حين يتحول البوح إلى وطن: قراءة في المجموعة الشعرية (دون ذلك وأكثر) للشاعرة إسراء الأسدي
لا يمكن مقاربة التجربة الشعرية النسوية في العراق بمعزل عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها هذا البلد عبر تاريخه الحديث إذ شكّلت الشاعرة العراقية صوتآ متفرّدآ حمل هموم الذات والواقع معآ ونجح في إعادة تشكيل اللغة بوصفها مساحة للحرية والتعبير لقد أسهم الشعر النسوي في كسر القوالب التقليدية وفتح أفقآ جديدآ للكتابة يتسم بالجرأة والحميمية حيث لم تعد القصيدة مجرد بناء جمالي بل غدت اعترافآإنسانيآ عميقآ ومرآةً للذات في أكثر حالاتها صدقآ
وفي هذا السياق برزت قصيدة النثر كخيار فني مغاير استطاعت من خلاله الشاعرات العراقيات التحرر من قيود الوزن والقافية والانطلاق نحو فضاءات أكثر رحابة في التعبير وقد أثبتت الشاعرة إسراء الأسدي حضورها اللافت في هذا الحقل مقدمة نصوصآ تنبض بالمشاعر الانساننية العالية وتمزج بين البساطة والعمق لتصنع لنفسها بصمة خاصة داخل المشهد الشعري المعاصر
مساء الإبداع الذي يشبه لحظة العثور على قصيدة كانت تنتظر قارئها منذ زمن…
بفرحٍ لا يخلو من دهشة تلقيت صباح هذا اليوم نسخة من المجموعة الشعرية الجديدة المعنونة دون ذلك وأكثر
الإصدار الثالث
للشاعرة
العراقية إسراء الأسدي والصادرة عام 2025 عن دار المفكر العربي في جمهورية مصر العربية ومنذ اللحظة الأولى يعلن هذا العمل عن نفسه لا ككتابٍ يقرأ فحسب بل كتجربة شعورية تعاش
جاءت المجموعة بحجمٍ متوسط تضم بين دفتيها 108 صفحات وتحوي 48 قصيدة نثر تنبض جميعها بلغة شفافة تميل إلى البوح العاطفي العميق وتتكئ على حس إنساني واضح يضع القارئ أمام مرآة ذاته وقد أضفت الشاعرة لمستها الخاصة حتى على تصميم الغلاف في دلالة على انتماء العمل الكامل إلى روحها الإبداعية
يفتتح الكتاب بإهداء لافت يحمل بعدآ فلسفيآوتأمليآ
“الى كل من يقرأ ولا يقرأ”
وهو إهداء يشي منذ البداية بأن النصوص لا تخاطب قارئآ بعينه بل تمتد لتلامس كل من مر بالحياة سواء أدركها بالكلمات أو بالإحساس
ما يميز هذه المجموعة هو حضور العائلة كمرتكز وجداني عميق
فقد خصت الشاعرة والدتها بعدة نصوص مؤثرة منها قصيدة “أمي” في الصفحة 32
و”رحى أمي” في الصفحة 39 حيث يتحول الحنين إلى لغة والذاكرة إلى طقس شعري كما تستحضر جدها لأمها في قصيدة “جدي لأمي” (ص 69) في استعادة دافئة لموروث العائلة والحنين إلى الجذور
أما قصيدة “مصطفى يا مصطفى” في الصفحة 93 فهي واحدة من أكثر النصوص قوة وتأثيرآ إذ تهديها لابنها الضابط الذي خاض أشرس المعارك دفاعًا عن الوطن
هنا تمتزج الأمومة بالفخر والخوف بالأمل ليولد نص مشحون بعاطفة صادقة لا يمكن تجاوزها بسهولة
ولا تقف محبة الشاعرة عند حدود العائلة بل تمتد لتشمل محيطها الإنساني كما في قصيدة “إلى معلمتي عفاف إبراهيم يوسف” (ص 25)
حيث توثق الوفاء لمن كان لهم أثر في تشكيل وعيها وفي الصفحة 95، تأتي قصيدة “يا حبيبي” المهداة إلى زوجها لتكشف جانبآ آخر من حياتها عنوانه الشراكة والدعم والامتنان.
ورغم هذا الوضوح العاطفي في معظم النصوص تبقى قصيدة “دون ذلك وأكثر” — التي حملت المجموعة عنوانها — نصآ عصيآ على التفكيك السريع إذ تتكثف فيه الرموز وتتشابك دلالاته ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة ويمنحه بعدآ تأويليآ عميقآ
من الجدير بالذكر أن الشاعرة إسراء الأسدي سبق أن أصدرت مجموعتين شعريتين وتعمل حاليآ على إصدار مجموعة شعر شعبي قيد الطبع كما أن لها حضورآ لافتآ في الصحف المحلية والعربية
وقد نالت العديد من الجوائز والتكريمات وهي عضو في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين.
ختامآ لا تقدم المجموعة الشعرية”دون ذلك وأكثر” مجرد نصوص شعرية بل تفتح نافذة على روحٍ
تنبض بالحب وتكتب بصدقٍ نادر إنها مجموعة تقرأ بالقلب قبل العين وتترك أثرها طويلآ بعد الصفحة الأخيرة.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
حين يتحول البوح إلى وطن: قراءة في المجموعة الشعرية (دون ذلك وأكثر) للشاعرة إسراء الأسدي
حين يتحول البوح إلى وطن: قراءة في المجموعة الشعرية (دون ذلك وأكثر) للشاعرة إسراء الأسدي
لا يمكن مقاربة التجربة الشعرية النسوية في العراق بمعزل عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها هذا البلد عبر تاريخه الحديث إذ شكّلت الشاعرة العراقية صوتآ متفرّدآ حمل هموم الذات والواقع معآ ونجح في إعادة تشكيل اللغة بوصفها مساحة للحرية والتعبير لقد أسهم الشعر النسوي في كسر القوالب التقليدية وفتح أفقآ جديدآ للكتابة يتسم بالجرأة والحميمية حيث لم تعد القصيدة مجرد بناء جمالي بل غدت اعترافآإنسانيآ عميقآ ومرآةً للذات في أكثر حالاتها صدقآ
وفي هذا السياق برزت قصيدة النثر كخيار فني مغاير استطاعت من خلاله الشاعرات العراقيات التحرر من قيود الوزن والقافية والانطلاق نحو فضاءات أكثر رحابة في التعبير وقد أثبتت الشاعرة إسراء الأسدي حضورها اللافت في هذا الحقل مقدمة نصوصآ تنبض بالمشاعر الانساننية العالية وتمزج بين البساطة والعمق لتصنع لنفسها بصمة خاصة داخل المشهد الشعري المعاصر
مساء الإبداع الذي يشبه لحظة العثور على قصيدة كانت تنتظر قارئها منذ زمن…
بفرحٍ لا يخلو من دهشة تلقيت صباح هذا اليوم نسخة من المجموعة الشعرية الجديدة المعنونة دون ذلك وأكثر
الإصدار الثالث
للشاعرة
العراقية إسراء الأسدي والصادرة عام 2025 عن دار المفكر العربي في جمهورية مصر العربية ومنذ اللحظة الأولى يعلن هذا العمل عن نفسه لا ككتابٍ يقرأ فحسب بل كتجربة شعورية تعاش
جاءت المجموعة بحجمٍ متوسط تضم بين دفتيها 108 صفحات وتحوي 48 قصيدة نثر تنبض جميعها بلغة شفافة تميل إلى البوح العاطفي العميق وتتكئ على حس إنساني واضح يضع القارئ أمام مرآة ذاته وقد أضفت الشاعرة لمستها الخاصة حتى على تصميم الغلاف في دلالة على انتماء العمل الكامل إلى روحها الإبداعية
يفتتح الكتاب بإهداء لافت يحمل بعدآ فلسفيآوتأمليآ
“الى كل من يقرأ ولا يقرأ”
وهو إهداء يشي منذ البداية بأن النصوص لا تخاطب قارئآ بعينه بل تمتد لتلامس كل من مر بالحياة سواء أدركها بالكلمات أو بالإحساس
ما يميز هذه المجموعة هو حضور العائلة كمرتكز وجداني عميق
فقد خصت الشاعرة والدتها بعدة نصوص مؤثرة منها قصيدة “أمي” في الصفحة 32
و”رحى أمي” في الصفحة 39 حيث يتحول الحنين إلى لغة والذاكرة إلى طقس شعري كما تستحضر جدها لأمها في قصيدة “جدي لأمي” (ص 69) في استعادة دافئة لموروث العائلة والحنين إلى الجذور
أما قصيدة “مصطفى يا مصطفى” في الصفحة 93 فهي واحدة من أكثر النصوص قوة وتأثيرآ إذ تهديها لابنها الضابط الذي خاض أشرس المعارك دفاعًا عن الوطن
هنا تمتزج الأمومة بالفخر والخوف بالأمل ليولد نص مشحون بعاطفة صادقة لا يمكن تجاوزها بسهولة
ولا تقف محبة الشاعرة عند حدود العائلة بل تمتد لتشمل محيطها الإنساني كما في قصيدة “إلى معلمتي عفاف إبراهيم يوسف” (ص 25)
حيث توثق الوفاء لمن كان لهم أثر في تشكيل وعيها وفي الصفحة 95، تأتي قصيدة “يا حبيبي” المهداة إلى زوجها لتكشف جانبآ آخر من حياتها عنوانه الشراكة والدعم والامتنان.
ورغم هذا الوضوح العاطفي في معظم النصوص تبقى قصيدة “دون ذلك وأكثر” — التي حملت المجموعة عنوانها — نصآ عصيآ على التفكيك السريع إذ تتكثف فيه الرموز وتتشابك دلالاته ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة ويمنحه بعدآ تأويليآ عميقآ
من الجدير بالذكر أن الشاعرة إسراء الأسدي سبق أن أصدرت مجموعتين شعريتين وتعمل حاليآ على إصدار مجموعة شعر شعبي قيد الطبع كما أن لها حضورآ لافتآ في الصحف المحلية والعربية
وقد نالت العديد من الجوائز والتكريمات وهي عضو في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين.
ختامآ لا تقدم المجموعة الشعرية”دون ذلك وأكثر” مجرد نصوص شعرية بل تفتح نافذة على روحٍ
تنبض بالحب وتكتب بصدقٍ نادر إنها مجموعة تقرأ بالقلب قبل العين وتترك أثرها طويلآ بعد الصفحة الأخيرة.
التعليقات