القناع والورقة الأخيرة

صورة الكاتب
بقلم: أسیل عبدالامیر
التاريخ: 20 مارس 2026 عدد المشاهدات: 2634
القناع والورقة الأخيرة

 

*” القناع والورقة الأخيرة”*
عندما يتغلغل الشرّ في داخلنا، يترك أثرًا حتى بعد خروجه… لا يزول تمامًا.
عالمي قبل أن يتُشوَّه.
الشمس في عالمي مشرقة دائمًا. لا أعرف عن عالمكم شيئًا؛ هل تغيب شمسكم وتشرق؟ أم أنها، مثل شمس عالمي دائمة الإشراق؟
وجوه الناس في هذا العالم سوداء بالكامل، متشابهة بالنسبة لي. وكلّ واحد منهم يحمل في يده اليسرى كيسًا مملوءًا بالأقنعة المزيّفة، ومن لا يملك يدًا يحمل الكيس على ظهره. أراهم يستخدمونها باستمرار حين تحين مناسبة ما: الحزن، الفرح، فقدان أحدهم، وحتى عند الولادة تكون الأقنعة مختلطة لا أميّز بينها.
وعندما يكلّم أبي والدتي، يستخدم أحد الأقنعة التي أكرهها بشدّة… يستخدم أحدها!
وفي اليد الأخرى يحمل كل إنسان دفترًا كبيرًا، يكتب فيه أو يقرأ منه كل فعل يقوم به. دفتر ثقيل. أشعر بالأسف عليهم لأنهم يحملون هذه الأثقال منذ ولادتهم حتى مماتهم. ويُدفن كلّ واحد منهم بقناع من تلك الأقنعة.
رأيتُ ذلك حين دُفن جدّي، وأنا أحدّق من نافذة العجلة التي أخذتنا إلى المكان الذي يُدفن فيه الناس موتاهم بعد أن ينقطع النفس ويتوقّف القلب عن الخفقان. قال لي والدي يومها:
جدّك ليس نائم
لقد كان ميتًا. فهمت الأمر برمته ، لكن ما لم أفهمه هو كيف يعيشون بهذه الطريقة المتعبة.
في أحد الأيام، صحوت مفزوعًا على صوت والدي. وإذا بيدي دفتر… لكنه بحجم يناسب يدي الصغيرة. كان الأمر غريبًا، لكنه مفرح في الوقت نفسه. أخيرًا صرت أحمل ما يحمله الآخرون. لم أعد مختلفًا، صرت واحدًا منهم.
كان والدي جالسًا بقربي، ينظر إليّ بنظرة لم أرها من قبل. كان يحمل في إحدى يديه صفحة ممزّقة من دفتره الكبير، وفي الأخرى قناعًا ملطخًا. لم أستطع رؤية ملامحه جيدًا.
اقترب مني وطلب مساعدتي هذه المرّة فقط، لأنه لا يستطيع إنهاء الأمر بمفرده.
لم يكن وزني يتجاوز العشرين كيلوغرامًا، وأنا أحمل عشرة أضعافه. كانت تلك أول مرّة أحمل فيها أمي.
ما زال جسدي يرتعش منذ نصف ساعة. حين اقترب والدي، لمحت بطرف عيني دمعة أمي تسقط على الأرض. ثم أزاح جسده جانبًا، فاكتمل المشهد:
أمي كانت نائمة… مثل جدّي.
لكن بملامح لا أستطيع وصفها؛ أقرب إلى ملامح الأقنعة التي يرتدونها عند دفن أحدهم.
أطلق والدي الشرّ من داخله.
أفلت الوحش الذي كان يقبع فيه طوال هذه السنين.
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف النهار. تصبّبت عرقًا وأنا أحمل لحمًا كان يُدعى «أمي». الآن انتهى اللقب.
ارتدى والدي قناعًا يحمل ملامحي، لكنه كان مغمورًا بالدموع وهو يشاهد جسد أمي يُدفن.
كتبت أول صفحة في دفتري الصغير باللون الأحمر. لم أفهم لماذا كل صفحات الجميع حمراء. بقيت أيامًا أحدّق في تلك الصفحة، لا أفهم.
كل صباح كنت أستيقظ والدفتر في يدي، والأخرى فارغة. لم يأتِني كيس الأقنعة. كان الأمر يزعجني. لم أحبّ أن أكون هكذا.
حتى صحوت يومًا، وفي يدي قناع يحمل ملامح والدي. كان الشعور مرعبًا.
وفي اللحظة نفسها دخل والدي مرتديًا قناعًا يحمل ملامحي. كان ملطّخًا، لكنني رأيت وجهي بوضوح.
هذا أنا… وهذا هو الذي أحمله.
عندها فهمت كل شيء.
فهمت لماذا كان والدي يرتدي قناعًا يحمل ملامحي عندما يثور غضبًا على والدتي.
ومجدّدًا، حملت جسد شخص لا أعرف من هو.
وأضيفت إلى دفتري ورقة حمراء أخرى.
تلاشى عالمي المشرق شيئًا فشيئًا. بهت الضوء، حتى صار هناك نهار وليل. صرت أمشي مثقلاً بدفتر مملوء باللون الأحمر، وكيس أقنعة يحمل ملامح والدي.
شعور غريب يسري في جسدي. كنت أرتعش وأنا أمسك الهاتف هذه المرّة.
رنّ طويلًا…
رن، رن، رن…
جاءني صوت مميّز عالق في الأذهان:
«هنا الطوارئ، كيف يمكننا مساعدتك؟»
– مرحبًا… أنا أنجل.
– هنا الشرطة، كيف أساعدك؟
قلت:
عاد عالمي مشرقًا مجددًا. الشمس عادت تشرق. اختفى دفتري الأحمر، واختفى قناع أبي أيضًا».
تنهد الشرطي وقال:
«لا أفهم شيئًا من عالمك. هل والدك بجانبك؟ دعني أتحدث إليه».
ابتسمت، وأدرت وجهي إلى اليسار: نعم… ولا
– ماذا؟ كيف نعم ولا في آن واحد؟ هل هذا اتصال لإزعاج السلطات؟
قلت بهدوء:
«لم أكذب. نعم هو بجانبي، لكنه لا يستطيع التحدث إليك. لقد نام… مثل جدّي وأمي. حاولت إيقاظه كثيرًا، لكنه لا يستجيب. هو نائم، لكن قلبه متوقف. والدي شرح لي من قبل:
كل من ينام بلا نبض… هو ميت
………..
توضيح وجه القصة
هذه القصة تُروى من داخل وعي طفل يعاني من متلازمة داون، أي أن إدراكه للعالم لا يقوم على المنطق الواقعي بل على الرمز والخيال والانفعال.
الدفاتر، والأقنعة، واللون الأحمر، ليست أشياء حقيقية، بل تمثيلات ذهنية صنعها عقله ليفهم ما لا يستطيع تحمّله.
الحدث الواقعي الوحيد هو:
الأب قتل الأم.
أما فكرة أن الأب قتل أشخاصًا كُثُر، وأن الطفل شاركه في حمل الجثث، فليست حقيقة، بل إسقاط صدمة نفسية ناتج عن:
الخوف
فقدان الأم
وعدم قدرة الطفل على تفسير ما حدث بالعالم الحقيقي وهو لا يرى الامور كما نراها نحن
لذلك خلق عقله عالمًا كاملًا من الأقنعة والدفاتر ليُبرّر الكارثة ويحتويها.
هذه القصة لا تتحدث عن جريمة،
بل عن كيف يرى طفلٌ مصاب ب متلازمة داون ومكسور العالم بعد أن يُسلب منه الأمان.

عن الکاتب / الکاتبة

أسیل عبدالامیر
أسیل عبدالامیر
باحثة وکاتبة / العراق

مقالات أخرى للكاتب

انتعاش الدراما العراقية

انتعاش الدراما العراقية

انتعاش الدراما العراقية بعد سنين عجاف وأنقطاع وتهجير الدراما وانتاجها من خارج العراق بسبب الحروب…

صورة الكاتب أسیل عبدالامیر
15 مارس 2026
اقرأ المزيد
أزمة وعي في عصر المنصات حين يتحول الدين إلى أداة تجهيل

أزمة وعي في عصر المنصات حين يتحول الدين إلى أداة تجهيل

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتفاعل وتبادل الآراء، بل تحولت إلى ساحات مؤثرة…

صورة الكاتب أسیل عبدالامیر
18 فبراير 2026
اقرأ المزيد
بين مطرقة استنساخ الأجيال والتطور

بين مطرقة استنساخ الأجيال والتطور

بين مطرقة استنساخ الأجيال والتطور في المجتمعات العربية، وبالأخص في مجتمعي العراقي، تتناوب العوائل منذ…

صورة الكاتب أسیل عبدالامیر
11 فبراير 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


القناع والورقة الأخيرة

بقلم: أسیل عبدالامیر | التاريخ: 20 مارس 2026

التصنيف: قصة قصيرة

 

*” القناع والورقة الأخيرة”*
عندما يتغلغل الشرّ في داخلنا، يترك أثرًا حتى بعد خروجه… لا يزول تمامًا.
عالمي قبل أن يتُشوَّه.
الشمس في عالمي مشرقة دائمًا. لا أعرف عن عالمكم شيئًا؛ هل تغيب شمسكم وتشرق؟ أم أنها، مثل شمس عالمي دائمة الإشراق؟
وجوه الناس في هذا العالم سوداء بالكامل، متشابهة بالنسبة لي. وكلّ واحد منهم يحمل في يده اليسرى كيسًا مملوءًا بالأقنعة المزيّفة، ومن لا يملك يدًا يحمل الكيس على ظهره. أراهم يستخدمونها باستمرار حين تحين مناسبة ما: الحزن، الفرح، فقدان أحدهم، وحتى عند الولادة تكون الأقنعة مختلطة لا أميّز بينها.
وعندما يكلّم أبي والدتي، يستخدم أحد الأقنعة التي أكرهها بشدّة… يستخدم أحدها!
وفي اليد الأخرى يحمل كل إنسان دفترًا كبيرًا، يكتب فيه أو يقرأ منه كل فعل يقوم به. دفتر ثقيل. أشعر بالأسف عليهم لأنهم يحملون هذه الأثقال منذ ولادتهم حتى مماتهم. ويُدفن كلّ واحد منهم بقناع من تلك الأقنعة.
رأيتُ ذلك حين دُفن جدّي، وأنا أحدّق من نافذة العجلة التي أخذتنا إلى المكان الذي يُدفن فيه الناس موتاهم بعد أن ينقطع النفس ويتوقّف القلب عن الخفقان. قال لي والدي يومها:
جدّك ليس نائم
لقد كان ميتًا. فهمت الأمر برمته ، لكن ما لم أفهمه هو كيف يعيشون بهذه الطريقة المتعبة.
في أحد الأيام، صحوت مفزوعًا على صوت والدي. وإذا بيدي دفتر… لكنه بحجم يناسب يدي الصغيرة. كان الأمر غريبًا، لكنه مفرح في الوقت نفسه. أخيرًا صرت أحمل ما يحمله الآخرون. لم أعد مختلفًا، صرت واحدًا منهم.
كان والدي جالسًا بقربي، ينظر إليّ بنظرة لم أرها من قبل. كان يحمل في إحدى يديه صفحة ممزّقة من دفتره الكبير، وفي الأخرى قناعًا ملطخًا. لم أستطع رؤية ملامحه جيدًا.
اقترب مني وطلب مساعدتي هذه المرّة فقط، لأنه لا يستطيع إنهاء الأمر بمفرده.
لم يكن وزني يتجاوز العشرين كيلوغرامًا، وأنا أحمل عشرة أضعافه. كانت تلك أول مرّة أحمل فيها أمي.
ما زال جسدي يرتعش منذ نصف ساعة. حين اقترب والدي، لمحت بطرف عيني دمعة أمي تسقط على الأرض. ثم أزاح جسده جانبًا، فاكتمل المشهد:
أمي كانت نائمة… مثل جدّي.
لكن بملامح لا أستطيع وصفها؛ أقرب إلى ملامح الأقنعة التي يرتدونها عند دفن أحدهم.
أطلق والدي الشرّ من داخله.
أفلت الوحش الذي كان يقبع فيه طوال هذه السنين.
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف النهار. تصبّبت عرقًا وأنا أحمل لحمًا كان يُدعى «أمي». الآن انتهى اللقب.
ارتدى والدي قناعًا يحمل ملامحي، لكنه كان مغمورًا بالدموع وهو يشاهد جسد أمي يُدفن.
كتبت أول صفحة في دفتري الصغير باللون الأحمر. لم أفهم لماذا كل صفحات الجميع حمراء. بقيت أيامًا أحدّق في تلك الصفحة، لا أفهم.
كل صباح كنت أستيقظ والدفتر في يدي، والأخرى فارغة. لم يأتِني كيس الأقنعة. كان الأمر يزعجني. لم أحبّ أن أكون هكذا.
حتى صحوت يومًا، وفي يدي قناع يحمل ملامح والدي. كان الشعور مرعبًا.
وفي اللحظة نفسها دخل والدي مرتديًا قناعًا يحمل ملامحي. كان ملطّخًا، لكنني رأيت وجهي بوضوح.
هذا أنا… وهذا هو الذي أحمله.
عندها فهمت كل شيء.
فهمت لماذا كان والدي يرتدي قناعًا يحمل ملامحي عندما يثور غضبًا على والدتي.
ومجدّدًا، حملت جسد شخص لا أعرف من هو.
وأضيفت إلى دفتري ورقة حمراء أخرى.
تلاشى عالمي المشرق شيئًا فشيئًا. بهت الضوء، حتى صار هناك نهار وليل. صرت أمشي مثقلاً بدفتر مملوء باللون الأحمر، وكيس أقنعة يحمل ملامح والدي.
شعور غريب يسري في جسدي. كنت أرتعش وأنا أمسك الهاتف هذه المرّة.
رنّ طويلًا…
رن، رن، رن…
جاءني صوت مميّز عالق في الأذهان:
«هنا الطوارئ، كيف يمكننا مساعدتك؟»
– مرحبًا… أنا أنجل.
– هنا الشرطة، كيف أساعدك؟
قلت:
عاد عالمي مشرقًا مجددًا. الشمس عادت تشرق. اختفى دفتري الأحمر، واختفى قناع أبي أيضًا».
تنهد الشرطي وقال:
«لا أفهم شيئًا من عالمك. هل والدك بجانبك؟ دعني أتحدث إليه».
ابتسمت، وأدرت وجهي إلى اليسار: نعم… ولا
– ماذا؟ كيف نعم ولا في آن واحد؟ هل هذا اتصال لإزعاج السلطات؟
قلت بهدوء:
«لم أكذب. نعم هو بجانبي، لكنه لا يستطيع التحدث إليك. لقد نام… مثل جدّي وأمي. حاولت إيقاظه كثيرًا، لكنه لا يستجيب. هو نائم، لكن قلبه متوقف. والدي شرح لي من قبل:
كل من ينام بلا نبض… هو ميت
………..
توضيح وجه القصة
هذه القصة تُروى من داخل وعي طفل يعاني من متلازمة داون، أي أن إدراكه للعالم لا يقوم على المنطق الواقعي بل على الرمز والخيال والانفعال.
الدفاتر، والأقنعة، واللون الأحمر، ليست أشياء حقيقية، بل تمثيلات ذهنية صنعها عقله ليفهم ما لا يستطيع تحمّله.
الحدث الواقعي الوحيد هو:
الأب قتل الأم.
أما فكرة أن الأب قتل أشخاصًا كُثُر، وأن الطفل شاركه في حمل الجثث، فليست حقيقة، بل إسقاط صدمة نفسية ناتج عن:
الخوف
فقدان الأم
وعدم قدرة الطفل على تفسير ما حدث بالعالم الحقيقي وهو لا يرى الامور كما نراها نحن
لذلك خلق عقله عالمًا كاملًا من الأقنعة والدفاتر ليُبرّر الكارثة ويحتويها.
هذه القصة لا تتحدث عن جريمة،
بل عن كيف يرى طفلٌ مصاب ب متلازمة داون ومكسور العالم بعد أن يُسلب منه الأمان.