لكل صوتٍ ذاكرة

صورة الكاتب
بقلم: عدنان لفتة السماوي
التاريخ: 8 مارس 2026 عدد المشاهدات: 1899
لكل صوتٍ ذاكرة

لكل صوتٍ ذاكرة

اندفعوا نحو الباب الخارجي، فاهتزّ المفصل الحديدي وصكّته الريح. توافد الأهل والأقربون، تتداخل أصواتهم كأمواجٍ قصيرة؛ دعاءٌ متقطّع، نشيجٌ مكتوم، وأسماء تتردد في الهواء. كنت أميّزهم من نبراتهم وحدها. لكل صوتٍ ذاكرة، ولكل نبرة أثرٌ في صدري. إلا صوتًا واحدًا لم أسمعه…صوت كرار.
– دائمًا يراودني موضوع أن أختفي فجأة من بين عائلتي وأصدقائي. لا أعرف ما أصابني في تلك الليلة المشؤومة وأنا أسمع الصراخ بعد أن أصبح جسمي باردًا ولا أقدر على فعل شيء. أعرف أني رُفعت من السرير بقوة، لكن كنت أتحسس أنفاسه وهو يحملني بكل قوة ويركض إلى السيارة، وكيف كاد أن ينقطع نفسه من شدة ثقلي. كيف أصبحت بهذا الوزن وأنا كنت نحيلًا، كنت نحيفا وعظام حوضي بارزتان من الجوانب؟ أسمعهم في السيارة، ومن بين الصراخ قالوها أكثر من مرة: هسه مابي شيء، وصراخ يتعالى. يوجد هواء داخل في جوفي وأصبحت باردًا، لكن لم أقدر أرفع حتى إصبع السبابة. انقطعت الأصوات وأصبحت غير مفهومة وتبتعد بأختفاء تدريجي!…
لم أجد صوته بينهم، كرار لم يكن يفارقني أبدًا. الهمسات أصبحت بصوت عالٍ، العيون حمراء، وأصوات البكاء ملأت المكان بين الزوايا.
بردُ البلاط يتسلل إلى ظهري. رائحة الكافور تسبق الأيدي. سقفٌ أبيض يحدّق بي بلا رحمة. حاولت أن أرفع رأسي لأبحث عنه بين الوجوه، لكنني لم أشعر بثقلٍ ولا بخفّة؛ فقط سكون غريب يضغط على صدري..
كرار… آخر ما قلتُه له ما زال عالقًا في فمي: «كبرتَ وما زلتَ تبكي كالأطفال.» ضحكوا يومها. لم يضحك هو. نظر إليّ طويلًا ثم غادر ولم أتبعه…
انفتح باب المغتسل، ودخلوا بي. قال صاحبه بصوتٍ ثابت: «ساعدوني… نبدأ.»
تداولوا كلمة “المرحوم” كما لو كانت اسمًا معروفًا بينهم. انتظرتُ أن يذكر أحدهم اسمي، أن يصححوا الخطأ، أن يلتفتوا نحوي. لم يحدث شيء. حين لامس الماء جلدي، شعرتُ به باردًا… لكن دون ألم.
حاولت أن أقبض أصابعي، أن أقاوم، أن أقول: أنا هنا.
الصوت لم يخرج. والجسد لم يتحرك. غسّلوني بصمتٍ محترف، لفّوني بقماشٍ أبيض، شدّوا العقد بإحكام. كنت أرى حركاتهم بوضوحٍ غريب، كأنني أقف خلفهم لا بينهم. عندها فقط بدأ الفهم يتسلل ببطء، كظلٍ يطول على الجدار: هذا الجسد ليس مكانًا لي بعد الآن.
أخرجوني. عبرنا عتبة الباب ..
هناك… كان كرار.
واقفًا عند الباب، حافي القدمين، قميصه ممزق عند الكتف، عيناه غارقتان في شيء أعمق من الدموع. كان يضرب كفًا بكف، يهمس باسمي، باسمي أنا هذه المرة، كأنه يحاول أن يستدعيه من الهواء. اقترب خطوة ثم تراجع، وكأنه يخاف أن يصدق ما يرى.
تعبتُ في أيامي الأخيرة وأنا أبحث عنه لأعتذر. كنت أطرق بابه ولا يفتح. أكتب ولا يجيب. والآن هو هنا… بعد أن أُغلق كل شيء. مرّوا بي نحوه، لكنه لم يرني.
كان ينظر إلى النعش، لا إلى المكان الذي أقف فيه.
ذهبوا بالجسد نحو المقبرة.أما أنا، فتوقفت عند باب المغيسل. بقي كرار جالسًا على عتبة الباب ، يحدّق في الأرض طويلاً. صوته انخفض حتى صار همسًا متكسّرًا.
لم يكن في المكان شيء سوى بابٍ نصف مفتوح، وصديقٍ يتأخر دائمًا دقيقةً واحدة عن كل شيء.

عن الکاتب / الکاتبة

عدنان لفتة السماوي
عدنان لفتة السماوي
قاص / العراق

مقالات أخرى للكاتب

الشُرفة

الشُرفة

الشرفة في ذلك اللقاء بدت لي كما أعرفها قريبة إلى الحد الذي يجعل حضورها بديهيًا.…

صورة الكاتب عدنان لفتة السماوي
21 مارس 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


لكل صوتٍ ذاكرة

بقلم: عدنان لفتة السماوي | التاريخ: 8 مارس 2026

التصنيف: قصة قصيرة

لكل صوتٍ ذاكرة

اندفعوا نحو الباب الخارجي، فاهتزّ المفصل الحديدي وصكّته الريح. توافد الأهل والأقربون، تتداخل أصواتهم كأمواجٍ قصيرة؛ دعاءٌ متقطّع، نشيجٌ مكتوم، وأسماء تتردد في الهواء. كنت أميّزهم من نبراتهم وحدها. لكل صوتٍ ذاكرة، ولكل نبرة أثرٌ في صدري. إلا صوتًا واحدًا لم أسمعه…صوت كرار.
– دائمًا يراودني موضوع أن أختفي فجأة من بين عائلتي وأصدقائي. لا أعرف ما أصابني في تلك الليلة المشؤومة وأنا أسمع الصراخ بعد أن أصبح جسمي باردًا ولا أقدر على فعل شيء. أعرف أني رُفعت من السرير بقوة، لكن كنت أتحسس أنفاسه وهو يحملني بكل قوة ويركض إلى السيارة، وكيف كاد أن ينقطع نفسه من شدة ثقلي. كيف أصبحت بهذا الوزن وأنا كنت نحيلًا، كنت نحيفا وعظام حوضي بارزتان من الجوانب؟ أسمعهم في السيارة، ومن بين الصراخ قالوها أكثر من مرة: هسه مابي شيء، وصراخ يتعالى. يوجد هواء داخل في جوفي وأصبحت باردًا، لكن لم أقدر أرفع حتى إصبع السبابة. انقطعت الأصوات وأصبحت غير مفهومة وتبتعد بأختفاء تدريجي!…
لم أجد صوته بينهم، كرار لم يكن يفارقني أبدًا. الهمسات أصبحت بصوت عالٍ، العيون حمراء، وأصوات البكاء ملأت المكان بين الزوايا.
بردُ البلاط يتسلل إلى ظهري. رائحة الكافور تسبق الأيدي. سقفٌ أبيض يحدّق بي بلا رحمة. حاولت أن أرفع رأسي لأبحث عنه بين الوجوه، لكنني لم أشعر بثقلٍ ولا بخفّة؛ فقط سكون غريب يضغط على صدري..
كرار… آخر ما قلتُه له ما زال عالقًا في فمي: «كبرتَ وما زلتَ تبكي كالأطفال.» ضحكوا يومها. لم يضحك هو. نظر إليّ طويلًا ثم غادر ولم أتبعه…
انفتح باب المغتسل، ودخلوا بي. قال صاحبه بصوتٍ ثابت: «ساعدوني… نبدأ.»
تداولوا كلمة “المرحوم” كما لو كانت اسمًا معروفًا بينهم. انتظرتُ أن يذكر أحدهم اسمي، أن يصححوا الخطأ، أن يلتفتوا نحوي. لم يحدث شيء. حين لامس الماء جلدي، شعرتُ به باردًا… لكن دون ألم.
حاولت أن أقبض أصابعي، أن أقاوم، أن أقول: أنا هنا.
الصوت لم يخرج. والجسد لم يتحرك. غسّلوني بصمتٍ محترف، لفّوني بقماشٍ أبيض، شدّوا العقد بإحكام. كنت أرى حركاتهم بوضوحٍ غريب، كأنني أقف خلفهم لا بينهم. عندها فقط بدأ الفهم يتسلل ببطء، كظلٍ يطول على الجدار: هذا الجسد ليس مكانًا لي بعد الآن.
أخرجوني. عبرنا عتبة الباب ..
هناك… كان كرار.
واقفًا عند الباب، حافي القدمين، قميصه ممزق عند الكتف، عيناه غارقتان في شيء أعمق من الدموع. كان يضرب كفًا بكف، يهمس باسمي، باسمي أنا هذه المرة، كأنه يحاول أن يستدعيه من الهواء. اقترب خطوة ثم تراجع، وكأنه يخاف أن يصدق ما يرى.
تعبتُ في أيامي الأخيرة وأنا أبحث عنه لأعتذر. كنت أطرق بابه ولا يفتح. أكتب ولا يجيب. والآن هو هنا… بعد أن أُغلق كل شيء. مرّوا بي نحوه، لكنه لم يرني.
كان ينظر إلى النعش، لا إلى المكان الذي أقف فيه.
ذهبوا بالجسد نحو المقبرة.أما أنا، فتوقفت عند باب المغيسل. بقي كرار جالسًا على عتبة الباب ، يحدّق في الأرض طويلاً. صوته انخفض حتى صار همسًا متكسّرًا.
لم يكن في المكان شيء سوى بابٍ نصف مفتوح، وصديقٍ يتأخر دائمًا دقيقةً واحدة عن كل شيء.