شرح قصيدة تأوهات
حينما يتحول الحب الى إحتراق داخلي فمن خلال نظرة إسقاطية على القصيدة ادركت انها لا تقدم لي حكاية حب تقليدية بل… اراد لها عبدالكريم ان ترسم خريطة دقيقة لتحولات النفس تحت ضغط العاطفة حيث يتحول الحب من تجربة تمنح المعنى …. إلى قوة تهدد التوازن الداخلي بل وتجعل الإنسان يعيش في حالة من التوتر الدائم بين الرغبة في الاستمرار…. والعجز عن الاحتمال وبين التعلق بالآخر…. والخوف من هذا التعلق نفسه وبهذا فأن شاعرنا منح ابيات قصيدته عمقها لأنه لا يكتفي بوصف الألم بل عكف على كشف آلياته ليجعلني كقارئ أعيشها لحظة بلحظة حتى اشعر وكأنني جزء من هذه تجربته هو …..لا مجرد ان اتعلق بها …هذه التي تأخذنا و منذ لحظتها الأولى إلى فضاء داخلي مثقل بالأنين حيث لا يقف الشاعر عبدالكريم عند حدود الشكوى السطحية بل يغور عميقًا في طبقات الشعور الإنساني المتصدع… فيبدأ….. بنداء فيه نبرة نهي …ظاهرها عتاب….. وباطنها استغاثة بقول (لا تلم مغرما مضى يتوجع) فهو لا يخاطب شخصًا بعينه بقدر ما يستدعي ضميرًا إنسانيًا عامًا … يطالبه بأن يكف عن إصدار الأحكام السهلة لأن التجربة التي يعيشها العاشق ليست عابرة… بل…. حالة امتلاء بالألم حتى التخمة …فعبارة (فهو بالهم قد غدا الآن مترع) قراتها انا كشفًا عن انتقال العاشق من مجرد الشعور بالحزن إلى التورط الكامل فيه…. وكأن الهم لم يعد طارئًا عليه بل صار مكونًا من مكونات كيانه …وهذا التحول من الشعور إلى الكينونة. هو الذي منح النص ثقله العاطفي..وليتصاعد الإحساس بالاحتراق الداخلي حين يصور الشاعر القلب (أحاله الشوق نارا ) كصورة ليست جديدة في التراث الشعري… لكنها هنا جاء بها الشاعر مشحونة بطاقة انفعالية جعل منها تبدو … وكأنها تحدث الآن أمامنا فالفعل ( أحاله) يوحي بعملية تحول قسرية لم يكن للعاشق يد فيها ..وكأن الشوق قوة خارجية اقتحمت قلبه وغيرت طبيعته وحولته من عضو نابض بالحياة إلى كتلة من اللهيب تكاد تنفجر من بين الأضلع … وهذه المبالغة (كاد من بين أضلع الصدر يخلع) لم أرَ فيها انها تهدف إلى الوصف الفيزيائي بقدر ما تشير إلى عجز الجسد عن احتواء هذا الفيض العاطفي ….نعم…..فعندما ينتقل الشاعر إلى وصف السهد نلاحظ أنه لا يكتفي بذكر الأرق كحالة عابرة بل يجعله حالة مألوفة ….. مأهولة… حين يقول( ألف السهد جفنه فهو جدب) ليُشكّل مفارقة دقيقة …. بين الألفة والجفاف… فالألفة عادة ترتبط بالراحة والانسجام لكن عبدالكريم الشيخ ولكونه شاعرًا حقيقيًا قلب هذا المعنى ليجعل الألفة نفسها علامة على الخراب …لماذا؟؟ لأن الجفن الذي اعتاد السهر لم يعد قادرًا على إنتاج الحلم لذلك يصفه بالجدب وليأتي الشطر التالي (بذرة الحلم ما درت كيف تزرع) ليؤكد أن الحلم نفسه فقد آليته ….وكأن النفس لم تعد تعرف كيف تتخيل الفرح أو …كيف تستعيد قدرتها على الأمل…ولكن الشاغر سرعان ما يدخل في علاقة مركبة مع الزمن وهو يشير إلى جور الدهر والليالي وكأن الزمن لم يعد محايدًا بل صار شريكًا في التعذيب …..(فكل يوم له مع الحب مصرع)…. وهذه العبارة تختزل فكرة التكرار المأساوي امامنا كمتلقين … حيث لا يحمل اليوم الجديد أي إمكانية للخلاص بل يعيد إنتاج النهاية نفسها في كل مرة …وهذا التكرار خخلق إحساسًا بالدوران داخل حلقة مغلقة لا يمكن كسرها…وعندما يقول (أطبقت كفها الشجون عليه) فهو يضعنا أمام صورة تشخيصية تجعل الشجون كائنًا حيًا له يد قادرة على الإحاطة والسيطرة ….وهذا الإطباق لا يترك مجالًا للحركة أو التنفس … لذلك يصبح التوجع نتيجة حتمية لا مهرب منها …وكأن العاشق محاصر داخل قبضة لا يمكن الإفلات منها ..وهكذا حتى يبلغ التوتر ذروته في وصف القلب الغض بالغرام مُعنَى فكلمة الغض توحي بالبراءة والبداية والنقاء… لكن هذا القلب البريء وجد نفسه في مواجهة تجربة قاسية تفوق طاقته …فلذلك ….يكاد من فرط شوقه يتصدع وهذه الصورة اعادنا من خلالها عبدالكريم إلى فكرة الانقسام الداخلي حيث يصبح الحب قوة تفكك لا قوة توحيد …وليتحول الخطاب إلى نداء مباشر (يا أليف الصبا فكيف تراني) عبر إظهار البعد الحواري في القصيدة ..حيث لم يعد الشاعر يكتفي بالوصف بل يبدأ بمساءلة الآخر… وربما مساءلة نفسه من خلال هذا الآخر والسؤال هل ترى( السقم بين جنبي يرتع) فيه كشف واضح عن رغبة في أن يكون الألم مرئيًا للآخرين وكأن الشاعر لم يعد يحتمل أن يكون وجعه داخليًا غير معترف به..وفي قوله (جٌد على صبك السقيم ببرء) تتجلى لحظة التوسل حيث يضع الشاعر نفسه في موقع الضعف الكامل ..ويطلب الشفاء ممن كان سببًا في مرضه …..في مفارقة تكشف عن طبيعة العلاقة العاطفية التي لا تقوم على المنطق بل على التناقض عندما يصبح الحبيب هو الداء والدواء في آن واحد …وليستمر الشاعر في تأكيد إخلاصه حين يقول (هو يهواك مخلصا بسجايا….ك… كآلدراري بأفق وجهك تلمع)…وهذا القول إنما هو صورة حاول الشاعر من ورائها أن يخلق توازنًا مع كل هذا السواد ….من خلال إدخال عنصر الضوء المتمثل في الدراري…. لكن هذا الضوء لا يبدد الظلام بقدر ما يزيده حدة لأنه يبرز التناقض بين جمال المحبوب ومعاناة العاشق ….ثم يعود الشاعر إلى ذاته هو.. ليقدم تعريفًا لنفسه..( أنا ذاك الذي عهدت مليئا… بالأماني وبالأحاسيس مشبع)ليظهر الفرق بين الماضي والحاضر حيث كان الامتلاء سابقًا… امتلاء بالأمل بينما صار الآن….. امتلاء بالألم… وهذا التحول الزمني هو الذي يعمق الإحساس بالخسارة…وعندما يقول (كلما قلت يا جناني صبرا ..دمع عيني خانني يتسرع) فإنه يكشف عن صراع داخلي بين الإرادة والانفعال …فالعقل …يحاول فرض الصبر… لكن الجسد… يفضح الحقيقة من خلال الدمع الذي لا يمكن السيطرة عليه … وكأن العين هنا أصبحت أصدق من اللسان…..وفي قول الشاعر( أنا أشكوك رقة في فؤادي) لمست نوعًا من الاعتراف … بأن المشكلة ليست فقط في الخارج بل في الداخل أيضًا ……فالرقة التي يفترض أن تكون فضيلة تتحول إلى سبب للمعاناة …لأن هذا القلب الرقيق لا يحتمل صدمات الحياة لذلك …إذا مرت الحوادث يجزع وهكذا يقترب بنا الشاعر السومري عبدالكريم الى حيث نهاية آشتغاله بنداء ((((يا سنا القلب هاكها نفثات ….من فؤاد على الحنان تطبع)))) ليجمع كل الخيوط السابقة في صورة واحدة ….حيث تتحول القصيدة نفسها إلى عملية تنفيس أو إخراج لما تراكم في الداخل…… فهذه النفثات ليست مجرد كلمات بل أجزاء من الروح خرجت لتخفف من وطأة ما تعانيه.
………..
“تأوّهات”
لا تَلمْ مُغرَماً مَضى يَتَوَجَّعْ
فَهْوَ بالهَمِّ قَدْ غَدَا الآنَ مُتْرَعْ
قَلْبُهُ قَدْ أَحَالَهُ آلشَّوْقُ نَارَا
كَادَ مِنْ بَيْنِ أضْلعِ آلصَّدْرِ يُخْلَعْ
ألِفَ السُّهْدَ جفْنُهُ فَهْوَ جَدْبٌ
بَذْرَةُ الحُلْمِ ما دَرَتْ كَيْفَ تُزْرَعْ؟
هُوَ مِنْ جَوْرِ دَهْرِهِ وَاللَّيَالِي
كُلّ يَوْمٍ لَهُ مَعَ الحُبِّ مَصْرَعْ
أَطْبَقَتْ كَفَّهَا الشُّجُونُ عَلَيْهِ
فأضْحَى لِمَا بِهِ يَتَوَجَّعْ
قَلْبُهُ الغَضُّ بالغَرَامِ مُعَنّى
كَادَ مِنْ فَرْطِ شَوْقِهِ يَتَصَدَّعْ
يا أَلِيْفَ الصِّبَا فَكَيْفَ تَرَاني؟
هَلْ تَرى السُّقْمَ بيْنَ جَنْبَيَّ يَرْتَعْ؟
جُدْ عَلَى صَبِّكَ السَّقيْمِ بِبُرْءٍ
وَمَالي بِغَيْرِ ذلِكَ مَطْمَعْ!!!
هُوُ يَهْواكَ مُخْلِصَاً لِسَجاياكَ
كالدَّراري بأُفْقِ وَجْهِكَ تَلْمَعْ
إنَّ ذاكَ الّذي عَهدْتَ مَلِيْئَاً
بالأماني وَ بالأَحاسِيْسِ مُشْبَعْ
كُلَّما قُلْتُ يا جَنَانِيَ صَبْرَاً
دَمْعُ عَيْنِيَّ خانَني يَتَسَرَّ عْ
أنا أشْكُوكَ رِقَّةً فِي فُؤادي
فَإذا مَرَّتِ آلحَوادِثُ يَجْزَعْ
يا سَنَا القَلْبِ هاكَهَا نَفَثاتٍ
مِنْ فُؤادٍ عَلَى الحَنَانِ تَطَبَّعْ
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
شرح قصيدة ” تأوهات ” للشاعر عبدالكريم الشيخ سلمان
شرح قصيدة تأوهات
حينما يتحول الحب الى إحتراق داخلي فمن خلال نظرة إسقاطية على القصيدة ادركت انها لا تقدم لي حكاية حب تقليدية بل… اراد لها عبدالكريم ان ترسم خريطة دقيقة لتحولات النفس تحت ضغط العاطفة حيث يتحول الحب من تجربة تمنح المعنى …. إلى قوة تهدد التوازن الداخلي بل وتجعل الإنسان يعيش في حالة من التوتر الدائم بين الرغبة في الاستمرار…. والعجز عن الاحتمال وبين التعلق بالآخر…. والخوف من هذا التعلق نفسه وبهذا فأن شاعرنا منح ابيات قصيدته عمقها لأنه لا يكتفي بوصف الألم بل عكف على كشف آلياته ليجعلني كقارئ أعيشها لحظة بلحظة حتى اشعر وكأنني جزء من هذه تجربته هو …..لا مجرد ان اتعلق بها …هذه التي تأخذنا و منذ لحظتها الأولى إلى فضاء داخلي مثقل بالأنين حيث لا يقف الشاعر عبدالكريم عند حدود الشكوى السطحية بل يغور عميقًا في طبقات الشعور الإنساني المتصدع… فيبدأ….. بنداء فيه نبرة نهي …ظاهرها عتاب….. وباطنها استغاثة بقول (لا تلم مغرما مضى يتوجع) فهو لا يخاطب شخصًا بعينه بقدر ما يستدعي ضميرًا إنسانيًا عامًا … يطالبه بأن يكف عن إصدار الأحكام السهلة لأن التجربة التي يعيشها العاشق ليست عابرة… بل…. حالة امتلاء بالألم حتى التخمة …فعبارة (فهو بالهم قد غدا الآن مترع) قراتها انا كشفًا عن انتقال العاشق من مجرد الشعور بالحزن إلى التورط الكامل فيه…. وكأن الهم لم يعد طارئًا عليه بل صار مكونًا من مكونات كيانه …وهذا التحول من الشعور إلى الكينونة. هو الذي منح النص ثقله العاطفي..وليتصاعد الإحساس بالاحتراق الداخلي حين يصور الشاعر القلب (أحاله الشوق نارا ) كصورة ليست جديدة في التراث الشعري… لكنها هنا جاء بها الشاعر مشحونة بطاقة انفعالية جعل منها تبدو … وكأنها تحدث الآن أمامنا فالفعل ( أحاله) يوحي بعملية تحول قسرية لم يكن للعاشق يد فيها ..وكأن الشوق قوة خارجية اقتحمت قلبه وغيرت طبيعته وحولته من عضو نابض بالحياة إلى كتلة من اللهيب تكاد تنفجر من بين الأضلع … وهذه المبالغة (كاد من بين أضلع الصدر يخلع) لم أرَ فيها انها تهدف إلى الوصف الفيزيائي بقدر ما تشير إلى عجز الجسد عن احتواء هذا الفيض العاطفي ….نعم…..فعندما ينتقل الشاعر إلى وصف السهد نلاحظ أنه لا يكتفي بذكر الأرق كحالة عابرة بل يجعله حالة مألوفة ….. مأهولة… حين يقول( ألف السهد جفنه فهو جدب) ليُشكّل مفارقة دقيقة …. بين الألفة والجفاف… فالألفة عادة ترتبط بالراحة والانسجام لكن عبدالكريم الشيخ ولكونه شاعرًا حقيقيًا قلب هذا المعنى ليجعل الألفة نفسها علامة على الخراب …لماذا؟؟ لأن الجفن الذي اعتاد السهر لم يعد قادرًا على إنتاج الحلم لذلك يصفه بالجدب وليأتي الشطر التالي (بذرة الحلم ما درت كيف تزرع) ليؤكد أن الحلم نفسه فقد آليته ….وكأن النفس لم تعد تعرف كيف تتخيل الفرح أو …كيف تستعيد قدرتها على الأمل…ولكن الشاغر سرعان ما يدخل في علاقة مركبة مع الزمن وهو يشير إلى جور الدهر والليالي وكأن الزمن لم يعد محايدًا بل صار شريكًا في التعذيب …..(فكل يوم له مع الحب مصرع)…. وهذه العبارة تختزل فكرة التكرار المأساوي امامنا كمتلقين … حيث لا يحمل اليوم الجديد أي إمكانية للخلاص بل يعيد إنتاج النهاية نفسها في كل مرة …وهذا التكرار خخلق إحساسًا بالدوران داخل حلقة مغلقة لا يمكن كسرها…وعندما يقول (أطبقت كفها الشجون عليه) فهو يضعنا أمام صورة تشخيصية تجعل الشجون كائنًا حيًا له يد قادرة على الإحاطة والسيطرة ….وهذا الإطباق لا يترك مجالًا للحركة أو التنفس … لذلك يصبح التوجع نتيجة حتمية لا مهرب منها …وكأن العاشق محاصر داخل قبضة لا يمكن الإفلات منها ..وهكذا حتى يبلغ التوتر ذروته في وصف القلب الغض بالغرام مُعنَى فكلمة الغض توحي بالبراءة والبداية والنقاء… لكن هذا القلب البريء وجد نفسه في مواجهة تجربة قاسية تفوق طاقته …فلذلك ….يكاد من فرط شوقه يتصدع وهذه الصورة اعادنا من خلالها عبدالكريم إلى فكرة الانقسام الداخلي حيث يصبح الحب قوة تفكك لا قوة توحيد …وليتحول الخطاب إلى نداء مباشر (يا أليف الصبا فكيف تراني) عبر إظهار البعد الحواري في القصيدة ..حيث لم يعد الشاعر يكتفي بالوصف بل يبدأ بمساءلة الآخر… وربما مساءلة نفسه من خلال هذا الآخر والسؤال هل ترى( السقم بين جنبي يرتع) فيه كشف واضح عن رغبة في أن يكون الألم مرئيًا للآخرين وكأن الشاعر لم يعد يحتمل أن يكون وجعه داخليًا غير معترف به..وفي قوله (جٌد على صبك السقيم ببرء) تتجلى لحظة التوسل حيث يضع الشاعر نفسه في موقع الضعف الكامل ..ويطلب الشفاء ممن كان سببًا في مرضه …..في مفارقة تكشف عن طبيعة العلاقة العاطفية التي لا تقوم على المنطق بل على التناقض عندما يصبح الحبيب هو الداء والدواء في آن واحد …وليستمر الشاعر في تأكيد إخلاصه حين يقول (هو يهواك مخلصا بسجايا….ك… كآلدراري بأفق وجهك تلمع)…وهذا القول إنما هو صورة حاول الشاعر من ورائها أن يخلق توازنًا مع كل هذا السواد ….من خلال إدخال عنصر الضوء المتمثل في الدراري…. لكن هذا الضوء لا يبدد الظلام بقدر ما يزيده حدة لأنه يبرز التناقض بين جمال المحبوب ومعاناة العاشق ….ثم يعود الشاعر إلى ذاته هو.. ليقدم تعريفًا لنفسه..( أنا ذاك الذي عهدت مليئا… بالأماني وبالأحاسيس مشبع)ليظهر الفرق بين الماضي والحاضر حيث كان الامتلاء سابقًا… امتلاء بالأمل بينما صار الآن….. امتلاء بالألم… وهذا التحول الزمني هو الذي يعمق الإحساس بالخسارة…وعندما يقول (كلما قلت يا جناني صبرا ..دمع عيني خانني يتسرع) فإنه يكشف عن صراع داخلي بين الإرادة والانفعال …فالعقل …يحاول فرض الصبر… لكن الجسد… يفضح الحقيقة من خلال الدمع الذي لا يمكن السيطرة عليه … وكأن العين هنا أصبحت أصدق من اللسان…..وفي قول الشاعر( أنا أشكوك رقة في فؤادي) لمست نوعًا من الاعتراف … بأن المشكلة ليست فقط في الخارج بل في الداخل أيضًا ……فالرقة التي يفترض أن تكون فضيلة تتحول إلى سبب للمعاناة …لأن هذا القلب الرقيق لا يحتمل صدمات الحياة لذلك …إذا مرت الحوادث يجزع وهكذا يقترب بنا الشاعر السومري عبدالكريم الى حيث نهاية آشتغاله بنداء ((((يا سنا القلب هاكها نفثات ….من فؤاد على الحنان تطبع)))) ليجمع كل الخيوط السابقة في صورة واحدة ….حيث تتحول القصيدة نفسها إلى عملية تنفيس أو إخراج لما تراكم في الداخل…… فهذه النفثات ليست مجرد كلمات بل أجزاء من الروح خرجت لتخفف من وطأة ما تعانيه.
………..
“تأوّهات”
لا تَلمْ مُغرَماً مَضى يَتَوَجَّعْ
فَهْوَ بالهَمِّ قَدْ غَدَا الآنَ مُتْرَعْ
قَلْبُهُ قَدْ أَحَالَهُ آلشَّوْقُ نَارَا
كَادَ مِنْ بَيْنِ أضْلعِ آلصَّدْرِ يُخْلَعْ
ألِفَ السُّهْدَ جفْنُهُ فَهْوَ جَدْبٌ
بَذْرَةُ الحُلْمِ ما دَرَتْ كَيْفَ تُزْرَعْ؟
هُوَ مِنْ جَوْرِ دَهْرِهِ وَاللَّيَالِي
كُلّ يَوْمٍ لَهُ مَعَ الحُبِّ مَصْرَعْ
أَطْبَقَتْ كَفَّهَا الشُّجُونُ عَلَيْهِ
فأضْحَى لِمَا بِهِ يَتَوَجَّعْ
قَلْبُهُ الغَضُّ بالغَرَامِ مُعَنّى
كَادَ مِنْ فَرْطِ شَوْقِهِ يَتَصَدَّعْ
يا أَلِيْفَ الصِّبَا فَكَيْفَ تَرَاني؟
هَلْ تَرى السُّقْمَ بيْنَ جَنْبَيَّ يَرْتَعْ؟
جُدْ عَلَى صَبِّكَ السَّقيْمِ بِبُرْءٍ
وَمَالي بِغَيْرِ ذلِكَ مَطْمَعْ!!!
هُوُ يَهْواكَ مُخْلِصَاً لِسَجاياكَ
كالدَّراري بأُفْقِ وَجْهِكَ تَلْمَعْ
إنَّ ذاكَ الّذي عَهدْتَ مَلِيْئَاً
بالأماني وَ بالأَحاسِيْسِ مُشْبَعْ
كُلَّما قُلْتُ يا جَنَانِيَ صَبْرَاً
دَمْعُ عَيْنِيَّ خانَني يَتَسَرَّ عْ
أنا أشْكُوكَ رِقَّةً فِي فُؤادي
فَإذا مَرَّتِ آلحَوادِثُ يَجْزَعْ
يا سَنَا القَلْبِ هاكَهَا نَفَثاتٍ
مِنْ فُؤادٍ عَلَى الحَنَانِ تَطَبَّعْ
التعليقات