منديل أمّي، وحقيبة أبي.
(حول قوّة الاعتراف)
في خطاب ظفرها بجائزة نوبل للآداب، في خريف عام 2009، ألقت الكاتبة الألمانية “هيرتا موللر” خطابا قصرته على ذكرياتها؛ فتحدّثت عن طفولتها، وشبابها، وحياتها عاملة، ثم كاتبة، حديثا مترابطا جعل من الذّكرى قاعدة ارتكاز. وفي سياق ذلك تطرّقت إلى أمها وأبيها، وجدّتها وجدّها، وعن جملة من أصدقائها، كانوا شهودا على ما حلّ بالأقلّيّة الألمانية في رومانيا من تنكيل بُعيد الحرب العالميّة الثّانية حيث اتُّهِمَتْ بموالاة النّازيّين. وإذَا كان حفل نوبل جديرًا بأن يقدّم فيه الفائز خلاصة تجربته في الكتابة والحياة، فإنّ ذكريات هيرتا موللر استأثرت فيه بالمقام الأعلى؛ لم ينفرط عقد الذّكريات فأُلْقِيَت مسترسلة من غير حبكة، واختارت الفائزة “المنديل” وجعلته المركز النّاظم لذكرياتها. ذلك المنديل الّذي حرصت أمّها على عدم مغادرة ابنتها المنزل من دونه.
لم تغادر هيرتا باب الدّار يوما إلّا وقد سمعت صوت أمّها يذكّرها بالمنديل، حتّى إنها ربطت بين أمّها، وشعورها بالأمن الشخصي “المنديل هو الدّليل الّذي يثبت لي أنّ أمي تحميني في الصّباح”؛ بدا المنديل أشبه بتعويذة حامية رافقها في محنها كافّة: حملته إلى مدرسة القرية، وإلى الجامعة في المدينة، وإلى المعمل حيث عملتْ مترجمة، وحملته في ألمانيا بعد هجرتها حيث انتهت بها الحال مواطنة فيها. لم يفارقها المنديل حيثما حلّت. وتوسّعت في ذكره لدى أفراد أسرتها، وزادت بأن تعقّبته عند أصدقائها إبان محنهم الّتي مرّوا بها -وهي ليست قليلة- كالشّاعر “أوسكار باستيور” الّذي سيق للسّخرة في روسيا قُبَيْل انتهاء الحرب، وجعلته بطلًا لروايتها “أرجوحة النّفس”، كأن هيرتا تتبرّك بمنديل أمها، فتحتمي به من صروف الأيام.
التماس البركة من أشياء موروثة أمر شائع بين كثير من النّاس، ولكن أن يكون رفيق درب كاتبة فهو أمر طريف، ويستحقّ الاهتمام، فقد حمل منديلُ الأمّ الأبنةَ من شقاء الطّفولة إلى المجد الّذي تخلعه جائزة نوبل على حائزيها. يُنْسب إلى الكتّاب، عادة، ظاهرةُ التطيّر لنزوعهم الدّنيوي الشعور بشيء من الارتياب، وبدرجة أقلّ بشيء من التّشاؤم، فليس من دأبهم التبرّك إلا بأقرانهم، وهو قليل، غير أنّ هيرتا، وقد شقّت طريقها الصعب وحيدة، وجدت نفسها بحاجة إلى حامٍ يحرس خطاها؛ فكان منديل الأمّ حاميها، ولم يكن موضوع ذكرى أعاد وصلها بأمّها، فحسب، إنّما هو علامة امتنان، ورمز عرفان.
لقد أمسى رُقْيَة تقي هيرتا من شرور الدّنيا، والظّاهر أنّها آمنت بتأثيره في مسار حياتها، ففي مجتمع شبه عدمي، أقصد المجتمع الثّقافي في العصر الحديث، من اللّافت للنّظر احتماء الكاتب برُقية. ومن المستبعد أنها كانت تخشى من جنون أو خوف لكي تعتصم بتميمة، فذلك معتقد أمسى بعيد المنال عند الكتّاب الّذين انقطعوا عمّا كان يدّعيه “رابليه” المتبرّك بصندوق يزعم أنّه يعود إلى سقراط، فرابليه متهكّم، وساخر، ومزدرٍ، ويجرح من حيث يداوي، ويميت من حيث يُحيي، فحاذره الكتّاب في العصور الحديثة، حتّى إنّهم ليرتعدوا من ذكراه المخمورة. إن لم تكن هيرتا متوجّسة من جنون قد يلحق بها، فما وجه تعلّقها بمنديل أمها؟ هل لإزاحة الخوف من خبل محتمل يلحق بها، فلا يبقى غير انتظار البركة؟ إذًا، لم يكن المنديل حدثا عارضا في حياتها، ولا في ما كتبت من مؤلّفات، إنّما كان من لوازم سيرتها كاتبةً وإنسانةً، لا انفكاك بينهما، ولا افتراق.
في كتابها “الملك ينحني ليقتل” ربطت هيرتا المنديل بذكرى مزعجة، ذكرى تبعث على القلق. كانت قد أصبحت مواطنة ألمانيّة، ولم تعد رومانيّة، فزارتها صديقة عزيزة عرفتْها مذ كانت تعيش في رومانيا، وعنها قالت: “لأنّنا كنّا صديقتيْن قريبتيْن جدّا، فقد كنّا نرى بعضنا يوميًّا، وهذا ما جعل صداقتنا أقوى. كانت الواحدة منّا تحتاج في الأخرى إلى الجانب الّذي لا تملكه هي، لقد كان قربًا لا يجوز التكلّم عنه”. شاركتها الصّديقة، وهي مهندسة، في مقت نظام “شاوشيسكو”، واعتادت هيرتا أن تخبرها بما يحدث لها في أروقة الأمن في أثناء التّحقيق معا، وهي تدافع عن التّهم الّتي أُلصقت بها. كانت تسرّ إليها بما لا تسّر به إلى أحد سواها، ويعرف جميع من حولها علاقتهما الوثيقة، ومع ذلك ظلّت تلك الصّديقة بمنأى عن ملاحقات النّظام؛ لم تقع مساءلتها عن الارتباط بصديقة مشبوهة، دأبت أجهزة الأمن على استجوابها. ما إن حلّت المهندسة ضيفة في بيت صديقتها الكاتبة في ألمانيا، حتّى أفصحت عن مهمّتها: إذ بعثتها المخابرات الرّومانية لتبلّغها بأنّها مدرجة ضمن “قائمة الملاحَقين الّذين يجب قتلهم”.
تخويف يشلّ الإرادة، ويدمّر ركائز الصّداقة، ويخرّب تجربة حياة مشتركة بكاملها؛ تبيّن أنّ الصّديقة كانت عميلة لأجهزة الأمن الرّومانية، وأُرسِلت إلى بلد آخر، لتبثّ الذّعر في نفس مواطنة رومانيّة سابقة، هجرت بلادها جرّاء الضّرر الّذي لحق بها؛ أفصحت الصّديقة عن مهمّتها دون مواربة، فقد أُرغمت على حمل رسالة تهديد صريحة. بعد استضافة استغرقت مدّة يومين في البيت، رافقتها هيرتا إلى محطّة القطار، وقد خُذلت بصديقة انخرطت في عمل لصالح المخابرات “أخذتُها إلى محطّة القطار، وهنالك على رصيف القطار، حيث سافرتْ، تركتُ منديل الجيب، الّذي كان عليّ أن ألوّح لها به مودّعة، في مكانه. لقد رفضتُ المنديل الّذي كان عليّ أن أمسح به دموع بكائي. أمّا منديل الجيب الّذي كان عليّ عقده كي لا أنسى، فلم أحتج إليه لأنّ العقدة كانت قد رُبطت في رقبتي”.
بعد سنتين من ذلك تُوُفِّيت الصّديقة بالسّرطان الّذي التهم ثديها، الثّدي رمز للعطاء والبذل، وربّما يرمز للانتساب والقرابة، فأن يلتهمه مرض خبيث، فمعنى ذلك انقطاع الصلة بالآخرين، إذ الصّداقة الحقيقيّة، هي بمعنى من المعاني، ارتضاع متبادل للمودّة لا يتوقّف، ولا يقبل الغشّ. لقد دفع ثدي طريّ ثمن خيانة صاحبته. لم تُخْفِ هيرتا حبّها لصديقتها، غير أنّها جافتها، وأعرضت عنها، لمّا علمت بأنّها وضعت نفسها في خدمة الشّرطة السّرّية للنّيل من صديقة عزيزة عليها. فمن الأخطاء الجسيمة أن يسخّر الصّديقُ الثّقةَ الممنوحة له لإلحاق ضرر بصديقه، إذ إنّ الصّداقة إخلاص مطلق بالمودّة، وهي أقوى من صلة الأخوّة، وأوثق من علاقة الأبوّة. فجأة انتقض عهد الصّداقة بين هيرتا ورفيقة دربها، فحمل المنديل، هذه المرة، ذكرى مريعة عن صديق طعن الصّداقة، كما حمل رسالة تهديد بالقتل من بلد إلى بلد، ليحظى بحياة ذليلة. لم يكن في وارد هيرتا الانتقام، لكنّ أعراف الصّداقة، في كلّ ما له علاقة بالخيانة، لا تعترف بالغفران، ولا تقرّ الصّفح، غير أنّ الورم الخبيث قطع دابر رمز الصّداقة إلى الأبد.
وإذ كان “منديل الأم” تعويذة حامية لاذت بها هيرتا موللر في مواجهة صعاب الحياة، واستيعاب عِبرها، والذّود عن هويّتها، فكأنّه نقيض لـــــ”حقيبة الأب” الّتي جعلها “أورهان باموك” محور خطاب فوزه بنوبل في عام 2006، إذ وقوفه الطّويل أمام تلك الحقيبة المتروكة في غرفته رسم هُويّته كاتبا. تتكوّن الهويّة الشّخصيّة للابن من خليط الاتّصال بالأب والانفصال عنه؛ اتّصال بالنّسب، وانفصال بالطباع. في وقتٍ ما ترك الأب حقيبته في زاوية غرفة الابن في إسطنبول، وقد تُركتْ هناك طويلًا، ربما نساها حيث تركها، وربما كان المكان مناسبا لإيداعها، والنّبش في أسباب تركها ليس نافعا؛ فللأب سلطة ترك حقيبته حيث يشاء في بيته، ولكن ليس للابن حقّ في التّفتيش عمّا في الحقيبة، فقد تطوي أسرار الأب، وهو مغامر وكثير الأسفار، ولا يجوز النّبش في أسراره، ولا يحقّ للابن نفض الغبار مهما طال الزّمان بها، فنبْش ما كان مدفونا غير محمود، وإلى ذلك فلا حاجة بأورهان إلى فتح حقيبة أبيه ما دام حيّا، ولو تجاسر وخالف ذلك، فسيصبح كأنّه يضمر رغبة في موت أبيه، وهو أمر شائن.
مرّت سنوات على تلك الحال، إذ ما إن يقع بصر الابن على حقيبة الأب حتّى تتداعى له خواطر كثيرة، تتشابك في باله، ولا تنتهي إلى مخلص، إلى أن انقضى أجل الأب. حالما خلا البيت من ظلّ الأب انبعثت رغبة قويّة في نفس الابن لمعرفة ما أُخْفي عنه، فضول جامح تصعب مقاومته، لم يصمد أمامه إلّا قلّة من النّاس طوال التّاريخ، فبمجرّد موت الأب ينبغي على الورثة تناهب أمواله وأسراره، وحتّى السّطو على ذكرياته. وكأنّهم بذلك يعيدون تدوير فكرة التّملّك الأبوي، وبعد أن كانت البنوّة مملوكة أضحت مالكة. لم يتمكّن أورهان من مخالفة تلك القاعدة الموروثة منذ عصر آدم، ومع ذلك أمضى أيّاما لم يجرؤ فيها على الاقتراب من الحقيبة، غير أنّه فشل في كبح تفكيره بها، وكأنّ نسيان أمرها فوق طاقته، فالنّسيان في مثل تلك الأحوال نعمة، لأنّه يُعْفي المرء من القلق، فأن ينسى معناه أن يكون خليّ البال. ولمّا كان أورهان من كتّاب الذّاكرة، فليس من سجاياه التّناسي، ولا النّسيان، فذلك لا يتوافق مع كاتب جعل من الذّاكرة في رواياته كأنّها النّسغ الحيّ الوحيد الّذي يغذّيها.
دام الأمر طويلًا، ووقع احتيال، أشبه ما يكون بالإبدال، لم يعد ينظر للأمر بوصفه ابنًا، إنّما بوصفه كاتبا، لقد تغلّبت عليه مخاوف الكاتب الّذي لا يريد لأبيه أن يكون منافسا له؛ خشي أن يعثر في الحقيبة على ما لا يخطر له، فربّما أودع الأب في حقيبته مؤلّفات مخطوطة لا يعرف الابن بما فيها، وآنذاك سيكون أمام حقيقة صعبة عليه، حقيقة قد تزعزع أركان عالمه كاتبا، فهو إمّا سيصاب بخيبة أمل في حال كون الأب كاتبا رديئا، إذ ليس من الصّواب التّشفّي بالأب حتّى لو كان منافسا، وإمّا ستأكله الغيرة في حال كون الأب كاتبًا مميّزا، فهو بذلك سيكون دائم المكوث في ظلّ أب موهوب؛ سوفيقال: إنّ هذا الشّبل من ذاك الأسد. سوف يبقى شبلا ما دام حيّا، ولن يترقّى إلى منزلة الأسد، فتلك خاصّة بالأب. كان أورهان في حال من لا يريد ذلك، وفي حال من لا يرغب في هذا، أمر مقلق، وقد يُفْقِد المرء رشده إن هو أطال التّفكير فيه.
ولكن، مهلا، فهو لم يرسم لأبيه صورة الكاتب، فذلك دور لم يخطر له، وفي أعماقه الدّفينة لا يرغب فيه، قد يصلح الابن وارثا لأب غنيّ، أو وريثا لصاحب سلطة، عندئذ يؤول إليه المال والنّفوذ. فذلك ميراث مادّي يتباهى به الورثة، ولكن لن يكون الابن وارثا لأب كاتب، فتلك ورثة ثقيلة الوزن تنقض الموهبة، وتطعن البراعة، وتحيل الكاتب تابعا، أما هو فيريد أن يكون متبوعا. الميراث الرّمزي سوف يجعله من فئة التّابعين أبد الدّهر لأب تهرّأت عظامه تحت التّراب.
ما الحلّ المتاح أمام كاتب لا يريد الإساءة لذكرى أبيه، ولا يريد الاستظلال بظلّه؟ حلّ واحد لا غير، وهو ما خطر لأورهان: أن تكون كاتبًا، فينبغي عليك قطع حبل السّرّة بأبيك ثريًّا كان أم موهوبًا دون الإساءة إليه، أي أنه كان يريد أبًا غير مزاحم له في الكتابة. واستقلال هويّة الكاتب مطلب لا يتحقّق بوجود أيّ ميراث أبويّ. على أنّه لم يكن على وئام مع أبيه، شأنه في ذلك شأن دوستويفسكي، وكافكا، وغراس، وهيوز، وخصّ علاقتهما الشّائكة بصفحات في سيرته “إسطنبول: الذّكريات والمدينة”. ولــ”تورغنيف” رواية اسمها “الآباء والبنون” تعرض جوانب من العلاقات الشّائكة بين الآباء والأبناء. وكان فرويد قد خلص إلى أنّ انفصال الأبناء عن الآباء ضرورة لازمة، وإن كانت مؤلمة، لاستمرار الحياة، فلا تصبح للأبناء حياة طبيعية إلا بالانفصال عن الآباء. وكما قال جويس على لسان ديدالوس، فإنّ “الأب شرّ لا بدّ منه”. وفكرة قتل الأب، بمعنى التّخلّص من تأثيره الكابح للأبناء، لها جذر عميق في الآداب الإنسانيّة.
وعلى غير علاقة الودّ الّتي جمعت هيرتا بأمّها- الّتي عادت صلعاء، من سخرة الرّوس لها في أوكرانيا، بحسبها ألمانيّة الدم، وجعلت من المنديل علامة ودّ بينهما طوال حياتها، المنديل بوصفه علامة تربط بين اثنتيْن، وبين روحيْن، وبين كفّيْن، علامة زاهية اللّون ترفرف بين الأصابع، أو تُحمَل بالكفّ، فتوهم بالغبطة- طمر أورهان علاقته بأبيه في قعر حقيبة جلديّة سوداء عفا عليها الزّمن. ما كان يخشاه هو أن يكون الابن نسخة لأب لم يعترف به أحد كاتبا في تركيا، لقد كان أبوه أشبه ما يكون برحّالة لم يصرف همّه لعائلته، فداوم على أسفار متعاقبة لا يفصح فيها عمّا يقوم به، ولم يكن في وارده أن يكون أديبًا ذا شأن.
وحينما انتهى الابن إلى هذه النّتيجة شعر بالارتياح، إذ إنّه لا يحتمل أن تحتوي حقيبة أبيه شيئا جديرا بالاعتبار، ووجد لذلك ذريعة أغرب من الخيال في عالم الكتّاب. فلكي تكون كاتبا مجيدا، لا يجوز أن تبدّد عمرك بالترحّل، بل الانكباب على الكتابة ليلًا نهارًا بلا هوادة. ويجب أن تغلق على نفسك باب بيتك بإحكام، وتسدل ستائر غرفتك، كي لا تصاب بداء التّرحّل الّذي ينتهك عزلتك كاتبًا، ويجعلك دخيلًا في مملكة الأدب. فالتّرحال لا يخلق كاتبا إنّما يشفط رحيق خياله. لم يتمكّن الأب من الامتثال لذلك الشرط الغريب للكتابة، أما الابن فقد تمكّن منه، وعلى ذلك، فمن المستبعد أن تطوي حقيبة الأب أدبًا يشار إليه بالبنان، ذلك احتمال بعيد الوقوع، والأرجح أن تقبع في قعرها جملة انطباعات عابرة عن مدن وبلدان مرّ بها الأب متعجّلًا، وخلّف عنها شذرات سريعة من خواطره، فالأفضل أن تظلّ مقفلة على ما بها.
ولكن هل من فرق بين رجل يرتحل ويكتشف ويتعلّم، وآخر يعتكف ويتخيّل ويتوهّم؟ كنت في “موسوعة السّرد العربي” قد تطرّقت إلى شيء من ذلك حول باموك، وها هي ذي الفقرة الخاصّة به: “اعتكف الابن في غرفة مغلقة ليكتب رواياته، أما الأب فكان يسافر من أجل أن يكتب انطباعاته وملاحظاته ومذكّراته، مُودِعًا إيّاها في حقيبة مقفلة. لا فرق في نهاية المطاف بين الاثنين، فكلّ منهما يُخفي نفسه أو تجاربه في مكان بعيد عن الأنظار. يعيش الأوّل حياة معلَنَة، ثمّ يطمر تفاصيلها في حقيبة يدويّة، ويعيش الثّاني حياة سرّيّة، وينشر تخيّلاته على الملأ بكتب مطبوعة. ثمّة حامل للتّجارب سواء أكان حقيبة أم كتابا، وكما أنّه يُحتمل ألاّ تُفتَح حقيبة الأب، فليس من اللّازم أن تُقرأ روايات الابن. ظنّ الابن أنّه من الخطأ أن يكون امتدادًا لأب كاتب وقع تحت تأثير كتّاب آخرين، فتلك سلسلة مزعجة من التّأثيرات الّتي تُخفي موهبة الابتكار وتعوقها، ولهذا رغب في أن يكون أبوه أبا فحسب، كي تبدأ الأمور به، أي بالابن. ذاك شعور نفسيّ خطير عالجه من قبلُ فرويد بطرحه فكرة “قتل الأب”، أي عدم امتلاك الهُويّة النّاجزة بوجود تبعيّة تربط الابن بأبيه. خالج الابن ذلك الشّعور، فظلّ يحوم حول فكرة الأب، وحول الحقيبة المقفلة، فهو لا يريد أن يعترف بقيمة محتوياتها، ولا بأهمّيّة كاتبها”.
ربّما تكون “حقيبة الأب” كناية عن حافز مضمَر رُكِن في زوايا مكتبة الابن طويلا، وربّما تكون رمزا لعبء الأبوّة الّذي يتجنّب كثير من الأبناء استيعابه إلاّ بتأفّف، وربّما يضمر الأبناء كراهيّة لفكرة الاستمراريّة عبر فكرة الأبوّة، ويريدون اطّرادها بالبنوّة. لم يشر أورهان إلى أبنائه، إنّما أشار إلى كتبه، ففيها انتسابه اللّاحق، ومنها ينبغي أن تبدأ الأشياء المهمّة، أي الانقطاع عن الأبوّة. وعلى غير ما ذهب إليه الكاتب التّركي، فقد كثّفت الكاتبة الألمانيّة من ظلال أمّها في حياتها، وبعد مماتها، فاستلهمت تجربة السّخرة الّتي تعرّضت لها على يد الرّوس، وجعلت منديلها أيقونة قاومت به مشاقّ حياتها.
مقالات أخرى للكاتب
لا توجد مقالات أخرى لهذا الكاتب.
منديل أمّي، وحقيبة أبي. “حول قوّة الاعتراف”
منديل أمّي، وحقيبة أبي.
(حول قوّة الاعتراف)
في خطاب ظفرها بجائزة نوبل للآداب، في خريف عام 2009، ألقت الكاتبة الألمانية “هيرتا موللر” خطابا قصرته على ذكرياتها؛ فتحدّثت عن طفولتها، وشبابها، وحياتها عاملة، ثم كاتبة، حديثا مترابطا جعل من الذّكرى قاعدة ارتكاز. وفي سياق ذلك تطرّقت إلى أمها وأبيها، وجدّتها وجدّها، وعن جملة من أصدقائها، كانوا شهودا على ما حلّ بالأقلّيّة الألمانية في رومانيا من تنكيل بُعيد الحرب العالميّة الثّانية حيث اتُّهِمَتْ بموالاة النّازيّين. وإذَا كان حفل نوبل جديرًا بأن يقدّم فيه الفائز خلاصة تجربته في الكتابة والحياة، فإنّ ذكريات هيرتا موللر استأثرت فيه بالمقام الأعلى؛ لم ينفرط عقد الذّكريات فأُلْقِيَت مسترسلة من غير حبكة، واختارت الفائزة “المنديل” وجعلته المركز النّاظم لذكرياتها. ذلك المنديل الّذي حرصت أمّها على عدم مغادرة ابنتها المنزل من دونه.
لم تغادر هيرتا باب الدّار يوما إلّا وقد سمعت صوت أمّها يذكّرها بالمنديل، حتّى إنها ربطت بين أمّها، وشعورها بالأمن الشخصي “المنديل هو الدّليل الّذي يثبت لي أنّ أمي تحميني في الصّباح”؛ بدا المنديل أشبه بتعويذة حامية رافقها في محنها كافّة: حملته إلى مدرسة القرية، وإلى الجامعة في المدينة، وإلى المعمل حيث عملتْ مترجمة، وحملته في ألمانيا بعد هجرتها حيث انتهت بها الحال مواطنة فيها. لم يفارقها المنديل حيثما حلّت. وتوسّعت في ذكره لدى أفراد أسرتها، وزادت بأن تعقّبته عند أصدقائها إبان محنهم الّتي مرّوا بها -وهي ليست قليلة- كالشّاعر “أوسكار باستيور” الّذي سيق للسّخرة في روسيا قُبَيْل انتهاء الحرب، وجعلته بطلًا لروايتها “أرجوحة النّفس”، كأن هيرتا تتبرّك بمنديل أمها، فتحتمي به من صروف الأيام.
التماس البركة من أشياء موروثة أمر شائع بين كثير من النّاس، ولكن أن يكون رفيق درب كاتبة فهو أمر طريف، ويستحقّ الاهتمام، فقد حمل منديلُ الأمّ الأبنةَ من شقاء الطّفولة إلى المجد الّذي تخلعه جائزة نوبل على حائزيها. يُنْسب إلى الكتّاب، عادة، ظاهرةُ التطيّر لنزوعهم الدّنيوي الشعور بشيء من الارتياب، وبدرجة أقلّ بشيء من التّشاؤم، فليس من دأبهم التبرّك إلا بأقرانهم، وهو قليل، غير أنّ هيرتا، وقد شقّت طريقها الصعب وحيدة، وجدت نفسها بحاجة إلى حامٍ يحرس خطاها؛ فكان منديل الأمّ حاميها، ولم يكن موضوع ذكرى أعاد وصلها بأمّها، فحسب، إنّما هو علامة امتنان، ورمز عرفان.
لقد أمسى رُقْيَة تقي هيرتا من شرور الدّنيا، والظّاهر أنّها آمنت بتأثيره في مسار حياتها، ففي مجتمع شبه عدمي، أقصد المجتمع الثّقافي في العصر الحديث، من اللّافت للنّظر احتماء الكاتب برُقية. ومن المستبعد أنها كانت تخشى من جنون أو خوف لكي تعتصم بتميمة، فذلك معتقد أمسى بعيد المنال عند الكتّاب الّذين انقطعوا عمّا كان يدّعيه “رابليه” المتبرّك بصندوق يزعم أنّه يعود إلى سقراط، فرابليه متهكّم، وساخر، ومزدرٍ، ويجرح من حيث يداوي، ويميت من حيث يُحيي، فحاذره الكتّاب في العصور الحديثة، حتّى إنّهم ليرتعدوا من ذكراه المخمورة. إن لم تكن هيرتا متوجّسة من جنون قد يلحق بها، فما وجه تعلّقها بمنديل أمها؟ هل لإزاحة الخوف من خبل محتمل يلحق بها، فلا يبقى غير انتظار البركة؟ إذًا، لم يكن المنديل حدثا عارضا في حياتها، ولا في ما كتبت من مؤلّفات، إنّما كان من لوازم سيرتها كاتبةً وإنسانةً، لا انفكاك بينهما، ولا افتراق.
في كتابها “الملك ينحني ليقتل” ربطت هيرتا المنديل بذكرى مزعجة، ذكرى تبعث على القلق. كانت قد أصبحت مواطنة ألمانيّة، ولم تعد رومانيّة، فزارتها صديقة عزيزة عرفتْها مذ كانت تعيش في رومانيا، وعنها قالت: “لأنّنا كنّا صديقتيْن قريبتيْن جدّا، فقد كنّا نرى بعضنا يوميًّا، وهذا ما جعل صداقتنا أقوى. كانت الواحدة منّا تحتاج في الأخرى إلى الجانب الّذي لا تملكه هي، لقد كان قربًا لا يجوز التكلّم عنه”. شاركتها الصّديقة، وهي مهندسة، في مقت نظام “شاوشيسكو”، واعتادت هيرتا أن تخبرها بما يحدث لها في أروقة الأمن في أثناء التّحقيق معا، وهي تدافع عن التّهم الّتي أُلصقت بها. كانت تسرّ إليها بما لا تسّر به إلى أحد سواها، ويعرف جميع من حولها علاقتهما الوثيقة، ومع ذلك ظلّت تلك الصّديقة بمنأى عن ملاحقات النّظام؛ لم تقع مساءلتها عن الارتباط بصديقة مشبوهة، دأبت أجهزة الأمن على استجوابها. ما إن حلّت المهندسة ضيفة في بيت صديقتها الكاتبة في ألمانيا، حتّى أفصحت عن مهمّتها: إذ بعثتها المخابرات الرّومانية لتبلّغها بأنّها مدرجة ضمن “قائمة الملاحَقين الّذين يجب قتلهم”.
تخويف يشلّ الإرادة، ويدمّر ركائز الصّداقة، ويخرّب تجربة حياة مشتركة بكاملها؛ تبيّن أنّ الصّديقة كانت عميلة لأجهزة الأمن الرّومانية، وأُرسِلت إلى بلد آخر، لتبثّ الذّعر في نفس مواطنة رومانيّة سابقة، هجرت بلادها جرّاء الضّرر الّذي لحق بها؛ أفصحت الصّديقة عن مهمّتها دون مواربة، فقد أُرغمت على حمل رسالة تهديد صريحة. بعد استضافة استغرقت مدّة يومين في البيت، رافقتها هيرتا إلى محطّة القطار، وقد خُذلت بصديقة انخرطت في عمل لصالح المخابرات “أخذتُها إلى محطّة القطار، وهنالك على رصيف القطار، حيث سافرتْ، تركتُ منديل الجيب، الّذي كان عليّ أن ألوّح لها به مودّعة، في مكانه. لقد رفضتُ المنديل الّذي كان عليّ أن أمسح به دموع بكائي. أمّا منديل الجيب الّذي كان عليّ عقده كي لا أنسى، فلم أحتج إليه لأنّ العقدة كانت قد رُبطت في رقبتي”.
بعد سنتين من ذلك تُوُفِّيت الصّديقة بالسّرطان الّذي التهم ثديها، الثّدي رمز للعطاء والبذل، وربّما يرمز للانتساب والقرابة، فأن يلتهمه مرض خبيث، فمعنى ذلك انقطاع الصلة بالآخرين، إذ الصّداقة الحقيقيّة، هي بمعنى من المعاني، ارتضاع متبادل للمودّة لا يتوقّف، ولا يقبل الغشّ. لقد دفع ثدي طريّ ثمن خيانة صاحبته. لم تُخْفِ هيرتا حبّها لصديقتها، غير أنّها جافتها، وأعرضت عنها، لمّا علمت بأنّها وضعت نفسها في خدمة الشّرطة السّرّية للنّيل من صديقة عزيزة عليها. فمن الأخطاء الجسيمة أن يسخّر الصّديقُ الثّقةَ الممنوحة له لإلحاق ضرر بصديقه، إذ إنّ الصّداقة إخلاص مطلق بالمودّة، وهي أقوى من صلة الأخوّة، وأوثق من علاقة الأبوّة. فجأة انتقض عهد الصّداقة بين هيرتا ورفيقة دربها، فحمل المنديل، هذه المرة، ذكرى مريعة عن صديق طعن الصّداقة، كما حمل رسالة تهديد بالقتل من بلد إلى بلد، ليحظى بحياة ذليلة. لم يكن في وارد هيرتا الانتقام، لكنّ أعراف الصّداقة، في كلّ ما له علاقة بالخيانة، لا تعترف بالغفران، ولا تقرّ الصّفح، غير أنّ الورم الخبيث قطع دابر رمز الصّداقة إلى الأبد.
وإذ كان “منديل الأم” تعويذة حامية لاذت بها هيرتا موللر في مواجهة صعاب الحياة، واستيعاب عِبرها، والذّود عن هويّتها، فكأنّه نقيض لـــــ”حقيبة الأب” الّتي جعلها “أورهان باموك” محور خطاب فوزه بنوبل في عام 2006، إذ وقوفه الطّويل أمام تلك الحقيبة المتروكة في غرفته رسم هُويّته كاتبا. تتكوّن الهويّة الشّخصيّة للابن من خليط الاتّصال بالأب والانفصال عنه؛ اتّصال بالنّسب، وانفصال بالطباع. في وقتٍ ما ترك الأب حقيبته في زاوية غرفة الابن في إسطنبول، وقد تُركتْ هناك طويلًا، ربما نساها حيث تركها، وربما كان المكان مناسبا لإيداعها، والنّبش في أسباب تركها ليس نافعا؛ فللأب سلطة ترك حقيبته حيث يشاء في بيته، ولكن ليس للابن حقّ في التّفتيش عمّا في الحقيبة، فقد تطوي أسرار الأب، وهو مغامر وكثير الأسفار، ولا يجوز النّبش في أسراره، ولا يحقّ للابن نفض الغبار مهما طال الزّمان بها، فنبْش ما كان مدفونا غير محمود، وإلى ذلك فلا حاجة بأورهان إلى فتح حقيبة أبيه ما دام حيّا، ولو تجاسر وخالف ذلك، فسيصبح كأنّه يضمر رغبة في موت أبيه، وهو أمر شائن.
مرّت سنوات على تلك الحال، إذ ما إن يقع بصر الابن على حقيبة الأب حتّى تتداعى له خواطر كثيرة، تتشابك في باله، ولا تنتهي إلى مخلص، إلى أن انقضى أجل الأب. حالما خلا البيت من ظلّ الأب انبعثت رغبة قويّة في نفس الابن لمعرفة ما أُخْفي عنه، فضول جامح تصعب مقاومته، لم يصمد أمامه إلّا قلّة من النّاس طوال التّاريخ، فبمجرّد موت الأب ينبغي على الورثة تناهب أمواله وأسراره، وحتّى السّطو على ذكرياته. وكأنّهم بذلك يعيدون تدوير فكرة التّملّك الأبوي، وبعد أن كانت البنوّة مملوكة أضحت مالكة. لم يتمكّن أورهان من مخالفة تلك القاعدة الموروثة منذ عصر آدم، ومع ذلك أمضى أيّاما لم يجرؤ فيها على الاقتراب من الحقيبة، غير أنّه فشل في كبح تفكيره بها، وكأنّ نسيان أمرها فوق طاقته، فالنّسيان في مثل تلك الأحوال نعمة، لأنّه يُعْفي المرء من القلق، فأن ينسى معناه أن يكون خليّ البال. ولمّا كان أورهان من كتّاب الذّاكرة، فليس من سجاياه التّناسي، ولا النّسيان، فذلك لا يتوافق مع كاتب جعل من الذّاكرة في رواياته كأنّها النّسغ الحيّ الوحيد الّذي يغذّيها.
دام الأمر طويلًا، ووقع احتيال، أشبه ما يكون بالإبدال، لم يعد ينظر للأمر بوصفه ابنًا، إنّما بوصفه كاتبا، لقد تغلّبت عليه مخاوف الكاتب الّذي لا يريد لأبيه أن يكون منافسا له؛ خشي أن يعثر في الحقيبة على ما لا يخطر له، فربّما أودع الأب في حقيبته مؤلّفات مخطوطة لا يعرف الابن بما فيها، وآنذاك سيكون أمام حقيقة صعبة عليه، حقيقة قد تزعزع أركان عالمه كاتبا، فهو إمّا سيصاب بخيبة أمل في حال كون الأب كاتبا رديئا، إذ ليس من الصّواب التّشفّي بالأب حتّى لو كان منافسا، وإمّا ستأكله الغيرة في حال كون الأب كاتبًا مميّزا، فهو بذلك سيكون دائم المكوث في ظلّ أب موهوب؛ سوفيقال: إنّ هذا الشّبل من ذاك الأسد. سوف يبقى شبلا ما دام حيّا، ولن يترقّى إلى منزلة الأسد، فتلك خاصّة بالأب. كان أورهان في حال من لا يريد ذلك، وفي حال من لا يرغب في هذا، أمر مقلق، وقد يُفْقِد المرء رشده إن هو أطال التّفكير فيه.
ولكن، مهلا، فهو لم يرسم لأبيه صورة الكاتب، فذلك دور لم يخطر له، وفي أعماقه الدّفينة لا يرغب فيه، قد يصلح الابن وارثا لأب غنيّ، أو وريثا لصاحب سلطة، عندئذ يؤول إليه المال والنّفوذ. فذلك ميراث مادّي يتباهى به الورثة، ولكن لن يكون الابن وارثا لأب كاتب، فتلك ورثة ثقيلة الوزن تنقض الموهبة، وتطعن البراعة، وتحيل الكاتب تابعا، أما هو فيريد أن يكون متبوعا. الميراث الرّمزي سوف يجعله من فئة التّابعين أبد الدّهر لأب تهرّأت عظامه تحت التّراب.
ما الحلّ المتاح أمام كاتب لا يريد الإساءة لذكرى أبيه، ولا يريد الاستظلال بظلّه؟ حلّ واحد لا غير، وهو ما خطر لأورهان: أن تكون كاتبًا، فينبغي عليك قطع حبل السّرّة بأبيك ثريًّا كان أم موهوبًا دون الإساءة إليه، أي أنه كان يريد أبًا غير مزاحم له في الكتابة. واستقلال هويّة الكاتب مطلب لا يتحقّق بوجود أيّ ميراث أبويّ. على أنّه لم يكن على وئام مع أبيه، شأنه في ذلك شأن دوستويفسكي، وكافكا، وغراس، وهيوز، وخصّ علاقتهما الشّائكة بصفحات في سيرته “إسطنبول: الذّكريات والمدينة”. ولــ”تورغنيف” رواية اسمها “الآباء والبنون” تعرض جوانب من العلاقات الشّائكة بين الآباء والأبناء. وكان فرويد قد خلص إلى أنّ انفصال الأبناء عن الآباء ضرورة لازمة، وإن كانت مؤلمة، لاستمرار الحياة، فلا تصبح للأبناء حياة طبيعية إلا بالانفصال عن الآباء. وكما قال جويس على لسان ديدالوس، فإنّ “الأب شرّ لا بدّ منه”. وفكرة قتل الأب، بمعنى التّخلّص من تأثيره الكابح للأبناء، لها جذر عميق في الآداب الإنسانيّة.
وعلى غير علاقة الودّ الّتي جمعت هيرتا بأمّها- الّتي عادت صلعاء، من سخرة الرّوس لها في أوكرانيا، بحسبها ألمانيّة الدم، وجعلت من المنديل علامة ودّ بينهما طوال حياتها، المنديل بوصفه علامة تربط بين اثنتيْن، وبين روحيْن، وبين كفّيْن، علامة زاهية اللّون ترفرف بين الأصابع، أو تُحمَل بالكفّ، فتوهم بالغبطة- طمر أورهان علاقته بأبيه في قعر حقيبة جلديّة سوداء عفا عليها الزّمن. ما كان يخشاه هو أن يكون الابن نسخة لأب لم يعترف به أحد كاتبا في تركيا، لقد كان أبوه أشبه ما يكون برحّالة لم يصرف همّه لعائلته، فداوم على أسفار متعاقبة لا يفصح فيها عمّا يقوم به، ولم يكن في وارده أن يكون أديبًا ذا شأن.
وحينما انتهى الابن إلى هذه النّتيجة شعر بالارتياح، إذ إنّه لا يحتمل أن تحتوي حقيبة أبيه شيئا جديرا بالاعتبار، ووجد لذلك ذريعة أغرب من الخيال في عالم الكتّاب. فلكي تكون كاتبا مجيدا، لا يجوز أن تبدّد عمرك بالترحّل، بل الانكباب على الكتابة ليلًا نهارًا بلا هوادة. ويجب أن تغلق على نفسك باب بيتك بإحكام، وتسدل ستائر غرفتك، كي لا تصاب بداء التّرحّل الّذي ينتهك عزلتك كاتبًا، ويجعلك دخيلًا في مملكة الأدب. فالتّرحال لا يخلق كاتبا إنّما يشفط رحيق خياله. لم يتمكّن الأب من الامتثال لذلك الشرط الغريب للكتابة، أما الابن فقد تمكّن منه، وعلى ذلك، فمن المستبعد أن تطوي حقيبة الأب أدبًا يشار إليه بالبنان، ذلك احتمال بعيد الوقوع، والأرجح أن تقبع في قعرها جملة انطباعات عابرة عن مدن وبلدان مرّ بها الأب متعجّلًا، وخلّف عنها شذرات سريعة من خواطره، فالأفضل أن تظلّ مقفلة على ما بها.
ولكن هل من فرق بين رجل يرتحل ويكتشف ويتعلّم، وآخر يعتكف ويتخيّل ويتوهّم؟ كنت في “موسوعة السّرد العربي” قد تطرّقت إلى شيء من ذلك حول باموك، وها هي ذي الفقرة الخاصّة به: “اعتكف الابن في غرفة مغلقة ليكتب رواياته، أما الأب فكان يسافر من أجل أن يكتب انطباعاته وملاحظاته ومذكّراته، مُودِعًا إيّاها في حقيبة مقفلة. لا فرق في نهاية المطاف بين الاثنين، فكلّ منهما يُخفي نفسه أو تجاربه في مكان بعيد عن الأنظار. يعيش الأوّل حياة معلَنَة، ثمّ يطمر تفاصيلها في حقيبة يدويّة، ويعيش الثّاني حياة سرّيّة، وينشر تخيّلاته على الملأ بكتب مطبوعة. ثمّة حامل للتّجارب سواء أكان حقيبة أم كتابا، وكما أنّه يُحتمل ألاّ تُفتَح حقيبة الأب، فليس من اللّازم أن تُقرأ روايات الابن. ظنّ الابن أنّه من الخطأ أن يكون امتدادًا لأب كاتب وقع تحت تأثير كتّاب آخرين، فتلك سلسلة مزعجة من التّأثيرات الّتي تُخفي موهبة الابتكار وتعوقها، ولهذا رغب في أن يكون أبوه أبا فحسب، كي تبدأ الأمور به، أي بالابن. ذاك شعور نفسيّ خطير عالجه من قبلُ فرويد بطرحه فكرة “قتل الأب”، أي عدم امتلاك الهُويّة النّاجزة بوجود تبعيّة تربط الابن بأبيه. خالج الابن ذلك الشّعور، فظلّ يحوم حول فكرة الأب، وحول الحقيبة المقفلة، فهو لا يريد أن يعترف بقيمة محتوياتها، ولا بأهمّيّة كاتبها”.
ربّما تكون “حقيبة الأب” كناية عن حافز مضمَر رُكِن في زوايا مكتبة الابن طويلا، وربّما تكون رمزا لعبء الأبوّة الّذي يتجنّب كثير من الأبناء استيعابه إلاّ بتأفّف، وربّما يضمر الأبناء كراهيّة لفكرة الاستمراريّة عبر فكرة الأبوّة، ويريدون اطّرادها بالبنوّة. لم يشر أورهان إلى أبنائه، إنّما أشار إلى كتبه، ففيها انتسابه اللّاحق، ومنها ينبغي أن تبدأ الأشياء المهمّة، أي الانقطاع عن الأبوّة. وعلى غير ما ذهب إليه الكاتب التّركي، فقد كثّفت الكاتبة الألمانيّة من ظلال أمّها في حياتها، وبعد مماتها، فاستلهمت تجربة السّخرة الّتي تعرّضت لها على يد الرّوس، وجعلت منديلها أيقونة قاومت به مشاقّ حياتها.
التعليقات