قراءة أدبية في قصيدة “مسرحية الكراسي” للشاعر باقر الموسوي

صورة الكاتب
بقلم: د.عادل جوده
التاريخ: 29 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 2450
قراءة أدبية في قصيدة “مسرحية الكراسي” للشاعر باقر الموسوي

قراءة أدبية في قصيدة “مسرحية الكراسي” للشاعر باقر الموسوي

في هذه القصيدة المكثفة بالدلالات، ينسج الشاعر باقر الموسوي لوحة شعرية تنبض بالسخرية المرة والألم العميق، مستخدماً استعارة المسرح الكبرى لتفكيك آليات السلطة وتجلياتها العبثية.
البنية الاستعارية وتشظي المعنى
يبدأ الشاعر من لحظة وعي مبكرة، عبارة “منذ نعومة أظافري” تحمل بعداً وجودياً يتجاوز الطفولة البيولوجية إلى براءة الوعي الأول التي تصطدم بقسوة الاكتشاف. المسرح هنا ليس فضاءً للتسلية، بل مختبر للوجود السياسي حيث “الكوميديا السوداء” تؤثث المشهد بوصفها النوع الأدبي الأقدر على تجسيد التناقض بين المأساة والهزل.
المخرج والقبر: جدلية الموت والثبات
الصورة المركزية في النص تكمن في “المخرج” الذي “يرقد في قبر التغيير”، هذه الاستعارة الصادمة تجمع بين الموت والتحجر، بين الفعل الإخراجي والثبات المطلق. المخرج ميت منذ البداية، أو ربما قُتل التغيير فيه، فتحول إلى جثة تحرك الدمى من وراء الستار. الجمود الذي يصفه الشاعر بـ”تحجر الزمن” يحول المسرح إلى فضاء أبدي للعبث المتكرر.
الشخصيات والأقنعة: فينومينولوجيا القبح السياسي
تتجلى براعة الشاعر في مقطع “بغايا الكراسي” حيث يدمج بين الجنسي والسياسي في صورة مركبة تكشف تسليع القيم. التشابه في القبح بين الشخصيات ليس عشوائياً، بل هو نتاج منطقي لنظام يعيد إنتاج نماذجه. ومع ذلك، فهم “يؤدون أدوار السلطة ببراعة مذهلة”، هنا المفارقة الكبرى: القبح الجوهري مع الإتقان الأدائي.
اللصوص الممثلون: أركيولوجيا الفساد
في توصيف “اللصوص أذكياء، يجيدون الدراما” تكمن طبقة تحليلية عميقة، إذ يصبح الفساد فناً له أساتذته وحرّاسه. حفظ السيناريو قبل العرض يشير إلى طبيعة السلطة بوصفها نصاً معداً مسبقاً، لا مجال فيه للارتجال أو التغيير.
الجمهور والتواطؤ: سؤال الهدم والتصفيق
يختتم الشاعر بأسئلة وجودية موجعة: “كيف لم ينهار المسرح بعد؟ كيف يصفق الجمهور حتى الآن؟” هذه الأسئلة، في جوهرها، موجهة للذات الجمعية، للرائي الذي صار جزءاً من العرض، للضحية التي تكرس جلادها بالتصفيق. هتاف “عاش المسرح” يصبح شاهداً على تواطؤ مأساوي.
بلاغة النص وجمالياته
يمتلك النص بلاغة بصرية عالية، تتحول فيه الأفكار المجردة إلى مشاهد مسرحية ماثلة. اللغة، رغم قسوتها، لا تفقد شعريتها، بل تحافظ على إيقاع داخلي يتناغم مع دلالات التكرار والثبات. المفارقة أداة مركزية، والتكثيف خيار جمالي واعٍ يجعل كل كلمة تنوء بدلالاتها.
في هذا النص الشعري، يرتقي الرثاء السياسي إلى مستوى التأمل الفلسفي، وتصبح خشبة المسرح مرآة للوجود العربي المعاصر في تراجيدياه العبثية.
……..

مسرحية الكراسي
منذ نعومة أظافري
كنت شاهدًا
على مسرحية الكراسي
الكوميدية السوداء للحكم
حيث يرقد المخرج
في قبر التغيير
لم يغير مشهدًا واحدًا
كأن الزمن في لحظة
قد تحجر على خشبة
المسرح الأبدي
والدهشة يصيبها الأرتباك
كلما تكرر المشهد
والشخصيات تخنق الأنفاس
أعجب من حكمة المخرج
في أختيار بغايا الكراسي
وأشكال أهل المناصب
كيف أنهم متشابهون بالقبح
لكنهم يلعبون أدوار
السلطة ببراعة مذهلة
فاللصوص أذكياء
يجيدون الدراما ويحفظون
السيناريو قبل العرض
كيف لم ينهر المسرح بعد
كيف يصفق الجمهور حتى الآن
“عاش المسرح عاش المسرح”

 

 

 

عن الکاتب / الکاتبة

د.عادل جوده
د.عادل جوده
ناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

قراءة تحليلة لقصيدة “حنين الشوق” للشاعر حسين الكاني

قراءة تحليلة لقصيدة “حنين الشوق” للشاعر حسين الكاني

تُعد قصيدة “حنين الشوق” للشاعر عدنان حسين الكاني أنموذجاً شعرياً يفيض بالعاطفة المنسكبة في قالب…

صورة الكاتب د.عادل جوده
13 مايو 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة أدبية في قصيدة “مسرحية الكراسي” للشاعر باقر الموسوي

بقلم: د.عادل جوده | التاريخ: 29 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

قراءة أدبية في قصيدة “مسرحية الكراسي” للشاعر باقر الموسوي

في هذه القصيدة المكثفة بالدلالات، ينسج الشاعر باقر الموسوي لوحة شعرية تنبض بالسخرية المرة والألم العميق، مستخدماً استعارة المسرح الكبرى لتفكيك آليات السلطة وتجلياتها العبثية.
البنية الاستعارية وتشظي المعنى
يبدأ الشاعر من لحظة وعي مبكرة، عبارة “منذ نعومة أظافري” تحمل بعداً وجودياً يتجاوز الطفولة البيولوجية إلى براءة الوعي الأول التي تصطدم بقسوة الاكتشاف. المسرح هنا ليس فضاءً للتسلية، بل مختبر للوجود السياسي حيث “الكوميديا السوداء” تؤثث المشهد بوصفها النوع الأدبي الأقدر على تجسيد التناقض بين المأساة والهزل.
المخرج والقبر: جدلية الموت والثبات
الصورة المركزية في النص تكمن في “المخرج” الذي “يرقد في قبر التغيير”، هذه الاستعارة الصادمة تجمع بين الموت والتحجر، بين الفعل الإخراجي والثبات المطلق. المخرج ميت منذ البداية، أو ربما قُتل التغيير فيه، فتحول إلى جثة تحرك الدمى من وراء الستار. الجمود الذي يصفه الشاعر بـ”تحجر الزمن” يحول المسرح إلى فضاء أبدي للعبث المتكرر.
الشخصيات والأقنعة: فينومينولوجيا القبح السياسي
تتجلى براعة الشاعر في مقطع “بغايا الكراسي” حيث يدمج بين الجنسي والسياسي في صورة مركبة تكشف تسليع القيم. التشابه في القبح بين الشخصيات ليس عشوائياً، بل هو نتاج منطقي لنظام يعيد إنتاج نماذجه. ومع ذلك، فهم “يؤدون أدوار السلطة ببراعة مذهلة”، هنا المفارقة الكبرى: القبح الجوهري مع الإتقان الأدائي.
اللصوص الممثلون: أركيولوجيا الفساد
في توصيف “اللصوص أذكياء، يجيدون الدراما” تكمن طبقة تحليلية عميقة، إذ يصبح الفساد فناً له أساتذته وحرّاسه. حفظ السيناريو قبل العرض يشير إلى طبيعة السلطة بوصفها نصاً معداً مسبقاً، لا مجال فيه للارتجال أو التغيير.
الجمهور والتواطؤ: سؤال الهدم والتصفيق
يختتم الشاعر بأسئلة وجودية موجعة: “كيف لم ينهار المسرح بعد؟ كيف يصفق الجمهور حتى الآن؟” هذه الأسئلة، في جوهرها، موجهة للذات الجمعية، للرائي الذي صار جزءاً من العرض، للضحية التي تكرس جلادها بالتصفيق. هتاف “عاش المسرح” يصبح شاهداً على تواطؤ مأساوي.
بلاغة النص وجمالياته
يمتلك النص بلاغة بصرية عالية، تتحول فيه الأفكار المجردة إلى مشاهد مسرحية ماثلة. اللغة، رغم قسوتها، لا تفقد شعريتها، بل تحافظ على إيقاع داخلي يتناغم مع دلالات التكرار والثبات. المفارقة أداة مركزية، والتكثيف خيار جمالي واعٍ يجعل كل كلمة تنوء بدلالاتها.
في هذا النص الشعري، يرتقي الرثاء السياسي إلى مستوى التأمل الفلسفي، وتصبح خشبة المسرح مرآة للوجود العربي المعاصر في تراجيدياه العبثية.
……..

مسرحية الكراسي
منذ نعومة أظافري
كنت شاهدًا
على مسرحية الكراسي
الكوميدية السوداء للحكم
حيث يرقد المخرج
في قبر التغيير
لم يغير مشهدًا واحدًا
كأن الزمن في لحظة
قد تحجر على خشبة
المسرح الأبدي
والدهشة يصيبها الأرتباك
كلما تكرر المشهد
والشخصيات تخنق الأنفاس
أعجب من حكمة المخرج
في أختيار بغايا الكراسي
وأشكال أهل المناصب
كيف أنهم متشابهون بالقبح
لكنهم يلعبون أدوار
السلطة ببراعة مذهلة
فاللصوص أذكياء
يجيدون الدراما ويحفظون
السيناريو قبل العرض
كيف لم ينهر المسرح بعد
كيف يصفق الجمهور حتى الآن
“عاش المسرح عاش المسرح”