يعد تيار الوعي أهم التقنيات السردية في الرواية المعاصرة بوصفه يمثل نزعات حداثوية في السرد وبفعل التداخل الكبير الحاصل وفقاً لنظريات الحداثة فان التبادل والتداخل الجمالي ما بين الفنون والآداب أفضى لحضور هذه التقنية في احد اشكال المسرح الحديث الا وهو (المونودراما) ونظراً لأهمية الكشف عن هذه التمظهرات السردية وبخاصة ضمن اطار تقنيات تيار الوعي في المونودراما ، وبيان اشكالها ومهيمناتها على المونودراما، اذ أهتم الادب المسرحي منذ بداياته بإدخال صيغ تعبير مجاورة تسعى لتحوله الى رسائل لعامة الجمهور وبشكل ملحوظ ، ومع تقدم الحياة والتغيرات الحاصلة ونظراً لظهور العديد من المفاهيم الأدبية والفنية وكذلك المغايرة والاختلاف في تطبيقات نظرية الادب وفقا لرؤى الحداثة اصبح المسرح يوظف العديد من الفنون والآداب؛ بعضها لإضفاء جماليات من نوع خاص تتناغم مع لغة وزمان الخطاب المسرحي ، وبخاصة مع مديات التقارب بين الآداب والفنون المجاورة ، والتي تتغذى على تقنيات من اجناس وأنواع أدبية أخرى ، ولعل واحدة من اهم التقنيات المعاصرة في السرد هي (تيار الوعي) والتي تعد طريقة فنية لتصوير الأفكار والمشاعر المتدفقة التي تمر في العقل عن طريق مفاهيم عدة تتعلق بسرد الاحداث بتوظيفات الخيال والاستدعاء والاسترجاع ،التداعي، الحلم، المناجاة، الاعترافات، المونولوج، وغيرها. ويشكل هذا التيار سمة تتقارب كثيراً مع احد الاشكال المسرحية ذي الطابع التجريبي وبخاصة فن (المونودراما) والذي اتسعت رقعته خلال القرن العشرين بالتحديد، وسنتناول بمقالنا هذا احدى اهم المونودرامات العراقية من الناحية (النصية) الا وهو نص مسرحية ( بقعة زيت) تأليف : محمود أبو العباس المؤلفة عام 2001. ان مسرحية (بقعة زيت) نص مونودرامي ينطوي على العديد من التقنيات والملامح الموظفة في سرديات تيار الوعي ، ذلك انه نص يعتمد على شخصية مركزية واحدة تعيش العزلة والحيرة والقلق إزاء الآخر ( العالم) بتمظهراته كافة ، هي شخصية منكفئة على ذاتها تعيش اختلاجات واستذكارات سالفة في حياتها الشخصية التي القت بظلالها على هذه العزلة وعدم التواصل مع العالم ، شخصية تعيش عالمها السيكولوجي بتوجس وحذر وحيطة كبيرة ، مما استدعى العديد من التنقلات الحدثية لهذه الشخصية داخل فضاء النص المونودرامي ، ويمكن تأشير أبرز تلك التقنيات وتمظهراتها بهذا النص الموسوم (بقعة زيت).
المعلومات المستفيضة :
من تكنيكات تيار الوعي الوصف عن طريق المعلومات المستفيضة وهو الذي يقدمه المؤلف الواسع المعرفة والوصف عن طريق المعلومات المستفيضة حسب همفري هو التكنيك الذي يستخدم لتقديم المحتوى الذهني والعمليات الذهنية للشخصية عن طريق وصف المؤلف الواسع المعرفة وبالتالي يقدم رؤية سيكولوجية عن الموصوف تتسق مع التطلعات الذاتية للواصف او نزعاته اتجاه موضوع ما يستدعي للجوء الى هكذا وصف خارجي للأشياء، لأنه يحاكي دواخله ومشاعره المتصلة بالموصوف:
((مساء يكسو المكان بلون ازرق وممر يمتد متعرجا مسافة مترين يتكسر عند حدود الخشبة قرب الجمهور …الممر الملتوي هو مساحة الحركة او الحدث …نسمع أصوات تلاطم الأمواج القوية التي تثير غضب الطبيعة فتصدر قرقعة سحب …الريح القوية تدوي فيومض البرق لونا حاداً…من فتحة صغيرة كأنها شباك متأكل ..يطل وجه رجل ملتح متسخ الثياب ..يرتدي شالا كأنه كفن …حفاؤه العتيق يسمر قدميه بحركة بطيئة))()
مناجاة النفس:
ان مناجاة النفس المنضوية على الحذف ، والأساليب البلاغية التي تتسم بزيادة في الاحاسيس والمشاعر الإنسانية ومنها التكرار والرمزية فضلا عن حالة العزلة للشخصية والهلوسات والجنون والاضطراب فالشخصية المونودرامية تلتجأ لمناجاة النفس بعد ان تعلن هزيمتها النفسية من قوى أخرى سواء غيبية او مفترضة او مناوئة انهت الموقف لصالحها على حساب هذه الشخصية المونودرامية ، أي انها تظهر بلحظات مهمة من لحظات تحول الحدث المسرحي ، وتمظهرت في هذا النص من خلال الحوار الآتي :
((ليس لي سوى هذه اللعبة …ملايين السنين تعشعش في راسي …لا شيء سوى الهوس والجنون والاضطراب….والارتفاع بقامتي الى علو لا يخلو من المخاطر…والهروب من الأنظمة..هو…البحر…البحر…البحر…هذا المكان المترامي …حيث ابعد مئات السنين عن البشر
ولم التق احداً منذ كانت الأرض ماء….هنا في هذا الفنار ينحصر وهمي…وهمي…وهمي))
ـ المونولوج الداخلي والتعاقب الزمني: ان التعاقب الزمني استخدام أفعال تدل على صيغ الماضي والافعال التي تدل على الحضور والديمومة نجد الإشارة الى فعل ماض ثم حاضر مستمر متواصل في الوقت نفسه وهذا الامر يحقق وظائف تشير الى الحاضر في الماضي أي تزامنيا وليس استرجاعيا وهما يقدمان صورة للوعي تجمع الماضي مع اللحظة الحالية ، اما المونولوج الداخلي فهو يعبر عن أسلوب ومشاعر الشخصية وتاملأتها بلا واسطة وبطريقة مباشرة لكي يقدم المحتوى النفسي للشخصية والعمليات النفسية لديها ، ففي المونولوج الداخلي المباشر ان الشخصية البطلة تتحدث مع نفسها لتسال نفسها أسئلة كثيرة حائرة ولا تنتظر إجابة من احد لان هذه الأسئلة الحائرة لا يسمعها احد غيره .والمونولوج الداخلي المباشرة يبعث إحساسات ذهنية ترصد القلق والخوف لدى هذه الشخصية جراء ما يعتريها من أفكار:
((أعوام حالت بيننا …لا مناجي ولا مجيب ولا حبيب…لا اعرف من نحن…وكيف كنا؟
من هم ؟..وكيف كانوا…..كنت اسال نفسي..هل كانوا مقرنين بالحزن …وحسبوه لذة وسعادة
هل أرادوا منا ان لا نفارق الحزن الا بالموت…كل انتهى لنفسه ويبحث عن طريقة لموت الاخر
لقد محو من ذاكرتهم محبة للحياة..وانا هنا انتظر هنا…وحدي…كقطرة المطر))
وكذلك المونولوج الداخلي يتمثل في الحوار الاتي من هذا النص المسرحي المونودرامي :
((لا تطيرين باجنحة …؟ لا تطيرين باجنحة ..؟انما روحي روحي التي تدفعك للتحليق
تعالي…يا اخر الأغنيات المنسبة الكلمات ويالحنا مزقته سيوف الموج العاتي…يالساني …لساني (يتذكر شيئا)…وشيئا مما تبقى من اسناني..ويا ذراعي التي امتدت اقصر من طولها …وياقلبي المجزأ))
كما ان المونولوج المباشر بوصفه نمطاً داخلياً يمثله تقديم الوعي بصورة مباشرة بحيث يجيء المونولوج مرويا بضمير المتكلم تمظهر في هذا النص ايضاً ملتصقاً بصفات الهلوسة والجنون والقلق الذي يسيطر على الشخصية الرئيسة في هذا النص المونودرامي:
((كل هذه المهزلة من هوسي وجنوني…لا تفتح حلقة واحدة من الرعب الذي اعيشه يوميا
فانا احس بعمري مثل ساعة الرمل…فقد تسرب الرمل بحباته الى اسفل
ولم يعلق غير نفسي في هذه اللحظة …ثم اني قضيت عمري …اموت كل يوم …كل يوم…
لذا عندما سياتي الموت الي…فانه لا يجد الا نفسه…سيحس بغربته في ويلملم نفسه ويرحل))
الاسترجاع: وكذلك تمظهر ملمح مهم من ملامح تيار الوعي يتمثل في استخدام الاسترجاع عن طريق تذكر الشخصية لماضيها السابق وربط هذا بنفسية الشخصية ووجهة نظرها وتلوين كل ذلك بملامح وصيغ عاطفية ذاتية ، وكذلك التداعي الحر للأفكار بحيث تكون الشخصية غير قادرة على التركيز على موضوع واحد او فكرة واحدة لفترة طويلة فتنتفل من انتباه لاخر وعبر مثيرات الذاكرة والخيال محاولة لاستدعاء الماضي المخزون في ذاكرة الشخصية:
((وجوه …وقامات ..مزقتها وأصبحت مثل ثابي ….ثيابي..خرقة تصلح لمسح الأحذية…ها تذكر ..تذكرت…الأر…ض (بحركة عسكرية)…الأرض …امتداد يقاس بالاقدام …الارض امتداد يقاس بالاقدام؟
اقدام..اقدام…اقدام..؟….لو انهم احبوها لقاسوها بالعقول وليس بالاقدام(يضحك)
تعالي يانورستي…نجلس نتسامر …(يهمس) خير لك ولي ان ننعزل بعيدا عن اليابسة)).
هذا المقطع بالتحديد فيه اكثر من مظهر من ملامح وتمظهرات تيار الوعي ، يتعلق بالاسترجاع والتداعي وكذلك اعلاء الذات الفردية التي تتمركز حول الشخصية ضمن بنى تيار الوعي، فضلاً عن المونتاج الذي ينتقل بالأحداث الزمنية في محاولة كسر نمطية الزمن الكرونولوجي والتحليق بزمن نفسي افتراضي عبر الاستدعاء والتنقلات في هذا المشهد بالذات.
تعدد الأصوات (البوليفانية): ان تعدد الأصوات خاصية سردية تضم تعددية وجهات النظر والأصوات المتزامنة، لتكسر بذلك نمطية الصوت او الرؤية الفردية التي تعاب على المونودراما غالباً، لتقدم تعددية في الوعي لا في الصوت وحسب ، اذ اشتمل نص (بقعة زيت) على وجود تعدد الأصوات (البوليفانية) بوصفه حاضراً وملمحاً مهماً في هذا النص المسرحي والتي ترسم طبيعة العلاقة بين الشخصية الرئيسة وبقية الأصوات التي تستدعيها هذه الشخصية للضرورة الدرامية ، ولكسر نمطية رؤية الوعي الأحادي لهذه الشخصية الواحدة ، وكما في الحوار الاتي :
((الرجل (ينتبه الرجل وبشخصية أخرى)..من قال اجرب…سمعتها..كلمة تدعو للقلق..
قائلها لابد انه رعديد جبان…متحذلق …يخاف من ظله…..هو يرددها مع نفسه في كل مرة
لكنها في المرة الأخيرة انزلقت الى العلن….اطلب المعذرة (كأنه يحدث نفسه)
اعذرني ..اعرف لا ان لا فائدة من الاعتذار…انا ياسيدي اهلوس..(يستدرك وبصوت الرجل)..
جميلة كلمة اهلوس))
كذلك ضم المشهد الهلوسة ، التي تفضي الى مسالك من الانفلات والتهرب والانشطار احياناً من زمكانية الحدث، ليغدوا الانقطاع والعزلة هما المهيمنات ، وهو ماكان يسيطر على (الرجل) في هذا النص المونودرامي، فتقنيات تيار الوعي تبحث عن تصوير الحياة النفسية الخاصة بما فيها من اجواء القلق والهلوسة والجنون أحيانا ، والتمسك بالحياة الداخلية بما فيها من تمظهرات تنحى بجوانب الهلوسة وغيرها والتي تقدم تبصرا حيا وواضحا للقارئ عن أعماق الشخصية الإنسانية وردود افعالها إزاء مجريات الخارج وتصوير احاسيس مضطرمة باللوعة والخسارات.
وتستمر تقنية تعدد الأصوات حاضرة في هذا النص عبر هذا المشهد:
((طبعا الذي يفهمها يعرف انها تعني ادانة للنفس…اخرس لماذا ؟
انا …كلب؟(كأنه يضرب نفسه)..لا ما قلت له شيء …لم تكمم فمي؟ تقيد يدي الى الخلف؟
اضرب….اضربني…فما عادت عصاه الغليظة تطبع…على جلدي المتهرئ الا خارطة ضعفك
لا تشتم امي أيها الـ…….(الرجل يسقط ارضا وكأنه يركل)…اخ تدوس راسي بقدمك العفنة))
أحلام اليقظة: في تيار الوعي تتمظهر تقنية أحلام اليقظة وهو عملية انفصال عن المهام الخارجية وانجراف باتجاه الداخل وما هو شخصي، وهو دفق من الوعي والذي يتمفصل أحيانا بالخيال والشرود الذهني والأفكار العفوية المستفيضة :
((طيف فتاة يمر امام عينه وهو يدور)..من انت ؟ من انت ؟ ها
ولم تتفرسي في هكذا…تنفضين بعينيك على ما تبقى من وهني…من اغراك …ان تدعي بانك اختي…(يصرخ بها مكلوماً)…لا تفقين هكذا وتزفرين احقاء النساء يلهب انفاسك مدعية
الاضطراب والخوف…(يضحك ساخرا)…اختي شعرها اسود ومنسدل …كليل ضاع فيه القمر…وانت مبعثرة هكذا…ما هذا الشعر الاشعث…ما هذه البراعة في صنع الكدمات في الوجه؟…(الرجل يلتفت يمنا وشمالا وهو متردد)…ها …؟ها..؟ ماذا(يصرخ بها) …لا تهمسي فصوتك ليس صوتها….)) فضلاً عن الاستفزازات التي كان يعيشها الرجل جراء التخيلات التي ترد له والعدو المفترض الذي يتخيله يهاجمه او يترصده فيعد العدة لمصارعته ومنازلته من اجل ان لا يكسر وحدته وعزلته ويضيف الماً اخر لالامه.
التداعي الحر: وكذلك وظف الكاتب في هذا النص المونودرامي استخدام الوعي بوساطة المجاز عبر التداعي الحر، وذلك عبر الصور المجازية والتوصيل الانطباعي الحسي والانطباعات التي لا يستطيع سوى الذهن التعبير عنها :
((ها انا اشهق لعلي الثم بعضا من انفاسك..لكني احس ان عيني انطفأتا من انتظار رؤية وجهك
ابحث عنك…يمه …يمه …يمه يمه يمه…لم تجيبي عن اسئلتي
لم يشرق في وجهك النقي الا دمعة انحسرت في الجفنين …اتكون روحك قد طلعت ولكن دمعة
أي بؤس ودعت ؟ وكم من اياد ستغسل دمعتك؟…اياد ملوثة بانفسنا المتعبة ….يمه يمه ))
وذلك يأتي بهدف الكشف عن الحالة النفسية التي تعيشها الشخصية ، إزاء الموقف الذي تتداعى من اجله الأفكار ، وأيضا ثمة أسلوب اخر تمظهر في هذا النص المونودرامي هو التداعي عبر مثير (الخيال) كما في الحوار الاتي: ((يا بحر..انحني لك ..ان تراف بمن أحببت …عندما ستختزن في احشائك كل الحب
تعال انظر معي يا بحر…ها هم يقصون علينا حكايات ….ما عدنا نطيقها يا بحر))
المونتاج السينمائي: وأيضا ثمة تمظهر اخر من تمظهرات تقنيات تيار الوعي في هذا النص المسرحي ، فالمونتاج السينمائي وسيلة مهمة من تقنيات تيار الوعي وهي استخدامات لتوضيح تداخل الأفكار او حتى تداعيها ، وقد يكون زمانيا او مكانيا ، ففي المونتاج الزماني يمزج ما بين الماضي والحاضر والمتخيل ، وقدم هذا النص المونودرامي مونتاجاً زمانياً ،والذي من خلاله تبقى الشخصية ثابتة في المكان في حين يتحرك وعيها في الأزمنة ، وبهذا يتحرك كل ما هو ساكن ليتم الممازجة بين الحياة الداخلية والخارجية وفقا لهذه التقنية اذ تقوم الشخصية بعملية مونتاج من خلال انتخاب بعض الصور العالقة في الذهن من الماضي تكون فاعلية ذهنية في نفسية الشخصية ومؤثرة على اللحظة التي تكشف خلالها الشخصية عن نوازعها او احتياجاتها او حتى رؤيتها إزاء ما يحصل: ((يسمونه عصارة الحلم ها..جيفارا انت مجنون…
تقاطعني…هجرت اناملك نبض الناس …واستبدلته ببندقية …لا تقاطعني
همت على وجهك وسط الادغال…تترك سريرا ابيض حريرياً….وتاتي محمولا على سرير من اغصان الشجر…لا تقاطعني…اية بلاهة هذه…طبيب انت …طبيب…انت …ما شانك وتحرير العالم…
ماذا جنيت من موتك المجاني…ها…لم تحصل الا على ذكرى..فها هم يطبعون صورتك على …فانيلاتهم..
تدري انك محكوم بالموت…تموت…لان الحلم لم يستوعب هذا الجسد النحيل ..
فتحولت الى مجداف …كسروك…لان التفاهات التي امنت بها باعوها بسعر الموز))
فهو استدعى الامريكي المدافع عن حقوق الزنج وعدم التمييز مارتن لوثر كنج ، وكذلك الثائر جيفارا، وغاندي بطريقة مونتاجية بهدف استحضار ماض يسترجع الاحداث من خلال لحظة حاضرة تعيشها الشخصية الرئيسية في المسرحية .لذلك يكون الزمن هنا زمناً نفسياً ، من نوعية النسق الزمني المتقطع الذي يراوح ما بين الحاضر والماضي في نسق زمني تتقاطع فيه الأزمنة في سيرها الهابط من الحاضر الى الماضي، ومن خلال هذا الزمن السردي تفصح الشخصية عن نوازعها وازماتها النفسية وهي غارقة في العزلة وعدم قدرتها على التواصل الخارجي مع العالم كما تقول الشخصية الرئيسة في هذا النص :
((ما هذا الجنون ..ولم تنسج الدنيا كل هذه المهازل…يا هؤلاء ارجعوا …انا وحدي هنا…ولا اريد احداً ان يصل الي…انا من اكلة لحوم البشر ….لم جئتم تقضون مضجعي وسكوني…ارجعوا…
انا ديناصور قديم…قدم الأرض….سابتلعكم واحدا واحدا ..انا…انا…)) ليختم بلوحة من المونولوج الداخلي الذي يخلط بين الواقع والتداعي فاصحاً عن غربة المكان ونوبات الخوف ، فضلا عن تكرار علامات الحذف على استمرار المشاهد والتي تحمل معها دفقاً من التوتر والقلق لدى الشخصية المونودرامية والتي تجذب معها المتلقي لاكمال العبارة او البياضات المحذوفة التي تنقل لنا حركيا ونفسيا اختلاجات الشخصية المونودرامية في هذا النص، فتيار الوعي يكون في احايين كثيرة منساباً بفيض من الأفكار المبتورة:
((من حرق المكان….؟ من مزق كتبي….؟من سرق لقيا روحي…؟من أوقف وجهي في زنزانة التخلي؟
لا احد يقبل بي بعد ان كنت اقبل باحاد ….الهي متعني صبرا مراً….من ان تدوسني احذية دفعت ثمنها من ماء اسود)) كما ان المسرحية حملت معها شخصية تتداعى افكارها اثناء تأملها البحر في جزيرة منعزلة مبددة مخاوف قديمة كانت قد عاشتها في مكان اخر ومخاوف وقلق عدم الاستقرار والحيرة والعزلة ، وكأنها تشبه كثيراً ترحال المؤلف صانع النص الذي لم يستقر عند مكان طيلة فترة حياته فقد كان باحثا على الدوام عن بيئة مستقرة امنة تكون مريحة له كفنان مبدع.
أ. د محمد کریم الساعدي
سعيد يقطين
التعليقات