وداعاً يا نهر الكحلاء (حين يتحول المكان إلى ذاكرة للدم والخذلان)

صورة الكاتب
بقلم: أحمد الكناني
التاريخ: 31 أغسطس 2026 عدد المشاهدات: 3366
وداعاً يا نهر الكحلاء (حين يتحول المكان إلى ذاكرة للدم والخذلان)

حين نقرأ رواية وداعاً يانهر الكحلاء للروائي حسن السلمان لا نكون أمام حكاية تجري في مكانٍ جنوبي فحسب ولا أمام استعادة رومانسية لزمن مضى وإنما نجد أنفسنا أمام محاولة سردية لاستنطاق ذاكرة مكان عراقي ظل يحمل في أعماقه آثار الإقطاع والعنف والتمييز والقهر …. الخ.
لأن نهر الكحلاء في هذه الرواية ليس مجرىً مائياً تجري فيه الأحداث بل هو أحد أبطالها (نهر يشهد ويخفي ويبتلع ويعيد إلى الذاكرة ما حاول الإنسان أن يدفنه) ومن هنا فإن عنوان الرواية يبدو منذ البداية أشبه بمرثية لمكان لكنه في العمق مرثية لزمن كامل ولعلاقات بشرية تشكلت تحت سلطة الخوف.
ومن أجمل النماذج التي تكشف طبيعة اشتغال السلمان على الشخصية فصل (أم خنجـــــــر) حيث يقدم لنا شخصية ثريا المرأة التي رفضت الصورة التي رسمها المجتمع للأنثى.
قصّت شعرها وارتدت لباس الرجال وحملت خنجراً ودخنت وتمردت على الأعراف حتى أصبحت في نظر أهل القرية أم_خنجر.
لكن ثريا ليست مجرد امرأة مسترجلة أو شخصية عنيفة إنها إنسان متمرد على القالب الاجتماعي الذي حاول أن يحاصرها والمفارقة أن المرأة التي تبدو شديدة القسوة تخفي في داخلها عاطفةً شديدة الهشاشة تظهر في علاقتها بغزالة.
حيث يتحول الحب إلى مساحة للمقاومة فثريا تجد في غزالة العالم الذي لم تجده في مجتمعها وحين يغرقها النهر
(يسقط آخر جدار كانت تختبئ خلفه)
ولذلك تبدو صرختها عند ضفة النهر (غزالة حبيبة روحي من بعدك لمن أبقى؟) وهذي من أكثر لحظات الفصل كشفاً لداخل الشخصية.
أما نهايتها المأساوية بعد أن ترمي خنجرها وتحلق شعرها وتعزل نفسها فتؤكد أن موت غزالة كان موتاً داخلياً لثريا قبل أن يكون موتاً جسدياً.
واللافت في ذلك أن السلمان لا يجعل ثريا ضحية بريئة ولا مذنبة بالكامل بل إنها نتاج مجتمع صنع قسوتها ثم عاقبها لأنها أصبحت قاسية.
وهذه إحدى أهم ثيمات الرواية إذ كيف يتعامل المجتمع مع المختلف؟ وهل نقتل المختلف لأنه خطر أم لأننا عاجزون عن فهمه؟
الرواية لا تقتصر على ثريا فالسلمان يفتح فضاءه الروائي أمام الصابئة المندائيين والعبيد والنساء والفلاحين وسائر المهمشين
ليقدم صورة بانورامية لمجتمع تتحكم فيه السلطة والطبقية والخوف.
كما أن حضور التفاصيل الميسانية والمحلية يمنح الرواية صدقها وخصوصيتها فالكاتب لا يستخدم المكان خلفية للأحداث بل يجعل المكان جزءاً من تكوين الشخصيات ومصائرها.
ومن هنا فإن وداعاً يا نهر ليست رواية تستعيد الماضي من أجل الحنين إليه وإنما تستعيده لكي تسأل الحاضر: كم تغير الإنسان وكم بقي من ذلك القهر فينا؟
وفي النهاية يبقى نهر الكحلاء أكثر من نهر وإنه ذاكرة الرواية كلها وشاهد على الذين عاشوا وعلى الذين أحبوا وعلى الذين ماتوا وعلى أسرار لم يستطع الزمن أن يمحوها.
وداعا يانهر الكحلاء رواية عن المكان حين يتحول إلى ذاكرة وعن الإنسان حين يصبح المختلف فيه جريمة وعن الحب حين لا يجد في هذا العالم مكاناً سوى الموت فهي ليست رواية عن الذين رحلوا فقط بل عن الذين ظلوا أحياء وهم يحملون موتهم في الداخل.
وهذا في ظني هو أحد أجمل وجوه الرواية وأكثرها إيلاماً.
القيمة المحلية في الرواية :
اللغة المحلية ليست زينة خارجية وليست مجرد محاولة لاستحضار اللهجة الجنوبية وإنما هي جزء من بناء العالم الروائي.
أسماء الأشخاص والأمكنة والعادات والمهن والمعتقدات الشعبية وعلاقة الناس بالنهر وحتى التفاصيل الصغيرة في الطعام والملابس والعادات كلها تعمل على إنتاج فضاء سردي يمكن للقارئ أن يشعر بأنه يتحرك داخله.
ولذلك فإن السلمان لا يكتب عن ميسان من الخارج بل يبدو كمن يستخرج الرواية من طينها ومائها وذاكرتها.
وفي تقديري فإن القيمة الأهم في هذه الرواية تتمثل في أنها لا تستعيد الماضي لكي تحن إليه وإنما تستعيده لكي تسأل الحاضر عنه
فالزمن الإقطاعي الذي تصوره الرواية انتهى تاريخياً لكن بعض آليات القهر لم تنته بالضرورة (السلطة والخوف والتصنيف والنظر إلى الإنسان من خلال طبقته أو جنسه أو أصله أو موقعه الاجتماعي)
كلها أسئلة تتجاوز زمن الرواية إلى زمننا الراهن.
……………….
أدناه فصل ” أم خنجر” من الرواية
*************************
ضاق الشيخ عايش العودة ذرعًا من تصرفات ابنته ثريا المسترجلة، من زوجته الثالثة سعدية، التي سُمّيت بثريا لولادتها في أيام “الثريا”، حيث الجو العاصف الماطر المتقلب في نهاية الشتاء. وعلى ما يبدو أن لولادتها في هذه الأيام المضطربة علاقة بطبيعة شخصيتها الغريبة اللامألوفة كما يعتقد الناس؛ فهي تارةً تبدو هادئة لينة ودودة، وتارةً تبدو نارية المزاج، شرسة، عدائية دون سبب.
في سنواتها الأولى لم يكن الشيخ يعير بالًا لتصرفات ابنته الطائشة، وعدّها نوعًا من شقاوة الطفولة؛ حيث جرأتها وخشونتها وحدّة لسانها وتطاولها على الجميع دون استثناء، وميلها الواضح للتشبّه بالذكور. ولكن منذ أن شبّت عن الطوق، وبانت مفاتنها الأنثوية؛ حيث الصدر الضخم، والعجيزة المتكورة، والصوت الغليظ، قصّت شعرها الطويل، وارتدت العرﮔشينة¹ والسروال الرجالي تحت الثوب الفضفاض، وحشرت في حزامها المجدول من الصوف خنجرًا بغمدٍ ذهبي جميل اشترته من اعويد الصابئي.
ولكي تتشبه أكثر بالذكور، ابتاعت منه علبةَ تبغٍ فضية اللون وتبغًا وورقًا للفّ التبغ، وشرعت تدخن علنًا على الرغم من تهديد أمها لها بإبلاغ أبيها. كانت “أم خنجر”، كما أطلق أهالي القرية تسميتها تهكمًا، كثيرًا ما تذهب إلى سَلَف الصابئة، وتأكل وتشرب معهم غير عابئة بتعاليم العمة نجمة الصارمة بتحريم ذهاب أي فرد من أفراد مشيختها إلى “رَبع الشيطان”، بل وتتحداها قائلة بصوتٍ عالٍ: “اليوم والله شربت ﭽاي حلو من إيد اعويد الصبّي… بحياتي ما شاربَه هيچ چاي، ما ينشبع منه”.
كان الشيخ عايش العودة يشعر بالحرج الشديد عندما يسمع الناس تسمية ابنته تهكمًا بـ”أم خنجر”، ويطأطئ رأسه خجلًا وهو يشاهدها تتصارع مع الغلمان، وتتسابق معهم على ظهور الحمير، وتمتطي الخيول القصبية، ولا تتورع عن السباحة معهم في النهر شبه عارية، وتقوم بإغراق أحدهم في الماء حتى انقطاع النفس، أو تلطيخ وجوه الأولاد بالطين وروث الماشية.
ويوم طعنت أحد الأولاد بخنجرها في خاصرته لأنه حاول أن يتحرش بغزالة، حبسها في كوخٍ مهجورٍ لسبعةِ أيامٍ بلا ماء ولا زاد، بلا فانوس ولا فراش، لا شيء غير القش والديدان والعقارب ووحشة الليل وأزيز الحشرات. لكنها استطاعت أن تحفر بأظافرها ثغرة تحت قصب الكوخ وتخرج كالمجنونة، وتفرغ غضبها بتحطيم تنور، وخنق دجاجتين، ونتفِ ريش ديكٍ حي وتمزيقه حتى الموت.
كانت تشعر بنفورٍ كبيرٍ من البنات؛ لا تجالسهنَّ، ولا تعمل معهنَّ، ولا تشاركهنَّ أحلامهنَّ برسم صورة فارس الأحلام، ولا تتختم بأي خاتم، أو تطوق معصمها بمعضد، أو تزين أذنيها بقرطين. وتشعر بالقرف وهي تشاهد بنات ونساء القرية يحنين رؤوسهنَّ وراحات أيديهنَّ، ويملأن ظاهر أكفهن ووجوههن وصدورهن بالوشم، ويرتدين الثياب الصارخة الألوان الجذابة، ويعطرن أجسادهن بالمسك والعنبر والخُضيرة.
وعندما يدور الحديث عن الزواج والأطفال وتكوين أسرة، تبصق في الهواء وتتحسس خنجرها، وتستقبل عينَ الشمس بوجهٍ ضاحك.
لم يجدِ معها نفعًا كلام نساء المشيخة، وخصوصًا العجائز، بأنها امرأة ويجب أن تتصرف على هذا الأساس، وإلا فإن عواقب تصرفاتها وسلوكها ستكون وخيمة عليها حيث السمعة السيئة والعار، وستقودها إلى طريق الهلاك. كذلك ذهبت أدراج الرياح نصائح أبيها وعقوباته القاسية لردعها، ولم تنفع الوصفات السحرية لعجائز القرية وتمائم الكشّافات في إعادتها إلى رشدها. بل على العكس، فبعد كل عمل سحري تزداد ثريا استرجالًا وتمردًا وعنفًا.
من أعماق قلبه، تمنى الشيخ عايش العودة أن تموت في إحدى نوبات الصرع التي كانت تنتابها بين الحين والآخر، ويخنقها الزبد الذي يطفو على طرفي فمها. تمنى لو يبقر بطنها خنزير من خنازير الحقول ويريحه من عارها. تمنى لو لم تولد، بل تمنى لو لم يتزوج سعدية البرصاء من الأساس، ولا تلد له هذه المصيبة المسماة ثريا.
كطائر غريب، كانت ثريا تغرّد خارج سرب القرية وإيقاع حياتهم الممل الرتيب. كانت رأسًا عنيدًا نافِرًا في قطيعٍ وديعٍ من الحملان. لم تأنس لأحد سوى لغزالة ابنة الوصيفة علاهن. في البداية أعجبت بعينيها السوداوين الواسعتين، ثم جفّ فمها شهوةً لاستدارة خاصرتها النحيفة واندفاعة نهديها الصغيرين. ثم راحت تراقبها من بعيد وهي تؤدي رقصاتها المثيرة على شريعة النهر، ثم بدأت تتقرب منها بحذر وتتودد لها على غير عادتها، وتغدق عليها بالهدايا كالحلوى والتمر والزبدة والثياب والدراهم التي تسرقها من أمها.
راحت تحلب لها، وتقطف لها الرشاد الذي تحبه، وتغسل ثيابها، وتحممها وهي الشيخانية بنت الشيخ، وغزالة مجرد وصيفة من وصائف أبيها. بدورها انجذبت غزالة لثريا، ولم تستطع إيقاف لعابها الذي راح يسيل لهدايا ثريا السخية، ثم تطور الأمر إلى علاقة عشق جنوني قاد العاشقتين إلى خلوات في أعماق حقول الحنطة والأكواخ المهجورة وأطراف البساتين.
أصبحت ثريا تغار على غزالة غيرة شديدة؛ تغار عليها من أمها حين تشاهدها تمشط شعرها، وتغار عليها من جدتها حين تراهما معًا يدًا بيد وهما ماضيتان لجمع الحطب، وتغار عليها من أخيها حين تراه يمازحها. تغار إن ضحكت مع إحدى الوصائف أو العبيد، والويل كل الويل لمن يدوس لغزالة على طرف؛ فالخنجر في الحزام، والأسنان القوية اللامعة على أهبة الاستعداد للانغراس في اللحم الحي.
عضّ الشيخ راحة يده وهو يستمع لما كان يدور ويحدث في خلوات ابنته مع غزالة في أعماق الحقول وأطراف البساتين من فم زوجته نجمة، التي استطاعت اكتشاف الأمر عبر عيون أرسلتها لتعقب ثريا. قالت له، وهي تلطم خدها وتعض إصبعها: لقد شاهدها من أرسلته وراءها نائمة مع غزالة، تمامًا كما ينام الرجل مع امرأته. احتار الشيخ بماذا يرد عليها، وطلب منها أن تتركه وحده حتى يستوعب بشاعة الخبر ويستعيد صفاء ذهنه ويفكر بحل، فقد أطاح الخبر بعقله.
يوم سمعت ثريا بغرق غزالة وهي تؤدي رقصتها الأخيرة على شريعة النهر، شاهد أهالي القرية دموع ثريا لأول مرة؛ لم يشاهدها أحد تبكي قط..
بعد أن يئس الناس من العثور على جثة غزالة وانسحبوا من النهر، وقفت ثريا على ضفة النهر تتابع مويجاته المتلامعة تحت ضوء البدر، ودموعها تتهاطل بلا انقطاع. لم يبق أحد في القرية لم يسمع صرخاتها ومناداتها المفجوعة، كما لو أنها أم ثكلى تندب وليدها الذي خطفه الموت بغتة، في ساعة شوق والتياع عظيمين. كانت تناديها وعيناها لا تفارقان مويجات النهر: “غزالة… حبيبة روحي… يا حبيبة روحي… من بعدك لمن أبقى؟”.
بعد ثلاثة أيام على وفاة غزالة، خلعت ثريا العرﮔشينة ورمت الخنجر، وحلقت شعر رأسها تمامًا، وتنقبت بفوطةٍ سوداء، وربطت نفسها بحبل في حظيرة الماشية إلى وتد، ورفضت كل ما قُدم لها من طعام وشراب ودعوات للخروج من الحظيرة.
هرع أحد العبيد إلى الحظيرة عندما سمع خوار الأبقار واضطرابها الجنوني، وجاء بعضهم عند سماع النداء، ودخلوا الزريبة. كانت ثريا ملقاةً على بطنها، وقد حطمت جسدها حوافر الأبقار والعجول الهائجة.
غطّى الشيخ وجهه بشطفته، مداريًا دموعه، وهو يشاهد العبيد ينزلون تابوت ثريا في المشحوف لنقلها إلى المقبرة، ورمت سعدية بنفسها في الماء حاسرة الرأس متهدلة الثوب، منادية عليها أن تعود.
بعيدًا عن الشيخ، كانت العمة نجمة تتبادل مع عجوزٍ بشعةِ الملامح كأنها غراب نظرات رضا واستحسان، وتحاول طرد ابتسامة تعاود الارتسام على وجهها الذي كان مشرقًا على غير العادة في ذلك اليوم.
¹ العرﮔشينة: غطاء رأس رجالي.

عن الکاتب / الکاتبة

أحمد الكناني
أحمد الكناني
الكاتب و والشاعر والحقوقي/ العراق

مقالات أخرى للكاتب

بلاغة الوجع وأفق الرؤيا/ قراءة في ديوان (حجارة معلّقة برمشي)

بلاغة الوجع وأفق الرؤيا/ قراءة في ديوان (حجارة معلّقة برمشي)

بلاغة الوجع وأفق الرؤيا/ قراءة في ديوان (حجارة معلّقة برمشي) في ديوانه (حجارة معلّقة برمشي)…

صورة الكاتب أحمد الكناني
14 يونيو 2026
اقرأ المزيد
وهمُ الأمان في قصيدة “كان فخاً” للشاعر الفرطوسي

وهمُ الأمان في قصيدة “كان فخاً” للشاعر الفرطوسي

وهمُ الأمان في قصيدة (كان فخاً) نجح الشاعر الفرطوسي في قصيدة (كان فخاً) حيث صور…

صورة الكاتب أحمد الكناني
25 مايو 2026
اقرأ المزيد
أين سيهبط بنا هذا الدخان؟ قراءة جدلية في ديوان ماجد الحسن

أين سيهبط بنا هذا الدخان؟ قراءة جدلية في ديوان ماجد الحسن

أين سيهبط بنا هذا الدخان؟ قراءة جدلية في ديوان ماجد الحسن ……………….. ليس من السهل…

صورة الكاتب أحمد الكناني
23 أبريل 2026
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


وداعاً يا نهر الكحلاء (حين يتحول المكان إلى ذاكرة للدم والخذلان)

بقلم: أحمد الكناني | التاريخ: 31 أغسطس 2026

التصنيف: النقد الأدبي

حين نقرأ رواية وداعاً يانهر الكحلاء للروائي حسن السلمان لا نكون أمام حكاية تجري في مكانٍ جنوبي فحسب ولا أمام استعادة رومانسية لزمن مضى وإنما نجد أنفسنا أمام محاولة سردية لاستنطاق ذاكرة مكان عراقي ظل يحمل في أعماقه آثار الإقطاع والعنف والتمييز والقهر …. الخ.
لأن نهر الكحلاء في هذه الرواية ليس مجرىً مائياً تجري فيه الأحداث بل هو أحد أبطالها (نهر يشهد ويخفي ويبتلع ويعيد إلى الذاكرة ما حاول الإنسان أن يدفنه) ومن هنا فإن عنوان الرواية يبدو منذ البداية أشبه بمرثية لمكان لكنه في العمق مرثية لزمن كامل ولعلاقات بشرية تشكلت تحت سلطة الخوف.
ومن أجمل النماذج التي تكشف طبيعة اشتغال السلمان على الشخصية فصل (أم خنجـــــــر) حيث يقدم لنا شخصية ثريا المرأة التي رفضت الصورة التي رسمها المجتمع للأنثى.
قصّت شعرها وارتدت لباس الرجال وحملت خنجراً ودخنت وتمردت على الأعراف حتى أصبحت في نظر أهل القرية أم_خنجر.
لكن ثريا ليست مجرد امرأة مسترجلة أو شخصية عنيفة إنها إنسان متمرد على القالب الاجتماعي الذي حاول أن يحاصرها والمفارقة أن المرأة التي تبدو شديدة القسوة تخفي في داخلها عاطفةً شديدة الهشاشة تظهر في علاقتها بغزالة.
حيث يتحول الحب إلى مساحة للمقاومة فثريا تجد في غزالة العالم الذي لم تجده في مجتمعها وحين يغرقها النهر
(يسقط آخر جدار كانت تختبئ خلفه)
ولذلك تبدو صرختها عند ضفة النهر (غزالة حبيبة روحي من بعدك لمن أبقى؟) وهذي من أكثر لحظات الفصل كشفاً لداخل الشخصية.
أما نهايتها المأساوية بعد أن ترمي خنجرها وتحلق شعرها وتعزل نفسها فتؤكد أن موت غزالة كان موتاً داخلياً لثريا قبل أن يكون موتاً جسدياً.
واللافت في ذلك أن السلمان لا يجعل ثريا ضحية بريئة ولا مذنبة بالكامل بل إنها نتاج مجتمع صنع قسوتها ثم عاقبها لأنها أصبحت قاسية.
وهذه إحدى أهم ثيمات الرواية إذ كيف يتعامل المجتمع مع المختلف؟ وهل نقتل المختلف لأنه خطر أم لأننا عاجزون عن فهمه؟
الرواية لا تقتصر على ثريا فالسلمان يفتح فضاءه الروائي أمام الصابئة المندائيين والعبيد والنساء والفلاحين وسائر المهمشين
ليقدم صورة بانورامية لمجتمع تتحكم فيه السلطة والطبقية والخوف.
كما أن حضور التفاصيل الميسانية والمحلية يمنح الرواية صدقها وخصوصيتها فالكاتب لا يستخدم المكان خلفية للأحداث بل يجعل المكان جزءاً من تكوين الشخصيات ومصائرها.
ومن هنا فإن وداعاً يا نهر ليست رواية تستعيد الماضي من أجل الحنين إليه وإنما تستعيده لكي تسأل الحاضر: كم تغير الإنسان وكم بقي من ذلك القهر فينا؟
وفي النهاية يبقى نهر الكحلاء أكثر من نهر وإنه ذاكرة الرواية كلها وشاهد على الذين عاشوا وعلى الذين أحبوا وعلى الذين ماتوا وعلى أسرار لم يستطع الزمن أن يمحوها.
وداعا يانهر الكحلاء رواية عن المكان حين يتحول إلى ذاكرة وعن الإنسان حين يصبح المختلف فيه جريمة وعن الحب حين لا يجد في هذا العالم مكاناً سوى الموت فهي ليست رواية عن الذين رحلوا فقط بل عن الذين ظلوا أحياء وهم يحملون موتهم في الداخل.
وهذا في ظني هو أحد أجمل وجوه الرواية وأكثرها إيلاماً.
القيمة المحلية في الرواية :
اللغة المحلية ليست زينة خارجية وليست مجرد محاولة لاستحضار اللهجة الجنوبية وإنما هي جزء من بناء العالم الروائي.
أسماء الأشخاص والأمكنة والعادات والمهن والمعتقدات الشعبية وعلاقة الناس بالنهر وحتى التفاصيل الصغيرة في الطعام والملابس والعادات كلها تعمل على إنتاج فضاء سردي يمكن للقارئ أن يشعر بأنه يتحرك داخله.
ولذلك فإن السلمان لا يكتب عن ميسان من الخارج بل يبدو كمن يستخرج الرواية من طينها ومائها وذاكرتها.
وفي تقديري فإن القيمة الأهم في هذه الرواية تتمثل في أنها لا تستعيد الماضي لكي تحن إليه وإنما تستعيده لكي تسأل الحاضر عنه
فالزمن الإقطاعي الذي تصوره الرواية انتهى تاريخياً لكن بعض آليات القهر لم تنته بالضرورة (السلطة والخوف والتصنيف والنظر إلى الإنسان من خلال طبقته أو جنسه أو أصله أو موقعه الاجتماعي)
كلها أسئلة تتجاوز زمن الرواية إلى زمننا الراهن.
……………….
أدناه فصل ” أم خنجر” من الرواية
*************************
ضاق الشيخ عايش العودة ذرعًا من تصرفات ابنته ثريا المسترجلة، من زوجته الثالثة سعدية، التي سُمّيت بثريا لولادتها في أيام “الثريا”، حيث الجو العاصف الماطر المتقلب في نهاية الشتاء. وعلى ما يبدو أن لولادتها في هذه الأيام المضطربة علاقة بطبيعة شخصيتها الغريبة اللامألوفة كما يعتقد الناس؛ فهي تارةً تبدو هادئة لينة ودودة، وتارةً تبدو نارية المزاج، شرسة، عدائية دون سبب.
في سنواتها الأولى لم يكن الشيخ يعير بالًا لتصرفات ابنته الطائشة، وعدّها نوعًا من شقاوة الطفولة؛ حيث جرأتها وخشونتها وحدّة لسانها وتطاولها على الجميع دون استثناء، وميلها الواضح للتشبّه بالذكور. ولكن منذ أن شبّت عن الطوق، وبانت مفاتنها الأنثوية؛ حيث الصدر الضخم، والعجيزة المتكورة، والصوت الغليظ، قصّت شعرها الطويل، وارتدت العرﮔشينة¹ والسروال الرجالي تحت الثوب الفضفاض، وحشرت في حزامها المجدول من الصوف خنجرًا بغمدٍ ذهبي جميل اشترته من اعويد الصابئي.
ولكي تتشبه أكثر بالذكور، ابتاعت منه علبةَ تبغٍ فضية اللون وتبغًا وورقًا للفّ التبغ، وشرعت تدخن علنًا على الرغم من تهديد أمها لها بإبلاغ أبيها. كانت “أم خنجر”، كما أطلق أهالي القرية تسميتها تهكمًا، كثيرًا ما تذهب إلى سَلَف الصابئة، وتأكل وتشرب معهم غير عابئة بتعاليم العمة نجمة الصارمة بتحريم ذهاب أي فرد من أفراد مشيختها إلى “رَبع الشيطان”، بل وتتحداها قائلة بصوتٍ عالٍ: “اليوم والله شربت ﭽاي حلو من إيد اعويد الصبّي… بحياتي ما شاربَه هيچ چاي، ما ينشبع منه”.
كان الشيخ عايش العودة يشعر بالحرج الشديد عندما يسمع الناس تسمية ابنته تهكمًا بـ”أم خنجر”، ويطأطئ رأسه خجلًا وهو يشاهدها تتصارع مع الغلمان، وتتسابق معهم على ظهور الحمير، وتمتطي الخيول القصبية، ولا تتورع عن السباحة معهم في النهر شبه عارية، وتقوم بإغراق أحدهم في الماء حتى انقطاع النفس، أو تلطيخ وجوه الأولاد بالطين وروث الماشية.
ويوم طعنت أحد الأولاد بخنجرها في خاصرته لأنه حاول أن يتحرش بغزالة، حبسها في كوخٍ مهجورٍ لسبعةِ أيامٍ بلا ماء ولا زاد، بلا فانوس ولا فراش، لا شيء غير القش والديدان والعقارب ووحشة الليل وأزيز الحشرات. لكنها استطاعت أن تحفر بأظافرها ثغرة تحت قصب الكوخ وتخرج كالمجنونة، وتفرغ غضبها بتحطيم تنور، وخنق دجاجتين، ونتفِ ريش ديكٍ حي وتمزيقه حتى الموت.
كانت تشعر بنفورٍ كبيرٍ من البنات؛ لا تجالسهنَّ، ولا تعمل معهنَّ، ولا تشاركهنَّ أحلامهنَّ برسم صورة فارس الأحلام، ولا تتختم بأي خاتم، أو تطوق معصمها بمعضد، أو تزين أذنيها بقرطين. وتشعر بالقرف وهي تشاهد بنات ونساء القرية يحنين رؤوسهنَّ وراحات أيديهنَّ، ويملأن ظاهر أكفهن ووجوههن وصدورهن بالوشم، ويرتدين الثياب الصارخة الألوان الجذابة، ويعطرن أجسادهن بالمسك والعنبر والخُضيرة.
وعندما يدور الحديث عن الزواج والأطفال وتكوين أسرة، تبصق في الهواء وتتحسس خنجرها، وتستقبل عينَ الشمس بوجهٍ ضاحك.
لم يجدِ معها نفعًا كلام نساء المشيخة، وخصوصًا العجائز، بأنها امرأة ويجب أن تتصرف على هذا الأساس، وإلا فإن عواقب تصرفاتها وسلوكها ستكون وخيمة عليها حيث السمعة السيئة والعار، وستقودها إلى طريق الهلاك. كذلك ذهبت أدراج الرياح نصائح أبيها وعقوباته القاسية لردعها، ولم تنفع الوصفات السحرية لعجائز القرية وتمائم الكشّافات في إعادتها إلى رشدها. بل على العكس، فبعد كل عمل سحري تزداد ثريا استرجالًا وتمردًا وعنفًا.
من أعماق قلبه، تمنى الشيخ عايش العودة أن تموت في إحدى نوبات الصرع التي كانت تنتابها بين الحين والآخر، ويخنقها الزبد الذي يطفو على طرفي فمها. تمنى لو يبقر بطنها خنزير من خنازير الحقول ويريحه من عارها. تمنى لو لم تولد، بل تمنى لو لم يتزوج سعدية البرصاء من الأساس، ولا تلد له هذه المصيبة المسماة ثريا.
كطائر غريب، كانت ثريا تغرّد خارج سرب القرية وإيقاع حياتهم الممل الرتيب. كانت رأسًا عنيدًا نافِرًا في قطيعٍ وديعٍ من الحملان. لم تأنس لأحد سوى لغزالة ابنة الوصيفة علاهن. في البداية أعجبت بعينيها السوداوين الواسعتين، ثم جفّ فمها شهوةً لاستدارة خاصرتها النحيفة واندفاعة نهديها الصغيرين. ثم راحت تراقبها من بعيد وهي تؤدي رقصاتها المثيرة على شريعة النهر، ثم بدأت تتقرب منها بحذر وتتودد لها على غير عادتها، وتغدق عليها بالهدايا كالحلوى والتمر والزبدة والثياب والدراهم التي تسرقها من أمها.
راحت تحلب لها، وتقطف لها الرشاد الذي تحبه، وتغسل ثيابها، وتحممها وهي الشيخانية بنت الشيخ، وغزالة مجرد وصيفة من وصائف أبيها. بدورها انجذبت غزالة لثريا، ولم تستطع إيقاف لعابها الذي راح يسيل لهدايا ثريا السخية، ثم تطور الأمر إلى علاقة عشق جنوني قاد العاشقتين إلى خلوات في أعماق حقول الحنطة والأكواخ المهجورة وأطراف البساتين.
أصبحت ثريا تغار على غزالة غيرة شديدة؛ تغار عليها من أمها حين تشاهدها تمشط شعرها، وتغار عليها من جدتها حين تراهما معًا يدًا بيد وهما ماضيتان لجمع الحطب، وتغار عليها من أخيها حين تراه يمازحها. تغار إن ضحكت مع إحدى الوصائف أو العبيد، والويل كل الويل لمن يدوس لغزالة على طرف؛ فالخنجر في الحزام، والأسنان القوية اللامعة على أهبة الاستعداد للانغراس في اللحم الحي.
عضّ الشيخ راحة يده وهو يستمع لما كان يدور ويحدث في خلوات ابنته مع غزالة في أعماق الحقول وأطراف البساتين من فم زوجته نجمة، التي استطاعت اكتشاف الأمر عبر عيون أرسلتها لتعقب ثريا. قالت له، وهي تلطم خدها وتعض إصبعها: لقد شاهدها من أرسلته وراءها نائمة مع غزالة، تمامًا كما ينام الرجل مع امرأته. احتار الشيخ بماذا يرد عليها، وطلب منها أن تتركه وحده حتى يستوعب بشاعة الخبر ويستعيد صفاء ذهنه ويفكر بحل، فقد أطاح الخبر بعقله.
يوم سمعت ثريا بغرق غزالة وهي تؤدي رقصتها الأخيرة على شريعة النهر، شاهد أهالي القرية دموع ثريا لأول مرة؛ لم يشاهدها أحد تبكي قط..
بعد أن يئس الناس من العثور على جثة غزالة وانسحبوا من النهر، وقفت ثريا على ضفة النهر تتابع مويجاته المتلامعة تحت ضوء البدر، ودموعها تتهاطل بلا انقطاع. لم يبق أحد في القرية لم يسمع صرخاتها ومناداتها المفجوعة، كما لو أنها أم ثكلى تندب وليدها الذي خطفه الموت بغتة، في ساعة شوق والتياع عظيمين. كانت تناديها وعيناها لا تفارقان مويجات النهر: “غزالة… حبيبة روحي… يا حبيبة روحي… من بعدك لمن أبقى؟”.
بعد ثلاثة أيام على وفاة غزالة، خلعت ثريا العرﮔشينة ورمت الخنجر، وحلقت شعر رأسها تمامًا، وتنقبت بفوطةٍ سوداء، وربطت نفسها بحبل في حظيرة الماشية إلى وتد، ورفضت كل ما قُدم لها من طعام وشراب ودعوات للخروج من الحظيرة.
هرع أحد العبيد إلى الحظيرة عندما سمع خوار الأبقار واضطرابها الجنوني، وجاء بعضهم عند سماع النداء، ودخلوا الزريبة. كانت ثريا ملقاةً على بطنها، وقد حطمت جسدها حوافر الأبقار والعجول الهائجة.
غطّى الشيخ وجهه بشطفته، مداريًا دموعه، وهو يشاهد العبيد ينزلون تابوت ثريا في المشحوف لنقلها إلى المقبرة، ورمت سعدية بنفسها في الماء حاسرة الرأس متهدلة الثوب، منادية عليها أن تعود.
بعيدًا عن الشيخ، كانت العمة نجمة تتبادل مع عجوزٍ بشعةِ الملامح كأنها غراب نظرات رضا واستحسان، وتحاول طرد ابتسامة تعاود الارتسام على وجهها الذي كان مشرقًا على غير العادة في ذلك اليوم.
¹ العرﮔشينة: غطاء رأس رجالي.