“امراة من تأريخ البحر”

صورة الكاتب
بقلم: فاضل عباس
التاريخ: 2 يوليو 2026 عدد المشاهدات: 2483
“امراة من تأريخ البحر”

امراة من تأريخ البحر

جلستْ كأنها الناجيةُ الأخيرةُ من قلبِ الغيم،
بشرتها السمراء
لم تكن لوناً
بل تاريخاً من الشموسِ التي مرّتْ على روحها
ولم تجدْ ظلاً يكفي.
كانتْ تُحدّق في البحر
كما لو أنّها تبحثُ عن وجهٍ قديم
أضاعتهُ الحروبُ داخلَ الموج،
وعيناها الثملتان بجرحٍ دفين
كانتا تشبهان نافذتين
ينامُ خلفهما ليلٌ لا يعترفُ بالفجر.
حين اقتربَ المدُّ
لم يقتربْ كماء،
بل ككائنٍ عجوز
يحملُ ذاكرةَ الغرقى
وأسماءَ الذين أحبّوا أكثرَ مما ينبغي.
قال لها:
“يا امرأة،
أنتِ على اليابسة
وأنا في الأعماق،
وحده العطش يجمعنا.”
فابتسمتْ
كمن تذكّر فجأةً
أنّ القلبَ أيضاً بحر،
وأنّ بعضَ الناس
يغرقون وهم واقفون.
ثم همستْ له:
“لا تخدعْكَ المسافاتُ أيها المد،
فأنا منذ أعوام
أعيشُ غريقةً على اليابسة،
أجرُّ خلفي أمواجاً لا يراها أحد،
وأرتدي وجهي
كما ترتدي المدنُ المنهكةُ ضوءَ المساءِ
كي لا يفضحها الخراب.”
سكتَ البحرُ قليلاً…
وفي البعيد
كانتْ النوارسُ تدورُ فوقهما
كأنها أفكارُ الله
حين يحزنُ على العاشقين

عن الکاتب / الکاتبة

فاضل عباس
فاضل عباس
شاعر / العراق

مقالات أخرى للكاتب

“هكذا”

“هكذا”

هكذا اليوم ستنتهي الحرب، ويعود الحديد إلى برودته كجبهة عاملٍ غسلها المساء من عرق المصانع.…

صورة الكاتب فاضل عباس
20 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


“امراة من تأريخ البحر”

بقلم: فاضل عباس | التاريخ: 2 يوليو 2026

التصنيف: الشعر والنصوص الادبیة

امراة من تأريخ البحر

جلستْ كأنها الناجيةُ الأخيرةُ من قلبِ الغيم،
بشرتها السمراء
لم تكن لوناً
بل تاريخاً من الشموسِ التي مرّتْ على روحها
ولم تجدْ ظلاً يكفي.
كانتْ تُحدّق في البحر
كما لو أنّها تبحثُ عن وجهٍ قديم
أضاعتهُ الحروبُ داخلَ الموج،
وعيناها الثملتان بجرحٍ دفين
كانتا تشبهان نافذتين
ينامُ خلفهما ليلٌ لا يعترفُ بالفجر.
حين اقتربَ المدُّ
لم يقتربْ كماء،
بل ككائنٍ عجوز
يحملُ ذاكرةَ الغرقى
وأسماءَ الذين أحبّوا أكثرَ مما ينبغي.
قال لها:
“يا امرأة،
أنتِ على اليابسة
وأنا في الأعماق،
وحده العطش يجمعنا.”
فابتسمتْ
كمن تذكّر فجأةً
أنّ القلبَ أيضاً بحر،
وأنّ بعضَ الناس
يغرقون وهم واقفون.
ثم همستْ له:
“لا تخدعْكَ المسافاتُ أيها المد،
فأنا منذ أعوام
أعيشُ غريقةً على اليابسة،
أجرُّ خلفي أمواجاً لا يراها أحد،
وأرتدي وجهي
كما ترتدي المدنُ المنهكةُ ضوءَ المساءِ
كي لا يفضحها الخراب.”
سكتَ البحرُ قليلاً…
وفي البعيد
كانتْ النوارسُ تدورُ فوقهما
كأنها أفكارُ الله
حين يحزنُ على العاشقين