قراءة لقصيدة “أفق”  للشاعر عدنان الصائغ – من ديوان “تحت سماء غريبة”

صورة الكاتب
بقلم: د. سیّد علي مفتخرزادة
التاريخ: 23 ديسمبر 2025 عدد المشاهدات: 1327
قراءة  لقصيدة “أفق”  للشاعر عدنان الصائغ – من ديوان “تحت سماء غريبة”

قراءة  لقصيدة “أفق”  للشاعر عدنان الصائغ – من ديوان “تحت سماء غريبة”[1]

بين ما تعيشه الذات من غربة زمكانية وما يختلج في النفس من مشاعر هوجاء تعصف بكيان الشاعر في لحظات المخاض تحملنا زوارق الخيال بمجاذيف الايقاع والحركة في هذا النص البحري الذي تتلاطم فيه المعاني صعودا وهبوطا وقعاً وجرسا ليكون مرآة صادقة تعكس ما نحته الواقع على صحف الذات من حزن وألم وجراح وما تتطلع اليه الذات من أحلام ورؤى  تتلاشى أو كاد بصخور هذا البحر المائج . تبدأ النافذةُ الشعرية بانفتاحٍ هشٍّ:

تَفتَحُ البنتُ شُبّاكَها

أفتَحُ

سرقاطةَ الأفقِ

ترنو إليّ الفتاةُ

وأرنو إلى البحرِ

تُطلِقُ من صدرِها المشمشيِّ

الحَمَامَ

يُحلِّقُ بين الغروبِ.. وبيني

“تفتح البنتُ شباكها”، فينكسرُ حاجزُ الزجاجِ ليصيرَ فضاءً وجودياً  وكأنها تفتح شقّاً في جدار الزمن، وينكسر الأفقُ أمام الشاعر سرقاطةً يُطلِقُها نحو المجهول ولا يقفُ الشاعرُ عند عتبةِ المراقبة، بل يخترقُ الأفقَ نفسَه كأنما يحوّلُ الفضاءَ إلى سفينةٍ شراعيةٍ تشقُّ الضبابَ ويتبادل الطرفان _الشاعر والفتاة النظرات  فتتشظّى المسافاتُ وهنا تتشكّل جغرافيا الوجود عينان تبحثان عن مرآةٍ في الآخر، بينما تغرق الذات في بحر الغربة  وحتى الحمامةُ التي تُطلَقُ من الصدرِ “المشمشيِّ” (وهو لونُ الفجرِ المُخاتل)، لا تحملُ سلاماً، بل تتحولُ إلى حاجزٍ زمنيٍّ “يُحلّقُ بين الغروبِ.. وبيني” تلك النقطة بين الكلمتين “وبيني”– كشقٍّ في جدارِ الجملةِ – تبتلعُ الزمنَ فتصيرُ المسافةُ بين الذاتِ والغروبِ هوّةً سحيقةً  ويصبح هذا الحمامُ – الذي يُحلّق في الفراغ الممتدِّ يحمل مُفارقةً قاسية: سلامٌ يُعلَّق في فضاءٍ لا يحتمله، كرسالة عالقة في زمن الحرب والخراب. ثم يأتي الزفيرُ:

أُطلِقُ هذا الزفيرَ – بلاداً

تغيمُ هناك

وتعتمُ شيئاً فشيئاً

بذاكرةِ الخمرِ

لكنَّها في الصباح

تتقيّؤني:

صحفاً للشتاتِ

هذا الزفیر الذي  الذي يهزُّ كيانَ الصورة فيتحولُ خرائطَ، كأنما تختزن الرئتان وطنا ضائعا لكن البلادَ تغيم هناك كذاكرة الخمر هذه الذاكرة ليست أرشيفا، بل لهيب يحرقُ الصورَ ولذا، حين يطلّ الصباح، تلفظُ الذاتُ نفسَها كجيفةٍ فالصحفُ هنا تشبه نعوشا ورقية، والشوارع المحشورة في فمِ المدفعيِّ تتحول إلى رصاصات من كلمات حتى السّلالمُ  لا تؤدي إلى سطح، بل تبقى مترنحة  في فراغِ النقاطِ…..  وحين:

تغلقُ البنتُ

شُبّاكَها

غير أَنِّي سأتركُ روحيَ زرقاءَ..

مشرعةً

علَّ نجماً وحيداً

– بآخرةِ الليلِ –

يعلقُ بالنافذة

يتحول الإغلاق إلى طقسِ لتحرير وتحت قشرة الإغلاق الظاهريّ تظلُّ الروحُ الزرقاءُ مشرعةً كـ نافذة في جدار العدم فالروح الزرقاءُ التي تُترك مشرعةً ليست للهروب ، بل هي للتمرّدٌ على الواقعِ  وزرقتُها تتسربلُ بألوانِ البحر والسماء والكآبةِ، وهذا التناقض البنيويّ – بين النافذة المغلقَة والروح المفتوحة – هو جوهر الماسآة أن تُغلق أبوابَ وتشرعَ نوافذَ الروح على عواصف اللايقين. ولكن الذات تمخر عُباب هذا الغامض الهائج بشهقات الحنين وزفرات الغربة وذاك عبر ثنائيات تصويرية تنقشها النفس على زرقاء الصفحات وتلوكها الذات بكسر اللغة صرفيا ( تفتح/ أفتح/ أرنو/یرنو/ تغلق/ أترك) .النص يستدل الستار عن المشهد النفسي بانفتاح تهفو إلى الآخر (المأمول/المنشود…) ویختم رحلته النفسیة بمشهد مفتوح تبقی فیه الذات معلقة في فضاء الحلم مرفرفة في سماء غربتها_المکانیة، النفسیة_عل الحمام یاتیه بالخبر الیقین ویتنفس السلام داخلیا وخارجیا وتنقشع حلکة الواقع بنجمة الأمل مع أن النجمة لاتضمن الخلاص زمكانيا .

 

[1] وقد ترجمته الی اللغة الفارسیة وسینشر قریبا

عن الکاتب / الکاتبة

د. سیّد علي مفتخرزادة
د. سیّد علي مفتخرزادة
باحث ومترجم / ایران . العراق

مقالات أخرى للكاتب

منتجات الذكاء الاصطناعي للاطفال نقمة أم نعمة ؟

منتجات الذكاء الاصطناعي للاطفال نقمة أم نعمة ؟

منتجات الذكاء الاصطناعي للاطفال نقمة أم نعمة ؟ في ظل العصر الراهن، حيث الهواتف الذكية…

صورة الكاتب د. سیّد علي مفتخرزادة
22 ديسمبر 2025
اقرأ المزيد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


قراءة لقصيدة “أفق”  للشاعر عدنان الصائغ – من ديوان “تحت سماء غريبة”

بقلم: د. سیّد علي مفتخرزادة | التاريخ: 23 ديسمبر 2025

التصنيف: الأدب

قراءة  لقصيدة “أفق”  للشاعر عدنان الصائغ – من ديوان “تحت سماء غريبة”[1]

بين ما تعيشه الذات من غربة زمكانية وما يختلج في النفس من مشاعر هوجاء تعصف بكيان الشاعر في لحظات المخاض تحملنا زوارق الخيال بمجاذيف الايقاع والحركة في هذا النص البحري الذي تتلاطم فيه المعاني صعودا وهبوطا وقعاً وجرسا ليكون مرآة صادقة تعكس ما نحته الواقع على صحف الذات من حزن وألم وجراح وما تتطلع اليه الذات من أحلام ورؤى  تتلاشى أو كاد بصخور هذا البحر المائج . تبدأ النافذةُ الشعرية بانفتاحٍ هشٍّ:

تَفتَحُ البنتُ شُبّاكَها

أفتَحُ

سرقاطةَ الأفقِ

ترنو إليّ الفتاةُ

وأرنو إلى البحرِ

تُطلِقُ من صدرِها المشمشيِّ

الحَمَامَ

يُحلِّقُ بين الغروبِ.. وبيني

“تفتح البنتُ شباكها”، فينكسرُ حاجزُ الزجاجِ ليصيرَ فضاءً وجودياً  وكأنها تفتح شقّاً في جدار الزمن، وينكسر الأفقُ أمام الشاعر سرقاطةً يُطلِقُها نحو المجهول ولا يقفُ الشاعرُ عند عتبةِ المراقبة، بل يخترقُ الأفقَ نفسَه كأنما يحوّلُ الفضاءَ إلى سفينةٍ شراعيةٍ تشقُّ الضبابَ ويتبادل الطرفان _الشاعر والفتاة النظرات  فتتشظّى المسافاتُ وهنا تتشكّل جغرافيا الوجود عينان تبحثان عن مرآةٍ في الآخر، بينما تغرق الذات في بحر الغربة  وحتى الحمامةُ التي تُطلَقُ من الصدرِ “المشمشيِّ” (وهو لونُ الفجرِ المُخاتل)، لا تحملُ سلاماً، بل تتحولُ إلى حاجزٍ زمنيٍّ “يُحلّقُ بين الغروبِ.. وبيني” تلك النقطة بين الكلمتين “وبيني”– كشقٍّ في جدارِ الجملةِ – تبتلعُ الزمنَ فتصيرُ المسافةُ بين الذاتِ والغروبِ هوّةً سحيقةً  ويصبح هذا الحمامُ – الذي يُحلّق في الفراغ الممتدِّ يحمل مُفارقةً قاسية: سلامٌ يُعلَّق في فضاءٍ لا يحتمله، كرسالة عالقة في زمن الحرب والخراب. ثم يأتي الزفيرُ:

أُطلِقُ هذا الزفيرَ – بلاداً

تغيمُ هناك

وتعتمُ شيئاً فشيئاً

بذاكرةِ الخمرِ

لكنَّها في الصباح

تتقيّؤني:

صحفاً للشتاتِ

هذا الزفیر الذي  الذي يهزُّ كيانَ الصورة فيتحولُ خرائطَ، كأنما تختزن الرئتان وطنا ضائعا لكن البلادَ تغيم هناك كذاكرة الخمر هذه الذاكرة ليست أرشيفا، بل لهيب يحرقُ الصورَ ولذا، حين يطلّ الصباح، تلفظُ الذاتُ نفسَها كجيفةٍ فالصحفُ هنا تشبه نعوشا ورقية، والشوارع المحشورة في فمِ المدفعيِّ تتحول إلى رصاصات من كلمات حتى السّلالمُ  لا تؤدي إلى سطح، بل تبقى مترنحة  في فراغِ النقاطِ…..  وحين:

تغلقُ البنتُ

شُبّاكَها

غير أَنِّي سأتركُ روحيَ زرقاءَ..

مشرعةً

علَّ نجماً وحيداً

– بآخرةِ الليلِ –

يعلقُ بالنافذة

يتحول الإغلاق إلى طقسِ لتحرير وتحت قشرة الإغلاق الظاهريّ تظلُّ الروحُ الزرقاءُ مشرعةً كـ نافذة في جدار العدم فالروح الزرقاءُ التي تُترك مشرعةً ليست للهروب ، بل هي للتمرّدٌ على الواقعِ  وزرقتُها تتسربلُ بألوانِ البحر والسماء والكآبةِ، وهذا التناقض البنيويّ – بين النافذة المغلقَة والروح المفتوحة – هو جوهر الماسآة أن تُغلق أبوابَ وتشرعَ نوافذَ الروح على عواصف اللايقين. ولكن الذات تمخر عُباب هذا الغامض الهائج بشهقات الحنين وزفرات الغربة وذاك عبر ثنائيات تصويرية تنقشها النفس على زرقاء الصفحات وتلوكها الذات بكسر اللغة صرفيا ( تفتح/ أفتح/ أرنو/یرنو/ تغلق/ أترك) .النص يستدل الستار عن المشهد النفسي بانفتاح تهفو إلى الآخر (المأمول/المنشود…) ویختم رحلته النفسیة بمشهد مفتوح تبقی فیه الذات معلقة في فضاء الحلم مرفرفة في سماء غربتها_المکانیة، النفسیة_عل الحمام یاتیه بالخبر الیقین ویتنفس السلام داخلیا وخارجیا وتنقشع حلکة الواقع بنجمة الأمل مع أن النجمة لاتضمن الخلاص زمكانيا .

 

[1] وقد ترجمته الی اللغة الفارسیة وسینشر قریبا