالصًا، فالاحتلال والسيطرة على خيراتِ الشعوبِ مارسهُ الإغريق والرومان والعثمانيُّون قبل أوروبا بقرون، لكن ما منح الاستعمار الأوروبيَّ الحديث وجهه الخاص، هو تداخله مع التكنولوجيا، ونظمه الإدارية المنظمة، لم يعُد فعلًا جديدًا خاصًا، بل أصبح سكة حديد وتلغرافًا، ودفتر حساباتٍ. وهذا قد يرتبط فنيًا مع المسرحِ عبر الانفعال الذي يُعد من الاسلحةِ الخطيرةِ التي تعبرُ عن شكلِ الكولونياليَّة في زمننا المعاصر، مثلًا الانفعال خجلًا من اللهجةِ أو الملابسِ أو ضعفِ الشخصيةِ، هذا هو ضحك الممثل على نفسهِ ليرضي الجمهورَ. أو بوساطةِ صناعةِ الحنين الذي يجعلك تحن لاماكن لم تزرها أو توظيف موسيقى عالميةٍ وديكورٍ اوروبيًّ وربطها بفعلٍ راقٍ رغم بساطة الفكرة والمكان، هذا يُطلق عليهِ انفعالٌ مستعمرٌ ليصبحَ كلُّ فعلٍ محليًّ تقليديًّا. فضلًا عن احتكارِ التطهيرِ الذي قال عنهُ أرسطو أنهُ يُطهرنا بالخوفِ والشفقةِ، وعبر الكولونياليَّة يمكن أن نطرح مجموعة تساؤلاتٍ: من يستحق أن نخاف عليهِ ونُشفق عليه؟ عندما يبكي عطيل نبكي، لكن إذا بكى رجُل بسيط في عرضٍ مسرحيًّ محليًّ فلا نبكي، وذلك لأن انفعالنا تمّ تدريبهُ على أن البطل هو المركز فقط. هنا علينا أن نجعلهُ يكتشف أن تعاطفهُ مُستعمرٌ.

وعليه، فأن مفهوم الكولونياليَّة المسرحيَّة الغربيَّة ترسيخ تفوق الثقافة الغربية وإقصاء ثقافة “الآخر”، وتمثيل السلطة وعرض صراعات الهيمنة والسيادة الثقافيَّة كما في أغلبِ المسرحيَّات العالميَّة، ومنها مسرحيَّات شكسبير مثل “العاصفة”. وفي المُقابل يأتي مسرح ما بعد الكولونياليَّة كخطابٍ مُضاد لاستعادةِ الهويَّةِ واستخدام الرُّموزِ والتراثِ المحليَّ لمُقاومة التهميش الثقافيَّ، إضافة إلى تفكيكِ الخطابِ وكشفِ آليات السيطرة الفكرية والسياسيَّة التي خلفها الاستعمار. وهذه العمليَّة تحتاج إلى حفرياتٍ ومخرجاتٍ تساعدُ على توظيفِ الجسدِ المسرحيَّ واللُغة والذاكرة الشعبية للرد على الهيمنةِ.

إن تحديد خصوصيَّة فن المسرحِ العراقيَّ في فتراتٍ عديدةٍ, ومعرفة تأثير الأساليب الدخيلة عليه, قد تداخل مع ما سبقه, كحلقةٍ ضمن حلقاتِ التقاليدِ والأعرافِ العراقيةِ القديمةِ، كالتعزيةِ والحكواتيَّ والمُقلد. وقد يُساعدُنا ذلك في وضعِ مؤشراتٍ توضح ملامح المسرحِ العراقيَّ عبر فترةِ الحروبِ والمُشكلاتِ الداخلية, وتحديد خصُوصيَّة العملِ الفنيَّ, من خلالِ معرفةِ كيفيةِ انعكاسِ المُنتج الفنيَّ لتلك الفترةِ على المُنجزِ المسرحيَّ. وهل تتشكل الهويةُ الإنسانيَّةُ والمجتمعيَّةُ عبر ما يمتلكهُ هذا الفنُّ من عمقٍ تاريخيًّ؟ وهنا يُمكن إرساء أفعالٍ معرفيَّةٍ فنيَّةٍ بسماتها المُميَّزةِ وطابعها الفرديَّ, لترتفع بوساطتها الرُؤى الجماليَّة إلى مصافّ ما حدث من تطوّرٍ على امتدادِ التأريخِ، ومن ثُم الكشفُ عما أنجز من أعمالٍ مُغايرةٍ خلال التحولاتِ الحياتيَّةِ وما رافقها من احداثٍ في العراقِ, وتشخيص إنتاجِ هذا الفنّ ضمن المحيط الجُغرافيَّ العراقيَّ.

وقد يساعدُنا ذلك على فهمِ آلياتِ توظيفِ الكولونياليَّة في فنّ المسرحِ، والتي تتحققُ عبر:

اولًا – مسرح ما بعد الكولونياليَّة، وإعادة كتابةِ النصّ المُستعمِر: نأخذُ مثلًا نص “عطيل” لشكسبير أو “البرجوازيَّ النبيل” لموليير، ونكتبهُ من وجهةِ نظرِ المستعمرِ. وبالمقابلِ إذا حاولنا اعتماد الفكرةِ وبشُخوصٍ عراقيةٍ، هل سيكونُ النصُّ واحدًا، والفكرةُ نفسُها؟

ثانيًا – الكولونياليَّة في اللُغةِ والجسدِ: المتعارف عليهِ أن لُغة المسرحِ الجاد هي الفُصحى، واللهجةُ العاميَّةُ هي لغةُ الكوميديا، وذلك يُعد تفكيرًا كولونياليًّا. فإذا وظفنا اللهجة العراقيَّة في الجنوبِ والغربِ والشمالِ كلُغةٍ تراجيديةٍ، ووظفنا الجسد بالزيَّ المحليَّ الشعبيِّ، هل سنشعرُ باغترابِ الجسدِ عن المكانِ؟ أم أن الجسدَ سيُكذبُ اللهجة أو يختلف معها؟ وهل سيصدق الجمهور الشخصية وما تقدمهُ من أفعالٍ؟

ثالثًا – كولونياليَّة التلقي: لماذا جمهورُنا يصفقُ لمسرحيةٍ عالميَّةٍ غير مدبلجةٍ ولا يهتمُ بمسرحيَّةٍ عراقيَّةٍ عن نفسِ الموضوع؟ هل تم استعمارُ ذوق المتلقي، ليقتنع أن كُل ما يأتي من خارجِ الحدودِ هو الأفضل؟ كولونياليَّة التلقي تستعمرُ الممثل والمتلقي في نفسِ الوقتِ. فكيف لنا أن نبني وعيًا ثقافيَّا يُغير الذوق ليكون مُنصفًا؟ وكيف لنا صناعة برمجةِ الانفعالِ للمُتلقي، ماذا يُحبُ؟ وماذا يكرهُ؟

رابعًا – الكولونياليَّة الداخليَّة: هي السيطرةُ على الممثلِ العراقيَّ في العراقِ، مثلًا إذا حضر مُمثل من إحدى المُحافظاتِ، يشترطُ عليه أن يلتزم بلُغةِ وحركةِ بغداد، وهي سيطرةُ المركزِ وتسيدهِ دائمًا، على اعتبارِ أن البقيَّة هواةٌ. وهذا جزءٌ من الاستعمارِ الثقافيَّ، والمطلوبُ من المُمثل القادمِ من المُحافظاتِ أن يُقلدَ بغدادَ، وبغدادُ تُقلدُ أورُوبّا! وجُزءٌ منها الأكاديمياتُ ومعاهدُ الفُنون، فهناكَ تعالٍ وفرضيَّاتٌ افتراضيَّةٌ للهيمنةِ على الفنانِ المسرحيَّ الحقيقيَّ. وعلى ضوءِ ذلكَ، هل يُعاني المسرحُ في العراقِ من عُقدةِ نقصٍ مُزدوجةٍ.

خامسًا – كولونياليَّة الأرشيف في المسرحِ: تاريخُ المسرحِ العراقيَّ متداخلٌ بمفاهيم ومُصطلحاتٍ معرفيَّةٍ قد تكونُ افتراضيَّةً، واغلبُ ما يُنشرُ ويُنقلُ هُو وثائقُ كولونياليَّة تُدين نفسها. لذلك يجبُ أن يُعاد النظر في أغلبِ الاشتغالاتِ المسرحيَّةِ من قبلِ المؤسساتِ المُتخصصةِ، ورسمُ استراتيجيَّةٍ لإعادةِ الثقةِ بالحكايةِ المحليَّةِ، وجعلِ المأساةِ حاضرةً بقوةٍ لدى الشخصيَّاتِ العراقيَّةِ، بنحوٍ أهم من مأساةِ هاملت.

إذا أردنا جُمهورًا حقيقيًا، علينا أن نُفكك كولونياليَّة التلقي عبر ترك الجُمهور أن يصرخ ويُصفق ويبكي ويضحك، حتى يعود إلى أصلِ التلقّي، ومن ثُم العودةِ الحقيقيَّة للمسرحِ الذي هو بالأساسِ ضد الكولونياليَّة، لأنهُ يُمثلُ فضاءً نقديًا وفكريًا يعكسُ آلياتِ الهيمنةِ الاستعماريَّة الغربية ويُفككُها عبر النصوصِ والعروضِ المحليَّةِ.

إن المسرح العراقيَّ لن يتحرر عبر التخليَّ عن الأعمالِ العالميةِ، وليس المطلوبُ أن نلحق بهذه الاعمال، بل علينا أن نجعلَ مسارحَ العالمِ تُشيرُ إلى مسرحنا، وتتكلمُ لهجتنا، وتدرسُ عُروضنا المسرحية. ليستِ المُشكلة في النص الأورُبي بل في الجسدِ العراقيَّ، الذي ما زالَ يخجلُ من نفسهِ. وعندما يتصالحُ الجسدُ مع لهجتهِ ومع أرضهِ، حينها فقط ينتهي الاستعمارُ فوق الخشبةِ

عن الکاتب / الکاتبة

د. علاء کریم
د. علاء کریم
ناقد مسرحي / العراق

مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


كولونياليَّة الخشبة.. تفكيك الجسد واللغة والتلقي في المسرحِ العراقيَّ

بقلم: د. علاء کریم | التاريخ: 15 سبتمبر 2026

التصنيف: الثقافة والفنون

 

المسرح بطبيعتهِ فن كولونيالي: الخشبة الإيطاليًّة، النص الأوروبي، الإخراج المنهجيُّ، كلها جاءت مع الاستعمار، السؤال هنا ليس كيفيَّة توظيف الكولونياليَّة؟ بل كيف لنا أن نفككها فوق الخشبة؟ وعليه، لا يُمكن فهم المسرحِ اليوم إلا من خلالها.

لم تكن الكولونياليَّة اختراعًا غربيًا خالصًا، فالاحتلال والسيطرة على خيراتِ الشعوبِ مارسهُ الإغريق والرومان والعثمانيُّون قبل أوروبا بقرون، لكن ما منح الاستعمار الأوروبيَّ الحديث وجهه الخاص، هو تداخله مع التكنولوجيا، ونظمه الإدارية المنظمة، لم يعُد فعلًا جديدًا خاصًا، بل أصبح سكة حديد وتلغرافًا، ودفتر حساباتٍ. وهذا قد يرتبط فنيًا مع المسرحِ عبر الانفعال الذي يُعد من الاسلحةِ الخطيرةِ التي تعبرُ عن شكلِ الكولونياليَّة في زمننا المعاصر، مثلًا الانفعال خجلًا من اللهجةِ أو الملابسِ أو ضعفِ الشخصيةِ، هذا هو ضحك الممثل على نفسهِ ليرضي الجمهورَ. أو بوساطةِ صناعةِ الحنين الذي يجعلك تحن لاماكن لم تزرها أو توظيف موسيقى عالميةٍ وديكورٍ اوروبيًّ وربطها بفعلٍ راقٍ رغم بساطة الفكرة والمكان، هذا يُطلق عليهِ انفعالٌ مستعمرٌ ليصبحَ كلُّ فعلٍ محليًّ تقليديًّا. فضلًا عن احتكارِ التطهيرِ الذي قال عنهُ أرسطو أنهُ يُطهرنا بالخوفِ والشفقةِ، وعبر الكولونياليَّة يمكن أن نطرح مجموعة تساؤلاتٍ: من يستحق أن نخاف عليهِ ونُشفق عليه؟ عندما يبكي عطيل نبكي، لكن إذا بكى رجُل بسيط في عرضٍ مسرحيًّ محليًّ فلا نبكي، وذلك لأن انفعالنا تمّ تدريبهُ على أن البطل هو المركز فقط. هنا علينا أن نجعلهُ يكتشف أن تعاطفهُ مُستعمرٌ.

وعليه، فأن مفهوم الكولونياليَّة المسرحيَّة الغربيَّة ترسيخ تفوق الثقافة الغربية وإقصاء ثقافة “الآخر”، وتمثيل السلطة وعرض صراعات الهيمنة والسيادة الثقافيَّة كما في أغلبِ المسرحيَّات العالميَّة، ومنها مسرحيَّات شكسبير مثل “العاصفة”. وفي المُقابل يأتي مسرح ما بعد الكولونياليَّة كخطابٍ مُضاد لاستعادةِ الهويَّةِ واستخدام الرُّموزِ والتراثِ المحليَّ لمُقاومة التهميش الثقافيَّ، إضافة إلى تفكيكِ الخطابِ وكشفِ آليات السيطرة الفكرية والسياسيَّة التي خلفها الاستعمار. وهذه العمليَّة تحتاج إلى حفرياتٍ ومخرجاتٍ تساعدُ على توظيفِ الجسدِ المسرحيَّ واللُغة والذاكرة الشعبية للرد على الهيمنةِ.

إن تحديد خصوصيَّة فن المسرحِ العراقيَّ في فتراتٍ عديدةٍ, ومعرفة تأثير الأساليب الدخيلة عليه, قد تداخل مع ما سبقه, كحلقةٍ ضمن حلقاتِ التقاليدِ والأعرافِ العراقيةِ القديمةِ، كالتعزيةِ والحكواتيَّ والمُقلد. وقد يُساعدُنا ذلك في وضعِ مؤشراتٍ توضح ملامح المسرحِ العراقيَّ عبر فترةِ الحروبِ والمُشكلاتِ الداخلية, وتحديد خصُوصيَّة العملِ الفنيَّ, من خلالِ معرفةِ كيفيةِ انعكاسِ المُنتج الفنيَّ لتلك الفترةِ على المُنجزِ المسرحيَّ. وهل تتشكل الهويةُ الإنسانيَّةُ والمجتمعيَّةُ عبر ما يمتلكهُ هذا الفنُّ من عمقٍ تاريخيًّ؟ وهنا يُمكن إرساء أفعالٍ معرفيَّةٍ فنيَّةٍ بسماتها المُميَّزةِ وطابعها الفرديَّ, لترتفع بوساطتها الرُؤى الجماليَّة إلى مصافّ ما حدث من تطوّرٍ على امتدادِ التأريخِ، ومن ثُم الكشفُ عما أنجز من أعمالٍ مُغايرةٍ خلال التحولاتِ الحياتيَّةِ وما رافقها من احداثٍ في العراقِ, وتشخيص إنتاجِ هذا الفنّ ضمن المحيط الجُغرافيَّ العراقيَّ.

وقد يساعدُنا ذلك على فهمِ آلياتِ توظيفِ الكولونياليَّة في فنّ المسرحِ، والتي تتحققُ عبر:

اولًا – مسرح ما بعد الكولونياليَّة، وإعادة كتابةِ النصّ المُستعمِر: نأخذُ مثلًا نص “عطيل” لشكسبير أو “البرجوازيَّ النبيل” لموليير، ونكتبهُ من وجهةِ نظرِ المستعمرِ. وبالمقابلِ إذا حاولنا اعتماد الفكرةِ وبشُخوصٍ عراقيةٍ، هل سيكونُ النصُّ واحدًا، والفكرةُ نفسُها؟

ثانيًا – الكولونياليَّة في اللُغةِ والجسدِ: المتعارف عليهِ أن لُغة المسرحِ الجاد هي الفُصحى، واللهجةُ العاميَّةُ هي لغةُ الكوميديا، وذلك يُعد تفكيرًا كولونياليًّا. فإذا وظفنا اللهجة العراقيَّة في الجنوبِ والغربِ والشمالِ كلُغةٍ تراجيديةٍ، ووظفنا الجسد بالزيَّ المحليَّ الشعبيِّ، هل سنشعرُ باغترابِ الجسدِ عن المكانِ؟ أم أن الجسدَ سيُكذبُ اللهجة أو يختلف معها؟ وهل سيصدق الجمهور الشخصية وما تقدمهُ من أفعالٍ؟

ثالثًا – كولونياليَّة التلقي: لماذا جمهورُنا يصفقُ لمسرحيةٍ عالميَّةٍ غير مدبلجةٍ ولا يهتمُ بمسرحيَّةٍ عراقيَّةٍ عن نفسِ الموضوع؟ هل تم استعمارُ ذوق المتلقي، ليقتنع أن كُل ما يأتي من خارجِ الحدودِ هو الأفضل؟ كولونياليَّة التلقي تستعمرُ الممثل والمتلقي في نفسِ الوقتِ. فكيف لنا أن نبني وعيًا ثقافيَّا يُغير الذوق ليكون مُنصفًا؟ وكيف لنا صناعة برمجةِ الانفعالِ للمُتلقي، ماذا يُحبُ؟ وماذا يكرهُ؟

رابعًا – الكولونياليَّة الداخليَّة: هي السيطرةُ على الممثلِ العراقيَّ في العراقِ، مثلًا إذا حضر مُمثل من إحدى المُحافظاتِ، يشترطُ عليه أن يلتزم بلُغةِ وحركةِ بغداد، وهي سيطرةُ المركزِ وتسيدهِ دائمًا، على اعتبارِ أن البقيَّة هواةٌ. وهذا جزءٌ من الاستعمارِ الثقافيَّ، والمطلوبُ من المُمثل القادمِ من المُحافظاتِ أن يُقلدَ بغدادَ، وبغدادُ تُقلدُ أورُوبّا! وجُزءٌ منها الأكاديمياتُ ومعاهدُ الفُنون، فهناكَ تعالٍ وفرضيَّاتٌ افتراضيَّةٌ للهيمنةِ على الفنانِ المسرحيَّ الحقيقيَّ. وعلى ضوءِ ذلكَ، هل يُعاني المسرحُ في العراقِ من عُقدةِ نقصٍ مُزدوجةٍ.

خامسًا – كولونياليَّة الأرشيف في المسرحِ: تاريخُ المسرحِ العراقيَّ متداخلٌ بمفاهيم ومُصطلحاتٍ معرفيَّةٍ قد تكونُ افتراضيَّةً، واغلبُ ما يُنشرُ ويُنقلُ هُو وثائقُ كولونياليَّة تُدين نفسها. لذلك يجبُ أن يُعاد النظر في أغلبِ الاشتغالاتِ المسرحيَّةِ من قبلِ المؤسساتِ المُتخصصةِ، ورسمُ استراتيجيَّةٍ لإعادةِ الثقةِ بالحكايةِ المحليَّةِ، وجعلِ المأساةِ حاضرةً بقوةٍ لدى الشخصيَّاتِ العراقيَّةِ، بنحوٍ أهم من مأساةِ هاملت.

إذا أردنا جُمهورًا حقيقيًا، علينا أن نُفكك كولونياليَّة التلقي عبر ترك الجُمهور أن يصرخ ويُصفق ويبكي ويضحك، حتى يعود إلى أصلِ التلقّي، ومن ثُم العودةِ الحقيقيَّة للمسرحِ الذي هو بالأساسِ ضد الكولونياليَّة، لأنهُ يُمثلُ فضاءً نقديًا وفكريًا يعكسُ آلياتِ الهيمنةِ الاستعماريَّة الغربية ويُفككُها عبر النصوصِ والعروضِ المحليَّةِ.

إن المسرح العراقيَّ لن يتحرر عبر التخليَّ عن الأعمالِ العالميةِ، وليس المطلوبُ أن نلحق بهذه الاعمال، بل علينا أن نجعلَ مسارحَ العالمِ تُشيرُ إلى مسرحنا، وتتكلمُ لهجتنا، وتدرسُ عُروضنا المسرحية. ليستِ المُشكلة في النص الأورُبي بل في الجسدِ العراقيَّ، الذي ما زالَ يخجلُ من نفسهِ. وعندما يتصالحُ الجسدُ مع لهجتهِ ومع أرضهِ، حينها فقط ينتهي الاستعمارُ فوق الخشبةِ