ترجمة التعابير العامية… جلسة حوارية في اتحاد أدباء العراق

صورة الكاتب
بقلم: حمدي العطار
التاريخ: 23 أبريل 2026 عدد المشاهدات: 3250
ترجمة التعابير العامية… جلسة حوارية في اتحاد أدباء العراق

ترجمة التعابير العامية… جلسة حوارية في اتحاد أدباء العراق

مقدمة
تُعد الترجمة الأدبية أحد أكثر الحقول حساسية وتعقيداً، إذ لا تكتفي بنقل المعنى اللغوي، بل تتوغّل في نقل روح الثقافة وذاكرة المجتمع. وفي هذا السياق، جاءت جلسة نادي الترجمة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لتسلط الضوء على إشكالية ترجمة التعابير العامية، بوصفها واحدة من أكثر مناطق النص مقاومة للنقل بين اللغات.
نص التقرير
أقام نادي الترجمة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، يوم الأربعاء 22 نيسان 2026، جلسة حوارية بعنوان: (عصيان النص اللهجي/ ترجمة التعابير العامية/ رواية “النخلة والجيران” أنموذجاً)، قدمتها الباحثة والمترجمة زينب عبد اللطيف، بحضور نخبة من الأدباء والمترجمين.
استهل الجلسة مديرها عباس عزيز، مشيراً إلى أن هذه الندوة تمثل تقاطعاً معرفياً بين الترجمة الأدبية والسرد، مؤكداً أن التعابير العامية ليست مجرد ألفاظ، بل هي استحضار حي لروح الزمان والمكان، بما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية عميقة.
وفي مستهل محاضرتها، أوضحت زينب عبد اللطيف أن رواية “النخلة والجيران” قد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية بجهد المترجم فاضل عباس الموسوي، الصادرة عن دار المأمون، مبينة أن الترجمة نجحت إلى حد ما في نقل النص رغم التحديات التي فرضتها المقاطع المكتوبة باللهجة البغدادية.
وتطرقت المحاضِرة إلى مفهوم “عصيان النص اللهجي”، بوصفه تعبيراً عن مقاومة النصوص العامية لعملية الترجمة، نتيجة تشبعها بخصوصيات لغوية وثقافية لا يمكن نقلها بصورة حرفية. فالنص العامي، كما أوضحت، لا يقوم على المفردات وحدها، بل يتشكل ضمن سياق اجتماعي وثقافي مركب، يجعل ترجمته عملية تتجاوز حدود المعنى المباشر.
وأضافت أن صعوبة ترجمة هذه النصوص تكمن في ارتباطها الوثيق بالبنى الاجتماعية، مثل الطبقة والحي والعلاقات اليومية، فضلاً عن إيحاءاتها النفسية والعاطفية، وإيقاعها الصوتي المحلي الذي يمنحها هويتها الخاصة، الأمر الذي يجعل النص يبدو وكأنه يتمرد على المترجم، لأنه يحمل ثقافة متجسدة في اللغة.
وفي سياق حديثها عن الرواية، بينت أن اللهجة في “النخلة والجيران” ليست وسيلة تواصل فحسب، بل تمثل جوهر الهوية البغدادية، وأداة سردية تعبر عن أصوات الطبقات المهمشة، ما يجعلها خياراً فنياً واعياً لتوثيق الواقع الاجتماعي وذاكرته.
كما أشارت إلى أن محاولات “ترويض” النص اللهجي عبر الترجمة غالباً ما تؤدي إلى تلطيف حدته الاجتماعية أو تفريغه من طبقاته الثقافية، وهو ما يبرز مفهوم “العصيان اللغوي” بوصفه شكلاً من أشكال الدفاع عن الهوية. وفي هذا السياق، يجد المترجم نفسه في حالة “مفاوضة” دائمة بين الأمانة للنص والحفاظ على وظيفته الثقافية.
وقد عرضت المحاضِرة عشرة نماذج من التعابير العامية، مستعرضة طرائق ترجمتها في الرواية، من خلال أسلوبي التوطين (البحث عن مقابل دلالي قريب في اللغة الهدف) والتغريب (نقل التعبير بصيغته الأصلية مع الحفاظ على غرابته).
وفي ختام الجلسة، أكدت المداخلات أن “عصيان النص” ليس خللاً تقنياً، بل هو نتيجة طبيعية لثراء النص وتعدد طبقاته الثقافية والاجتماعية، مما يجعل الترجمة الحرفية عاجزة عن الإحاطة به.
*مداخلة حمدي العطار
ليست الترجمة الأدبية مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي محاولة لنقل عالم كامل… عالمٍ من الذاكرة، والرموز، والتجارب الإنسانية. وتزداد هذه المهمة تعقيداً حين يكون النص مكتوباً باللهجة العامية، حيث يبرز ما يمكن أن نسميه بـ”عصيان النص”… أي مقاومته للانتقال الكامل دون أن يفقد شيئاً من روحه.
دعوني أبدأ بسؤال بسيط:
هل يمكن ترجمة الإحساس؟
ليس الكلمات… بل الإحساس ذاته.
حين نقول في لهجتنا العراقية: “فدوة أروح لك”…
هل يستطيع أي مترجم أن ينقل كل ما تختزنه هذه العبارة من حب ودفء وسخرية ومبالغة؟
هنا… تبدأ المشكلة.
أو لعله هنا يبدأ عصيان النص.
فالنص العامي ليس نصاً عادياً…
إنه نص حي… يتنفس… ويقاوم.
وعندما نقرأ رواية “النخلة والجيران”، فإننا لا نقرأ حكاية فحسب، بل ندخل عالماً من الأصوات الشعبية، والأزقة، والتفاصيل اليومية التي تصنع ذاكرة المكان.
وهنا يبرز السؤال:
كيف ننقل هذا العالم إلى لغة أخرى؟
هل نترجم الكلمات كما هي؟
أم نبحث عن بدائل قريبة؟
في الحالتين… سنخسر شيئاً.
خذوا مثالاً:
“النخلة”… هل هي مجرد شجرة؟
بالنسبة لنا، هي رمز للكرامة والبركة والذاكرة. وفي الموروث الشعبي الديني عبارة ( اكرموا عمتكم النخلة)
و”الجيران”… هل هم مجرد مجاورين؟
أم أنهم العائلة الثانية، والسند، والأمان؟
في ثقافات أخرى، قد لا تحمل هذه الكلمات العمق ذاته…

فكيف سينتقل هذا المعنى إلى القارئ الأجنبي؟
هنا تكمن الإشكالية:
الترجمة لا تنقل كلمات… بل تحاول نقل حياة كاملة…
وغالباً ما تعجز عن نقلها كلها.
ثم إن تعابيرنا اليومية تحمل تعددية في المعنى والنبرة:
قد تكون حباً… أو سخرية… أو مزاحاً…
بينما يجبر المترجم على اختيار معنى واحد فقط.
أليست هذه خسارة؟
لهذا نقول إن النص اللهجي “يعصي” الترجمة…
يرفض الاختزال… ويرفض النقل الكامل.
لكن… هل يعني ذلك أن الترجمة مستحيلة؟
بالطبع لا.
بل يعني أنها تحتاج إلى ما هو أبعد من اللغة…
تحتاج إلى فهم الناس، والثقافة، والحياة.
فالمترجم الذي لا يعرف روح المجتمع…
لن يستطيع أن ينقل نصاً حياً.
ختاماً
ربما لن نستطيع ترجمة كل شيء…
وربما سيبقى دائماً جزءٌ ضائع بين اللغات…
لكن هذا الجزء… هو ما يمنح الأدب جماله…
لأنه يذكرنا بأن لكل لغة روحها…
وأن بعض الأشياء… لا تترجم… بل تحس.
أسئلة :
هل الأهم في ترجمة اللهجة: الحرفية أم نقل الإحساس؟
أيهما أولى: الشرح في الهوامش أم إيجاد بدائل دلالية؟
خاتمة عامة
تؤكد هذه الجلسة أن الترجمة، ولا سيما ترجمة اللهجات، ليست عملية تقنية فحسب، بل هي فعل تأويلي وثقافي معقد، يضع المترجم في مواجهة مستمرة مع حدود اللغة وإمكاناتها. وبين الأمانة للنص والحفاظ على روحه، يبقى التحدي مفتوحاً، كما يبقى “عصيان النص” دليلاً على حيويته وثرائه.

عن الکاتب / الکاتبة

حمدي العطار
حمدي العطار
کاتب وناقد / العراق

مقالات أخرى للكاتب

«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي

«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي

«عرضحال بغدادي»… قراءة نقدية في منجز القاص خضير فليح الزيدي في المركز الثقافي البغدادي مقدمة…

صورة الكاتب حمدي العطار
18 أبريل 2026
اقرأ المزيد
“القص المعرفي بين غواية الفكرة وإشكالية التشكيل السردي

“القص المعرفي بين غواية الفكرة وإشكالية التشكيل السردي

الورقة النقدية التي قدمت في جلسة ( نادي الكتاب في بغداد مدينة الابداع -اليونسكو) اليوم…

صورة الكاتب حمدي العطار
17 أبريل 2026
اقرأ المزيد
المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة

المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة

المثقف والسلطة… جدلية التأثير والقدرة المحيدة مقدمة في سياق البحث المتواصل عن دور المثقف في…

صورة الكاتب حمدي العطار
12 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


ترجمة التعابير العامية… جلسة حوارية في اتحاد أدباء العراق

بقلم: حمدي العطار | التاريخ: 23 أبريل 2026

التصنيف: الأدب

ترجمة التعابير العامية… جلسة حوارية في اتحاد أدباء العراق

مقدمة
تُعد الترجمة الأدبية أحد أكثر الحقول حساسية وتعقيداً، إذ لا تكتفي بنقل المعنى اللغوي، بل تتوغّل في نقل روح الثقافة وذاكرة المجتمع. وفي هذا السياق، جاءت جلسة نادي الترجمة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لتسلط الضوء على إشكالية ترجمة التعابير العامية، بوصفها واحدة من أكثر مناطق النص مقاومة للنقل بين اللغات.
نص التقرير
أقام نادي الترجمة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، يوم الأربعاء 22 نيسان 2026، جلسة حوارية بعنوان: (عصيان النص اللهجي/ ترجمة التعابير العامية/ رواية “النخلة والجيران” أنموذجاً)، قدمتها الباحثة والمترجمة زينب عبد اللطيف، بحضور نخبة من الأدباء والمترجمين.
استهل الجلسة مديرها عباس عزيز، مشيراً إلى أن هذه الندوة تمثل تقاطعاً معرفياً بين الترجمة الأدبية والسرد، مؤكداً أن التعابير العامية ليست مجرد ألفاظ، بل هي استحضار حي لروح الزمان والمكان، بما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية عميقة.
وفي مستهل محاضرتها، أوضحت زينب عبد اللطيف أن رواية “النخلة والجيران” قد ترجمت إلى اللغة الإنجليزية بجهد المترجم فاضل عباس الموسوي، الصادرة عن دار المأمون، مبينة أن الترجمة نجحت إلى حد ما في نقل النص رغم التحديات التي فرضتها المقاطع المكتوبة باللهجة البغدادية.
وتطرقت المحاضِرة إلى مفهوم “عصيان النص اللهجي”، بوصفه تعبيراً عن مقاومة النصوص العامية لعملية الترجمة، نتيجة تشبعها بخصوصيات لغوية وثقافية لا يمكن نقلها بصورة حرفية. فالنص العامي، كما أوضحت، لا يقوم على المفردات وحدها، بل يتشكل ضمن سياق اجتماعي وثقافي مركب، يجعل ترجمته عملية تتجاوز حدود المعنى المباشر.
وأضافت أن صعوبة ترجمة هذه النصوص تكمن في ارتباطها الوثيق بالبنى الاجتماعية، مثل الطبقة والحي والعلاقات اليومية، فضلاً عن إيحاءاتها النفسية والعاطفية، وإيقاعها الصوتي المحلي الذي يمنحها هويتها الخاصة، الأمر الذي يجعل النص يبدو وكأنه يتمرد على المترجم، لأنه يحمل ثقافة متجسدة في اللغة.
وفي سياق حديثها عن الرواية، بينت أن اللهجة في “النخلة والجيران” ليست وسيلة تواصل فحسب، بل تمثل جوهر الهوية البغدادية، وأداة سردية تعبر عن أصوات الطبقات المهمشة، ما يجعلها خياراً فنياً واعياً لتوثيق الواقع الاجتماعي وذاكرته.
كما أشارت إلى أن محاولات “ترويض” النص اللهجي عبر الترجمة غالباً ما تؤدي إلى تلطيف حدته الاجتماعية أو تفريغه من طبقاته الثقافية، وهو ما يبرز مفهوم “العصيان اللغوي” بوصفه شكلاً من أشكال الدفاع عن الهوية. وفي هذا السياق، يجد المترجم نفسه في حالة “مفاوضة” دائمة بين الأمانة للنص والحفاظ على وظيفته الثقافية.
وقد عرضت المحاضِرة عشرة نماذج من التعابير العامية، مستعرضة طرائق ترجمتها في الرواية، من خلال أسلوبي التوطين (البحث عن مقابل دلالي قريب في اللغة الهدف) والتغريب (نقل التعبير بصيغته الأصلية مع الحفاظ على غرابته).
وفي ختام الجلسة، أكدت المداخلات أن “عصيان النص” ليس خللاً تقنياً، بل هو نتيجة طبيعية لثراء النص وتعدد طبقاته الثقافية والاجتماعية، مما يجعل الترجمة الحرفية عاجزة عن الإحاطة به.
*مداخلة حمدي العطار
ليست الترجمة الأدبية مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي محاولة لنقل عالم كامل… عالمٍ من الذاكرة، والرموز، والتجارب الإنسانية. وتزداد هذه المهمة تعقيداً حين يكون النص مكتوباً باللهجة العامية، حيث يبرز ما يمكن أن نسميه بـ”عصيان النص”… أي مقاومته للانتقال الكامل دون أن يفقد شيئاً من روحه.
دعوني أبدأ بسؤال بسيط:
هل يمكن ترجمة الإحساس؟
ليس الكلمات… بل الإحساس ذاته.
حين نقول في لهجتنا العراقية: “فدوة أروح لك”…
هل يستطيع أي مترجم أن ينقل كل ما تختزنه هذه العبارة من حب ودفء وسخرية ومبالغة؟
هنا… تبدأ المشكلة.
أو لعله هنا يبدأ عصيان النص.
فالنص العامي ليس نصاً عادياً…
إنه نص حي… يتنفس… ويقاوم.
وعندما نقرأ رواية “النخلة والجيران”، فإننا لا نقرأ حكاية فحسب، بل ندخل عالماً من الأصوات الشعبية، والأزقة، والتفاصيل اليومية التي تصنع ذاكرة المكان.
وهنا يبرز السؤال:
كيف ننقل هذا العالم إلى لغة أخرى؟
هل نترجم الكلمات كما هي؟
أم نبحث عن بدائل قريبة؟
في الحالتين… سنخسر شيئاً.
خذوا مثالاً:
“النخلة”… هل هي مجرد شجرة؟
بالنسبة لنا، هي رمز للكرامة والبركة والذاكرة. وفي الموروث الشعبي الديني عبارة ( اكرموا عمتكم النخلة)
و”الجيران”… هل هم مجرد مجاورين؟
أم أنهم العائلة الثانية، والسند، والأمان؟
في ثقافات أخرى، قد لا تحمل هذه الكلمات العمق ذاته…

فكيف سينتقل هذا المعنى إلى القارئ الأجنبي؟
هنا تكمن الإشكالية:
الترجمة لا تنقل كلمات… بل تحاول نقل حياة كاملة…
وغالباً ما تعجز عن نقلها كلها.
ثم إن تعابيرنا اليومية تحمل تعددية في المعنى والنبرة:
قد تكون حباً… أو سخرية… أو مزاحاً…
بينما يجبر المترجم على اختيار معنى واحد فقط.
أليست هذه خسارة؟
لهذا نقول إن النص اللهجي “يعصي” الترجمة…
يرفض الاختزال… ويرفض النقل الكامل.
لكن… هل يعني ذلك أن الترجمة مستحيلة؟
بالطبع لا.
بل يعني أنها تحتاج إلى ما هو أبعد من اللغة…
تحتاج إلى فهم الناس، والثقافة، والحياة.
فالمترجم الذي لا يعرف روح المجتمع…
لن يستطيع أن ينقل نصاً حياً.
ختاماً
ربما لن نستطيع ترجمة كل شيء…
وربما سيبقى دائماً جزءٌ ضائع بين اللغات…
لكن هذا الجزء… هو ما يمنح الأدب جماله…
لأنه يذكرنا بأن لكل لغة روحها…
وأن بعض الأشياء… لا تترجم… بل تحس.
أسئلة :
هل الأهم في ترجمة اللهجة: الحرفية أم نقل الإحساس؟
أيهما أولى: الشرح في الهوامش أم إيجاد بدائل دلالية؟
خاتمة عامة
تؤكد هذه الجلسة أن الترجمة، ولا سيما ترجمة اللهجات، ليست عملية تقنية فحسب، بل هي فعل تأويلي وثقافي معقد، يضع المترجم في مواجهة مستمرة مع حدود اللغة وإمكاناتها. وبين الأمانة للنص والحفاظ على روحه، يبقى التحدي مفتوحاً، كما يبقى “عصيان النص” دليلاً على حيويته وثرائه.